“صناعة سورية”: ما هي العلامة الوطنية الجديدة للمنتج السوري؟ شروط الاعتماد ونسبة الـ40% وآلية الحصول على الشعار

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
أطلقت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية برنامج «صناعة سورية» بوصفه منظومة وطنية لتوثيق المنتجات الصناعية السورية، وقياس المحتوى المحلي فيها، وربط المنتج بمنشأته وعملية تصنيعه، وصولاً إلى منحه علامة وهوية رقمية قابلة للتحقق.
لكن التطور الأهم الذي ظهر بعد إطلاق المنظومة يتعلق بمستقبل العلامة نفسها؛ إذ كشفت وزارة الاقتصاد والصناعة عن توجه بعيد المدى يقضي بحصر تصدير المنتجات السورية مستقبلاً بالمنتجات التي تحمل علامة «صناعة سورية»، بما يجعل البرنامج مرشحاً للانتقال تدريجياً من أداة اعتماد وتعريف بالمنتج إلى جزء مؤثر في منظومة التصدير السورية.
ولا يعني هذا أن العلامة أصبحت شرطاً إلزامياً للتصدير في الوقت الحالي؛ فما أعلنته الوزارة حتى الآن هو هدف مستقبلي ضمن الرؤية طويلة المدى للبرنامج، ولم يصدر حتى تاريخ إعداد هذه المادة قرار تنفيذي يجعل حمل العلامة شرطاً نافذاً لإتمام عمليات التصدير.
من برنامج لدعم الصناعة إلى هوية وطنية للمنتج السوري
صدر القرار رقم 136 الخاص بإطلاق برنامج «صناعة سورية» بتاريخ 18 آب 2026، وأعلنت عنه وزارة الاقتصاد والصناعة في 19 آب، بهدف استعادة الكفاءة الإنتاجية للمنشآت الصناعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتنمية الصادرات.
ووضع القرار ثلاثة شروط أساسية أمام المنشآت الراغبة بالاستفادة من مزايا البرنامج:
- أن تكون المنشأة مرخصة أصولاً أو في طور التسوية التشغيلية.
- أن يحقق المنتج محتوى محلياً أو قيمة مضافة لا تقل عن 40% من المنتج النهائي.
- الالتزام بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة المعتمدة.
كما نص البرنامج على تقييمه سنوياً بما يسمح بتعديل مسارات الدعم وفق المتغيرات الاقتصادية.
وفي إطار الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي، انتقل البرنامج إلى مرحلة أكثر وضوحاً من خلال إطلاق منظومة «صناعة سورية» والتعريف بآليات توثيق المنتجات واعتمادها، إلى جانب تقديم الهوية الوطنية الجديدة للمنتج السوري.
ليست مجرد عبارة «صنع في سورية»
القيمة الأساسية في البرنامج لا تكمن في وضع شعار جديد على العبوة، بل في محاولة ربط استخدام العلامة بمنظومة تحقق تتناول المنتج والمنشأة والمحتوى المحلي والجودة.
وتعرّف المنصة الرسمية «صناعة سورية» بأنها المبادرة الوطنية التي تشرف عليها وزارة الاقتصاد والصناعة لتوثيق المنتجات الصناعية، وقياس المحتوى المحلي فيها، ومنحها هوية رقمية موثوقة قابلة للتحقق، مع ربط المنتج السوري بالأسواق المحلية والدولية.
وبذلك، يفترض أن تعني علامة «صناعة سورية» شيئاً أوسع من مجرد تحديد بلد المنشأ؛ فهي تسعى إلى الإشارة إلى وجود منتج مرّ بمسار اعتماد وتقييم ضمن منظومة وطنية محددة.
ماذا تعني نسبة المحتوى المحلي البالغة 40%؟
يمثل المحتوى المحلي أحد المحاور الأساسية في البرنامج.
فالقرار 136 يشترط ألا تقل نسبة المحتوى المحلي أو القيمة المضافة عن 40% من المنتج النهائي للاستفادة من مزايا البرنامج.
وتكمن أهمية هذا المعيار في أن البرنامج لا يريد التعامل مع كل ما يجري تعبئته أو تجميعه داخل البلاد بوصفه متساوياً من حيث القيمة الصناعية، بل يسعى إلى قياس مقدار القيمة التي أُضيفت بالفعل داخل الاقتصاد السوري.
وهنا يمكن أن يصبح البرنامج أداة لتحفيز المصانع على توسيع سلاسل التوريد المحلية، وزيادة عمليات التصنيع داخل البلاد، وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة عندما تتوافر بدائل محلية.
ثلاثة مسارات لاحتساب وتطوير المحتوى المحلي
تعرض المنصة الرسمية ثلاثة مسارات للتعامل مع طبيعة الصناعة ومكوناتها.
المسار الأول: صناعة محلية المدخلات
عندما تكون المدخلات متوافرة محلياً، يُحتسب المحتوى المحلي على أساس القيمة المضافة المتحققة داخل سوريا، وتصف المنصة هذا المسار بأنه المسار الذي يحقق أعلى قيمة مضافة محلية.
المسار الثاني: مدخل استراتيجي مستورد غير متاح محلياً
إذا كان المنتج يحتاج إلى مدخل استراتيجي لا يتوافر داخل سوريا، وأثبتت المنشأة عدم توافره بمستندات رسمية، تسمح الآلية باستبعاد قيمة هذا المدخل من إجمالي قيمة المنتج عند احتساب المحتوى المحلي.
ويعالج هذا المسار مشكلة مهمة بالنسبة إلى الصناعات التي لا تستطيع محلياً تأمين بعض المواد الخام أو المدخلات التقنية الضرورية.
المسار الثالث: التأهيل ورفع المحتوى المحلي
وهو مخصص للمنتجات التي لم تحقق بعد الحد الأدنى المطلوب، حيث توضع خطة لتطوير نسبة المحتوى المحلي تدريجياً، وتعتبر المنصة هذا المسار مناسباً للمشروعات الجديدة أو المنتجات التي ما تزال في طور التطوير.
وهذا يعني أن عدم الوصول إلى النسبة المطلوبة لا يؤدي بالضرورة إلى إغلاق الباب أمام المنتج، بل يمكن أن يدخله في مسار تأهيل يهدف إلى تعميق التصنيع المحلي مستقبلاً.
كيف يحصل المنتج على علامة «صناعة سورية»؟
الاعتماد مرتبط بالمنتج نفسه وليس ترخيصاً عاماً تحصل عليه الشركة ثم تستخدمه تلقائياً على جميع منتجاتها.
وتتيح المنصة خدمة إلكترونية مخصصة لتقديم طلب الحصول على علامة «صناعة سورية» للمنتج، ثم تمر عملية الاعتماد عبر تسع مراحل:
- تقديم الطلب إلكترونياً ورفع البيانات والوثائق المطلوبة.
- مراجعة اكتمال البيانات والوثائق.
- التقييم الفني واحتساب المحتوى المحلي بصورة أولية.
- التحقق من المعلومات، مع إمكانية إجراء زيارة ميدانية عند الحاجة.
- عرض نتائج التقييم على لجنة الإقرار.
- تحديد الرسوم وإصدار فاتورة السداد.
- إصدار علامة «صناعة سورية» ورمز QR الخاص بالمنتج.
- إدراج المنتج ضمن الدليل الوطني للمنتجات السورية الموثقة.
- المتابعة الدورية وتجديد الاعتماد عند الحاجة.
وبذلك لا يفترض أن تكون العلامة مجرد تصميم يمكن للمصنع إضافته ذاتياً إلى عبواته، بل نتيجة لمسار اعتماد رسمي.
رمز QR: من الشعار إلى شهادة قابلة للتحقق
أحد أكثر العناصر أهمية في المنظومة الجديدة هو ارتباط المنتج المعتمد برمز استجابة سريعة QR وشهادة رقمية.
وتوفر المنصة خدمة للتحقق من شهادة المنتج من خلال مسح الرمز الموجود عليه أو إدخال معرف التحقق الإلكتروني الخاص بالشهادة.
وتضيف هذه الآلية بعداً عملياً للعلامة، لأنها تسمح للمستهلك أو المستورد أو الموزع أو الشريك التجاري بالتحقق إلكترونياً من صحة اعتماد المنتج بدلاً من الاعتماد على وجود الشعار بصرياً فقط.
ويمكن أن تصبح هذه الخاصية ذات أهمية أكبر في الأسواق الخارجية إذا تطور البرنامج ليكون جزءاً من منظومة توثيق الصادرات السورية.
الجديد: التوجه إلى ربط العلامة بالتصدير مستقبلاً
هنا تظهر أهم دلالة جديدة للبرنامج.
ففي 31 آب 2026، أوضحت مهندسة التحول الرقمي في الإدارة العامة للصناعة بوزارة الاقتصاد والصناعة ديمة عبد الرحمن أن الأهداف القريبة تركز على بناء منظومة متكاملة للمنتجات السورية، بينما تتجه الأهداف بعيدة المدى إلى حصر التصدير مستقبلاً بالمنتجات التي تحمل علامة «صناعة سورية» بهدف تعزيز موثوقيتها وإثبات منشئها الصناعي.
وإذا تحول هذا التوجه مستقبلاً إلى إطار تنظيمي نافذ، فإن أهمية العلامة ستتغير بصورة كبيرة.
فبدلاً من أن تكون ميزة إضافية تختارها المنشأة لتعزيز ثقة المستهلك، يمكن أن تصبح جزءاً أساسياً من جاهزية المنتج السوري للتصدير.
وهذا من شأنه أن يدفع المصانع الراغبة في الوصول إلى الأسواق الخارجية إلى الاهتمام مبكراً بثلاثة ملفات رئيسية: توثيق عملية التصنيع، ورفع المحتوى المحلي، والالتزام المستمر بمعايير الجودة والمطابقة.
لكن من الضروري التأكيد مجدداً أن هذا التوجه ليس حتى الآن حظراً نافذاً على تصدير المنتجات التي لا تحمل العلامة، وإنما هدف مستقبلي معلن يحتاج إلى قرارات وتعليمات تنفيذية قبل أن يصبح ملزماً.
ماذا يمكن أن تعني المنظومة للمصدر السوري؟
ربط «صناعة سورية» بالتصدير يمكن أن يمنح المنظومة وظيفة أوسع من حماية الهوية الصناعية داخل السوق المحلية.
فالمصدر السوري يواجه في الأسواق الخارجية أسئلة مرتبطة بالمنشأ، والجودة، والقدرة على التتبع، واستقرار المواصفات، وهو ما يجعل وجود نظام اعتماد وطني رقمي قابلاً للتحقق عاملاً مساعداً في تعزيز الثقة.
كما أن هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات أكدت، بالتزامن مع معرض دمشق الدولي، أن المرحلة المقبلة تركز على رفع جودة المنتجات السورية بما يتوافق مع متطلبات الأسواق الخارجية، وتسهيل وصول المصدرين إلى أسواق جديدة وتحسين القدرة التنافسية للصادرات.
ومن هنا يمكن النظر إلى «صناعة سورية» بوصفها أحد المكونات المحتملة في بناء بنية وطنية أكثر تنظيماً للتصدير، إلى جانب متطلبات الجودة والمواصفات والسجل التصديري والخدمات المساندة للمصدرين.
ماذا تستفيد المنشأة من العلامة؟
في صورتها الحالية، تمنح المنظومة المنشأة فرصة لتوثيق منتجها ضمن قاعدة وطنية رسمية، وإظهار محتواه المحلي، وربطه بشهادة رقمية قابلة للتحقق.
كما يمكن أن تساعد عملية التقييم نفسها على كشف نقاط الضعف المتعلقة بالتوثيق أو الجودة أو انخفاض نسبة القيمة المضافة المحلية.
أما الأهمية المستقبلية الأكبر فتتمثل في احتمال ارتباط العلامة بالحوافز الصناعية والسياسات التصديرية.
لكن التفاصيل التنفيذية للحوافز لم تُنشر بصورة مكتملة حتى الآن، ولذلك لا يمكن اعتبار الحصول على العلامة حالياً ضماناً للحصول على إعفاءات أو تمويل أو مزايا جمركية محددة ما لم يصدر بشأنها قرار رسمي واضح.
هل المنظومة دخلت مرحلة التشغيل؟
نعم. المنصة الإلكترونية تعمل بالفعل وتتيح تقديم طلب العلامة، وتجديدها، ومتابعة الطلبات، والتحقق من الشهادات، كما تعرض بيانات للمنتجات والمنشآت والقطاعات الصناعية.
وتعرض الواجهة الرئيسية كذلك مؤشرات تشغيلية حية عن المنتجات والمنشآت ونسب المحتوى المحلي، إلا أن هذه العدادات تتغير مع تحديث قاعدة البيانات، لذلك يُفضل الرجوع إلى المنصة مباشرة للحصول على الأرقام الأحدث عند الحاجة إلى إحصاء لحظي.
بعض التفاصيل التنفيذية ما تزال بانتظار النشر
رغم دخول المنظومة مرحلة التشغيل، لم يكتمل بعد نشر جميع الأدلة التنظيمية.
فحتى 1 أيلول 2026، ما يزال مركز المعرفة الرسمي يضع عدداً من الوثائق الأساسية تحت عبارة «الملف قريباً»، ومن بينها:
- منهجية المحتوى المحلي.
- دليل استخدام شعار «صناعة سورية».
- معايير الأهلية التفصيلية.
- منهجية تصنيف المخاطر.
- دليل القطاعات الصناعية.
- سياسة عائلة المنتج.
- سياسة التجديد.
- الأسئلة الشائعة.
- التقارير والإحصاءات.
- القرارات والتعاميم.
كما تشير مراحل الاعتماد إلى وجود رسوم، لكن القيمة التفصيلية للرسوم وآلية احتسابها لم تظهر بعد ضمن الوثائق العامة المنشورة.
لذلك تبقى المرحلة المقبلة مهمة بالنسبة إلى المصانع، لأنها ستكشف التفاصيل التي تحدد كيفية تطبيق المنظومة عملياً على نطاق أوسع.
من هوية وطنية إلى أداة للسياسة الصناعية
الأهمية الاقتصادية لبرنامج «صناعة سورية» تتجاوز شكل العلامة نفسها.
فالمنظومة تربط بين المنتج وبين ثلاثة عناصر أساسية: القيمة المحلية، والجودة، وقابلية التحقق.
وإذا استمر تطويرها وربطها بسياسات دعم الصناعة والتصدير، يمكن أن تتحول إلى أداة تساعد الدولة والقطاع الخاص على تحديد الصناعات التي تحقق قيمة محلية أكبر، وتشجيع المنشآت على تعميق عمليات التصنيع، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، ورفع جاهزية المنتجات للأسواق الخارجية.
كما يمكن أن ينتقل مفهوم دعم المنتج الوطني تدريجياً من الدعم العام إلى دعم يرتبط بمؤشرات يمكن قياسها، مثل حجم القيمة المضافة، والجودة، والإنتاجية، والقدرة على التصدير، وهي النقطة التي أصبحت محوراً واضحاً في النقاش الاقتصادي حول البرنامج.
ماذا يعني ذلك للشركات السورية؟
بالنسبة إلى المنشآت التي تركز على السوق المحلية فقط، تمثل العلامة في المرحلة الحالية وسيلة لتعزيز موثوقية المنتج وإثبات علاقته بمنظومة تصنيع سورية موثقة.
أما الشركات التي تخطط للتصدير، فالتطور الأخير يجعل متابعة البرنامج أكثر أهمية.
فحتى إن لم تكن العلامة شرطاً للتصدير اليوم، فإن إعلان الوزارة صراحة أن الهدف بعيد المدى هو حصر الصادرات بالمنتجات الحاصلة عليها يعني أن الاستعداد المبكر للاعتماد قد يصبح جزءاً من استراتيجية التصدير للشركات السورية.
وبذلك لم يعد السؤال بالنسبة إلى المصنع فقط: هل أحتاج شعار «صناعة سورية» على منتجي؟
بل قد يصبح السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة: هل منتجي مستعد لتحقيق معايير الاعتماد التي يمكن أن ترتبط مستقبلاً بوصوله إلى الأسواق الخارجية؟
الخلاصة
يمثل برنامج «صناعة سورية» محاولة لبناء منظومة وطنية تجمع بين الهوية الصناعية والمحتوى المحلي والجودة والتوثيق الرقمي.
وفي مرحلته الحالية، يمنح المنتجات التي تستوفي الشروط مساراً للحصول على علامة وطنية مرتبطة بشهادة يمكن التحقق منها إلكترونياً، مع اشتراط محتوى محلي أو قيمة مضافة لا تقل عن 40% للاستفادة من مزايا البرنامج.
أما التطور الأحدث والأكثر أهمية، فهو إعلان التوجه إلى حصر التصدير مستقبلاً بالمنتجات الحاصلة على العلامة.
وإذا تحول هذا التوجه لاحقاً إلى سياسة تنفيذية، فإن «صناعة سورية» لن تكون مجرد هوية تسويقية للمنتج الوطني، بل يمكن أن تصبح إحدى أهم الأدوات التنظيمية التي تحدد جاهزية المنتج السوري للتصدير وقدرته على إثبات منشئه وقيمته المحلية أمام الأسواق الخارجية.