الأمن المائي في سوريا ينتقل إلى التنفيذ: ثلاثة مشاريع استراتيجية من إدلب إلى دمشق بتمويل دولي بقيمة 150 مليون دولار

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
دخل مشروع الأمن المائي الطارئ وخدمات المياه المرنة في سوريا مرحلة التنفيذ الفعلي، في خطوة تنقل أحد أبرز برامج إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية من مرحلة التمويل والتقييم إلى مرحلة العمل الميداني.
وأعلن وزير الطاقة السوري محمد البشير في 7 أيلول/سبتمبر 2026 أن المشروع يجري تنفيذه ضمن الاتفاق مع مجموعة البنك الدولي، ويتركز حالياً حول ثلاثة مشاريع استراتيجية في إدلب وحمص وحماة ودمشق وريفها، تشمل إعادة تأهيل منظومات مياه الشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي، مع نطاق خدمة معلن يصل حسابياً إلى نحو 5.2 ملايين نسمة عبر المحاور الثلاثة.
ويمثل الانتقال إلى التنفيذ تطوراً مهماً لقطاع يعاني أضراراً تراكمية كبيرة، في وقت يقدّر فيه البنك الدولي أن أكثر من نصف البنية التحتية للمياه ونحو 70% من محطات معالجة مياه الصرف الصحي في سوريا أصبحت خارج الخدمة أو تعرضت لأضرار شديدة، فيما انخفضت إمدادات المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
ثلاثة محاور رئيسية من الشمال إلى دمشق
بحسب إعلان وزارة الطاقة، يتركز التنفيذ الحالي في ثلاث مناطق ذات كثافة سكانية وأهمية خدمية مرتفعة:
| المشروع | المنطقة | نطاق المستفيدين المعلن | أبرز الأعمال |
|---|
| منظومة عين الزرقا | إدلب | نحو 2 مليون نسمة | تأهيل محطات الضخ والخزانات وخطوط نقل المياه |
| مشروع أعالي العاصي | حمص وحماة | نحو مليون نسمة و65 قرية | إعادة تأهيل منظومة معالجة ونقل المياه |
| محطة عدرا لمعالجة مياه الصرف الصحي | دمشق وريف دمشق | نحو 2.2 مليون نسمة | استعادة القدرة التشغيلية ومعالجة مياه الصرف |
وتوضح وثائق البنك الدولي أن مشروع عين الزرقا يتضمن إعادة تأهيل سلسلة من محطات الضخ والخزانات والمنشآت القائمة، إضافة إلى أعمال صيانة موضعية على خطوط النقل الرئيسية.
أما مشروع أعالي العاصي فيشمل إعادة تأهيل محطة معالجة المياه بهدف تأمين المياه المعالجة لمدينتي حمص وحماة ونحو 65 تجمعاً ريفياً في المحافظتين.
محطة عدرا: استعادة قدرة معالجة تصل إلى 485 ألف متر مكعب يومياً
يبرز مشروع محطة عدرا بوصفه أحد أكبر مكونات البرنامج من حيث معالجة مياه الصرف الصحي في المنطقة المحيطة بالعاصمة.
وتحدد وثائق المشروع لدى البنك الدولي هدف إعادة المحطة إلى قدرة تشغيلية تصل إلى نحو 485 ألف متر مكعب يومياً، بما يتيح خدمة نحو 2.2 مليون نسمة.
وتتجاوز أهمية إعادة تأهيل المحطة البعد الخدمي المباشر، إذ ترتبط أيضاً بخفض التلوث البيئي الناتج عن مياه الصرف غير المعالجة، وتحسين الظروف الصحية والبيئية في دمشق وريفها، واستعادة جزء أساسي من البنية التحتية الحضرية اللازمة للنمو السكاني وعودة النشاط الاقتصادي والعمراني.
المشروع أكبر من المواقع الثلاثة المعلنة
ورغم أن إعلان وزير الطاقة ركز على المشاريع الثلاثة التي بدأت تدخل مسار التنفيذ، فإن البرنامج المعتمد لدى البنك الدولي أوسع من ذلك.
فالمشروع مصمم حول أربعة مكونات رئيسية:
- استعادة وحماية خدمات إمدادات المياه.
- إعادة تأهيل البنية التحتية للصرف الصحي.
- تعزيز إدارة الموارد المائية والقدرة على مواجهة المخاطر المناخية.
- الحوكمة والمراقبة وإدارة قطاع المياه.
كما يشمل توفير معدات وتجهيزات طارئة للمساعدة في استمرار خدمات المياه في إدلب وحمص وحماة ودمشق ومحافظات أخرى ذات أولوية، بما يعني أن أثر البرنامج لا يقتصر بالكامل على المنشآت الثلاث المعلنة.
161 سداً ضمن برنامج لتقييم السلامة
من أكثر مكونات المشروع أهمية على المدى المتوسط إطلاق برنامج وطني لسلامة السدود، يتضمن تقييماً لنحو 161 سداً ضمن المنظومة السورية، ودراسة الأضرار والمخاطر الناتجة عن سنوات الحرب وزلزال عام 2023، وتحديد الإجراءات الطارئة المطلوبة للمنشآت الأكثر حساسية.
ويشمل المشروع كذلك إنشاء مركز لمعلومات المياه والمناخ والتحكم لتطوير البيانات اللازمة لتشغيل البنية التحتية ومراقبة الموارد والتخطيط لمخاطر الجفاف والفيضانات والتغير المناخي.
كما تتضمن الوثائق دعماً لتطوير القدرات السورية في إدارة المياه العابرة للحدود، وهي مسألة ذات أهمية خاصة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على أنهار ومصادر مائية مشتركة مع دول الجوار.
محطة الشيخ سعيد في حلب ضمن التحضير للمرحلة اللاحقة
تكشف وثائق البنك الدولي أيضاً عن مكوّن تحضيري يتعلق بمحطة الشيخ سعيد لمعالجة مياه الصرف الصحي في حلب.
ولا يعني ذلك أن إعادة تأهيل المحطة دخلت ضمن المشاريع الثلاثة التي أعلن وزير الطاقة بدء تنفيذها حالياً، لكن المشروع يمول الدراسات والتقييمات والتحضيرات الخاصة بالمشتريات تمهيداً لإعادة تأهيلها مستقبلاً.
وتشير الوثائق إلى قدرة تصميمية تقارب 350 ألف متر مكعب يومياً ونطاق خدمة محتمل يصل إلى نحو مليوني نسمة عند إنجاز إعادة التأهيل مستقبلاً.
لماذا يعد المشروع مهماً للاقتصاد السوري؟
الأثر الاقتصادي لمشاريع المياه لا يقاس فقط بعدد المشتركين أو كمية المياه التي تصل إلى المنازل. فالمياه والصرف الصحي يمثلان جزءاً من البنية التحتية التي تعتمد عليها المدن والمنشآت الصناعية والتجارية والخدمات الصحية وقطاع الإسكان.
وتظهر بيانات البنك الدولي حجم الفجوة التي يحاول المشروع التعامل معها:
- تراجع إمدادات المياه في سوريا بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
- أكثر من 14 مليون شخص يفتقرون إلى وصول كافٍ إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة.
- تراجعت حصة الفرد المتاحة من المياه إلى أقل من 700 متر مكعب سنوياً، مقابل عتبة شح مائي متعارف عليها عند 1,000 متر مكعب.
- جفاف نحو 552 بئراً و27 نبعاً خلال السنوات الأخيرة.
- متوسط المياه غير المحققة للإيرادات أو المفقودة في الشبكات يقدّر بنحو 44% على مستوى البلاد، ويرتفع إلى نحو 55% في دمشق.
- انخفضت ساعات توفر المياه في دمشق، بحسب وثيقة المشروع، إلى نحو 6–8 ساعات يومياً مقارنة بخدمة كانت أكثر استمرارية قبل الحرب.
هذه المؤشرات تجعل الاستثمار في المياه جزءاً من ملف التعافي الاقتصادي نفسه، وليس ملفاً خدمياً منفصلاً.
منحة وليست قرضاً: تفصيل مالي مهم
أحد الجوانب المهمة في المشروع أن التمويل المعتمد من البنك الدولي هو منحة من المؤسسة الدولية للتنمية IDA وليس قرضاً تقليدياً.
ووافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في 23 نيسان/أبريل 2026 على منحة بقيمة 150 مليون دولار لمشروع الأمن المائي الطارئ وخدمات المياه المرنة، فيما خصصت منحة أخرى بقيمة 75 مليون دولار لتعافي النظام الصحي، ليصل إجمالي الحزمة المعلنة في ذلك التاريخ إلى 225 مليون دولار.
وهذه نقطة ذات دلالة اقتصادية، لأن تمويل إعادة تأهيل أصل أساسي كالمياه عبر منحة يتيح تنفيذ استثمارات رأسمالية كبيرة دون إضافة عبء دين مباشر بالقيمة نفسها على المالية العامة السورية.
ما الذي يعنيه التنفيذ لقطاع الأعمال؟
مع انتقال المشروع إلى التنفيذ، تبدأ الأهمية الاقتصادية في التحول من أثر خدمي متوقع إلى دورة مشتريات وتنفيذ فعلية.
وطبيعة الأعمال المدرجة في وثائق المشروع تشير إلى احتياجات تمتد عبر عدد واسع من الأنشطة، من بينها أعمال البنية التحتية المدنية، محطات الضخ، الخزانات، خطوط وأنابيب نقل المياه، المعدات الكهروميكانيكية، معالجة مياه الصرف الصحي، تجهيزات التشغيل الطارئ، أنظمة المراقبة والبيانات، الخدمات الهندسية والاستشارية، إدارة المشاريع، الدراسات البيئية والاجتماعية، والتدريب وبناء القدرات.
ولا يعني ذلك أن جميع هذه العقود مطروحة حالياً أمام الشركات، لكن انتقال المشروع إلى مرحلة التنفيذ يجعل خطة المشتريات وحزم العقود والإعلانات المرتبطة بالمشروع من أبرز الملفات التي تستحق المتابعة من المقاولين والموردين والشركات الهندسية والتقنية خلال المرحلة المقبلة.
المياه كجزء من إعادة الإعمار لا كمشروع خدمي منفصل
الأهمية الأوسع للمشروع تكمن في أنه يعكس تحولاً تدريجياً في أولويات التمويل الدولي الموجه إلى سوريا: من الاستجابة الطارئة وإبقاء الخدمات في حدودها الدنيا إلى إعادة بناء أصول بنية تحتية ذات عمر تشغيلي طويل.
وكان البنك الدولي قد وصف استعادة الخدمات العامة الأساسية، بما فيها المياه والطاقة والصحة، بأنها أحد مرتكزات مسار التعافي، خصوصاً مع الحاجة إلى تحسين الظروف اللازمة لعودة السكان واستعادة النشاط الاقتصادي.
وبذلك يصبح مشروع المياه جزءاً من شبكة مترابطة من الاستثمارات: الكهرباء ضرورية لتشغيل الضخ والمعالجة، والمياه ضرورية للسكن والصناعة والخدمات، والصرف الصحي ضروري للتوسع الحضري والصحة العامة، بينما تؤثر كفاءة هذه المنظومات مجتمعة في جاذبية المدن والمناطق أمام السكان والاستثمارات.
ماذا يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟
الاختبار الحقيقي للمشروع لن يكون الإعلان عن دخوله التنفيذ فقط، وإنما سرعة تحويل التمويل إلى أعمال منجزة ونتائج قابلة للقياس.
ومن أبرز المؤشرات التي تستحق المتابعة خلال الأشهر المقبلة: صدور حزم المشتريات والعقود، بدء الأعمال الفعلية في المواقع الثلاثة، نسب الإنجاز، القدرة التشغيلية المستعادة في محطة عدرا، تحسن استمرارية إمدادات المياه في المناطق المستهدفة، تطور معدلات الفاقد في الشبكات، نتائج برنامج تقييم السدود، وتشغيل أنظمة مراقبة المياه والمناخ.
كما سيكون مهماً قياس قدرة المشروع على الانتقال من إصلاح البنية المتضررة إلى تحسين طريقة تشغيل القطاع نفسه، خصوصاً أن مكون الحوكمة يتضمن تطوير مؤشرات أداء وتنظيم ومراقبة جودة خدمات المياه والصرف الصحي وبناء قدرات المؤسسات المسؤولة عن التشغيل.
ملاحظة تحريرية حول قيمة التمويل: 125 أم 150 مليون دولار؟
ورد في الخبر المنشور عبر وكالة «سانا» في 7 أيلول/سبتمبر أن البنك الدولي كان قد وافق في نيسان على تمويل بقيمة 125 مليون دولار. إلا أن المصادر الأصلية للبنك الدولي، بما فيها بيان الموافقة الرسمي ووثيقة المشروع وقاعدة البيانات المالية للمشاريع، تسجل قيمة مشروع الأمن المائي عند 150 مليون دولار بالكامل كمنحة من IDA.
لذلك تعتمد بوابة الأعمال السورية في هذه المادة 150 مليون دولار باعتباره الرقم المثبت في المصدر المالي الأصلي، مع الإشارة إلى رقم 125 مليون دولار الوارد في التغطية المحلية إلى حين صدور أي توضيح رسمي يفسر سبب الاختلاف.
الخلاصة
دخول مشروع الأمن المائي الطارئ وخدمات المياه المرنة مرحلة التنفيذ يمثل خطوة تتجاوز إعادة تشغيل عدد من محطات المياه.
فنطاق المشروع يجمع بين إعادة تأهيل منشآت حيوية تخدم مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة، واستعادة قدرة كبيرة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وتقييم سلامة السدود، وتطوير أنظمة البيانات والمراقبة، وتعزيز المؤسسات المسؤولة عن إدارة قطاع المياه.
وفي اقتصاد يحاول إعادة تشغيل مدنه وقطاعاته الإنتاجية واستعادة الخدمات الأساسية، تصبح المياه أحد الشروط الأساسية للتعافي الاقتصادي نفسه.
وإذا تمكن المشروع من الانتقال من التمويل إلى تنفيذ منضبط وسريع وقابل للقياس، فقد يشكل نموذجاً مهماً للمرحلة التالية من تمويل إعادة تأهيل البنية التحتية السورية بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية.