682 مشروعاً تبحث عن التمويل: هل تتحول عودة النازحين إلى برنامج اقتصادي لإعادة إعمار المدن والقرى؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية وجود 682 مشروعاً جاهزاً للتمويل ضمن برنامج يهدف إلى تأهيل البنية التحتية والخدمات في مناطق عودة النازحين، بعد مسوحات حددت 3,344 مجتمعاً ينتمي إليها النازحون ورتبتها بحسب الأولوية.
وفي المرحلة الأولى، اختير 120 مجتمعاً في إدلب وحلب وحماة، وتقول الوزارة إن تأهيل هذه المناطق يمكن أن يهيئ لعودة نحو 65% أو أكثر من النازحين الموجودين في المخيمات. وتشمل الاحتياجات المدارس والمشافي والمستوصفات والأفران وشبكات الصرف الصحي والخدمات البلدية وترميم المنازل، إلى جانب خلق فرص العمل وإزالة الأنقاض والتعامل مع مخاطر الألغام ومخلفات الحرب.
اقتصادياً، أهمية الخطة لا تكمن في إعادة السكان إلى منازلهم فقط.
فالعودة المستدامة تعني إعادة تشغيل القرية أو البلدة نفسها:
عودة الأسر تعيد الطلب إلى الأسواق.
إصلاح المدرسة والمستوصف يعيد الخدمات.
ترميم المنزل يحرك مواد البناء والمقاولات.
إعادة فتح الفرن وشبكة المياه والصرف تعيد القدرة على الاستقرار.
وفرص العمل تسمح للأسرة بالبقاء بعد عودتها بدلاً من النزوح مرة أخرى.
لهذا يمكن النظر إلى الـ682 مشروعاً باعتبارها جزءاً من برنامج للتعافي الاقتصادي المحلي، وليس مجرد حزمة مساعدات إنسانية.
لكن هناك فجوة أساسية يجب عدم تجاوزها:
جاهزة للتمويل لا تعني ممولة.
حتى الآن لم يُعلن إجمالي الكلفة المالية للمشاريع الـ682، ولا حجم التمويل المتاح منها، ولا توزيع الكلفة بين المحافظات والقطاعات، ولا عدد المشاريع التي حصلت بالفعل على ممولين.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
لماذا أصبحت عودة السكان قضية اقتصادية؟
حتى منتصف آب 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من ثلاثة ملايين سوري عادوا من الخارج أو من مناطق النزوح الداخلي منذ كانون الأول 2024، بينما لا يزال نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخل سوريا، ويبقى قرابة أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر.
هذه الأرقام تجعل ملف العودة واحداً من أكبر المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية في سوريا خلال السنوات المقبلة.
فعودة مئات آلاف أو ملايين الأشخاص لا تعني فقط حركة سكانية.
تعني تغيراً في:
مكان الطلب الاستهلاكي.
مكان الحاجة إلى المدارس.
مكان الطلب على السكن.
حجم العمالة المتاحة.
إعادة تشغيل الأراضي الزراعية.
نشوء خدمات وأسواق محلية.
وحاجة البلديات إلى المياه والكهرباء والصرف والنفايات والطرق.
أي أن حركة السكان تعيد رسم الخريطة الاقتصادية المحلية.
وهذا هو سبب أهمية الانتقال من إدارة المخيم إلى إعادة تشغيل مجتمع الأصل.
3,344 مجتمعاً.. لكن 120 فقط في الأولوية الأولى
قد يكون هذا أهم تفصيل في الخطة كلها.
المسوحات الحكومية حددت 3,344 مجتمعاً ينتمي إليها النازحون، لكن المرحلة الأولى تركز على 120 مجتمعاً فقط في إدلب وحلب وحماة. ومع ذلك، تقول الوزارة إن تأهيل هذه المجموعة قد يسمح بعودة نحو 65% أو أكثر من النازحين الموجودين في المخيمات.
هذا يعني أن الخطة، وفق المعطيات المعلنة، لا تتعامل مع جميع المناطق بالطريقة نفسها.
بل تحاول تطبيق منطق:
أين يحقق كل دولار إنفاق أعلى أثر في العودة؟
إذا أمكن بالفعل إعادة النسبة الأكبر من سكان المخيمات من خلال معالجة احتياجات عدد محدود نسبياً من المجتمعات، فإن التركيز المالي في هذه المناطق قد يكون أكثر كفاءة من توزيع التمويل بالتساوي على آلاف القرى والبلدات.
لكن هذا المنطق يحتاج لاحقاً إلى شفافية أكبر.
ما المعايير التي وضعت مجتمعاً في الأولوية الأولى؟
عدد النازحين؟
حجم الدمار؟
قرب الخدمات؟
سهولة إزالة الأنقاض؟
وجود فرص اقتصادية؟
كلفة إعادة التأهيل؟
أم مزيج من جميع هذه العناصر؟
نشر هذه المعايير سيزيد قدرة الممولين على فهم سبب اختيار كل مشروع.
ما المقصود فعلياً بـ682 مشروعاً؟
الإعلان الحكومي لا يتحدث عن نوع واحد من المشاريع.
الحزمة تشمل مجموعة واسعة تبدأ من البنية التحتية الأساسية وتمتد إلى السكن والعمل.
هناك مدارس.
مشافٍ ومستوصفات.
أفران.
صرف صحي.
خدمات بلدية.
ترميم منازل.
إزالة أنقاض.
معالجة مخاطر الألغام.
إضافة إلى مشاريع ترتبط بفرص العمل والتماسك المجتمعي.
اقتصادياً، هذا التنوع مهم.
فإعادة إعمار منطقة عودة لا يمكن أن تعتمد على مشروع واحد.
يمكن ترميم المنزل، لكن الأسرة لن تستقر إذا لم توجد مدرسة.
ويمكن إصلاح المدرسة، لكن العودة ستبقى صعبة إذا لم توجد مياه.
ويمكن إعادة المياه، لكن الأسرة قد تغادر مجدداً إذا لم تجد مصدراً للدخل.
لهذا فإن المنطق الأفضل ليس تمويل «مشروعات منفردة» بقدر ما هو تمويل حزم متكاملة لكل مجتمع.
العودة ليست ترميم منزل فقط
هناك ميل طبيعي عند الحديث عن عودة النازحين إلى التركيز على السكن.
لكن تجربة العودة في سوريا تظهر أن المشكلة أوسع.
المفوضية السامية لشؤون اللاجئين قالت في 13 آب إن الأسر النازحة التي التقتها في مخيم الهجرة بإدلب أشارت إلى أن تدمير المنازل وغياب الخدمات الأساسية في بلداتها وقراها ما يزالان يمنعانها من العودة. كما أكدت أن دعم العودة المستدامة يحتاج إلى السكن والخدمات الأساسية والوثائق وحقوق الملكية وسبل العيش.
وهذا يفسر لماذا تجمع الخطة السورية بين:
المنزل.
والمدرسة.
والصحة.
والبنية التحتية.
والعمل.
فالعودة المستدامة ليست قرار انتقال جغرافي.
هي قرار اقتصادي للأسرة:
هل يمكننا أن نعيش هنا؟
من المساعدة الإنسانية إلى التعافي المبكر
الـ682 مشروعاً تكشف أيضاً تحولاً مهماً في طبيعة الاحتياجات السورية.
في المرحلة الإنسانية التقليدية، تذهب الموارد إلى:
الغذاء.
الخيمة.
المياه المؤقتة.
الرعاية الطارئة.
والتحويلات النقدية.
أما الانتقال إلى العودة فيحتاج إلى نوع آخر من الإنفاق:
إعادة شبكة مياه دائمة.
إصلاح طريق.
ترميم مدرسة.
فتح مستوصف.
إزالة أنقاض.
إعادة منزل.
وخلق مصدر دخل.
هذا الانتقال هو ما يُعرف عادةً بمنطق التعافي المبكر: معالجة الحاجة الإنسانية بطريقة تعيد في الوقت نفسه القدرة الاقتصادية والخدمية للمجتمع.
وهنا يصبح التمويل مختلفاً أيضاً.
فتمويل خيمة لمدة أشهر لا يشبه تمويل شبكة صرف تخدم بلدة لعقود.
إعادة الإعمار السورية أكبر بكثير من 682 مشروعاً
يجب وضع الحزمة ضمن حجم الدمار السوري الأوسع.
البنك الدولي قدّر في تشرين الأول 2025 أن تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا تبلغ نحو 216 مليار دولار في السيناريو المرجعي، منها قرابة 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية. كما قدّر الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تمثل تكلفة المشاريع الـ682، ولا يمكن استخدامها لتقدير ميزانيتها.
لكنها توضح البيئة التي تعمل داخلها الخطة.
فالـ682 مشروعاً ليست «خطة إعادة إعمار سوريا».
هي محاولة لتحديد مجموعة ذات أولوية عالية تستطيع فتح باب العودة في مناطق محددة ضمن احتياج وطني أكبر بكثير.
وهذا التمييز ضروري.
لماذا لا نستطيع حتى الآن حساب تكلفة المشاريع الـ682؟
لسبب بسيط:
لم تُعلن التكلفة الإجمالية.
كما لم تُنشر، في المعلومات المتاحة حتى الآن، بطاقات مالية تفصيلية لكل مشروع.
وهذا نقص جوهري من زاوية التمويل.
فالرقم 682 يجيب عن:
كم مشروعاً؟
لكنه لا يجيب عن:
كم تحتاج الخطة من المال؟
قد يكون مشروع ترميم مدرسة محدود التكلفة مقارنةً بإعادة تأهيل شبكة صرف كاملة.
وقد يختلف ترميم عشرات المنازل جذرياً عن إعادة إنشاء مركز صحي أو فرن أو طريق.
ولهذا فإن متوسط تكلفة موحد لكل مشروع سيكون مضللاً.
المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من:
682 مشروعاً جاهزاً للتمويل
إلى:
682 بطاقة مشروع جاهزة للممول.
ماذا يجب أن تتضمن بطاقة المشروع؟
الممول لا يحتاج إلى اسم المشروع فقط.
يحتاج إلى معرفة موقعه، عدد المستفيدين، وضع الملكية، نطاق الأعمال، الكلفة التقديرية، مدة التنفيذ، الجهة المنفذة، الجهة التي ستشغله بعد الإنجاز، ومؤشرات قياس الأثر.
كما يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المشروع مرتبطاً بعودة عدد محدد من الأسر، وما المشاريع الأخرى التي يجب تنفيذها بالتوازي معه.
في حالة المدرسة مثلاً، السؤال ليس:
كم يكلف البناء؟
بل:
كم طفلاً سيعود إلى التعليم؟
وفي شبكة المياه:
كم شخصاً سيحصل على المياه؟
وفي ترميم المساكن:
كم أسرة تستطيع العودة فعلياً؟
هذه هي الطريقة التي تتحول فيها المشاريع من «قائمة احتياجات» إلى محفظة تمويل قابلة للتقييم والمقارنة.
هناك مثال حديث على ما يمكن أن يعنيه تمويل مشروع واحد
في 30 تموز، وقّع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية اتفاقاً بقيمة مليون دولار لإعادة تأهيل بنية مياه في إدلب.
المشروع يتضمن إصلاح نحو 20 كيلومتراً من شبكات مياه الشرب وتجهيز ثلاثة آبار ومحطات ضخ بأنظمة طاقة شمسية، ويستهدف استعادة وصول المياه إلى قرابة 79 ألف شخص في خان شيخون وسراقب ومعرة النعمان.
هذا المثال لا يمكن استخدامه لتقدير كلفة المشاريع الـ682، لأن طبيعتها مختلفة.
لكنه يقدم دلالة مهمة:
حتى مشروع واحد محدد في قطاع واحد يمكن أن يحتاج إلى تمويل بمليون دولار.
لذلك فإن تحويل قائمة مكونة من مئات المشاريع إلى واقع يحتاج إلى تعبئة تمويلية منظمة، وليس فقط قرارات إدارية.
«جاهزة للتمويل» يجب أن تصبح مرحلة قابلة للقياس
يمكن النظر إلى دورة المشروع في خمس مراحل:
محدد كحاجة → مدروس → جاهز للتمويل → ممول → قيد التنفيذ → دخل الخدمة.
الـ682 مشروعاً، وفق الإعلان، وصلت إلى مرحلة «جاهز للتمويل».
وهذا تقدم مهم إذا كانت الدراسات والمتطلبات الفنية مكتملة.
لكن من منظور اقتصادي، النجاح لن يقاس بعدد المشاريع الجاهزة.
بل بمعدل انتقالها إلى المراحل التالية.
كم مشروعاً حصل على تمويل خلال شهر؟
كم مشروعاً بدأ التنفيذ؟
كم مدرسة دخلت الخدمة؟
كم منزلاً جرى ترميمه؟
وكم أسرة عادت نتيجة ذلك؟
هذه هي مؤشرات الأداء الحقيقية.
من أين يمكن أن يأتي التمويل؟
ليس كل مشروع من الـ682 مناسباً لنفس الممول.
مدرسة في قرية مدمرة ليست مشروعاً استثمارياً تجارياً.
وشبكة صرف صحي لا تحقق بالضرورة عائداً مالياً مباشراً للمستثمر الخاص.
لذلك يحتاج البرنامج إلى مزيج تمويلي.
جزء يمكن أن يأتي من الموازنة الحكومية والمحافظات.
جزء من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
جزء من الدول والجهات المانحة.
جزء من المؤسسات التنموية والصناديق العربية والدولية.
وجزء من المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني، خصوصاً في الترميم والمياه والصحة والتعليم.
أما القطاع الخاص فيمكن أن يؤدي دوراً أكبر كمقاول ومورد ومشغل لبعض الخدمات، وقد توجد مشروعات محددة قابلة لنماذج الشراكة أو الاستثمار، لكن من الخطأ التعامل مع جميع المشاريع الـ682 على أنها «فرص استثمارية» تنتظر مستثمراً يبحث عن عائد.
هي أساساً محفظة تعافٍ وبنية تحتية عامة واجتماعية.
لماذا التنسيق مع الأمم المتحدة مهم؟
وزارة الطوارئ قالت إنها تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية بهدف منع الازدواجية وتحقيق التكامل بين المشاريع.
هذه النقطة شديدة الأهمية في بيئة محدودة التمويل.
إذا مولت جهة مدرسة، وأخرى مدرسة ثانية في الموقع نفسه، بينما بقيت شبكة المياه معطلة، فإن مجموع الأموال لا ينتج عودة مستدامة.
لذلك يحتاج البرنامج إلى ما يشبه «غرفة تمويل» تستطيع أن تقول:
هذا المجتمع يحتاج 12 مشروعاً.
تم تمويل 7.
هناك 5 غير ممولة.
وهذه هي قيمتها وأولويتها.
عندها يصبح التمويل موجهاً إلى الفجوة الفعلية بدلاً من اعتماد كل منظمة على أولويات منفصلة.
إزالة الأنقاض قد تكون المشروع رقم صفر
قبل بناء المدرسة أو إعادة شبكة الصرف، هناك مناطق تحتاج أولاً إلى فتح الطريق نفسه.
وزارة الطوارئ وضعت معالجة الألغام والأنقاض ضمن العناصر الأساسية لخطة العودة.
وتظهر مشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أهمية هذه المرحلة بصورة عملية.
فبرنامج REVIVE يعمل على إزالة 570 ألف طن من الأنقاض في حلب ودير الزور وحمص وريف دمشق، بالتوازي مع تأهيل الطرق والمياه والصرف والتوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة وإعادة تدوير الأنقاض. كما شارك أكثر من 1,300 شخص في أنشطة العمل مقابل الأجر المرتبطة بإزالة الأنقاض، بما دعم أكثر من 6,000 فرد من أسرهم.
هذا المثال يوضح أن إزالة الأنقاض ليست تكلفة صامتة.
يمكن تصميمها بحيث تحقق في الوقت نفسه:
فتح الطريق.
خلق دخل محلي.
استعادة مواد بناء.
وتسهيل وصول الفرق إلى شبكات المياه والكهرباء والمنازل.
أي أنها تستطيع أن تصبح أول دورة اقتصادية داخل عملية العودة.
كل مشروع إعمار يمكن أن يصبح أيضاً مشروع تشغيل
هذه نقطة يجب أن تحتل مكاناً مركزياً في تصميم الخطة.
إذا جاءت شركة من خارج المنطقة، ونفذت المشروع بالكامل بعمالتها ومورديها ثم غادرت، فإن الأثر المحلي سيكون محدوداً.
أما إذا جرى دمج:
عمال محليين.
مقاولين محليين.
شركات نقل.
ورش صيانة.
موردي مواد.
وشباب من الأسر المرشحة للعودة
في التنفيذ، فإن كل دولار إنفاق يحقق وظيفتين:
إصلاح الأصل المادي.
و:
إعادة تشغيل دخل الأسرة.
والهدف المعلن للوزارة يتضمن بالفعل توفير فرص العمل إلى جانب الخدمات.
لهذا يجب ألا تكون الوظائف ملحقاً اجتماعياً بالمشروع.
يفضل أن تصبح جزءاً من معايير تصميمه.
كيف تتحول عودة الأسرة إلى تنشيط اقتصادي؟
عندما تعود أسرة إلى قرية لم يكن فيها سكان، فإن أول أثر هو زيادة الطلب.
تحتاج إلى الغذاء.
مواد ترميم.
الأثاث.
النقل.
الاتصالات.
الخدمات.
الملابس.
الأدوات المنزلية.
ثم تبدأ مرحلة أخرى.
قد يعاد فتح محل.
أو ورشة.
أو أرض زراعية.
أو فرن.
أو سيارة نقل.
ثم يحتاج النشاط إلى موردين.
وهكذا تتشكل الدورة المحلية.
لكن هذه الدورة لا تبدأ بقوة إذا بقيت الخدمات الأساسية مفقودة.
ولهذا فإن البنية التحتية ليست نتيجة للنمو الاقتصادي فقط.
في مناطق العودة، هي شرط لبدء النمو أصلاً.
عودة اليد العاملة أيضاً عنصر اقتصادي
كثير من المجتمعات المتضررة لا تفتقد المستهلكين فقط.
تفتقد العمال وأصحاب الحرف والمزارعين وأصحاب الورش والتجار.
عودة النازحين يمكن أن تعيد معها:
عمال البناء.
المهندسين.
الحرفيين.
المزارعين.
أصحاب المتاجر.
المعلمين.
العاملين الصحيين.
وأصحاب المشروعات الصغيرة.
ولهذا وصف معاون وزير الطوارئ النازحين بأنهم قوة اقتصادية وقيمة مضافة، وليسوا عبئاً فقط، مشيراً إلى أن عودتهم ستسهم في تنشيط اقتصاد المناطق واستقرارها.
هذا توصيف اقتصادي مهم.
فالمجتمع لا يستعيد السكان فقط.
يستعيد جزءاً من رأس ماله البشري.
هل يمكن أن تخفض العودة تكلفة الدولة نفسها؟
في المدى القصير، العودة تحتاج إلى إنفاق.
لكن في المدى الأطول، يمكن أن تقلل بعض أشكال الإنفاق المتكرر على إدارة المخيمات والخدمات المؤقتة إذا أصبحت الأسر قادرة على العيش في مناطقها بصورة مستقرة.
لكن هذه النتيجة ليست تلقائية.
فإن أُغلقت الخيمة قبل أن يجهز المنزل والخدمات والعمل، تتحول المشكلة من مخيم منظم إلى نزوح جديد أو مساكن غير مستقرة.
لذلك يجب ألا يكون مؤشر النجاح:
كم مخيماً أغلق؟
بل:
كم أسرة عادت واستقرت ولم تضطر للنزوح مرة أخرى؟
وهذا يفسر تركيز الخطاب الرسمي والأممي على أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.
لماذا تتركز الأولوية في إدلب وحلب وحماة؟
المعلومات المنشورة تؤكد اختيار 120 مجتمعاً في المحافظات الثلاث، لكنها لا تقدم حتى الآن جدولاً عاماً يشرح بالتفصيل سبب اختيار كل موقع.
ومع ذلك، تتقاطع هذه المحافظات مع وجود تجمعات كبيرة من النازحين والمخيمات وحجم واسع من الدمار والحاجة إلى إصلاح الخدمات.
وكانت لجنة المرسوم 59 قد بحثت في حلب منذ حزيران إزالة الأنقاض والسواتر ومخلفات الحرب والألغام باعتبارها المرحلة التمهيدية، ثم الانتقال إلى المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء والخدمات البلدية، مع الإشارة صراحةً إلى أن محدودية الإمكانات المالية من أبرز التحديات أمام العمل.
وهذا يعيدنا إلى التمويل.
فالاحتياج معروف.
المشكلة هي تحويله إلى مشاريع ثم إلى مال ثم إلى تنفيذ.
الخطر الأكبر: تمويل البناء دون تمويل التشغيل
من الأخطاء المعروفة في مشاريع التعافي أن يتم تمويل إنشاء الأصل ولا يتم التفكير في تشغيله.
يمكن ترميم مستوصف.
لكن من سيدفع رواتب العاملين؟
يمكن إصلاح محطة مياه.
لكن من يمول الكهرباء والصيانة؟
يمكن فتح مدرسة.
لكن هل هناك معلمون وتجهيزات؟
لهذا يجب أن يتضمن تقييم المشاريع ليس فقط CAPEX أو كلفة الإنشاء، بل أيضاً كلفة التشغيل والصيانة بعد التسليم.
فالمرفق الذي يعمل ستة أشهر ثم يتوقف لا يخلق بيئة عودة مستدامة.
وهنا تصبح البلديات والوزارات المعنية شريكاً أساسياً منذ مرحلة تصميم المشروع وليس بعد إنجازه.
682 مشروعاً تحتاج إلى لوحة متابعة عامة
إذا أُريد للحزمة أن تتحول إلى أداة لجذب التمويل وبناء الثقة، فإن نشر لوحة متابعة سيكون خطوة مهمة.
يمكن أن تظهر لكل مشروع:
المحافظة والمجتمع.
القطاع.
المشكلة التي يحلها.
الكلفة التقديرية.
عدد المستفيدين.
الجهة المنفذة.
وضع التمويل.
مرحلة التنفيذ.
وتاريخ آخر تحديث.
عندها يمكن الانتقال من رقم كبير يصعب تقييمه إلى محفظة مشروعات قابلة للمتابعة.
ويمكن كذلك للممول أن يرى أين توجد الفجوات، وللحكومة أن تقيس نسبة الإنجاز، وللمجتمع المحلي أن يعرف ما الذي سيُنفذ ومتى.
الفرق بين «جاهز للتمويل» و«قابل للتمويل»
هذه نقطة تقنية لكنها مهمة.
يمكن أن يكون المشروع جاهزاً إدارياً لتلقي ممول، لكنه لا يزال غير جذاب لجهة تمويل محددة.
الممول الدولي قد يطلب:
دراسة فنية.
جدول كميات.
معايير بيئية واجتماعية.
حقوق ملكية واضحة.
آلية مشتريات.
نظام تدقيق.
مؤشرات أثر.
وخطط تشغيل وصيانة.
لذلك فإن المرحلة التالية لا يجب أن تكون الترويج فقط.
بل مواءمة كل مشروع مع شروط الممول المحتمل.
هذه هي النقلة من «مشروع يحتاج مالاً» إلى «مشروع يمكن أن يحصل على المال».
ما القطاعات التي يمكن أن تستفيد تجارياً؟
رغم أن الحزمة ليست برنامجاً استثمارياً تجارياً، فإن تنفيذها سيخلق طلباً واضحاً داخل السوق.
قطاع الإنشاءات والمقاولات.
الإسمنت والحديد والبلوك.
الأنابيب وشبكات المياه والصرف.
المضخات.
الطاقة الشمسية.
المعدات الكهربائية.
الأبواب والنوافذ.
النقل.
الآليات الثقيلة.
إزالة الأنقاض وإعادة التدوير.
المفروشات المدرسية.
التجهيزات الصحية والطبية.
والمقاولون المحليون.
لذلك فإن تعبئة التمويل للمشاريع يمكن أن تعني بالتوازي محفظة عقود وتوريدات واسعة للشركات السورية.
لكن هذا الأثر لن يظهر بصورة كاملة ما لم تكن آليات التوريد والمناقصات شفافة ومفتوحة وتمنح الشركات المحلية القادرة فرصة للمنافسة.
مشاريع العودة قد تعيد أيضاً تشغيل الزراعة
في عدد كبير من القرى، العودة لا تعني إعادة منزل فقط.
تعني إعادة عامل زراعي إلى أرضه.
وأسرة إلى مزرعتها.
وسوقاً إلى المنتجات.
وفرناً إلى إنتاج الخبز.
ومدرسة تجعل الأسرة قادرة على الاستقرار.
لهذا يمكن أن يكون الأثر الاقتصادي في الريف أعلى من القيمة المباشرة للمشروع نفسه.
إصلاح شبكة مياه أو طريق زراعي قد يعيد معه عشرات الأنشطة الخاصة التي لا تمولها الحكومة أصلاً.
وهذا ما يجعل اختيار المشروع الصحيح أكثر أهمية من حجم إنفاقه فقط.
ثلاثة سيناريوهات أمام برنامج الـ682 مشروعاً
السيناريو الأول: تبقى المحفظة أكبر من التمويل المتاح
يحصل عدد محدود من المشاريع على منح، بينما تبقى أجزاء كبيرة من القائمة غير ممولة.
يستمر جزء من العودة، لكن الخدمات تظل غير مكتملة في العديد من المناطق.
وهنا يصبح رقم 682 تعبيراً عن حجم الاحتياج أكثر منه برنامجاً تنفيذياً.
السيناريو الثاني: تمويل متفرق دون تكامل
تمول منظمات ودول مشاريع متعددة، لكن من دون ربطها في حزم جغرافية متكاملة.
قد تفتح المدرسة ويبقى الماء غائباً.
أو يُرمم منزل ولا توجد فرصة عمل.
ويتحسن الوضع لكن العودة المستدامة تبقى أقل من المستهدف.
السيناريو الثالث: تمويل مجتمعات لا مشروعات منفردة
يُختار كل مجتمع ذي أولوية، وتُحدد جميع الفجوات اللازمة لعودة سكانه:
أنقاض.
مياه.
صرف.
مدرسة.
صحة.
سكن.
فرص عمل.
ثم يجري توزيع تمويل الحزمة على شركاء مختلفين مع جهة واحدة تنسق النتيجة.
هذا هو السيناريو الأكثر قدرة على تحويل التمويل إلى عودة فعلية ونشاط اقتصادي مستدام.
ما الذي يجب مراقبته خلال الأشهر المقبلة؟
هناك ستة مؤشرات ستحدد ما إذا كان إعلان الـ682 مشروعاً أصبح برنامج إعادة إعمار فعلياً.
أولها إجمالي التمويل المطلوب.
فبدون رقم مالي، لا يمكن قياس فجوة التمويل.
الثاني حجم التمويل المؤمّن.
الثالث عدد المشاريع التي بدأت التنفيذ فعلياً.
الرابع عدد المنازل والخدمات التي دخلت الخدمة.
الخامس عدد الأسر التي عادت نتيجة كل حزمة مشاريع.
والسادس، والأهم، كم من هذه الأسر بقي في مناطق العودة بعد ستة أشهر أو سنة؟
فالعودة المستدامة هي النتيجة النهائية، لا افتتاح المشروع.
لماذا يمكن أن تصبح الـ120 مجتمعاً نموذجاً وطنياً؟
إذا نجحت الأولوية الأولى، يمكن أن تنتج الحكومة نموذجاً قابلاً للتكرار.
المسح.
تحديد المجتمع.
حصر السكان المتوقع عودتهم.
تحديد فجوات الخدمات.
بناء محفظة مشاريع.
جذب التمويل.
التنفيذ.
قياس العودة.
ثم الانتقال إلى المجموعة التالية.
بهذه الطريقة يمكن التعامل مع إعادة الإعمار كعملية متدرجة تعتمد على البيانات لا كمشروع واحد ضخم يحتاج عشرات مليارات الدولارات دفعة واحدة.
وهذا مهم في بلد يقدر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار أصوله بمئات مليارات الدولارات.
من إعادة الإعمار الشامل إلى «إعادة الإعمار القابلة للتمويل»
لا تستطيع سوريا انتظار توفر 216 مليار دولار ثم بدء إعادة البناء.
الأكثر واقعية هو تقسيم الاحتياج الوطني الضخم إلى وحدات أصغر:
قرية.
بلدة.
حي.
شبكة مياه.
مدرسة.
مستوصف.
مجموعة منازل.
ثم تحويل كل وحدة إلى مشروع واضح يمكن تمويله وتنفيذه وقياس أثره.
من هذه الزاوية، أهم ما في إعلان الـ682 مشروعاً ليس عددها.
بل أنه يشير إلى محاولة تحويل الدمار من رقم وطني ضخم يصعب تمويله إلى محفظة مشاريع محددة يمكن البحث عن ممولين لها واحدة تلو الأخرى أو ضمن حزم.
إذا نجح هذا التحول، فهو بحد ذاته تطور مهم في منهجية إعادة الإعمار السورية.
الخلاصة
إعلان وجود 682 مشروعاً جاهزاً للتمويل لا يعني أن سوريا حصلت على تمويل لـ682 مشروعاً.
ولا يعني أن التنفيذ بدأ فيها جميعاً.
ولا توجد حتى الآن قيمة مالية إجمالية منشورة تسمح بتقدير حجم الحزمة أو فجوة التمويل.
لكن الإعلان مهم لسبب مختلف.
هو يقدم بداية لتحويل ملف عودة النازحين من قضية مرتبطة بالمخيمات والمساعدات إلى برنامج مكاني للتعافي وإعادة الإعمار.
هناك 3,344 مجتمعاً جرى تحديدها.
120 مجتمعاً دخلت الأولوية الأولى.
وتقول الحكومة إن تأهيلها قد يهيئ لعودة 65% أو أكثر من النازحين الموجودين في المخيمات.
وفي الوقت نفسه، تؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري عادوا بالفعل من الخارج أو النزوح الداخلي منذ كانون الأول 2024، وأن السكن والخدمات وسبل العيش أصبحت من العوامل المركزية لاستدامة العودة.
لهذا فإن السؤال الاقتصادي ليس:
كم مخيماً يمكن إغلاقه؟
بل:
كم مجتمعاً يمكن إعادة تشغيله؟
وكم وظيفة ستعود؟
وكم سوقاً محلية ستفتح؟
وكم منزلاً سيصبح صالحاً للسكن؟
وكم مدرسة ومستوصف وشبكة مياه ستعمل؟
وكم أسرة ستتمكن من العودة والبقاء؟
إذا تحولت الـ682 مشروعاً إلى تمويل ثم تنفيذ ثم استقرار سكاني وإنتاج محلي، فإن البرنامج لن يكون مجرد مشروع لإنهاء النزوح.
يمكن أن يصبح واحداً من أوائل النماذج العملية لـإعادة الإعمار من الأسفل إلى الأعلى في سوريا: مجتمعاً بعد مجتمع، وخدمة بعد خدمة، ومشروعاً بعد مشروع.
لكن الاختبار يبدأ الآن من سؤال لم يُجب عنه الإعلان بعد:
من سيمول الـ682 مشروعاً، وكم منها سينتقل فعلياً من الورق إلى الأرض؟