2.7 مليار دولار إيرادات و3.7 مليارات إنفاق: ماذا تكشف نتائج تنفيذ موازنة سوريا في النصف الأول من 2026؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
كشفت وزارة المالية السورية عن أول قراءة نصف سنوية لتنفيذ الموازنة العامة للدولة لعام 2026، معلنة تسجيل إيرادات عامة بنحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، ما أدى إلى عجز مالي يقارب مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
لكن أهمية الأرقام لا تتوقف عند حجم العجز. فالبيانات تكشف عن توسع كبير في حجم الإنفاق العام مقارنة بالعام الماضي، ونمو ملحوظ في الإيرادات، وبداية دخول إيرادات النفط والغاز إلى الخزينة العامة، بالتزامن مع توقع زيادة الإنفاق الاستثماري والمشاريع خلال النصف الثاني من العام.
وتضع هذه المؤشرات المالية العامة السورية أمام اختبار مزدوج خلال ما تبقى من 2026: قدرة الدولة على توسيع الإنفاق الضروري للخدمات والرواتب وإعادة التأهيل والاستثمار، وفي الوقت نفسه زيادة الإيرادات بما يسمح بالسيطرة على العجز والمحافظة على الانضباط المالي.
ماذا تقول أرقام النصف الأول من 2026؟
بحسب تقرير الأداء المالي الصادر عن وزارة المالية في 31 آب 2026، بلغت الإيرادات العامة خلال النصف الأول من العام نحو 2.7 مليار دولار، بينما وصل الإنفاق العام إلى نحو 3.7 مليارات دولار، ليسجل العجز المالي نحو مليار دولار.
وتمثل الإيرادات المحققة حتى نهاية النصف الأول نحو 31% من إجمالي الإيرادات السنوية المقدرة، فيما يمثل الإنفاق المنفذ نحو 35% من إجمالي النفقات المعتمدة لعام 2026.
وكانت “موازنة المواطن 2026” الصادرة عن وزارة المالية قد قدرت إجمالي إيرادات العام بنحو 8.716 مليارات دولار، والنفقات بنحو 10.516 مليارات دولار، بعجز مقدر يبلغ نحو 1.799 مليار دولار، أي ما يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع البالغ 33.7 مليار دولار.
وبذلك يبدو تنفيذ النفقات خلال النصف الأول أسرع نسبياً من تنفيذ الإيرادات، إلا أن هذه النسب لا تكفي منفردة للحكم على النتيجة النهائية للسنة، نظراً إلى اختلاف توقيت تحصيل الإيرادات وتنفيذ النفقات بين النصفين الأول والثاني.
الإيرادات ترتفع 111%.. لكن الاختبار الحقيقي في النصف الثاني
إحدى أبرز الإشارات الإيجابية في التقرير تتمثل في ارتفاع الإيرادات العامة بنحو 111% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ولا يعني ذلك فقط زيادة الأموال الداخلة إلى الخزينة، بل يشير إلى اتساع قدرة الدولة على تحصيل الموارد مقارنة بالعام السابق، في وقت تستهدف فيه موازنة 2026 إيرادات تفوق 8.7 مليارات دولار على مدار العام.
وتزداد أهمية النصف الثاني من العام لأن وزارة المالية أشارت إلى بدء توريد إيرادات النفط والغاز إلى الوزارة اعتباراً من أيار الماضي، ما يعني أن أثرها لم يظهر طوال الأشهر الستة الأولى كاملة.
كما تتوقع الوزارة أن يساهم تحسن التحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية، إلى جانب ارتفاع الإيرادات النفطية، في تعزيز موارد الخزينة خلال النصف الثاني.
وكانت الموازنة الأصلية لعام 2026 قد بنت هيكل الإيرادات المتوقع على مساهمة الضرائب والرسوم والجمارك بنحو 50%، وإيرادات النفط والغاز بنحو 28%، وإيرادات متنوعة أخرى بنحو 22%.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط المتابعة خلال الأشهر المقبلة: إلى أي مدى ستتمكن الإيرادات النفطية والتحصيل الضريبي والجمركي من تقليص الفجوة بين الإيرادات الفعلية ومستهدفات نهاية العام؟
لماذا ارتفع الإنفاق الحكومي 331%؟
في الجهة المقابلة، ارتفع الإنفاق العام خلال النصف الأول بنحو 331% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، وهي نسبة أكبر بكثير من معدل نمو الإيرادات.
ووفق وزارة المالية، يعود هذا الارتفاع بصورة رئيسية إلى زيادة الرواتب والأجور، والتوسع في الإنفاق على الأولويات الحكومية، إلى جانب ارتفاع تكلفة بعض السلع والخدمات والمدخلات نتيجة التطورات الإقليمية وزيادة أسعار الواردات.
وبالتالي، لا يمكن تفسير ارتفاع الإنفاق باعتباره توسعاً استثمارياً فقط، إذ يتوزع بين نفقات جارية مرتبطة بالرواتب وتشغيل أجهزة الدولة والخدمات، وبين إنفاق يرتبط بالأولويات والمشاريع.
كما تتوقع الوزارة ارتفاع وتيرة الإنفاق أكثر خلال النصف الثاني مع ظهور الأثر الكامل لزيادات الرواتب والأجور وتسارع تنفيذ المشاريع والإنفاق الاستثماري، ولا سيما في المناطق المتضررة.
وهذا يجعل النصف الثاني أكثر حساسية من الناحية المالية: الإيرادات مرشحة للارتفاع، لكن النفقات مرشحة للارتفاع كذلك.
مليار دولار عجز خلال ستة أشهر.. هل يمثل ذلك مؤشراً مقلقاً؟
وفق الأرقام المعلنة، وصلت الفجوة بين الإيرادات والنفقات إلى نحو مليار دولار خلال النصف الأول.
وبالمقارنة مع العجز السنوي المقدر في موازنة 2026 والبالغ نحو 1.799 مليار دولار، فإن العجز المسجل خلال الأشهر الستة الأولى يعادل، حسابياً وبصورة تقريبية، نحو 56% من العجز الذي كان مقدراً للعام بأكمله.
لكن هذه المقارنة يجب التعامل معها بحذر.
فالموازنة لا تُنفذ بالضرورة بمعدل ثابت شهرياً، كما أن بدء تحويل إيرادات النفط والغاز في أيار، وتوقع تحسن الإيرادات الضريبية والجمركية خلال النصف الثاني، قد يرفع وتيرة الإيرادات في الأشهر المقبلة.
وفي المقابل، أعلنت الوزارة أيضاً أنها تتوقع زيادة وتيرة الإنفاق، بما يعني أن تطور العجز سيعتمد في النهاية على سرعة نمو الإيرادات مقارنة بسرعة زيادة النفقات.
لذلك ستكون نتيجة الأشهر المقبلة أكثر أهمية من الرقم المسجل في منتصف السنة وحده.
انتقال كبير في حجم المالية العامة
تكتسب أرقام 2026 دلالة إضافية عند وضعها في سياق الأداء المالي لعام 2025.
فقد سجلت سوريا خلال عام 2025 بأكمله إيرادات بلغت نحو 3.493 مليارات دولار، مقابل نفقات بنحو 3.447 مليارات دولار، محققة فائضاً محدوداً بلغ نحو 46 مليون دولار.
أما في النصف الأول من 2026 وحده، فقد وصل الإنفاق إلى نحو 3.7 مليارات دولار، أي أنه تجاوز بالفعل مستوى الإنفاق المسجل خلال عام 2025 بأكمله.
ولا تعني المقارنة بالضرورة تراجعاً مالياً، بقدر ما تعكس تغيراً واضحاً في حجم الدور المالي للدولة خلال 2026، بالتزامن مع زيادة الأجور والخدمات والمشاريع واحتياجات إعادة التأهيل.
ويؤكد ذلك أيضاً حجم موازنة 2026 المعتمدة، التي رفعت النفقات المقدرة إلى أكثر من 10.5 مليارات دولار مقابل نحو 3.45 مليارات دولار أنفقت فعلياً خلال 2025.
ماذا يعني ارتفاع الإنفاق للاقتصاد السوري؟
من زاوية الاقتصاد والأعمال، يمكن أن يحمل ارتفاع الإنفاق الحكومي تأثيرات متعاكسة.
فزيادة الإنفاق على المشاريع والخدمات وإعادة التأهيل والبنية التحتية يمكن أن تخلق طلباً إضافياً على المنتجات والخدمات والمقاولات والتوريدات، وتدعم النشاط الاقتصادي وفرص العمل وتفتح مساحات أوسع أمام القطاع الخاص.
كما أن زيادة الأجور قد تنعكس جزئياً على الطلب والاستهلاك المحلي.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على نوعية الإنفاق ومصادر تمويله. فكلما ارتفعت نسبة الإنفاق الاستثماري المنتج، وتحسنت الإيرادات الحقيقية والمستدامة، أصبحت آثار التوسع المالي أكثر إيجابية على المدى المتوسط.
أما إذا نما الإنفاق بصورة أسرع بكثير من الموارد المستدامة لفترة طويلة، فقد تتحول إدارة العجز والسيولة إلى تحد أكبر أمام السياسة المالية.
ولهذا فإن حجم الإنفاق وحده لا يكفي للحكم على الأداء، بل يجب مراقبة تركيبة الإنفاق، ونسبة المشاريع الاستثمارية، ومصادر الإيرادات، وطريقة تمويل العجز.
النفط والغاز يعودان إلى قلب المالية العامة
من أهم التفاصيل الواردة في تقرير النصف الأول بدء تحويل إيرادات النفط والغاز إلى وزارة المالية منذ أيار.
وتبدو هذه النقطة مهمة بصورة خاصة لأن موازنة 2026 تتوقع أن يأتي نحو 28% من إجمالي الإيرادات السنوية من قطاع النفط والغاز.
إذا اقتربت هذه الإيرادات من مستهدفاتها خلال النصف الثاني، فإنها يمكن أن تغير بصورة ملموسة هيكل موارد الخزينة، وتخفف جزءاً من الاعتماد على الضرائب والرسوم والجمارك، وتدعم تمويل الإنفاق الحكومي.
لكن ذلك يجعل أداء قطاع الطاقة والإنتاج الفعلي وأسعار الطاقة وآلية توريد الإيرادات إلى الخزينة من المتغيرات الأساسية التي يجب مراقبتها عند تقييم تنفيذ الموازنة حتى نهاية العام.
الإفصاح الدوري نفسه مؤشر يستحق التوقف عنده
لا تقتصر أهمية التقرير على الأرقام.
فوزارة المالية أوضحت أن تقرير النصف الأول يمثل الإصدار الثالث ضمن مسار إفصاح مالي بدأ بنشر نتائج الأداء المالي لعام 2025، ثم “موازنة المواطن 2026″، وصولاً إلى نشر نتائج التنفيذ الفعلي بصورة دورية.
ويشكل الانتقال من الإعلان عن أرقام الموازنة المخططة فقط إلى نشر بيانات تنفيذها الفعلي تطوراً مهماً في إدارة المالية العامة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين والمؤسسات التي تحتاج إلى مؤشرات أكثر وضوحاً عن حجم الإنفاق الحكومي واتجاهات الإيرادات والعجز والسياسة المالية.
استمرار هذا النهج، مع زيادة مستوى التفصيل في التقارير المقبلة، يمكن أن يساعد تدريجياً في بناء قدرة أكبر على قراءة الوضع المالي للدولة ومقارنة الخطط بالنتائج الفعلية.
ما الذي لا نعرفه بعد؟
رغم أهمية التقرير، تبقى عدة أسئلة ضرورية لفهم الصورة المالية بصورة أكثر اكتمالاً.
أبرزها كيفية توزيع الإنفاق الفعلي بين الإنفاق الجاري والاستثماري، وحجم مساهمة كل مصدر في الإيرادات المحققة، وقيمة الإيرادات النفطية التي دخلت الخزينة منذ أيار، إضافة إلى كيفية تمويل العجز المسجل حتى الآن.
وتكتسب آلية تمويل العجز أهمية خاصة؛ لأن الأثر الاقتصادي للعجز يختلف باختلاف مصدر التمويل، سواء كان من موارد مالية متاحة أو اقتراض أو أدوات تمويل أخرى.
ولا تتضمن المعلومات المنشورة حتى الآن تفاصيل كافية تسمح بحسم هذه النقطة، ولذلك يجب أن تبقى موضع متابعة بدلاً من افتراض آلية غير معلنة.
خمسة مؤشرات يجب مراقبتها حتى نهاية 2026
الاختبار الحقيقي للموازنة سيظهر خلال الأشهر المتبقية من العام، وبصورة خاصة من خلال خمسة مؤشرات: سرعة نمو الإيرادات النفطية، أداء التحصيل الضريبي والجمركي، حجم الإنفاق الاستثماري الفعلي، تطور العجز وآلية تمويله، ونسبة تنفيذ الإيرادات والنفقات مقارنة بالمستهدفات السنوية.
وتزداد أهمية هذه المتابعة مع بدء وزارة المالية بالفعل إعداد مشروع موازنة 2027، بما يجعل نتائج تنفيذ موازنة 2026 أساساً مهماً في تحديد قدرة الدولة على بناء تقديرات أكثر دقة للسنة التالية.
من مرحلة تقدير الموازنة إلى اختبار التنفيذ
تكشف نتائج الأشهر الستة الأولى أن المالية العامة السورية دخلت خلال 2026 مرحلة توسع واضحة في حجم الإيرادات والإنفاق معاً.
ارتفاع الإيرادات بنسبة 111% يمثل تطوراً مهماً في قدرة الخزينة على تعبئة الموارد، في حين يعكس نمو الإنفاق بنسبة 331% حجم التحول في الأجور والأولويات الحكومية ومتطلبات إعادة التأهيل والخدمات والمشاريع.
أما العجز البالغ نحو مليار دولار فلا يمكن قراءته بمعزل عن هذه المتغيرات أو الحكم على مسار السنة من خلاله وحده.
المرحلة الأهم تبدأ في النصف الثاني: هل تستطيع الإيرادات، وخصوصاً إيرادات النفط والغاز والضرائب والجمارك، تسريع نموها بما يواكب الزيادة المنتظرة في الإنفاق؟ وما الحجم الفعلي للإنفاق الاستثماري الذي سينتقل من الموازنة إلى مشاريع ونشاط اقتصادي على الأرض؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد في نهاية 2026 ما إذا كانت الموازنة قد نجحت في تحقيق التوازن بين توسيع دور الدولة في التعافي وإعادة البناء وبين المحافظة على استدامة المالية العامة والانضباط المالي.