غلوري وتميم تطلقان شراكة سورية – قطرية متعددة القطاعات: من منصة الاستثمار إلى اختبار التنفيذ

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
في خطوة جديدة ضمن الحراك الاستثماري المتسارع في سوريا، أُطلقت مساء الأحد 6 سبتمبر/أيلول 2026 في فندق إيبلا الشام بريف دمشق شراكة سورية–قطرية تجمع مجموعة غلوري القابضة ومجموعة تميم القابضة القطرية، برعاية هيئة الاستثمار السورية، وبحضور مسؤولين ورجال أعمال ومستثمرين من البلدين.
الشراكة تطرح نطاقاً واسعاً من القطاعات المستهدفة، يبدأ بالسياحة والضيافة والتطوير العقاري ويمتد إلى الطاقة والبنية التحتية والتنمية المستدامة، مع إشارات إضافية إلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا ومشروعات الشباب وريادة الأعمال.
لكن أهمية الحدث في هذه المرحلة لا تكمن في قيمة استثمارية معلنة؛ لأنه لم تُعلن رسمياً حتى الآن قيمة مالية إجمالية للشراكة، ولا قائمة نهائية بالعقود التنفيذية، ولا جدول زمني متكامل للمشروعات. أهميته الحقيقية تكمن في إنشاء قناة استثمار مؤسسية جديدة تجمع رأس المال والخبرة القطرية مع حضور وشبكة أعمال سورية، في وقت تتنافس فيه عدة قطاعات سورية على استقطاب التمويل والخبرات والتشغيل.
ملخص تنفيذي
الإعلان الرسمي يضع الشراكة في مرحلة الانتقال من بناء العلاقات إلى تطوير مشروعات قابلة للتنفيذ، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى الإعلان عن «حزمة استثمارات» مكتملة بالأرقام والعقود والمواعيد.
هيئة الاستثمار السورية حددت بدورها معياراً واضحاً للحكم على نجاح المرحلة المقبلة: عدد المشاريع التي تبدأ فعلياً على أرض الواقع، وليس عدد الإعلانات أو مذكرات التفاهم. وقال مدير عام الهيئة أحمد رواد رمضان إن الهيئة تعمل على توفير مسار للمستثمر يبدأ من الفكرة وينتهي بالتنفيذ، داعياً المستثمرين القطريين إلى بناء شراكات طويلة الأجل.
بالنسبة إلى المستثمرين والشركات السورية، فإن المؤشر الأكثر أهمية في الإعلان هو الحديث الصريح عن إشراك الشركات والموردين المحليين والاستفادة من الخبرات والكفاءات السورية. وإذا انتقل هذا التوجه إلى المشتريات والمقاولات والتشغيل الفعلي، فقد يتجاوز أثر الشراكة أصحاب المشاريع المباشرين ليصل إلى شبكة أوسع من المقاولين والموردين وشركات الخدمات والكوادر المهنية.
ماذا أُعلن رسمياً؟
وفق البيان الذي نُشر عقب حفل الإطلاق، ستتركز الشراكة خلال المرحلة المقبلة في السياحة والضيافة والخدمات المتصلة بهما، والطاقة والبنية التحتية الداعمة للاستثمار، والتطوير العقاري والمشاريع العمرانية، والتنمية المستدامة والمشاريع ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى مبادرات تفتح فرصاً للشباب ورواد الأعمال.
رئيس مجموعة تميم القابضة الشيخ نايف بن عيد آل ثاني وسّع دائرة القطاعات التي يرى فيها فرصاً داخل السوق السورية، مشيراً إلى العقارات والصناعة والزراعة والطاقة والتكنولوجيا، وأكد أن أحد أهداف الشراكة هو إشراك الشركات والموردين المحليين وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
أما رئيسة مجلس إدارة مجموعة غلوري القابضة مجد شربجي، فوصفت الشراكة بأنها جسر اقتصادي واستثماري بين سوريا وقطر، وتحدثت عن استثمارات منتجة ومستدامة تقوم على أسس مهنية وشفافة.
هذه التصريحات تمنح الشراكة نطاقاً واسعاً، لكنها لا تعني أن كل القطاعات المذكورة ستدخل التنفيذ بالتوازي أو بالحجم نفسه.
السياحة والضيافة تبدوان نقطة الانطلاق الأقرب
عند الجمع بين ما أُعلن في الحفل وبين طبيعة خبرة الجانب القطري، تظهر السياحة والضيافة بوصفهما المرشح الأقرب للتحول من الإعلان إلى النشاط التنفيذي.
في تصريحات نُشرت بعد الحفل، تحدث الشيخ نايف بن عيد آل ثاني عن أولوية السياحة والفنادق، وعن توجهات لإقامة أو تشغيل مشاريع فندقية في عدد من المدن السورية. كما تحدثت تغطية أخرى عن وجود أعمال تحضيرية لمشاريع فندقية وعقارية، وعن عقود تشغيل فنادق دون نشر كامل الوثائق أو القيم أو التفاصيل التعاقدية المرتبطة بها.
وتشير إحدى المقابلات إلى العمل على فندق الشهباء في حلب ومشروعات في دمشق والساحل ومشروعات للنقل السياحي والصحة والإسكان. لكن هذه المعلومات ما زالت في مستوى تصريحات الإدارة للش媒体 الإعلامية، ولم تُنشر حتى الآن قائمة رسمية موحدة تتضمن اسم كل مشروع ومالكه ونوع العقد وقيمته وتاريخ التنفيذ والتمويل. كما أن التغطيات نفسها تختلف في بعض التفاصيل المتعلقة بالمواقع الساحلية، وهو سبب إضافي لانتظار الإفصاح الرسمي التفصيلي.
ولهذا فإن الوصف الأدق حالياً هو وجود محفظة مشروعات قيد التطوير والتحضير، وليس محفظة استثمارات منفذة بالكامل.
لماذا السياحة تحديداً؟
السبب لا يرتبط فقط بحجم الطلب المحتمل داخل سوريا، بل أيضاً بخبرة المجموعة القطرية في هذا القطاع.
يظهر الموقع الرسمي لشركة Tamim Real Estate أن نشاطها يعود إلى عام 2009 ويشمل العقارات والمقاولات والإنشاءات وصيانة الطرق والاستثمارات الفندقية والصناعية. وتذكر الشركة أكثر من 100 مشروع مكتمل، وأكثر من 20 مشروعاً جارياً، إضافة إلى مشروعات أخرى في خط التطوير، وفق بياناتها المنشورة على موقعها.
كما يضع الموقع شركة رتاج للفنادق والضيافة ضمن منظومة الشركات والأنشطة المرتبطة بالمجموعة. ورتاج ليست علامة فندقية ناشئة؛ إذ تأسست في الدوحة عام 2010، وتقول في موقعها الرسمي إن محفظتها في 2026 وصلت إلى 39 فندقاً ونحو 8,088 غرفة في عشر دول، مع خطة للوصول إلى 50 فندقاً و12,500 غرفة في 15 دولة بحلول 2030.
وتشمل محفظة رتاج الحالية أسماء مثل Retaj Salwa Resort & Spa وRetaj Al Rayyan Doha وWest Walk Retaj Hotel، إلى جانب توسعات ومشروعات معلنة في السعودية ومصر وعُمان والأردن وتركيا ودول أخرى.
هذه الخبرة تجعل دخول المجموعة إلى قطاع الفنادق السوري أكثر قابلية للفهم من الناحية التشغيلية: فالقيمة المحتملة لا تقتصر على تمويل المبنى، بل يمكن أن تمتد إلى الإدارة الفندقية، والعلامة التجارية، والتسويق الخارجي، والتدريب، وأنظمة التشغيل والحجوزات والجودة.
من هي مجموعة تميم؟
بحسب المعلومات المنشورة على موقع Tamim Real Estate، بدأت الشركة أعمالها في قطر عام 2009 في مجالات المقاولات والإنشاء وصيانة الطرق، ثم توسعت إلى العقارات والضيافة والصناعة والخدمات المتكاملة. وتعرض محفظة تشمل مباني ومجمعات سكنية ومنشآت تجارية وصناعية ومشاريع لجهات عامة وخاصة.
وتظهر ضمن سجل المشاريع المنشور مبانٍ سكنية وتجارية ومجمعات فلل ومشروعات إنشائية مختلفة، إضافة إلى نشاط صناعي شمل مصنعاً لإنتاج زيت دوار الشمس وزيت الذرة افتتح عام 2012، ومصنعاً لإنتاج العبوات البلاستيكية من البولي إيثيلين افتتح عام 2018. كما تظهر شركة Vega Solutions لتنظيم المعارض والمؤتمرات، التي تأسست عام 2013 كجزء من أنشطة مجموعة تميم للتجارة والمقاولات.
ويرأس الشيخ نايف بن عيد آل ثاني كذلك مجلس إدارة مجموعة شركات رتاج، وهو ما يمنح الشراكة السورية منفذاً إلى خبرة فعلية في التطوير العقاري وإدارة الفنادق والضيافة. وكانت رتاج خلال 2026 قد أعلنت توسعات جديدة في السعودية والأردن وعُمان ومصر، بما يعكس توجهاً إقليمياً متصاعداً للتوسع خارج قطر.
ومن هي غلوري القابضة؟
على الجانب السوري تأتي مجموعة غلوري القابضة كمجموعة استثمارية متعددة القطاعات تقودها مجد شربجي.
وفق بيانات المجموعة نفسها، تدير غلوري 24 مشروعاً تجارياً نشطاً موزعة على ست دول هي سوريا وتركيا وقطر والسعودية وبوركينا فاسو وكندا، ويعمل ضمن عملياتها أكثر من 270 موظفاً ومستشاراً. وتشمل قطاعاتها الضيافة والتعليم والعقارات والسياحة والتجارة والصناعة والإنتاج الإعلامي.
وتضم المحفظة أسماء وشركات تعمل في قطاعات متعددة، منها توب كابي للمقاولات والتطوير العقاري، وكاردينال العقارية، والتيسير العقارية، وتوين للتجارة والمقاولات، ومدارس ليفانت، إلى جانب مشاريع فندقية وسياحية وصناعية وتجارية.
في سوريا، يذكر الموقع الرسمي للمجموعة أن شركة توب كابي تتخذ من دمشق مقراً لها وتعمل في المقاولات والتطوير، ويضع ضمن سجلها مشروعاً في ماروتا سيتي ومباني تابعة لغلوري في ريف دمشق.
كما افتتحت المجموعة فرعاً لمدرسة ليفانت الدولية في جديدة عرطوز بريف دمشق، بطاقة استيعابية تصل بحسب بياناتها إلى ألف طالب، فيما يذكر الموقع أيضاً نشاطاً في قطاع الضيافة في دمشق عبر فندقي تاليسمان وThe Art House.
وخارج سوريا، تتحدث المجموعة عن نشاط في التعليم والضيافة والمطاعم والسياحة والصناعة، بما في ذلك مصنع معكرونة في بوركينا فاسو وأعمال مرتبطة بالذهب ومشروعات تجارية وسياحية في أسواق متعددة. وهذه الأرقام والتوصيفات مأخوذة من البيانات التعريفية للمجموعة نفسها، ولذلك تُقرأ بوصفها معلومات شركات وليست بيانات مالية مدققة منشورة للعامة.
أين يمكن أن يحدث التكامل بين غلوري وتميم؟
التركيبة المعلنة تحمل قدراً من التكامل الوظيفي.
غلوري تمتلك حضوراً وشبكات أعمال ومعرفة تشغيلية بالسوق السورية، إلى جانب أنشطة قائمة في العقار والتعليم والضيافة. وفي المقابل تأتي تميم بخبرة أوسع في الإنشاء والعقارات وإدارة الضيافة والفنادق، مع شبكة إقليمية يمكن استخدامها في التشغيل والتسويق وجذب شركاء إضافيين.
لهذا قد تكون القيمة الأهم للشراكة ليست مجرد جمع رأس مال سوري وقطري، وإنما إنشاء منصة تستطيع تطوير المشروع محلياً، وربطه بخبرة تشغيلية خارجية، ثم استقطاب ممولين أو مشغلين أو مقاولين أو شركاء آخرين بحسب طبيعة المشروع.
وفي السوق السورية الحالية، قد يكون هذا النموذج أكثر مرونة من اعتماد مستثمر منفرد يحاول تنفيذ كامل سلسلة المشروع بنفسه.
الطاقة والبنية التحتية: الفرصة الأكبر والأكثر تعقيداً
إدراج الطاقة والبنية التحتية ضمن قطاعات الشراكة مهم، لكن هذه المشروعات تختلف جذرياً عن الفنادق والمشاريع العقارية من حيث التمويل والموافقات والدراسات الفنية وفترة التنفيذ.
ولهذا من المبكر اعتبار ذكر الطاقة إعلاناً عن مشروع طاقة محدد.
مع ذلك، يأتي الاهتمام ضمن سياق أوسع للحضور القطري في قطاع الطاقة السوري. ففي 12 مايو/أيار 2026، وقعت قطر للطاقة مع TotalEnergies وConocoPhillips والشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم لتقييم البلوك البحري رقم 3 قبالة الساحل السوري، وإجراء مراجعة فنية تمهد لمناقشات فنية وتجارية لاحقة.
ولا توجد علاقة معلنة تجعل مشروع الاستكشاف البحري جزءاً من شراكة غلوري–تميم، لكن الحدث يوضح أن رأس المال والشركات القطرية تنظر إلى السوق السورية عبر أكثر من مسار، من الطاقة الكبرى إلى العقار والسياحة والقطاع الخاص.
وفي 26 مايو/أيار أيضاً، بحثت هيئة الاستثمار السورية في الدوحة مع رابطة رجال الأعمال القطريين فتح مسارات لشراكات استثمارية في قطاعات مختلفة.
وبذلك يمكن قراءة إطلاق الشراكة الجديدة باعتباره جزءاً من انتقال العلاقات الاقتصادية السورية–القطرية من التواصل الحكومي العام إلى إنشاء قنوات استثمار أكثر تخصصاً.
الصناعة والزراعة والتكنولوجيا: قطاعات مذكورة ولكنها تحتاج تعريفاً أدق
حديث رئيس تميم عن الصناعة والزراعة والطاقة والتكنولوجيا يوسع الخريطة الاستثمارية، لكن لا تتوافر حتى الآن مشروعات معلنة بالتفصيل في كل واحد من هذه القطاعات.
هذا التفريق مهم.
فوجود قطاع ضمن استراتيجية المجموعة لا يعني بالضرورة وجود مشروع جاهز للاستثمار فيه. المشروع يصبح قابلاً للتقييم فقط عندما تتضح الأرض أو الأصل، ونموذج الإيرادات، ورأس المال المطلوب، والشريك المحلي، والجهة التنظيمية، ومصدر التمويل، والمواعيد.
وفي الزراعة مثلاً، قد تتراوح الفرص بين الإنتاج الزراعي المباشر والتصنيع الغذائي وسلاسل التبريد واللوجستيات. أما التكنولوجيا فقد تشمل الحلول الرقمية أو البنية التحتية أو التطبيقات المرتبطة بالمشروعات الأخرى. لذلك يحتاج السوق إلى انتظار الإفصاحات التالية قبل تحديد وزن هذه القطاعات داخل المحفظة.
ماذا يعني إشراك الموردين والشركات السورية؟
ربما تكون هذه إحدى أهم النقاط التي وردت في خطاب الشراكة.
إذا تُرجم الالتزام بإشراك الموردين المحليين إلى سياسة مشتريات فعلية، فإن القيمة الاقتصادية للمشروعات لن تقتصر على العمالة المباشرة.
مشروع فندقي كبير، على سبيل المثال، يحتاج إلى مقاولين، وأعمال كهرباء وميكانيك، وتجهيز داخلي، وأثاث، وأنظمة تقنية، وأغذية ومشروبات، ونقل، وأمن، وصيانة، وتسويق، وتدريب، وخدمات مالية وقانونية.
وينطبق الأمر بدرجة أكبر على المشاريع العقارية والبنى التحتية.
وبالتالي فإن قياس الأثر الحقيقي للشراكة مستقبلاً يجب ألا يقتصر على حجم الأموال المستثمرة، بل أن يشمل نسبة المشتريات المحلية، وعدد الشركات السورية التي تدخل سلاسل التوريد، ونسبة العمالة السورية، ونقل الخبرات والتقنيات، والقيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد المحلي.
مشاريع الشباب وريادة الأعمال: من العنوان إلى النموذج التنفيذي
تضمن بيان الشراكة أيضاً مشاريع ومبادرات تهدف إلى توفير فرص أوسع للشباب ورواد الأعمال.
وهذه نقطة إيجابية، لكنها ما زالت تحتاج إلى تعريف تنفيذي: هل المقصود صناديق تمويل؟ برامج احتضان وتسريع؟ مشتريات من الشركات الناشئة؟ تدريب وتأهيل؟ منح؟ شراكات مع جامعات؟ أم إدخال رواد الأعمال ضمن سلاسل توريد المشاريع الكبرى؟
القيمة الاقتصادية لهذا المحور ستتحدد عندما يُعلن نموذج واضح وآلية قبول وتمويل ومخرجات قابلة للقياس.
ملاحظة مهمة: ماذا عن «الشركة السورية القطرية القابضة» القديمة ورقم 5 مليارات دولار؟
هنا توجد نقطة تحتاج إلى دقة تحريرية شديدة.
اسم «الشركة السورية القطرية القابضة» ليس جديداً بالكامل. فقد أُنشئ في 2008 كيان سوري–قطري مشترك كانت المصادر المنشورة آنذاك تصفه بأنه مشروع حكومي مشترك بين سوريا وقطر، برأسمال مصرح به يبلغ 5 مليارات دولار، وكان يستهدف قطاعات الطاقة والعقارات والزراعة والصحة والأسمدة وغيرها.
وفي يونيو/حزيران 2025 أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق والدوحة اتفقتا على «إعادة تفعيل الشركة القطرية السورية القابضة» لتكون منصة استثمارية حقيقية.
لكن إطلاق سبتمبر/أيلول 2026 يُقدَّم في التغطيات الحالية على أنه شراكة تجمع مجموعة غلوري القابضة ومجموعة تميم القابضة القطرية. ولا تتوافر حتى وقت إعداد هذه المادة وثائق تأسيس أو بيانات رسمية منشورة توضح بصورة قاطعة ما إذا كان الكيان الحالي إعادة هيكلة قانونية للشركة التاريخية نفسها، أم كياناً جديداً يستخدم تسمية مشابهة أو ذاتها، وما هي نسب المساهمين فيه.
ولهذا لا يصح تحريرياً نسبة رأس المال التاريخي البالغ 5 مليارات دولار إلى شراكة غلوري–تميم الحالية.
والصياغة الأكثر دقة حتى صدور إفصاح قانوني هي: شراكة سورية–قطرية جديدة بين غلوري وتميم أُطلقت تحت رعاية هيئة الاستثمار السورية، دون قيمة استثمارية إجمالية معلنة حتى الآن.
لماذا رعاية هيئة الاستثمار مهمة؟
رعاية هيئة الاستثمار تمنح الحدث بعداً مؤسسياً وتفتح للشراكة قناة مباشرة للتعامل مع البيئة الاستثمارية والإجراءات والفرص المتاحة.
لكن الرعاية لا تعني أن كل المشاريع حصلت تلقائياً على التراخيص أو الإجازات الاستثمارية أو التمويل.
والمثير للاهتمام أن مدير الهيئة نفسه وضع معياراً واقعياً للنجاح حين ربطه بعدد المشاريع التي تبدأ على الأرض.
هذا يعني أن المرحلة التالية يجب أن تنتقل من لغة الرؤية والقطاعات إلى لغة المشروع: الموقع، الترخيص، العقد، التمويل، المقاول، المشغل، الجدول الزمني، ونسبة الإنجاز.
أين تكمن القيمة الاقتصادية المحتملة؟
إذا تحولت الشراكة إلى مشاريع فعلية، فمن الممكن أن تظهر آثارها عبر عدة مستويات في الاقتصاد السوري.
في السياحة والضيافة، يمكن أن تسهم في إعادة تأهيل الطاقة الفندقية واستقطاب خبرة تشغيلية وتسويقية خارجية ورفع جاهزية المدن لاستقبال حركة رجال الأعمال والسياح.
في العقارات، يمكن أن تدخل نماذج تطوير وتشغيل وتمويل جديدة، خصوصاً إذا اتجهت إلى مشاريع سكنية أو متعددة الاستخدامات بدلاً من مشاريع عقارية عالية الكلفة فقط.
في البنية التحتية، قد تؤدي الشراكات إلى تحريك قطاعات المقاولات والهندسة والمعدات والخدمات الفنية.
وفي الصناعة والزراعة، يمكن أن يظهر الأثر بصورة أكبر إذا استهدفت المشروعات الإنتاج المحلي وإحلال الواردات والتصدير، بدلاً من النشاط التجاري وحده.
أما الأثر الأكثر استدامة فيعتمد على مقدار ما سيبقى داخل الاقتصاد السوري من أجور ومشتريات محلية وضرائب وخبرات واستثمارات معاد ضخها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد حفل الإطلاق
توجد اليوم ثلاثة مستويات من المعلومات حول الشراكة.
المستوى الأول مؤكد: تأسيس مسار تعاون بين غلوري وتميم برعاية هيئة الاستثمار، وتحديد مجموعة واسعة من القطاعات المستهدفة.
المستوى الثاني يتشكل عبر التصريحات اللاحقة: مشاريع فندقية وسياحية وعقارية وصحية وسكنية وملفات أخرى يجري العمل عليها أو تحضيرها، وبعض الإشارات إلى عقود تشغيل.
أما المستوى الثالث، وهو الأهم للمستثمر والسوق، فما زال ينتظر الإفصاح: أحجام الاستثمارات، أسماء الشركات ذات الغرض الخاص، نسب الملكية، العقود النهائية، التمويل، الأراضي والأصول، التراخيص، الجداول الزمنية، والمناقصات.
ولهذا لا ينبغي تقييم نجاح الشراكة من حفل الإطلاق نفسه، بل من حجم الانتقال خلال الأشهر المقبلة من «المشاريع المستقبلية» إلى مشاريع تحمل أرقاماً وتواريخ وعقوداً ومواقع ونسب إنجاز.
سبعة مؤشرات يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة
- نشر الهيكل القانوني والمساهمين في الكيان السوري–القطري وتوضيح علاقته بالشركة التاريخية التي تأسست عام 2008.
- الإعلان عن أول قائمة رسمية للمشروعات، مع تحديد المدينة والقطاع ونوع الاستثمار.
- الإفصاح عن قيم الاستثمار والتمويل ومصدر رأس المال لكل مشروع.
- صدور الإجازات والتراخيص وبدء المناقصات وأعمال الإنشاء أو إعادة التأهيل.
- تحديد دور كل طرف: مستثمر، مطور، مقاول، مشغل فندقي، مدير أصول، أم مزيج من هذه الأدوار.
- حجم مشاركة الشركات والموردين والكوادر السورية في العقود وسلاسل التوريد.
- وجود جدول زمني يمكن على أساسه قياس التنفيذ بدلاً من الاكتفاء بالإعلانات.
الخلاصة
إطلاق الشراكة بين غلوري وتميم يمثل خطوة تستحق المتابعة ضمن تطور العلاقات الاستثمارية السورية–القطرية، خصوصاً بسبب تنوع خبرات الطرفين ووجود قطاع السياحة والضيافة والعقار في مركز الاهتمام، وهي قطاعات يمكن أن تنتقل إلى التنفيذ بصورة أسرع نسبياً من مشاريع الطاقة والبنية التحتية الكبرى.
كما أن وجود هيئة الاستثمار السورية في موقع الراعي يعطي الشراكة قناة مؤسسية مهمة، بينما تضيف الخبرة الإقليمية لتميم ورتاج وشبكة غلوري داخل سوريا عناصر يمكن أن ترفع فرص تحويل بعض التصورات إلى مشاريع.
لكن المرحلة الحالية هي مرحلة منصة استثمار وتطوير مشاريع، وليست إعلاناً عن مليارات منفذة.
وبين إطلاق الشراكة وتحولها إلى أثر اقتصادي حقيقي توجد مجموعة من الخطوات الحاسمة: عقود واضحة، تمويل، تراخيص، مواقع، مقاولون وموردون، جداول زمنية، ثم تشغيل فعلي.
ولهذا تبدو العبارة التي أطلقها مدير هيئة الاستثمار خلال الحفل معياراً مناسباً للحكم على المسار كله: النجاح سيقاس بالمشروعات التي تبدأ على الأرض.
وهناك تحديداً ستبدأ القصة الاقتصادية الأهم للشراكة السورية–القطرية الجديدة.