معرض دمشق الدولي 63 في الميزان: ماذا حققت عشرة أيام من الأعمال والاستثمار؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
قراءة تحليلية ختامية للدورة 63 من معرض دمشق الدولي: 1.4 مليون زائر، نحو ألف جهة من 60 دولة، مخرجات اقتصادية تتجاوز 150 مليار ليرة سورية، واتفاقيات صناعية وزراعية وتجارية واستثمارية. ماذا تحقق وما الذي ينتظر التنفيذ؟
ملخص تنفيذي
اختتمت الدورة الثالثة والستون من معرض دمشق الدولي بعد عشرة أيام امتدت من 26 آب حتى 4 أيلول 2026، تاركة وراءها حصيلة تختلف في طبيعتها عن مجرد أعداد الزوار والأجنحة.
وفق الحصيلة الرسمية التي أعلنتها المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية، استقبل المعرض نحو 1.4 مليون زائر، وشارك فيه نحو ألف جهة محلية وعربية ودولية تمثل قرابة 60 دولة، فيما تجاوزت القيمة الإجمالية الأولية للعقود ومذكرات التفاهم وطلبات الإنتاج والتوريد والتفاهمات التجارية والاستثمارية 150 مليار ليرة سورية جديدة، وقدّرتها المؤسسة بما يزيد على مليار دولار.
لكن الرقم الأهم في الدورة 63 ربما لا يكون مالياً بحد ذاته.
فالتحول الأكثر وضوحاً تمثل في إعادة تصميم وظيفة المعرض: ثلاثة أيام أولى خُصصت حصرياً لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية، مع لقاءات B2B بين الشركات وB2G بين القطاع الخاص والجهات الحكومية، تلتها سبعة أيام للجمهور العام.
وخلال هذه الفترة انتقل جزء من النشاط من مجرد عرض المنتجات والتعريف بالشركات إلى توقيع مذكرات تفاهم وعقود، وتطوير مدن صناعية، وبحث استثمارات زراعية وصناعية، وإعادة تأهيل منشآت قائمة، وبناء قنوات تجارية جديدة.
ولهذا فإن السؤال الذي تختتم به بوابة الأعمال السورية تغطيتها للدورة 63 ليس: كم كان حجم المعرض؟
بل: إلى أي حد نجح معرض دمشق الدولي في التحول من حدث جماهيري وتجاري موسمي إلى منصة فعلية للأعمال والاستثمار؟
الدورة 63 بالأرقام
يمكن تلخيص الصورة الكمية الأساسية للدورة في المؤشرات التالية:
| المؤشر | حصيلة الدورة 63 |
|---|
| مدة المعرض | 10 أيام |
| الفترة | 26 آب – 4 أيلول 2026 |
| أيام رجال الأعمال والوفود الرسمية | 3 أيام |
| الجهات المشاركة | نحو 1,000 جهة |
| الدول الممثلة | قرابة 60 دولة |
| عدد الزوار | نحو 1.4 مليون زائر |
| المخرجات الاقتصادية الأولية | أكثر من 150 مليار ليرة سورية جديدة |
| التقدير الرسمي للمخرجات بالدولار | أكثر من مليار دولار |
| الشركات السعودية المشاركة | نحو 50 شركة |
| المشاركون ضمن الوفد التجاري التركي | نحو 200 مشارك |
| الشركات الألمانية | 13 شركة |
| فرص الاستثمار الصناعي المرتبطة بتوسعة باب الهوى | نحو 2,000 فرصة |
وتضم «المخرجات الاقتصادية» وفق تعريف المؤسسة المنظمة مجموعة واسعة من العقود ومذكرات التفاهم وطلبات الإنتاج والتوريد والتفاهمات التجارية والاستثمارية، وبالتالي لا ينبغي قراءة رقم 150 مليار ليرة باعتباره أموالاً استُثمرت فعلياً أو تدفقات نقدية دخلت الاقتصاد خلال أيام المعرض. إنه مؤشر على حجم الأعمال والتفاهمات التي نشأت في الدورة، بينما يبقى التنفيذ اللاحق هو المقياس الأكثر أهمية.
ملاحظة مهمة عند مقارنة الدورة 63 بالدورة السابقة
قبل افتتاح الدورة 63، كانت الأرقام الرسمية للدورة 62 تشير إلى أكثر من مليونين و261 ألف زائر، وإلى عقود واتفاقيات تجاوزت 935 مليار ليرة سورية بالعملة القديمة.
وهنا تظهر نقطة ضرورية عند المقارنة.
فمنذ بداية عام 2026 أطلقت سوريا الليرة الجديدة بعد حذف صفرين من العملة القديمة، وفق معيار 100 ليرة قديمة مقابل ليرة سورية جديدة واحدة. لذلك لا يصح وضع رقم 935 مليار ليرة للدورة السابقة مقابل 150 مليار ليرة للدورة الحالية دون توحيد أساس العملة أولاً.
أما المؤسسة السورية للمعارض فتقول في تقييمها الختامي إن مخرجات الدورة 62 قاربت 100 مليون دولار، وإن الدورة 63 سجلت نمواً يتجاوز عشرة أضعاف مقارنة بها.
وفي المقابل، انخفض العدد الإجمالي للزوار من الرقم المسجل في 2025 إلى نحو 1.4 مليون في 2026.
لكن هذا التراجع لا يقدم وحده حكماً على نجاح الدورة؛ إذ إن ثلاثة من أيام المعرض العشرة لم تكن مفتوحة للجمهور العام أصلاً، وإنما خُصصت بالكامل لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات في فلسفة الدورة: قيمة المعرض لم تعد تقاس فقط بعدد الزائرين، وإنما بجودة اللقاءات والصفقات والفرص التي ينتجها.
من معرض منتجات إلى معرض أعمال
عندما أعلنت الدورة 63، كان تخصيص الأيام الثلاثة الأولى لقطاع الأعمال أحد أكبر التغييرات في البرنامج.
وقد حددت إدارة المعرض منذ البداية معيار النجاح بصورة مختلفة: ليس عدد المشاركين والزوار فقط، وإنما «حجم الفرص والشراكات التي ستنشأ، والأسواق التي ستفتح أمام المنتج السوري، والمشروعات التي يمكن أن تتحول إلى إنتاج وفرص عمل ونمو اقتصادي».
وخلال أيام الأعمال، جمعت اللقاءات المباشرة الشركات والمستثمرين مع الوزارات والجهات المختصة، وتركزت اللقاءات على الاستثمار والتصدير والتراخيص والتعاون الصناعي والتجاري.
وبذلك يمكن اعتبار نموذج الأيام الثلاثة المخصصة للأعمال إحدى أهم نتائج الدورة من الناحية التنظيمية، بغض النظر عن قيمة العقود نفسها.
فإذا استمر هذا النموذج وتطور في الدورات المقبلة، يمكن أن يتحول المعرض إلى منصة سنوية لصفقات B2B وB2G، بينما تبقى الأيام الجماهيرية جزءاً مكملاً لوظيفة العرض والتسويق.
الصناعة كانت في قلب النتائج
إذا حاولنا قراءة خريطة الاتفاقيات التي خرج بها المعرض، نجد أن الصناعة والمدن الصناعية احتلت موقعاً مركزياً.
توسعة مدينة باب الهوى: نحو ألفي فرصة استثمار صناعي
وقعت إدارة مدينة باب الهوى الصناعية اتفاقية مع شركة iSRA التركية لتطوير وتوسعة المدينة الصناعية.
وبحسب الإعلان الرسمي، تستهدف التوسعة توفير نحو ألفي فرصة استثمار صناعي جديدة، في نموذج يعتمد على تطوير بيئة صناعية متكاملة قادرة على استقطاب منشآت إنتاجية جديدة وتعزيز الشراكات السورية–التركية.
أهمية المشروع لا تتوقف عند رقم الفرص؛ فتوسعة المدن الصناعية تعني عملياً توفير أراضٍ وخدمات وبنية تحتية مشتركة تخفض تكاليف الدخول أمام المستثمر الصناعي مقارنة بإنشاء مشروع منفرد خارج مناطق صناعية مجهزة.
الشيخ نجار: إعادة تأهيل البنية الصناعية لحلب
وفي الأيام الأخيرة من المعرض، وقعت وزارة الاقتصاد والصناعة ومحافظة حلب اتفاقية مع شركة «تكوين وإنماء للتطوير والاستثمار» لتطوير المدينة الصناعية في الشيخ نجار.
وتهدف الاتفاقية، بحسب الإعلان الرسمي، إلى تعزيز البنية التحتية والاستجابة للطلب المتزايد على الأراضي الصناعية المؤهلة للاستثمار.
ويحمل المشروع أهمية خاصة لأن الشيخ نجار ليست مشروعاً صناعياً جديداً من الصفر، وإنما واحدة من أهم القواعد الصناعية السورية، وبالتالي فإن رفع جاهزيتها قد يكون أسرع أثراً على الإنتاج من تأسيس مناطق جديدة بالكامل.
حسياء: صناعة الرخام من استخراج المادة إلى رفع القيمة المضافة
برز أيضاً مشروع المدينة الصناعية المتخصصة بالرخام والحجر الطبيعي في حسياء، الذي جرى توقيع مذكرة تفاهم بشأنه بين وزارة الاقتصاد والصناعة وشركة «بالميرا مار» الإسبانية.
ووفق التفاصيل الرسمية، تبدأ المدينة على مساحة 200 هكتار مع قابلية التوسع لاحقاً حتى 1,400 هكتار.
وفي الحصيلة النهائية الأوسع للمعرض، تحدثت المؤسسة السورية للمعارض عن حزمة مشاريع صناعية في حسياء بقيمة تقديرية قد تصل إلى 500 مليون دولار، وهي أوسع من مشروع الرخام وحده.
والدلالة هنا تتجاوز إقامة منشأة واحدة، لأن تطوير صناعة الحجر والرخام محلياً يتيح الانتقال من تصدير أو تسويق المادة الخام إلى عمليات التصنيع والتشطيب ورفع القيمة المضافة.
حديد حماة: نموذج آخر لإعادة تشغيل الأصول القائمة
ومن الاتفاقات الصناعية المهمة مذكرة التفاهم بين وزارة الاقتصاد والصناعة وشركة «إثراء القابضة» السعودية لإعادة تأهيل وتجديد وتشغيل الشركة العامة للمنتجات الحديدية والفولاذية في حماة وإدخال خطوط إنتاج جديدة.
هذا النموذج يستحق الانتباه لأنه يعكس مساراً مختلفاً عن بناء مشاريع جديدة: إعادة تشغيل الأصول الصناعية السورية المتوقفة أو منخفضة الكفاءة من خلال استثمارات وشراكات وتكنولوجيا جديدة.
وفي اقتصاد يحتاج إلى إعادة إعمار واسعة، تبقى صناعة الحديد واحدة من أكثر الصناعات ارتباطاً بالبناء والبنية التحتية والصناعات الهندسية وسلاسل التوريد.
الرقة: من عقد صناعي إلى حزمة تنموية أوسع
كانت الرقة واحدة من المحافظات التي ظهرت بقوة في الأيام الختامية للمعرض.
وقعت المحافظة وهيئة الاستثمار السورية عقداً مع مجموعة كيان التجارية القابضة وشركة MYB التركية لإنشاء منطقة صناعية حرفية تستهدف تنظيم النشاط الصناعي والحرفي وإقامة منطقة حديثة مخدمة لاستقبال المستثمرين.
ولم يتوقف الحضور الاستثماري للرقة عند هذا المشروع.
فقد شهد المعرض أيضاً توقيع ثلاثة عقود استراتيجية بين فرع هيئة الاستثمار في الرقة ومجموعتي «غلوري القابضة» و«كيان التجارية القابضة»، وتشمل:
- إعادة تأهيل واستثمار نادي الفروسية.
- إقامة منتجع جزيرة ورد السياحي.
- تنفيذ مشروع التخطيط الإقليمي لمحافظة الرقة.
وتقدم هذه الحزمة نموذجاً مختلفاً عن الصفقات القطاعية المنفردة، إذ تجمع التخطيط العمراني والسياحة والرياضة والاستثمار والبنية التنموية ضمن رؤية أوسع للمحافظة.
الزراعة السورية–السعودية: أحد أكثر الملفات نشاطاً
برز الحضور السعودي بوضوح خلال الدورة، مع مشاركة نحو 50 شركة تعمل في قطاعات مختلفة، بينها الزراعة والصناعة والصناعات الغذائية.
وفي الجانب الزراعي، شهد المعرض توقيع اتفاق مواءمة وتعاون بين وزارة الزراعة السورية ووزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية، إلى جانب مذكرات مع شركات سعودية في الاستثمار الزراعي والأعلاف والثروة الحيوانية والأسماك.
ومن بين المشاريع التي جرى الإعلان عنها استثمار أراضٍ زراعية في دير الزور وإنشاء معامل أعلاف في حماة، إضافة إلى مشروعات لمحاجر بيطرية ومسالخ ومختبرات وسلاسل أعلاف، وتعاون في قطاع الأسماك، إلى جانب مذكرة لدراسة تطوير صناعة الدواجن وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن الاستثمار الزراعي لا يقتصر على الإنتاج الأولي، بل يتجه نحو بناء سلاسل قيمة تشمل الأعلاف والتربية والتصنيع والخدمات البيطرية والتجهيز والتسويق.
وإذا تحولت هذه التفاهمات إلى مشاريع، فإن أثرها سيكون مزدوجاً: دعم الأمن الغذائي من جهة، وبناء صناعات زراعية قابلة للتجارة والتصدير من جهة أخرى.
العراق: من التجارة إلى بناء قنوات شراكة
شهد المعرض أيضاً توقيع مذكرة تفاهم بين اتحاد غرف التجارة السورية واتحاد غرف التجارة العراقية، بهدف تنشيط التبادل التجاري وتعزيز التواصل المباشر بين مجتمعَي الأعمال وتشجيع الاستثمارات والشراكات المشتركة.
وقد تبدو هذه المذكرة أقل حجماً من المشاريع الصناعية، لكنها تحمل قيمة استراتيجية.
فالعراق يمثل سوقاً طبيعية وقريبة للعديد من المنتجات السورية، كما أن تطوير العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى شراكات بين الشركات يمكن أن يفتح مسارات جديدة في الإنتاج المشترك والتوزيع والخدمات.
تركيا: حضور كثيف ورسالة صناعية واضحة
بلغ حجم الوفد التجاري التركي نحو 200 مشارك، بينهم ممثلون عن قطاع الأعمال ووزارة التجارة، مع اهتمام بقطاعات الإنتاج والطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
والأهم أن المشاركة التركية لم تبقَ في إطار الحضور فقط، بل ظهرت في اتفاق توسعة باب الهوى، وفي عقود مرتبطة بالمنطقة الصناعية في الرقة.
وهذا يشير إلى انتقال تدريجي في طبيعة العلاقة الاقتصادية من التجارة عبر الحدود إلى المشاركة في تطوير بنية إنتاجية داخل السوق السورية.
ألمانيا: عودة بعد أكثر من أربعة عقود
من أكثر المؤشرات الرمزية أهمية عودة جناح ألماني إلى معرض دمشق الدولي للمرة الأولى منذ أكثر من 40 عاماً.
وشارك 13 شركة ألمانية، مع اهتمام بقطاعات الطاقة والصحة والخدمات اللوجستية والاستشارات، فيما أوضح ممثلو المشاركة أن الشركات تستخدم المعرض لاستكشاف السوق السورية وبحث فرص الشراكات.
ولا تعني هذه المشاركة حتى الآن استثمارات ألمانية واسعة أو عقوداً كبرى، لكنها مهمة كمؤشر على عودة اهتمام شركات من اقتصاد أوروبي رئيسي باستكشاف السوق.
وهنا يصبح الفرق مهماً بين «الاستكشاف» و«الاستثمار»: الأول تحقق، أما الثاني فما زال يحتاج إلى بيئة أعمال وتمويل وتحويلات مالية وتشريعات واضحة قبل أن يصبح واسع النطاق.
«صناعة سورية»: المعرض كمنصة لإطلاق سياسات جديدة
لم تقتصر الدورة 63 على التعاقدات والشراكات.
فقد شهد المعرض أيضاً إطلاق منظومة «صناعة سورية» كبرنامج وطني لتنظيم واعتماد المنتجات السورية وربط المنتج بمنشأته وخط إنتاجه، مع التركيز على المنشأ الصناعي والمطابقة والجودة والمحتوى المحلي.
هذه المبادرة قد تكون ذات أثر طويل الأجل إذا تحولت إلى نظام اعتماد موثوق يساعد المنتجات السورية في السوق المحلية والأسواق الخارجية.
ففي بيئة تسعى إلى زيادة التصدير وجذب موزعين وشركاء دوليين، تصبح هوية المنتج، والمواصفات، وإثبات المنشأ والجودة عناصر تجارية وليست إدارية فقط.
المعرض لم يكن صفقات فقط: ملفات الاقتصاد نفسها دخلت قاعات النقاش
من الملامح التي تستحق التسجيل أن المعرض شهد سلسلة ندوات وحوارات لم تقتصر على تقديم الشركات.
شملت الموضوعات:
- الاستثمار في قطاع النقل وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP.
- الدفع الإلكتروني والتجارة الرقمية.
- دور المدن الصناعية.
- التمويل طويل الأجل.
- المواصفات والمقاييس وجودة المنتج.
- واقع قطاع الكهرباء.
- دراسات الجدوى الاقتصادية.
- التعليم واحتياجات سوق العمل.
- النمذجة الاقتصادية ونقل المعرفة.
وهذا الجانب مهم لأن إعادة بناء الاقتصاد لا تحتاج إلى الإعلان عن الفرص فقط، بل تحتاج إلى مناقشة آليات التمويل والجدوى والتنظيم والبنية التحتية والموارد البشرية.
منتدى دمشق الاقتصادي العالمي: هل يصبح الإرث الأهم للدورة؟
ربما يكون إطلاق «منتدى دمشق الاقتصادي العالمي» أكثر النتائج التي يمكن أن تمتد زمنياً بعد انتهاء المعرض.
الفكرة المعلنة هي ألا ينتهي النشاط الاقتصادي بانتهاء أيام معرض دمشق، بل تتحول اللقاءات إلى منصة تعمل على مدار العام وتجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والشركاء الدوليين لمناقشة المشاريع والعقود والفرص.
وتبدو الفكرة منطقية أمام أحد أكبر تحديات المعارض التجارية: كثير من اللقاءات والوعود تبدأ داخل المعرض ثم تتراجع بعد إغلاق الأجنحة.
لذلك فإن القيمة الحقيقية للمنتدى ستكون في قدرته على إنشاء آلية متابعة.
هل سيعرف المستثمر بعد ثلاثة أشهر أين وصل مشروعه؟
هل توجد قاعدة بيانات للتفاهمات الموقعة؟
هل سيجري نشر نسب التنفيذ؟
هل ستعالج العقبات التنظيمية والمالية التي تظهر بعد التوقيع؟
إذا استطاع المنتدى القيام بهذه الوظيفة، فقد يكون الأثر المؤسسي للدورة 63 أهم من بعض العقود نفسها.
150 مليار ليرة: كيف يجب أن نقرأ الرقم؟
من السهل استخدام رقم المخرجات الاقتصادية باعتباره عنوان النجاح الرئيسي.
لكن القراءة المهنية تحتاج إلى تفكيكه.
فالرقم يشمل، وفق المؤسسة، عقوداً ومذكرات تفاهم وطلبات إنتاج وتوريد وتفاهمات تجارية واستثمارية.
وهذه ليست جميعاً في المستوى نفسه من الالتزام.
العقد التنفيذي ليس مذكرة تفاهم.
ومذكرة التفاهم ليست استثماراً منفذاً.
وطلب التوريد لا يساوي مصنعاً دخل الإنتاج.
ولهذا يجب اعتبار 150 مليار ليرة «قيمة أولية لمسار الأعمال الناتج عن المعرض»، وليس قيمة استثمارات تم ضخها فعلياً.
وهذا التفريق سيكون أساسياً في أي تقييم لاحق للدورة.
ما الذي نجحت فيه الدورة 63؟
يمكن تسجيل خمس نقاط نجاح واضحة.
1. إعادة تعريف هوية المعرض
التخصيص الحقيقي لأيام الأعمال جعل المستثمر ورجل الأعمال جزءاً مركزياً من تصميم الحدث وليس مجرد زائر داخل معرض جماهيري.
2. توسيع الحضور الدولي
نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة، مع مشاركة سعودية وتركية قوية وعودة شركات ألمانية، أعطت المعرض وزناً في الدبلوماسية الاقتصادية واستكشاف السوق.
3. نقل فرص استثمارية إلى مرحلة التوقيع
باب الهوى وحسياء والشيخ نجار والرقة وحديد حماة والزراعة تمثل ملفات خرج بعضها من مستوى العرض إلى مذكرات واتفاقات وعقود.
4. توزيع الاستثمار جغرافياً
لم تتركز المشاريع في دمشق فقط؛ فقد ظهرت حلب وحماة وحمص والرقة ودير الزور ضمن المشاريع والتفاهمات، وهو مؤشر مهم إذا استمر في مرحلة التنفيذ.
5. إنشاء مسار متابعة محتمل
إطلاق منتدى دمشق الاقتصادي العالمي يمكن أن يوفر الإطار الذي كان ينقص المعارض عادة لمتابعة ما بعد التوقيع.
وما الذي لم يحسمه المعرض؟
في المقابل، لا تزال هناك خمسة أسئلة كبيرة.
أولاً: كم من مذكرات التفاهم سيتحول إلى عقود تنفيذية؟
وهو الاختبار الأول والأوضح.
ثانياً: كم من العقود سيدخل التنفيذ الفعلي؟
توقيع العقد لا يعني بالضرورة أن المشروع بدأ الإنشاء أو الإنتاج.
ثالثاً: كيف سيتم تمويل المشاريع؟
التمويل طويل الأجل، والتحويلات المصرفية، والامتثال، والضمانات، تبقى عناصر حاسمة لأي استثمار كبير.
رابعاً: هل تتحسن بيئة التنفيذ بنفس سرعة توقيع الاتفاقيات؟
سهولة التراخيص وتخصيص الأراضي والطاقة والخدمات والضرائب والجمارك وحماية المستثمر عوامل تحدد ما سيحدث بعد المعرض.
خامساً: هل تتحول المشاركة الدولية إلى وجود طويل الأجل؟
النجاح الحقيقي ليس في أن تزور شركة أجنبية دمشق لعشرة أيام، بل أن تؤسس علاقة تجارية أو مشروعاً أو مكتباً أو خط إنتاج أو قناة توريد تستمر بعد انتهاء الحدث.
خمسة مؤشرات يجب مراقبتها بعد ستة أشهر
إذا أردنا تقييم الدورة 63 بعيداً عن الانطباعات، فمن الأفضل العودة إلى هذه الملفات خلال الأشهر المقبلة وقياس:
- عدد مذكرات التفاهم التي تحولت إلى عقود نهائية.
- عدد المشاريع التي دخلت مرحلة التنفيذ على الأرض.
- حجم رأس المال الذي جرى ضخه فعلياً، لا المعلن فقط.
- المصانع والمنشآت وفرص العمل والإنتاج والصادرات الناتجة.
- عدد الشركات الأجنبية التي حافظت على نشاط أو شراكة مستمرة داخل سوريا بعد المعرض.
عندها فقط يمكن الانتقال من تقييم «نجاح المعرض» إلى قياس «أثر المعرض».
ماذا تقول الدورة 63 عن اتجاه الاقتصاد السوري؟
إذا جمعنا المشهد كاملاً، تظهر ثلاثة اتجاهات.
الأول هو أن السياسة الاقتصادية الحالية تحاول دفع القطاع الخاص والاستثمار والشراكات الخارجية إلى موقع أكثر مركزية في إعادة بناء النشاط الاقتصادي.
الثاني هو التركيز على الاقتصاد الحقيقي: الصناعة، الزراعة، المدن الصناعية، البنية التحتية، الخدمات اللوجستية، والطاقة، وليس فقط على التجارة والاستهلاك.
أما الثالث فهو محاولة إعادة ربط سوريا بالشبكات التجارية والاستثمارية الإقليمية والدولية، مع حضور سعودي وتركي وعراقي وأوروبي واضح خلال المعرض.
هذه الاتجاهات لا تضمن النجاح بذاتها، لكنها تحدد طبيعة المرحلة التي يدخلها الاقتصاد السوري.
الخلاصة: انتهى المعرض وبدأ اختبار النتائج
في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، كان السؤال قبل افتتاح الدورة 63: هل يستطيع معرض دمشق الدولي استعادة دوره بوصفه واجهة اقتصادية لسوريا الجديدة؟
وفي الحلقة الثانية، بعد أيام رجال الأعمال، أصبح السؤال: هل تحولت اللقاءات إلى شراكات واتفاقيات فعلية؟
أما بعد إغلاق أبواب الدورة الثالثة والستين، فقد تغير السؤال مرة أخرى.
المعرض نجح في جمع قرابة 60 دولة ونحو ألف جهة، واستقبل 1.4 مليون زائر، وولد مخرجات اقتصادية أولية تتجاوز 150 مليار ليرة سورية جديدة، وشهد عقوداً وتفاهمات في الصناعة والزراعة والمدن الصناعية والتجارة والسياحة والبنية التحتية. كما أسس لنموذج جديد من أيام الأعمال، وأطلق منتدى اقتصادياً يفترض أن يستمر بعد المعرض.
هذه نتائج مهمة.
لكنها ليست نهاية القصة.
فمن هذه اللحظة يصبح نجاح الدورة 63 مرتبطاً بما سيحدث في حسياء وباب الهوى والشيخ نجار والرقة وحماة ودير الزور، وبما إذا كانت الشركات التي جاءت للاستكشاف ستعود للاستثمار، وبما إذا كانت مذكرات التفاهم ستتحول إلى مصانع ومشاريع وإنتاج وصادرات وفرص عمل.
بهذا المعنى، ربما يكون أهم ما حققته الدورة الثالثة والستون أنها أعادت تعريف معيار نجاح معرض دمشق الدولي نفسه.
لم يعد السؤال فقط: كم دولة شاركت؟ وكم شخصاً زار المعرض؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية:
كم مشروعاً سيبقى قائماً بعد أن أُطفئت أضواء الأجنحة؟
وهذا هو الرقم الذي يستحق أن نعود إليه في بوابة الأعمال السورية خلال الأشهر المقبلة.