برنامج «صناعة سورية» وشرط الـ40%: هل تبدأ سياسة صناعية جديدة تربط المزايا بالقيمة المضافة المحلية؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
حين أطلقت وزارة الاقتصاد والصناعة برنامجاً وطنياً تحت اسم «صناعة سورية»، كان من الممكن قراءة القرار باعتباره خطوة جديدة لدعم المصانع وإعادة تشغيل القدرات الإنتاجية.
لكن البند الأكثر أهمية اقتصادياً لا يتعلق باسم البرنامج، بل بالرقم الذي وضعه في قلب شروط الاستفادة منه:
40% على الأقل من المحتوى المحلي أو القيمة المضافة في المنتج النهائي.
هذا الشرط يمكن، إذا تبعته آلية تنفيذ واضحة ومحايدة وقابلة للقياس، أن ينقل جزءاً من السياسة الصناعية السورية من نموذج الدعم العام للمنشآت إلى نموذج مختلف يقوم على سؤال أكثر دقة:
كم من القيمة الاقتصادية للمنتج تُصنع فعلياً داخل سوريا؟
فالهدف المعلن للبرنامج هو استعادة الكفاءة الإنتاجية للمنشآت الصناعية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتنمية الصادرات، مع إخضاعه لتقييم سنوي يسمح بتعديل مساراته وفق المتغيرات الاقتصادية.
أما المنشأة الراغبة بالاستفادة من مزاياه، فيشترط أن تكون مرخصة أصولاً أو في طور التسوية التشغيلية، وأن تحقق نسبة محتوى محلي أو قيمة مضافة لا تقل عن 40% من المنتج النهائي، وأن تلتزم بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة المعتمدة.
إذا طُبق هذا المعيار بصورة سليمة، فقد لا يكون «صناعة سورية» مجرد برنامج لدعم المصانع، بل بداية لتحديد ما الذي يستحق أن يُعامل باعتباره إنتاجاً سورياً ذا قيمة اقتصادية حقيقية، وما الذي يبقى أقرب إلى التجميع أو إعادة التعبئة أو النشاط المحدود القيمة المضافة.
ما الذي تغير فعلياً؟
الدعم الصناعي في صورته التقليدية يمكن أن يتجه إلى منشأة لأنها صناعية، أو لأنها تعمل داخل قطاع محدد، أو لأنها متضررة أو تحتاج إلى تمويل أو طاقة أو إعفاءات.
أما إدخال شرط القيمة المضافة المحلية فيعني إضافة معيار مختلف:
المنشأة لا تُقيّم فقط على أساس وجودها، وإنما أيضاً على أساس ما تضيفه للاقتصاد داخل سوريا.
وهذا فارق مهم.
فمصنع يعتمد بصورة شبه كاملة على منتج مستورد جاهز ثم يجري عليه تعديلات أو عمليات تجميع محدودة ليس اقتصادياً مماثلاً لمنشأة تشتري مواد أولية محلية، وتشغل عمالة سورية، وتستخدم خدمات وصناعات وسيطة محلية، وتقوم بعمليات تصنيع فعلية قبل الوصول إلى المنتج النهائي.
ومن هنا تأتي أهمية نسبة الـ40%.
فالرقم يضع لأول مرة في البرنامج حداً كمياً يفصل بين المنشآت المؤهلة وغير المؤهلة للاستفادة من مزاياه، لكنه في الوقت نفسه يفتح مجموعة من الأسئلة التنفيذية التي ستحدد فعلياً مدى نجاح السياسة.
ماذا تعني «40% قيمة مضافة محلية»؟
هذه هي أهم نقطة تحتاج إلى توضيح في المرحلة المقبلة.
القرار يستخدم صيغة «محتوى محلي – قيمة مضافة»، لكن المفهومين، رغم الترابط بينهما، لا يكونان متطابقين بالضرورة في جميع طرق الحساب المحاسبي والاقتصادي.
فعند الحديث عن منتج تبلغ قيمته النهائية 100 دولار، يجب معرفة ما الذي سيحسب ضمن الـ40 دولاراً المطلوبة محلياً.
هل تشمل:
المواد الأولية السورية؟
أجور العمال؟
الكهرباء والطاقة المستخدمة محلياً؟
الخدمات الهندسية والفنية؟
النقل والتخزين؟
التعبئة والتغليف؟
المكونات المنتجة من مورد سوري؟
الاستهلاك المحاسبي للآلات؟
الأرباح المتحققة داخل المنشأة؟
أم أن الحساب سيقتصر على قيمة المكونات المادية المحلية الداخلة في المنتج؟
الفرق كبير.
مصنع قد يستخدم مواد أولية مستوردة لكنه يقوم داخل سوريا بعمليات تصنيع متقدمة تستلزم عمالة وطاقة وهندسة وتصميماً وتعبئة وخدمات محلية كبيرة، بينما قد يستخدم مصنع آخر مكوّناً سورياً واحداً مرتفع القيمة مع عمليات تصنيع محدودة.
من هنا، فإن طريقة حساب الـ40% لا تقل أهمية عن النسبة نفسها.
ولذلك سيكون من الضروري أن تتبع البرنامج تعليمات تنفيذية تحدد بصورة دقيقة ومبسطة صيغة احتساب القيمة المضافة، والوثائق المطلوبة لإثباتها، والجهة التي ستراجعها، وفترة القياس.
محاولة لفصل «التصنيع» عن «التجميع»
أحد أهم الأهداف الاقتصادية المحتملة للشرط الجديد هو منع استفادة الأنشطة منخفضة القيمة المضافة من المزايا المخصصة للصناعة الحقيقية.
هذه المسألة تصبح أكثر أهمية مع انفتاح السوق السورية وازدياد اهتمام الشركات الخارجية بالدخول إلى سوريا.
فأسهل نموذج للدخول إلى السوق هو في كثير من الأحيان استيراد معظم المكونات ثم إجراء عملية تجميع نهائي محلية.
هذا النموذج يمكن أن يخلق بعض فرص العمل ويوفر جزءاً من المنتج محلياً، ولذلك لا ينبغي رفضه بالمطلق، لكنه يحقق أثراً اقتصادياً أقل من مصنع يبني شبكة موردين ويشتري مدخلات محلية ويوطن المعرفة ويزيد عمليات التصنيع تدريجياً.
شرط الـ40% يرسل في هذا السياق إشارة واضحة:
إذا أرادت المنشأة الاستفادة من مزايا البرنامج، فلا يكفي أن تضع المنتج النهائي داخل مصنع سوري؛ يجب أن يولد جزء ملموس من قيمته داخل الاقتصاد السوري نفسه.
وهذا الاتجاه يمكن أن يكون مهماً جداً في مرحلة إعادة بناء الصناعة.
من حماية المنتج إلى بناء سلسلة قيمة
القيمة الأكبر للبرنامج لن تظهر إذا انتهى دوره عند المصنع النهائي فقط.
المعيار الجديد يمكن أن يخلق أثراً أوسع على شبكة الموردين المحليين.
فعندما يحتاج المصنع إلى رفع نسبة القيمة المحلية للوصول إلى 40%، يصبح لديه حافز أكبر للبحث عن:
مصنع تعبئة وتغليف سوري.
مورد مواد أولية محلي.
شركة خدمات هندسية محلية.
مصنع مكونات وسيطة.
شركة نقل وتخزين.
مقدم حلول تقنية أو صناعية.
وهكذا لا يصبح دعم منشأة واحدة دعماً لمنشأة منفردة، بل يمكن أن يساعد على بناء سلاسل توريد محلية.
وهذا هو الفارق بين إنتاج محلي منعزل وقطاع صناعي مترابط.
الصناعة القوية ليست مجموعة مصانع تعمل كل واحدة منها منفردة، بل شبكة من الشركات تتبادل المواد والمكونات والخدمات والخبرات.
كلما توسعت هذه الشبكة، بقي جزء أكبر من الإنفاق الصناعي داخل الاقتصاد السوري.
القطاعات ذات المواد المحلية قد تستفيد أكثر
من الطبيعي أن تختلف قدرة القطاعات على تحقيق نسبة 40%.
الصناعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على مواد أولية سورية يمكن أن تكون في موقع أفضل، مثل بعض الصناعات الغذائية والزراعية والنسيجية ومواد البناء والتعبئة والتغليف والصناعات التي تستخدم موارد محلية.
أما قطاعات أخرى فقد تعتمد بطبيعتها على مكونات مستوردة مرتفعة القيمة.
الصناعات الإلكترونية، وبعض الصناعات الهندسية والتكنولوجية، وآلات الإنتاج، وبعض الصناعات الدوائية المتخصصة، قد تحتاج إلى استيراد مكونات أو مواد أو تقنيات لا تُنتج محلياً في المرحلة الحالية.
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط تصميم البرنامج.
إذا طُبقت نسبة واحدة بالطريقة ذاتها على جميع الصناعات دون النظر إلى طبيعة كل قطاع، فقد تصبح سهلة التحقيق في نشاط وصعبة جداً في نشاط آخر.
لهذا قد يكون من المهم لاحقاً النظر في منهجيات احتساب قطاعية أو مراحل انتقالية إذا أظهرت البيانات أن تطبيق المعيار الموحد يخلق اختلالات غير مقصودة.
ليس الهدف خفض المعيار بالضرورة، وإنما التأكد من أن الحافز يدفع نحو التوطين التدريجي ولا يمنع قيام صناعات استراتيجية تحتاج في بدايتها إلى مدخلات أجنبية مرتفعة.
هل يشجع البرنامج الاستثمار الأجنبي أم يقيده؟
للوهلة الأولى، قد يبدو شرط المحتوى المحلي قيداً إضافياً أمام المستثمر الخارجي.
لكن الصورة أكثر تعقيداً.
المستثمر الذي يريد إنشاء منشأة تعتمد بالكامل تقريباً على المكونات الخارجية وتستخدم سوريا كسوق نهائي قد يجد الحصول على مزايا البرنامج أصعب.
أما المستثمر الذي يريد إنشاء إنتاج حقيقي، وبناء موردين محليين، وتوظيف العمالة، وتحويل جزء من العمليات إلى سوريا، فقد يحصل على بيئة أكثر ملاءمة.
وبذلك يمكن أن يعمل المعيار كأداة لتحسين نوعية الاستثمار وليس مجرد زيادة عدده.
لكن نجاح هذا الأمر يتطلب أن تكون القاعدة واضحة قبل اتخاذ المستثمر قراره.
أي مستثمر يحتاج إلى معرفة:
كيف تحسب النسبة؟
ما المزايا المرتبطة بها؟
هل توجد فترة سماح للمشاريع الجديدة؟
كيف تعامل الآلات المستوردة؟
ماذا يحدث إذا انخفضت النسبة مؤقتاً بسبب اضطراب توريد؟
هل يمكن رفع المحتوى المحلي تدريجياً؟
وضوح هذه الأسئلة جزء من بيئة الاستثمار نفسها.
تقاطع مباشر مع التكامل الصناعي السوري–التركي
يأتي برنامج «صناعة سورية» في توقيت لافت، بالتزامن مع تحركات سورية–تركية لبحث التكامل بين المدن الصناعية في شمال سوريا وجنوب تركيا.
وقد تناولت بوابة الأعمال السورية هذا الملف من زاوية السؤال عن كيفية تحول العلاقة من تبادل تجاري إلى سلاسل إنتاج مشتركة.
شرط الـ40% يضيف هنا بعداً جديداً.
فإذا دخلت شركة تركية أو غير تركية في مشروع داخل سوريا، فإن القيمة الاقتصادية الأعلى للسوق السورية لا تتحقق بمجرد نقل المكونات من الخارج وتجميعها محلياً.
الأثر الأكبر يتحقق عندما تبدأ المنشأة تدريجياً في شراء مواد ومكونات وخدمات من الداخل، ونقل جزء من التصنيع والتكنولوجيا، وتدريب العمالة، وبناء علاقات مع الموردين السوريين.
وهكذا يمكن لبرنامج «صناعة سورية» أن يصبح، من حيث المبدأ، أداة لضبط نوع التكامل الصناعي المطلوب:
شراكة تزيد الإنتاج السوري، لا مجرد منفذ إضافي للمنتجات أو المكونات الخارجية.
لكن ذلك يتوقف على تفاصيل التطبيق ومدى خضوع المشاريع المختلفة لشروط البرنامج.
الـ40% لا تعني إغلاق السوق أمام الاستيراد
هناك خطأ يجب تجنبه عند قراءة البرنامج.
زيادة القيمة المضافة المحلية لا تعني بالضرورة تقليل كل أنواع الاستيراد.
الصناعة الحديثة تعتمد على سلاسل توريد دولية، وحتى الدول الصناعية الكبرى تستورد مواد وتقنيات ومكونات ثم تضيف إليها قيمة محلية.
الهدف الاقتصادي الأفضل ليس أن يكون كل شيء سورياً بنسبة 100%، وإنما أن تستخدم سوريا المدخلات المحلية والخارجية بطريقة تحقق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة داخل البلد.
قد يكون استيراد آلة متقدمة أو مكون تكنولوجي ضرورياً لإنتاج سلعة عالية الجودة قادرة على التصدير.
وقد يكون منع هذا الاستيراد أكثر ضرراً من فائدته.
لذلك يجب أن يكون معيار القيمة المضافة أداة لتطوير الصناعة وليس آلية لإجبار المصانع على استخدام بدائل محلية أقل كفاءة أو أعلى سعراً لمجرد تحقيق نسبة رقمية.
المعادلة المطلوبة هي:
محتوى محلي أكبر + إنتاجية أعلى + جودة أعلى + قدرة تنافسية أفضل.
وليس محتوى محلياً أكبر على حساب الجودة أو الكلفة.
الجودة شرط موازٍ لا يقل أهمية
القرار لم يكتف بشرط الـ40%، بل ربط الانضمام أيضاً بالالتزام بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة المعتمدة.
هذه النقطة مهمة.
إذا كانت السياسة الصناعية تريد زيادة الصادرات، فلا يمكن أن يصبح المحتوى المحلي هدفاً قائماً بذاته.
المنتج الذي يحتوي على 60% أو 70% قيمة سورية لكنه لا يحقق الجودة أو السعر المناسب لن يصبح قادراً على المنافسة خارجياً.
لذلك فإن الجمع بين القيمة المحلية والجودة يحمل منطقاً اقتصادياً صحيحاً:
ليس المطلوب فقط أن نصنع أكثر داخل سوريا، بل أن نصنع منتجاً قابلاً للمنافسة.
ويصبح التحدي العملي هنا قدرة منظومة المواصفات والفحوص والمخابر وشهادات الجودة على مواكبة توسع الإنتاج والصادرات.
الطاقة ما تزال جزءاً من المعادلة
رفع القيمة المضافة لا يمكن فصله عن كلفة الإنتاج.
وقد شهد القطاع الصناعي خلال الأسابيع الماضية خفض سعر طن الفيول الصناعي من 475 إلى 400 دولار، فيما ما تزال الفعاليات الصناعية تطالب بخفض أعباء الكهرباء والطاقة وتحسين تنافسية المنتج المحلي.
وهذا يوضح أن برنامج «صناعة سورية» لن ينجح بمعيار المحتوى المحلي وحده.
المصنع يستطيع شراء مواد سورية وتوظيف عمال سوريين، لكنه إذا تحمل كلفة طاقة أو نقل أو تمويل أعلى بكثير من منافسيه، فإن المنتج النهائي قد يبقى غير قادر على المنافسة.
السياسة الصناعية الناجحة تحتاج إلى حزمة مترابطة:
طاقة قابلة للتوقع.
تمويل.
مواد أولية.
جمارك متوازنة.
لوجستيات.
مواصفات وجودة.
تسهيل الإجراءات.
وحوافز مرتبطة بالأداء والإنتاج.
برنامج «صناعة سورية» يمكن أن يكون إطاراً يجمع بعض هذه العناصر، لكن التفاصيل التنفيذية هي التي ستحدد ذلك.
من سيحصل على ماذا؟
هذه واحدة من أبرز النقاط التي ما تزال بحاجة إلى توضيح.
الإعلان الرسمي يتحدث عن «مزايا البرنامج»، لكنه لا يقدم حتى الآن في المادة المنشورة قائمة تفصيلية كاملة بطبيعة هذه المزايا وآلية توزيعها بين المنشآت.
هل تشمل تمويلاً؟
تسهيلات جمركية؟
حوافز ضريبية؟
أولوية في الطاقة؟
دعماً للتصدير؟
تسهيل استيراد الآلات؟
مساعدة في الجودة والشهادات؟
أم حزمة مختلفة بحسب نوع المنشأة؟
هذه ليست مسألة ثانوية.
فقيمة شرط الـ40% تتوقف على حجم الميزة المرتبطة به.
كلما كانت الحوافز أقوى، أصبحت الحاجة أكبر إلى قواعد دقيقة وشفافة تمنع التلاعب وتضمن تكافؤ الفرص.
خطر «النسبة الورقية»
كل برنامج يعتمد معياراً رقمياً يواجه تحدياً معروفاً: كيف نتأكد أن الرقم يعكس الواقع؟
قد تتمكن منشأة نظرياً من إعادة ترتيب فواتيرها أو مشترياتها لتبدو وكأنها تحقق قيمة محلية أعلى دون تغير كبير في عملية الإنتاج.
ولذلك تحتاج المنظومة إلى آلية تحقق قابلة للتطبيق دون أن تتحول إلى بيروقراطية ثقيلة.
يمكن أن يعتمد التحقق على بيانات الإنتاج والمشتريات والفواتير والعمالة والتكاليف والضرائب والسجلات الصناعية، لكن المطلوب أن يكون النظام بسيطاً بما يكفي لكي تستطيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة التعامل معه.
إذا احتاج المصنع إلى شهور من المعاملات لإثبات الـ40%، فإن البرنامج قد يتحول من حافز إلى عبء إداري.
أما إذا كان الإثبات ضعيفاً، فقد تستفيد منشآت لا تحقق الهدف الحقيقي.
المعادلة بين الرقابة والبساطة ستكون من أهم اختبارات البرنامج.
فرصة لتحويل المنشآت غير النظامية إلى الاقتصاد المنظم
من الشروط اللافتة أيضاً السماح للمنشأة بأن تكون مرخصة أصولاً أو في طور التسوية التشغيلية.
هذه الصياغة تفتح باباً مهماً أمام منشآت تعمل فعلياً لكنها لم تستكمل جميع أوضاعها النظامية.
بدلاً من إبعادها بالكامل عن البرنامج، يبدو أن القرار يتيح لها مساراً نحو التنظيم.
إذا جرى تنفيذ ذلك بصورة جيدة، يمكن أن يساعد على توسيع قاعدة المنشآت الرسمية، ورفع مستوى الامتثال، وتحسين البيانات الصناعية المتاحة للدولة، وإدخال مزيد من النشاط الاقتصادي إلى الإطار النظامي.
وهذا مهم لأن بناء سياسة صناعية قائمة على البيانات يحتاج أولاً إلى معرفة من ينتج، وأين، وبأي حجم، وما مدخلاته ومخرجاته.
التقييم السنوي نقطة قوة
إخضاع البرنامج لتقييم سنوي من البنود المهمة في القرار.
السياسات الصناعية لا تعمل دائماً كما هو متوقع عند تصميمها.
قد يتبين أن نسبة 40% مناسبة لبعض القطاعات وغير مناسبة لأخرى.
قد يظهر أن إحدى الحوافز لا تؤدي إلى زيادة الإنتاج.
وقد يتبين أن شرطاً إدارياً يمنع المنشآت الصغيرة من الاستفادة.
التقييم السنوي يتيح نظرياً تعديل البرنامج وفق النتائج وليس وفق الافتراضات.
لكن قيمة هذا التقييم ترتفع إذا استند إلى مؤشرات معلنة يمكن قياسها.
مثلاً:
عدد المنشآت المستفيدة.
عدد المنشآت التي عادت إلى الإنتاج.
حجم الاستثمارات الجديدة.
قيمة الإنتاج الصناعي.
قيمة الصادرات.
عدد فرص العمل.
نسبة القيمة المضافة المحلية.
عدد الموردين المحليين الجدد.
معدل زيادة الإنتاجية.
إذا أصبحت هذه البيانات جزءاً من التقييم، يمكن أن يتحول البرنامج إلى تجربة قابلة للقياس والمراجعة.
ماذا يجب على المصنع السوري أن يفعل الآن؟
حتى قبل صدور التفاصيل التنفيذية الكاملة، توجد مجموعة من الخطوات التي يمكن أن يبدأ بها الصناعي الذي يرغب بالاستفادة من البرنامج.
أولاً، دراسة هيكل كلفة المنتج بصورة دقيقة ومعرفة الجزء المحلي والجزء المستورد.
ثانياً، مراجعة حالة الترخيص والسجل الصناعي وأي إجراءات تسوية لازمة.
ثالثاً، التأكد من المواصفات القياسية ومتطلبات الجودة المتعلقة بالمنتج.
رابعاً، البحث عن موردين محليين يمكنهم استبدال بعض المدخلات المستوردة دون الإضرار بالسعر أو الجودة.
خامساً، بناء نظام محاسبي ووثائقي قادر على إثبات مصادر المواد والمكونات والخدمات.
سادساً، تحديد فرص رفع المحتوى المحلي تدريجياً، وليس فقط محاولة الوصول إلى 40% مرة واحدة.
هذه الخطوات مفيدة حتى خارج البرنامج، لأنها تساعد المصنع على فهم سلسلة القيمة الخاصة به بصورة أفضل.
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
هناك ثمانية أسئلة ستحدد عملياً أهمية برنامج «صناعة سورية» خلال المرحلة المقبلة:
- كيف ستعرّف الوزارة «القيمة المضافة المحلية» حسابياً؟
- ما العناصر التي ستدخل ضمن نسبة الـ40%؟
- ما المزايا الفعلية التي سيحصل عليها المصنع المؤهل؟
- هل ستختلف طريقة التطبيق بين القطاعات الصناعية؟
- هل توجد فترة انتقالية للمصانع الجديدة أو الصناعات التي تعتمد على تقنيات ومكونات مستوردة؟
- كيف ستتم عملية التحقق والرقابة دون إضافة بيروقراطية كبيرة؟
- كيف سيُربط البرنامج بالتصدير والتمويل والطاقة والجمارك؟
- ما المؤشرات التي ستُستخدم في التقييم السنوي، وهل ستنشر نتائجها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان البرنامج سيصبح أداة فعلية للسياسة الصناعية أو يبقى إطاراً عاماً محدود التأثير.
بوابة الأعمال السورية: من دعم المصانع إلى مكافأة القيمة التي تُنتج داخل سوريا
القيمة الحقيقية في برنامج «صناعة سورية» لا تكمن في إضافة برنامج حكومي جديد إلى قائمة البرامج.
أهميته المحتملة هي في تغيير السؤال الذي تقوم عليه سياسة دعم الصناعة.
بدلاً من:
هل هذه منشأة صناعية؟
يمكن أن يصبح السؤال:
ماذا تنتج هذه المنشأة فعلياً داخل الاقتصاد السوري؟
إذا ارتبطت الحوافز بزيادة الإنتاج، والتوظيف، والتصدير، والقيمة المحلية، والجودة، ونقل التكنولوجيا، فإن ذلك يمكن أن يدفع المصانع إلى بناء روابط أعمق مع السوق المحلية بدلاً من الاكتفاء بالاستيراد والتجميع.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح النموذج يتطلب مرونة.
ليس كل استيراد سلبياً، وليس كل محتوى محلي مفيداً إذا كان أعلى كلفة وأقل جودة، وليس منطقياً تطبيق نموذج إنتاج واحد على صناعة غذائية وصناعة إلكترونية بالطريقة نفسها.
لهذا فإن نسبة الـ40% يجب النظر إليها بوصفها بداية إطار للسياسة الصناعية، لا نهاية تصميمه.
إذا جاءت التعليمات التنفيذية واضحة، وكانت الحوافز ذات قيمة، وتم تطبيق المعيار بشفافية، وربط التقييم بنتائج قابلة للقياس، فقد يمثل «صناعة سورية» انتقالاً مهماً من الدعم غير الموجه إلى سياسة صناعية أكثر ارتباطاً بالقيمة التي تبقى داخل الاقتصاد السوري.
أما الاختبار الحقيقي فلن يكون عدد المنشآت التي تنضم إلى البرنامج.
بل كم مصنعاً سيرفع إنتاجه، وكم مورداً سورياً سيدخل سلسلة التوريد، وكم وظيفة ستنشأ، وكم منتجاً سورياً سيصبح قادراً على المنافسة والتصدير.
عندها يمكن الحكم إن كانت نسبة الـ40% مجرد شرط للانضمام، أم بداية تحول أعمق في طريقة بناء الصناعة السورية.