سوريا تدرس خفض واردات النفط الروسي: إعادة تموضع في أمن الطاقة أم مخاطرة على الإمدادات؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن دمشق أبدت استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بصورة كبيرة، في سياق محادثاتها مع الولايات المتحدة بشأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وإذا تحول هذا التوجه إلى قرار تنفيذي، فسيشكل واحداً من أهم التحولات في سياسة الطاقة السورية بعد أن أصبحت روسيا المورد الرئيسي للخام، في ظل محدودية الإنتاج المحلي وصعوبة الوصول إلى موردين وشبكات شحن وتمويل تقليدية.
لكن الخبر يحتاج إلى قدر كبير من الحذر التحريري. فالمعلومات منسوبة إلى مصادر غير مسماة، ولم يصدر حتى وقت إعداد المادة تأكيد رسمي سوري أو روسي، كما لم يُعلن موعد لخفض الشحنات أو حجم الخفض أو الدول والشركات التي يمكن أن تعوض الكميات الروسية.
السؤال الحقيقي، بالتالي، ليس ما إذا كانت سوريا تريد تنويع موردي النفط؛ فهذا هدف معلن منذ أشهر، بل ما إذا كانت تستطيع تنفيذ التحول من دون نقص في الوقود، أو ارتفاع تكلفة الاستيراد، أو تعطيل عمل المصافي والسوق المحلية.
ملخص تنفيذي
يشير التقرير إلى أن واردات النفط الروسي إلى سوريا ارتفعت خلال 2026 بنسبة تقدر بنحو 75%، لتصل إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، ما جعل روسيا المورد المهيمن للخام السوري.
وعند تحويل هذه الكمية إلى أساس سنوي، فإنها تعادل نحو:
21.9 مليون برميل سنوياً.
وبحسب أرقام سبق أن نقلتها رويترز عن جهات سورية، تتراوح احتياجات سوريا اليومية من النفط والوقود بين 120 و150 ألف برميل، بينما بلغ الإنتاج المحلي نحو 35 ألف برميل يومياً خلال 2025. ووفق هذه الأرقام، تمثل الكميات الروسية ما بين 40 و50% من إجمالي الاحتياجات اليومية، وتغطي حسابياً ما بين 52 و71% من الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب، قبل احتساب قنوات إمداد أخرى.
لذلك لا يمكن استبدال النفط الروسي فوراً من دون تأمين عقود بديلة، وتمويل مصرفي، وناقلات مؤهلة، وتأمين بحري، وخام يناسب مواصفات المصافي السورية.
وفي المقابل، يمكن لخفض الاعتماد على روسيا أن يقلل مخاطر العقوبات والشحن، ويحسن قدرة سوريا على التعامل مع المؤسسات المالية وشركات الطاقة الغربية، ويمنحها شبكة إمداد أكثر تنوعاً.
ما الذي كشفه التقرير؟
ذكرت رويترز أن مسؤولين سوريين أبلغوا الجانب الأمريكي خلال الأشهر الماضية استعداد دمشق لخفض واردات النفط الروسي، أثناء مناقشة مسار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وقال مصدران إن واشنطن طلبت تعهداً بتقليص المشتريات الروسية وحصلت عليه، بينما أكد مسؤول أمريكي آخر عدم وجود رابط رسمي بين خفض النفط الروسي ورفع التصنيف. واتفق جميع المصادر على أن تخفيض الواردات لم يُقدم صراحةً بوصفه شرطاً قانونياً مسبقاً للإزالة.
وهذا التباين مهم.
فمن الممكن أن يكون تخفيض الاعتماد على النفط الروسي جزءاً من التفاهم السياسي الأوسع بين البلدين، من دون أن يكون منصوصاً عليه ضمن الشروط القانونية الرسمية لرفع التصنيف.
كما قد يكون التوجه السوري نابعاً من مصلحة اقتصادية داخلية أيضاً، تتمثل في تنويع الإمدادات والخروج تدريجياً من شبكات الشحن المرتبطة بناقلات وأطراف خاضعة للعقوبات.
حجم الاعتماد السوري على النفط الروسي
أصبحت روسيا المورد الرئيسي للخام السوري بعد توقف الإمدادات الإيرانية التي كانت تشكل المصدر الخارجي الأهم قبل سقوط النظام السابق.
ووفق بيانات تتبع الشحن وتحليل رويترز، قدمت روسيا لسوريا خلال عام 2025 نحو 16.8 مليون برميل عبر 19 شحنة وصلت بين نهاية شباط ونهاية كانون الأول. وبلغ المتوسط نحو 46 ألف برميل يومياً، قبل أن يرتفع المعدل المقدر خلال 2026 إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً.
كما تابعت رويترز 21 ناقلة شاركت في نقل الخام الروسي إلى سوريا خلال الفترة التالية، وكانت جميعها مدرجة ضمن عقوبات غربية وقت إعداد تقريرها في أيار 2026. وشملت سلسلة النقل عمليات تحويل بين السفن في البحر، وهو ما يزيد تعقيد التأمين والتمويل والتحقق من ملكية الشحنات ومصدرها.
وتوضح هذه الأرقام أن الاعتماد السوري لا يقتصر على شراء الخام من روسيا، بل يشمل شبكة كاملة من:
- الموردين والوسطاء.
- الناقلات.
- التأمين والخدمات البحرية.
- آليات التسديد.
- موانئ التحميل والتفريغ.
- العقود المبرمة قبل وصول الشحنة.
- مواصفات الخام المتوافق مع المصافي.
لذلك فإن تغيير المورد يحتاج إلى تغيير أجزاء واسعة من سلسلة الإمداد، وليس توقيع عقد شراء جديد فقط.
ماذا تعادل 60 ألف برميل يومياً؟
بحساب سنوي مبسط، تعادل واردات مقدارها 60 ألف برميل يومياً:
| المؤشر | القيمة التقريبية |
|---|
| الواردات اليومية | 60 ألف برميل |
| الواردات الشهرية | 1.8 مليون برميل |
| الواردات السنوية | 21.9 مليون برميل |
| حصة الكميات من احتياج 120 ألف برميل يومياً | 50% |
| حصة الكميات من احتياج 150 ألف برميل يومياً | 40% |
وتكشف هذه النسب أن أي خفض سريع وكبير، من دون بدائل جاهزة، قد يترك فجوة مباشرة في الإمدادات.
ولا يعني ذلك بالضرورة فقدان 60 ألف برميل كاملة من السوق؛ فقد تتمكن سوريا من رفع الإنتاج المحلي أو استيراد مشتقات جاهزة أو التعاقد مع موردين جدد. لكن كل خيار يحتاج إلى وقت وتمويل وبنية لوجستية مناسبة.
كم قد تبلغ القيمة السنوية للواردات؟
لم تُعلن أسعار العقود الروسية أو الحسومات الفعلية الممنوحة لسوريا. وأفاد مسؤول سوري في تقرير سابق لرويترز بأن العقود حُجزت قبل صدمة ارتفاع الأسعار، وأن الخام اشتُري بخصم عن سعر برنت.
ولإظهار الحجم المالي فقط، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات حسابية افتراضية على أساس 21.9 مليون برميل سنوياً:
| متوسط السعر الافتراضي للبرميل | قيمة الواردات السنوية التقريبية |
|---|
| 70 دولاراً | 1.53 مليار دولار |
| 80 دولاراً | 1.75 مليار دولار |
| 90 دولاراً | 1.97 مليار دولار |
هذه الحسابات لا تمثل تكلفة العقود الفعلية، ولا تشمل أو تستبعد بصورة دقيقة الحسومات، والنقل، والتأمين، وفروق الجودة، ورسوم الموانئ، وتوقيت الدفع.
لكنها توضح أن استبدال المورد الروسي ليس قراراً تجارياً صغيراً؛ إذ قد يتطلب تدبير تمويل سنوي يتجاوز 1.5 مليار دولار بحسب كمية الشراء والأسعار العالمية.
لماذا اعتمدت سوريا على النفط الروسي؟
لا يبدو الاعتماد الحالي نتيجة تفضيل سياسي أو اقتصادي مطلق، بل نتيجة مجموعة من القيود.
محدودية الإنتاج المحلي
قدرت الجهات السورية التي تحدثت إلى رويترز الإنتاج المحلي بنحو 35 ألف برميل يومياً خلال 2025، مقابل احتياجات تتراوح بين 120 و150 ألف برميل يومياً. ورغم استعادة الحكومة السيطرة على حقول شرقية مهمة، ما تزال مستويات الإنتاج أقل بكثير من نحو 350 ألف برميل يومياً قبل الحرب.
ضعف القدرة على الدفع
ذكرت مصادر سورية أن محدودية حجم السوق وضعف القدرة الشرائية صعّبا الحصول على عقود طويلة الأجل مع منتجين كبار، بما في ذلك بعض الدول الخليجية.
فالمورد الكبير لا ينظر إلى حاجة الدولة فقط، بل إلى قدرتها على:
- فتح الاعتمادات.
- تقديم ضمانات مصرفية.
- الالتزام بمواعيد الدفع.
- شراء كميات منتظمة.
- توفير تأمين مقبول.
- التعامل مع النزاعات التجارية والتحكيم.
ضعف الاندماج المصرفي
رغم تخفيف معظم العقوبات، فإن إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي تحتاج إلى وقت. فالمصارف وشركات التأمين والشحن لا تعتمد فقط على رفع النصوص القانونية، بل على تقييم المخاطر والامتثال والقدرة على التحقق من الأطراف المستفيدة.
جاهزية الشبكة الروسية
كانت روسيا من أوائل الأطراف القادرة على إرسال شحنات بعد توقف الإمدادات الإيرانية، وامتلكت شبكة من الناقلات والوسطاء القادرين على التعامل مع بيئة مرتفعة المخاطر.
لكن سهولة الوصول إلى هذه الشبكة جاءت مقابل مخاطر تتعلق بالعقوبات والسمعة والاعتماد على مورد واحد.
ما علاقة الملف بقائمة الدول الراعية للإرهاب؟
أزالت الولايات المتحدة خلال 2025 الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية الشاملة المفروضة على سوريا، ودخل إلغاء برنامج العقوبات السوري حيز التنفيذ في 1 تموز 2025، مع استمرار العقوبات على بشار الأسد وشبكاته وأطراف أخرى مرتبطة بالإرهاب والمخدرات وإيران وانتهاكات حقوق الإنسان.
لكن تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب بقي قائماً، بوصفه آخر التصنيفات الأمريكية الكبرى المرتبطة بالدولة السورية، وفق رويترز.
وفي 8 تموز 2026، أبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس نيتها بدء عملية رفع اسم سوريا من القائمة، ما أطلق فترة إخطار مدتها 45 يوماً. ويتطلب المسار القانوني إقراراً بأن الحكومة لم تدعم أعمالاً إرهابية دولية خلال الأشهر الستة السابقة، وأنها قدمت ضمانات بعدم دعمها مستقبلاً.
وقد يؤثر استمرار التصنيف في:
- الوصول إلى مساعدات وتمويلات أمريكية.
- القيود على بعض الصادرات والتقنيات.
- تقييم المصارف وشركات التأمين للمخاطر.
- استعداد الشركات الأمريكية والدولية للدخول إلى السوق.
- كلفة الامتثال القانوني والتحقق من المعاملات.
- ثقة المستثمرين في استدامة تخفيف العقوبات.
ولهذا قد ترى دمشق أن تحقيق تقدم في هذا الملف يفتح أمامها بدائل اقتصادية وتمويلية تعوض جزئياً خسارة الامتيازات السعرية أو اللوجستية التي يوفرها النفط الروسي.
هل خفض النفط الروسي شرط لرفع التصنيف؟
المعلومات المتاحة لا تسمح بالجزم بذلك.
قال مسؤول أمريكي إن لا رابط بين رفع التصنيف وخفض واردات النفط الروسي. وفي المقابل، قالت مصادر أخرى مطلعة إن واشنطن طلبت وحصلت على تعهد سوري بالتخفيض، وإن إنهاء المشتريات الروسية يمكن أن يحسن فرص استكمال رفع التصنيف بسرعة ومن دون تعقيدات.
الصياغة الأدق، بناءً على ذلك، هي:
خفض النفط الروسي ليس شرطاً قانونياً معلناً لرفع التصنيف، لكنه قد يكون جزءاً من التفاهمات السياسية والاقتصادية المحيطة بالمسار.
ولا يجوز تقديم التقرير بوصفه إعلاناً رسمياً عن مقايضة مباشرة بين النفط ورفع التصنيف.
لماذا قد ترغب سوريا في خفض الاعتماد على روسيا؟
تقليل مخاطر العقوبات
الاعتماد على ناقلات ووسطاء خاضعين لعقوبات يعرض الشحنات للتأخير أو الاحتجاز أو تعقيد التأمين والتسديد.
تحسين السمعة التجارية
تحاول سوريا إعادة بناء علاقاتها مع المصارف وشركات الشحن والتأمين. والابتعاد عن شبكات عالية المخاطر قد يقلل مخاوف الامتثال لدى الشركاء الدوليين.
تنويع الموردين
تعرض توقف النفط الإيراني ثم الاعتماد السريع على روسيا مخاطر الاعتماد على مورد واحد. ويقلل التنويع أثر أي نزاع سياسي أو مشكلة لوجستية أو توقف في الشحن.
اجتذاب شركات غربية
قال مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لرويترز إن واشنطن تشجع سوريا على التعامل مع شركاء موثوقين، ولا سيما الشركات الأمريكية، خلال إعادة الإعمار. كما ناقشت سوريا مع شركات دولية فرصاً في التنقيب البحري وإعادة إنتاج الغاز، لكن هذه المشروعات تحتاج إلى سنوات ولا توفر بديلاً فورياً للخام المستورد.
إعادة التوازن في العلاقات الخارجية
قد ترغب دمشق في الحفاظ على علاقات اقتصادية مع روسيا، مع تقليل قدرة أي طرف منفرد على التأثير في إمدادات الطاقة أو القرارات الاقتصادية السورية.
لماذا قد يكون الخفض مكلفاً أو خطراً؟
خطر نقص الوقود
روسيا توفر كمية تعادل نسبة كبيرة من احتياجات السوق. وأي توقف سريع قبل وصول شحنات بديلة قد يؤثر في إنتاج البنزين والمازوت والفيول وغاز الاستخدام المنزلي.
ارتفاع تكلفة الشراء
اشترت سوريا الخام الروسي بخصومات عن الأسعار المرجعية وفق مسؤول سوري تحدث لرويترز. وقد لا يقدم المورد البديل الخصم نفسه، كما قد يطلب دفعاً أسرع وضمانات أقوى.
كلفة الشحن والتأمين
يتحدد سعر البرميل الواصل إلى المصفاة بسعر الخام مضافاً إليه النقل والتأمين والخدمات المينائية. وقد يكون النفط القريب جغرافياً أكثر تكلفة إذا كانت شروط الائتمان أو التأمين أقل ملاءمة.
ملاءمة نوع الخام
ليست جميع الخامات متماثلة. ويجب أن تتوافق كثافة الخام ونسبة الكبريت ومواصفاته مع قدرة مصفاتي بانياس وحمص ووحداتهما التشغيلية.
وقد يتطلب استخدام خام مختلف تعديل نسب المزج أو التشغيل أو استيراد مشتقات جاهزة لتعويض نقص بعض المنتجات.
صعوبة الحصول على ائتمان
قد تقبل الشبكات الروسية ترتيبات أكثر مرونة أو مخاطرة من الشركات التقليدية. أما الموردون الكبار فقد يطلبون ضمانات سيادية أو مصرفية لا تزال سوريا تعمل على إعادة بنائها.
ما البدائل الممكنة؟
لم يحدد تقرير رويترز الموردين البدلاء أو جدولاً زمنياً للتحول. ولذلك تبقى البدائل التالية احتمالات تحليلية، لا اتفاقات معلنة.
موردون من الخليج
يمكن للدول الخليجية تقديم خام أو مشتقات أو تسهيلات ائتمانية، لكن ذلك يحتاج إلى اتفاقات تجارية وسياسية وتمويل مضمون.
العراق
يمثل العراق خياراً جغرافياً مهماً، خصوصاً مع مباحثات إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس. لكن المشروع ما يزال في مرحلة الدراسات، ولا يقدم بديلاً فورياً للشحن البحري.
السوق المتوسطية
يمكن شراء شحنات فورية أو قصيرة الأجل من متعاملين في البحر المتوسط، لكن هذا السوق يتأثر بالأسعار اليومية وتكاليف الائتمان والتأمين.
استيراد المشتقات بدلاً من الخام
يمكن تعويض جزء من النقص باستيراد البنزين والمازوت والفيول الجاهز، إلا أن ذلك قد يكون أعلى تكلفة ويقلل تشغيل المصافي المحلية.
رفع الإنتاج السوري
يمثل تأهيل الحقول والاستثمار في الغاز والنفط الحل الأكثر استدامة، لكنه يحتاج إلى رأس مال وتقنيات وبنية نقل ووقت، ولا يستطيع تغطية فجوة الاستيراد خلال أسابيع أو أشهر قليلة.
هل تستطيع سوريا الاستغناء سريعاً عن روسيا؟
استناداً إلى حجم الواردات الحالي، فإن الاستغناء السريع يبدو صعباً من الناحية العملية.
فالتحول يحتاج إلى ترتيب متزامن يشمل:
- تحديد الموردين البدلاء.
- توقيع عقود الكميات والأسعار.
- تأمين التمويل والضمانات.
- التعاقد مع ناقلات غير خاضعة للعقوبات.
- توفير التأمين البحري.
- اختبار توافق الخام مع المصافي.
- بناء مخزون احتياطي.
- جدولة التخفيض الروسي بالتوازي مع وصول البدائل.
ومن دون هذه الخطوات، قد تتحول الخطوة السياسية إلى أزمة تشغيلية في السوق.
لذلك يُرجح أن يكون السيناريو الأكثر واقعية خفضاً تدريجياً ومجزأً، لا وقفاً فورياً.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: تنويع تدريجي ومنظم
تؤمن سوريا مورداً أو موردين بديلين، ثم تخفض حصة روسيا على مراحل، مع الاحتفاظ بجزء من الواردات الروسية خلال الانتقال.
هذا السيناريو يقلل مخاطر النقص، ويمنح المصافي والجهات المالية وقتاً للتكيف.
وهو الأفضل اقتصادياً إذا تزامن مع رفع التصنيف الأمريكي وتحسن القنوات المصرفية والتأمينية.
السيناريو الثاني: خفض سريع قبل تأمين البدائل
تخفض دمشق المشتريات الروسية بوتيرة كبيرة لإظهار التزام سياسي، لكن العقود البديلة تتأخر أو تكون أكثر تكلفة.
قد يؤدي ذلك إلى انخفاض المخزون، واضطراب المحطات، وارتفاع كلفة النقل والإنتاج، وزيادة استيراد المشتقات الجاهزة.
ويمثل هذا السيناريو الخطر الأكبر على السوق والمستهلكين.
السيناريو الثالث: تنويع محدود مع استمرار روسيا مورداً رئيسياً
تدخل شحنات من موردين جدد، لكن روسيا تبقى المورد الأكبر بسبب الأسعار وشروط الدفع والجاهزية اللوجستية.
يقلل هذا السيناريو درجة الاعتماد من دون تغيير جذري، وقد يكون حلاً انتقالياً إلى حين زيادة الإنتاج المحلي واندماج سوريا بصورة أوسع في الأسواق المالية.
كيف يمكن أن يؤثر التحول في الأسعار؟
لا يمكن افتراض أن تغيير المورد سيؤدي تلقائياً إلى ارتفاع أو انخفاض أسعار المحروقات.
فالنتيجة تتوقف على:
- سعر الخام البديل.
- الخصم مقارنة ببرنت.
- تكلفة النقل والتأمين.
- شروط الدفع.
- سعر الصرف.
- قدرة المصافي وكفاءتها.
- الضرائب والرسوم.
- سياسة التسعير والدعم.
- حجم المخزون عند بدء التحول.
لكن في حال فقدان خصم روسي من دون تعويضه بتمويل ميسر أو أسعار تنافسية، قد ترتفع تكلفة البرميل الواصل إلى سوريا.
وإذا لم تتحمل الموازنة الفرق، يمكن أن ينتقل جزء منه إلى أسعار المازوت والبنزين والفيول، ثم إلى النقل والصناعة والزراعة وأسعار السلع.
ما الذي يعنيه الحدث للشركات؟
يجب على الشركات السورية، خصوصاً في النقل والصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية، مراقبة الحدث من زاوية الاستمرارية لا الجغرافيا السياسية فقط.
المؤشرات الأكثر أهمية للأعمال هي:
- انتظام وصول الناقلات.
- مخزون المصافي والمشتقات.
- أي تعديل في أسعار الفيول والمازوت.
- آجال تسليم المخصصات الصناعية.
- أسعار النقل والشحن الداخلي.
- تغير كلفة الكهرباء المولدة ذاتياً.
- ظهور عقود جديدة مع دول أو شركات بديلة.
- قدرة المصارف على تمويل تجارة الطاقة.
كما ينبغي للشركات التي تضع ميزانياتها بالدولار بناء سيناريوهات لارتفاع تكلفة الطاقة خلال فترة الانتقال، بدلاً من افتراض ثبات الأسعار.
ما الذي يجب أن تعلنه الحكومة؟
نظراً إلى حساسية الملف، يحتاج السوق إلى معلومات رسمية تقلل الإشاعات والمضاربة، وتشمل:
- صحة التوجه المتعلق بخفض الواردات الروسية.
- ما إذا كان القرار سيطبق تدريجياً.
- حجم المخزون المتاح.
- وجود موردين بدلاء.
- أثر التحول في عمل المصافي.
- ضمان عدم انقطاع المشتقات.
- طبيعة العلاقة بين الملف ومسار رفع التصنيف الأمريكي.
- سياسة التسعير خلال المرحلة الانتقالية.
- خطط رفع الإنتاج المحلي.
- معايير اختيار الموردين والعقود.
ولا يتطلب الإفصاح نشر تفاصيل العقود التجارية الحساسة، لكنه يحتاج إلى توضيح الإطار العام الذي يمكن للشركات والمستهلكين بناء توقعاتهم عليه.
مؤشرات يجب متابعتها خلال الأسابيع المقبلة
سيكون من المبكر اعتبار التحول قد بدأ قبل ظهور واحد أو أكثر من المؤشرات الآتية:
- انخفاض عدد الناقلات القادمة من الموانئ الروسية.
- إعلان مناقصة أو عقد لشراء خام من مورد جديد.
- وصول شحنات معلنة من دولة بديلة.
- إصدار بيان رسمي سوري.
- استكمال رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
- فتح قنوات مصرفية أو ضمانات لتمويل واردات الطاقة.
- ارتفاع أو انخفاض تشغيل مصفاتي بانياس وحمص.
- تغير أسعار المحروقات أو مخصصات القطاعات الإنتاجية.
- إعلان خطة زمنية لتنويع مصادر الخام.
- تقدم فعلي في إعادة تأهيل الحقول السورية.
قراءة بوابة الأعمال السورية
تكشف قضية النفط الروسي عن المفارقة الأساسية التي تواجهها سوريا في مرحلة إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية الخارجية.
فمن الناحية السياسية والمالية، قد يساعد الابتعاد عن شبكات النفط الروسية الخاضعة للعقوبات على توسيع الانفتاح على المؤسسات والشركات الغربية.
لكن من الناحية التشغيلية، تمثل روسيا حالياً مورداً يصعب استبداله سريعاً، لأنها توفر كمية كبيرة، عبر شبكة تعرف السوق السورية، وبأسعار مخفضة وفق المعلومات المتاحة.
لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف استبدال اعتماد أحادي باعتماد أحادي جديد، بل بناء محفظة إمداد متنوعة تشمل أكثر من مورد ومسار وآلية تمويل.
كما يجب ربط تنويع الاستيراد بثلاثة مسارات داخلية:
- رفع إنتاج الحقول السورية.
- تأهيل المصافي وخفض الفاقد.
- بناء مخزون استراتيجي من الخام والمشتقات.
من دون هذه المسارات، ستبقى سوريا تنتقل من مورد خارجي إلى آخر بحسب الظروف السياسية، من دون تحقيق أمن طاقة فعلي.
الخلاصة
يشكل استعداد سوريا المبلغ عنه لخفض واردات النفط الروسي تحولاً محتملاً كبيراً في سياستها الاقتصادية وعلاقاتها الخارجية.
لكن الخبر ما يزال قائماً على مصادر غير مسماة، ولم يصدر قرار رسمي أو جدول زمني أو إعلان عن بدائل.
وتوضح الأرقام أن روسيا توفر نحو 60 ألف برميل يومياً، أي كمية تعادل 21.9 مليون برميل سنوياً، وتشكل ما بين 40 و50% من إجمالي الاحتياجات النفطية المقدرة لسوريا.
لذلك فإن أي خفض كبير يجب أن يكون تدريجياً، ومقترناً بعقود بديلة وتمويل وتأمين ومخزون كافٍ.
أما النجاح الحقيقي فلن يقاس فقط بانخفاض نسبة النفط الروسي، بل بقدرة سوريا على تحقيق ثلاثة أهداف معاً:
تأمين الوقود من دون انقطاع، وخفض مخاطر العقوبات والاعتماد السياسي، والحفاظ على تكلفة يمكن للاقتصاد والمستهلك تحملها.