من إحياء كركوك–بانياس إلى ممر نفطي بـ15 مليار دولار.. هل تصبح سوريا بوابة العراق إلى المتوسط؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
المعلومة الأهم في ملف خط النفط العراقي–السوري لم تعد أن بغداد ودمشق تريدان إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس التاريخي.
الجديد، وفق معلومات كشفتها رويترز في 17 آب 2026 نقلاً عن مصدرين مطلعين على المشروع، أن حالة الخط القديم والمواصفات المطلوبة للمشروع الجديد قد تجعل إعادة التأهيل التقليدية غير كافية عملياً.
التصور الجاري دراسته يتجه نحو إنشاء منظومة أنابيب نفط جديدة ومتكاملة تربط حقول العراق الجنوبية والشمالية بمركز تجميع في حديثة غرب العراق، ثم تمتد إلى بانياس على الساحل السوري. وتقدر المصادر أن الإنشاء قد يحتاج نحو أربع سنوات وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار.
الولايات المتحدة تحدثت عن طاقة أولية مستهدفة تقارب مليوني برميل من النفط الخام يومياً، أي أكثر من ستة أضعاف الطاقة التقريبية للخط التاريخي، بينما لم تقدم Chevron حتى الآن تقديراً نهائياً لسعة المشروع، مؤكدة أن الدراسات الفنية ما تزال ضرورية لحسم ما إذا كانت أجزاء من البنية القديمة ستُعدل أو توسع أو يعاد بناؤها بالكامل.
المشروع بذلك لم يعد مجرد ملف سوري–عراقي لإحياء أصل قديم.
إذا نُفذ بالحجم المطروح، فقد يصبح:
ممر تصدير استراتيجياً للعراق.
منفذاً برياً إلى المتوسط بعيداً عن مضيق هرمز.
مشروع بنية تحتية بمليارات الدولارات يمر عبر سوريا.
ومصدراً محتملاً لإيرادات العبور والتخزين والمرافئ والخدمات والطاقة لسوريا.
لكن المشروع حتى الآن لا يزال في مرحلة الدراسات والاتفاقات الأولية، ولا يوجد قرار استثماري نهائي أو هيكل تمويل معلن أو جدول تنفيذ ملزم.
وهذا الفرق هو النقطة الأساسية التي يجب فهمها.
ما الذي تغير فعلياً؟
في 18 تموز 2026 أعلنت سوريا توقيع مذكرتي تفاهم خلال اجتماعات في الولايات المتحدة.
الأولى بين الشركة السورية للبترول وشركة نفط البصرة العراقية، وتركزت على إعادة تأهيل وربط خط كركوك–بانياس.
أما الثانية فكانت مع تحالف دولي يضم:
Chevron الأميركية.
UCC Holding القطرية.
TI Capital.
والهدف منها إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع إطار لتنفيذ المشروع والمنشآت المرتبطة به.
في ذلك الوقت كان الخطاب الرسمي يتحدث بصورة أساسية عن إعادة تأهيل وإحياء الممر التاريخي.
لكن المعلومات التي ظهرت في 17 آب رفعت المشروع إلى مستوى مختلف.
مصدران مشاركان في الملف قالا لرويترز إن أجزاء الخط القديم المتبقية لا تتوافق مع المواصفات الجديدة المطلوبة، وإن التصور الحالي يحتاج عملياً إلى بنية أنابيب جديدة بالكامل أو إلى حد كبير جداً.
أي أننا انتقلنا من سؤال:
كم يكلف إصلاح كركوك–بانياس؟
إلى سؤال آخر:
هل يجري تصميم شبكة تصدير عراقية جديدة بالكامل تنتهي على الساحل السوري؟
وهذا تغيير جوهري في حجم المشروع ومعناه الاقتصادي.
من كركوك وحدها إلى حقول العراق جنوباً وشمالاً
الخط التاريخي كان مرتبطاً أساساً بنفط كركوك.
أما التصور الجديد فهو أوسع بكثير.
وفق المصادر التي تحدثت إلى رويترز، سيتم ربط الحقول العراقية الجنوبية والشمالية بمنظومة تتجمع عند حديثة غرب العراق قبل الاتجاه إلى بانياس. كما قالت Chevron إن أي خط كبير من هذا النوع سيحتاج إلى الارتباط أيضاً بمناطق الإنتاج الجنوبية، بما فيها غرب القرنة 2 والناصرية، وهما ملفان تجريان حولهما مباحثات منفصلة بين الشركة والعراق.
وهذا مهم.
فالمشروع لم يعد يعتمد فقط على نفط كركوك في الشمال.
إذا تم توصيل حقول الجنوب إلى حديثة ثم سوريا، فإن بانياس يمكن أن تصبح منفذاً لجزء من إنتاج مناطق تبعد حالياً بصورة كبيرة عن المتوسط وتعتمد أساساً على موانئ الخليج.
وهنا يصبح الخط جزءاً من إعادة تصميم خريطة صادرات العراق وليس مجرد مشروع لإحياء خط تاريخي.
لماذا يحتاج العراق إلى هذا المشروع الآن؟
حتى الأزمة الإقليمية الأخيرة، كان العراق يعتمد بدرجة كبيرة جداً على الموانئ الجنوبية القريبة من البصرة.
قبل الحرب الإقليمية وتعطل حركة مضيق هرمز، كان العراق يصدر نحو 3.6 ملايين برميل يومياً، معظمها عبر الخليج. وبعد اضطراب المضيق، انخفضت قدرة العراق على إخراج نفطه بصورة حادة، وهو ما أعاد قضية تنويع مسارات التصدير إلى صدارة أولويات الطاقة العراقية.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم المشكلة الإقليمية الأوسع.
فحركة النفط والسوائل البترولية عبر مضيق هرمز هبطت من نحو 21.6 مليون برميل يومياً في الربع الأخير من 2025 إلى نحو 4.9 ملايين برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 في ظل الاضطرابات الإقليمية.
بالنسبة إلى دولة مثل العراق، تعتمد إيراداتها الخارجية بصورة كبيرة على النفط، فإن امتلاك طريق واحد رئيسي للتصدير يمثل مخاطرة استراتيجية.
لهذا تعمل بغداد على أكثر من مسار في الوقت نفسه.
إلى جانب بانياس، أعادت العراق تدفقات عبر خط كركوك–جيهان باتجاه تركيا بطاقة مستهدفة تقارب 250 ألف برميل يومياً، كما أن الدراسات التي أقرها مجلس الوزراء العراقي تشمل مقارنة مسارين رئيسيين:
البصرة–حديثة–كركوك–جيهان.
و:
البصرة–حديثة–بانياس.
إذن بانياس ليست المشروع الوحيد.
لكنها يمكن أن تصبح أحد أكبر الخيارات البديلة إذا أثبتت الدراسات جدواها.
مليونا برميل يومياً.. ماذا يعني الرقم؟
الخط التاريخي كان يمتلك طاقة تقارب 300 ألف برميل يومياً وفق البيانات التي استندت إليها رويترز.
أما الرقم المطروح للمشروع الجديد فهو نحو:
2,000,000 برميل يومياً.
أي ما يعادل نحو 6.7 أضعاف الطاقة القديمة.
وعند التشغيل الكامل نظرياً، تعادل هذه الطاقة:
730 مليون برميل سنوياً.
وهذا الرقم يوضح أننا لا نتحدث عن خط مخصص لتغذية السوق السورية أو مصفاة بانياس فقط.
المشروع، إذا وصل إلى هذه الأحجام، هو قبل كل شيء منظومة تصدير وترانزيت دولية.
وقد يحصل جزء من الخام مستقبلاً على مسار إلى المصافي السورية إذا نصت الاتفاقات التجارية على ذلك، وهو احتمال أشارت إليه تحليلات رسمية سورية، لكن الوظيفة الاقتصادية الأساسية للحجم المقترح هي الوصول إلى الأسواق الدولية عبر المتوسط.
المشروع الجديد أكبر بكثير من الخط التاريخي
الخط القديم نفسه كان منشأة ضخمة بمعايير عصره.
وفق بيانات تاريخية أوردتها سانا استناداً إلى تقرير أممي، بلغ طول خط كركوك–بانياس نحو 895 كيلومتراً، وبلغت طاقته السنوية نحو 13.5 مليون طن من الخام.
كما أُنشئت إلى جانبه 23 منشأة تخزين بطاقة إجمالية تقارب 575 ألف طن، وجُهزت محطة بانياس النفطية للتعامل مع حجم مماثل من النفط.
لكن المشروع الجديد يتجاوز هذا التصور بكثير.
فإنشاء منظومة قادرة على نقل مليوني برميل يومياً يعني الحاجة إلى:
أقطار أنابيب أكبر.
محطات ضخ جديدة.
خزانات واسعة.
منظومات قياس وتحكم.
حماية ومراقبة.
مرافق تحميل بحرية.
ربط مع حقول متعددة.
وتحديث أو توسيع منشآت بانياس.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يتحدث المطلعون على المشروع عن كلفة لا تقل عن 15 مليار دولار وفترة بناء تصل إلى أربع سنوات.
15 مليار دولار.. ماذا يعني الرقم لسوريا؟
هنا يجب تجنب خطأ تحريري مهم.
الـ15 مليار دولار ليست قيمة استثمار معلنة داخل سوريا.
هي تقدير أولي أورده مصدران مطلعان لرويترز لكلفة المنظومة المتكاملة المقترحة، التي تمتد داخل العراق ثم عبر الأراضي السورية إلى بانياس. ولم تصدر حتى الآن ميزانية رسمية تحدد كم سينفق داخل العراق وكم سينفق داخل سوريا.
لكن حتى لو استحوذ الجزء السوري على نسبة محدودة من الكلفة الإجمالية، فإن المشروع يمكن أن يولد عقوداً كبيرة في:
أعمال الأنابيب.
الهندسة المدنية.
الحفر والردم.
محطات الضخ.
الخزانات.
الطرق الخدمية.
الاتصالات والتحكم.
الحماية.
الكهرباء.
الموانئ.
الخدمات الهندسية.
الصيانة.
النقل.
والإمداد.
وهذا يعني أن أثر المشروع المحتمل لا يقتصر على رسوم عبور النفط بعد التشغيل.
هناك أيضاً اقتصاد إنشاءات وخدمات كامل خلال سنوات التنفيذ.
كم يمكن أن تكسب سوريا من العبور؟
حتى الآن لا توجد تعرفة عبور معلنة ولا اتفاق منشور لتقاسم الإيرادات.
ولهذا لا يمكن تقديم رقم رسمي لإيرادات سوريا المستقبلية.
لكن يمكن بناء سيناريو حسابي فقط لفهم حجم المتغير.
إذا عمل الخط بكامل الطاقة المستهدفة، فإنه ينقل نظرياً نحو:
730 مليون برميل سنوياً.
لو افترضنا — لأغراض الحساب فقط وليس كتوقع — أن صافي الرسم المرتبط بالعبور والخدمات يبلغ:
0.5 دولار للبرميل
فإن القيمة الإجمالية تعادل نحو 365 مليون دولار سنوياً.
1 دولار للبرميل
تعادل نحو 730 مليون دولار سنوياً.
2 دولار للبرميل
تعادل نحو 1.46 مليار دولار سنوياً.
هذه ليست تقديرات لما ستحصل عليه الحكومة السورية.
فالرسوم الفعلية قد تكون أعلى أو أقل، وقد يكون نموذج الإيرادات مختلفاً تماماً، كما أن تكاليف التشغيل والصيانة والتمويل وملكية الأصول ستؤثر في توزيع العائد.
لكن هذه الحسبة توضح لماذا تصبح شروط اتفاق العبور والتشغيل أهم اقتصادياً من الإعلان عن الخط نفسه.
بانياس بدأت فعلياً باختبار دورها الجديد
ما يجعل المشروع أكثر من تصور بعيد أن ممراً نفطياً عراقياً عبر سوريا يعمل بالفعل، وإن كان بصورة مؤقتة وأصغر كثيراً.
منذ نيسان 2026 بدأ العراق نقل كميات كبيرة من زيت الوقود بالشاحنات عبر سوريا إلى بانياس، حيث يجري تفريغها في منشآت تخزين متصلة بالمنصة البحرية ثم إعادة تصديرها إلى الأسواق الدولية.
وفي حزيران ذكرت رويترز أن العراق كان قد أبرم عقوداً لتوريد نحو 650 ألف طن من زيت الوقود شهرياً خلال الفترة بين نيسان وحزيران عبر المسار السوري، وأن منشآت بانياس أصبحت قادرة حينها على تفريغ ما يصل في المتوسط إلى نحو 900 شاحنة صهريج يومياً.
كما كانت خطط عراقية–سورية تتجه إلى بدء نقل الخام عبر الشاحنات بنحو 50 ألف برميل يومياً، إلى جانب النافثا، مع التحضير لافتتاح حضور لشركة تسويق النفط العراقية SOMO في بانياس.
هذه الحركة مهمة لسببين.
الأول أنها تثبت أن الممر العراقي–السوري–المتوسط يعمل تجارياً بالفعل.
والثاني أنها توضح لماذا لا تستطيع الشاحنات أن تكون الحل النهائي.
من آلاف الشاحنات إلى أنبوب
نقل النفط بالشاحنات يوفر حلاً سريعاً في الأزمات، لكنه مكلف ومعقد ومحدود الحجم.
رويترز وثقت طوابير من الصهاريج تمتد لعشرات الكيلومترات على الطريق المؤدي إلى بانياس، إضافة إلى حوادث مرورية وتسربات ومشكلات مرتبطة بحالة الطرق.
وإذا أراد العراق نقل مليوني برميل يومياً، يصبح الاعتماد على الشاحنات غير قابل للمقارنة أصلاً.
فالخط الجديد لن يكون مجرد طريقة أخرى لنقل الكميات الحالية.
هو انتقال من ممر طوارئ بري إلى بنية تحتية استراتيجية دائمة.
وهذا أحد أهم أوجه المشروع بالنسبة إلى سوريا.
فبدلاً من أن تكون البلاد ممراً مؤقتاً لآلاف الشاحنات، يمكن أن تصبح جزءاً من شبكة طاقة ثابتة تعمل لعقود.
ماذا يمكن أن يعني المشروع لبانياس؟
قد تكون بانياس أكثر المدن السورية تأثراً بالمشروع إذا نُفذ.
فالوصول إلى طاقة بملايين البراميل يومياً سيحتاج إلى منظومة ساحلية تتجاوز وجود أنبوب ينتهي عند البحر.
ستكون هناك حاجة إلى تقييم أو توسيع:
خزانات النفط.
مرافق القياس.
خطوط الربط الداخلية.
مضخات ومنظومات التحكم.
مرافق تحميل الناقلات.
السلامة الصناعية.
خدمات مكافحة الحرائق والتسرب.
المختبرات.
الصيانة.
الكهرباء.
والطرق والبنية المساندة.
وهذا يمكن أن يعيد تشكيل بانياس من مدينة مرتبطة أساساً بالمصفاة والطاقة إلى عقدة تصدير وخدمات نفطية إقليمية إذا جرى تطوير المنظومة بهذا الاتجاه. ويؤكد الجانب السوري نفسه أن المشروع قد يولد دخلاً من العبور والتخزين والموانئ والتكرير والخدمات المرتبطة بالطاقة.
وهل تستفيد مصفاة بانياس نفسها؟
يمكن للمشروع أن يحمل منفعة ثانية مختلفة عن الترانزيت.
سوريا تحتاج إلى خام مستقر لتشغيل قدراتها التكريرية وتقليل اعتمادها على استيراد المشتقات أو النفط من مصادر بعيدة.
وفي بداية 2026 بدأت سوريا بالفعل نقل النفط من الحقول الشرقية المستعادة إلى مصفاتي حمص وبانياس، ضمن خطة لزيادة الإنتاج المحلي وإعادة تشغيل منظومة الطاقة.
لكن خط العراق يمكن أن يوفر مصدراً إضافياً أكثر انتظاماً إذا تضمنت الاتفاقيات المستقبلية تخصيص جزء من الخام للسوق السورية.
المصادر السورية التي تناولت المشروع أشارت إلى هذا الاحتمال، لكنها أكدت أنه يتوقف على الاتفاق التجاري النهائي بين البلدين.
وهذا التفريق مهم:
وجود خط يمر بسوريا لا يعني تلقائياً حصول سوريا على النفط.
الأمر يحتاج عقد توريد أو تخصيصاً ضمن الاتفاقات التشغيلية.
العراق يكسب أكثر من طريق إلى السوق
بالنسبة إلى بغداد، القيمة الأساسية ليست فقط بيع كمية إضافية من النفط.
إنها امتلاك خيارات.
حالياً هناك:
الموانئ الجنوبية عبر الخليج.
خط كركوك–جيهان باتجاه تركيا.
المسار المحتمل إلى بانياس.
ودراسات لربط إنتاج الجنوب بحديثة ثم توجيهه إلى أكثر من منفذ.
هذه البنية تقلل المخاطر المرتبطة بتعطل طريق واحد.
ويمكن مستقبلاً أن تمنح العراق مرونة في اختيار الميناء والمسار وفق:
التكلفة.
الأمن.
الأسواق المستهدفة.
الطاقة المتاحة.
وشروط العبور.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى بانياس بالضرورة كمنافس يلغي جيهان.
الأقرب أن بغداد تريد محفظة من مسارات التصدير بدلاً من الاعتماد على مسار واحد.
ماذا يعني ذلك لموقع سوريا الاقتصادي؟
إذا وصل نفط الجنوب والشمال العراقي إلى بانياس، تصبح سوريا فعلياً جزءاً من منظومة تربط الخليج والعراق بالبحر المتوسط.
وهذا يتقاطع مع التصور الأوسع الذي تطرحه دمشق لما يسمى مبادرة البحار الأربعة، القائمة على تحويل موقع سوريا إلى نقطة ربط بين شبكات الطاقة والنقل والسكك والاتصالات في المنطقة. وقد وضعت التغطية الرسمية السورية مشروع العراق–بانياس ضمن التطبيق العملي لهذا التوجه.
التحول هنا مهم.
فالموقع الجغرافي لا يولد إيرادات بمفرده.
القيمة تبدأ عندما تمر عبر هذا الموقع:
أنابيب.
طرق.
سكك.
كابلات.
بضائع.
طاقة.
وبيانات.
كل شبكة من هذه الشبكات تحول الجغرافيا من مجرد موقع على الخريطة إلى أصل اقتصادي قابل للتشغيل.
Chevron ليست مجرد اسم في المذكرة
وجود Chevron يضيف للمشروع بعداً يتجاوز تنفيذ دراسة فنية.
الشركة تجري بالتوازي مفاوضات مع العراق للدخول إلى حقول غرب القرنة 2 والناصرية، وهما من الأصول التي يمكن أن تشكل مستقبلاً جزءاً من قاعدة الإنتاج المرتبطة بالمسار الجديد.
كما تبحث الشركة نفسها مع العراق بدائل خطوط الأنابيب لتجاوز الاعتماد على مضيق هرمز.
وفي سوريا، كانت الشركة قد وقعت في شباط 2026 مذكرة منفصلة مع الشركة السورية للبترول وPower International Holding مرتبطة باستكشاف وتطوير أول مشروع بحري للنفط والغاز السوري.
وهذا يجعل وجود Chevron في خط بانياس جزءاً من توسع أكبر في ملفات الطاقة السورية والعراقية.
لكن يجب عدم القفز إلى استنتاج أن Chevron قررت تمويل أو تنفيذ الخط.
دورها المعلن في هذه المرحلة يتعلق بالدراسات والتقييم، ولم تعلن الشركة قرار استثمار نهائياً.
ماذا عن الـ15 مليار دولار؟ من سيدفع؟
هذه إحدى أكبر المساحات المفتوحة في المشروع.
لم يُعلن حتى الآن:
حجم مساهمة الحكومتين.
نسبة التمويل الخاص.
هيكل ملكية الخط.
تعرفة النقل.
نموذج الامتياز.
العائد المطلوب للمستثمرين.
أو مصادر الدين والضمانات.
بل إن موافقة الحكومة العراقية في تموز على الدراسات كانت واضحة في أن الاتفاقات الأولية لا تنشئ التزاماً مالياً أو تعاقدياً نهائياً على وزارة النفط العراقية.
وهذا يعني أن المشروع لم يدخل بعد المرحلة التي يمكن عندها القول إن مبلغ 15 مليار دولار أصبح «تمويلاً مؤمناً».
من منظور تمويل المشاريع، بنية بهذه الكلفة تحتاج غالباً إلى وضوح طويل الأجل حول:
من يضخ النفط؟
كمية النفط المضمونة؟
كم تدفع شركة التسويق مقابل النقل؟
من يتحمل مخاطر انخفاض الاستخدام؟
من يملك الأصول؟
وكيف تسترد كلفة رأس المال؟
ولهذا قد تكون العقود التجارية أهم من الدراسات الهندسية في حسم ما إذا كان المشروع سينتقل فعلاً إلى البناء.
أربعة أعوام للبناء.. هل يبدأ العد الآن؟
لا.
رقم السنوات الأربع الذي كشفته رويترز هو تقدير لفترة الإنشاء، وليس وعداً بأن الخط سيكون جاهزاً في 2030.
قبل بدء التنفيذ يجب المرور بمجموعة مراحل:
استكمال الدراسات الفنية.
حسم المسار.
دراسات الأرض والبيئة.
تحديد حقوق المرور واستخدام الأراضي.
إزالة أو معالجة أجزاء من البنية القديمة.
تحديد التمويل.
التوصل إلى الاتفاقات التجارية.
اختيار المقاولين.
ثم إصدار قرار الاستثمار النهائي.
رويترز أشارت تحديداً إلى أن الجدول قد يتأثر بالحاجة إلى إزالة بنية قديمة والحصول على حقوق استخدام أراضٍ جديدة داخل سوريا.
لذلك:
أربع سنوات هي مدة بناء محتملة بعد اكتمال مراحل أساسية، وليست مهلة تبدأ من تاريخ مذكرة التفاهم.
أكبر التحديات أمام المشروع
1. التمويل
15 مليار دولار رقم ضخم حتى في قطاع الطاقة العالمي.
ويحتاج المشروع إلى نموذج واضح لاسترداد هذه الكلفة.
2. حجم الاستخدام الفعلي
الطاقة التصميمية لا تعني أن مليوني برميل سيمران من اليوم الأول.
Chevron نفسها أشارت إلى أن خطوط الأنابيب الكبرى لا تبدأ عادةً باستخدام 100% من طاقتها فور التشغيل، ولم تعلن الشركة تقديراً نهائياً لسعة المشروع.
3. حقوق الأراضي والمسار
أي أنبوب بهذا الطول يحتاج إلى ممر آمن ومستقر وحقوق تشغيل واضحة على جانبي الحدود.
4. البنية في بانياس
وصول مليوني برميل يومياً يحتاج إلى طاقة تخزين وتحميل وخدمات بحرية تتناسب مع حجم المشروع.
5. الاتفاق السياسي والتجاري طويل الأجل
خط نفطي دولي لا يبنى لسنوات قليلة.
يحتاج ترتيبات تستطيع الاستمرار لعقود رغم تغير الحكومات والأسعار والظروف الإقليمية.
خمسة أسئلة يجب مراقبتها قبل وصف المشروع بأنه «قيد التنفيذ»
هناك فرق كبير بين:
مذكرة تفاهم.
دراسة جدوى.
قرار استثمار.
عقد إنشاء.
وبدء أعمال ميدانية.
ولهذا يجب مراقبة خمسة مؤشرات رئيسية:
أولاً: ما نتيجة الدراسة الفنية؟
هل تؤكد فعلاً بناء منظومة جديدة بالكامل، وما المسار النهائي؟
ثانياً: ما السعة المعتمدة؟
هل تعتمد مليونا برميل يومياً أم يبدأ المشروع بسعة أقل؟
ثالثاً: من يمول الـ15 مليار دولار؟
وما نصيب القطاع الخاص والحكومات والمؤسسات المالية؟
رابعاً: ما نموذج إيرادات سوريا؟
رسوم عبور؟ مشاركة في المشروع؟ تخزين ومرافئ؟ توريد نفط؟ أم مزيج منها؟
خامساً: متى يصدر قرار الاستثمار النهائي؟
فهذه النقطة هي التي تفصل بين المشروع المدروس والمشروع الذي أصبح قابلاً للبناء.
فرصة كبيرة للشركات السورية أيضاً
إذا دخل المشروع التنفيذ، فإن الشركات المستفيدة لن تكون فقط شركات النفط العالمية.
هناك سلسلة توريد ضخمة يمكن أن تشمل:
المقاولين.
شركات الأعمال المدنية.
مصانع الإسمنت.
مصنعي الأنابيب والمنشآت المعدنية.
النقل الثقيل.
الخدمات الهندسية.
الفحوص والاختبارات.
المساحة والمسح.
الأمن الصناعي.
أنظمة المراقبة.
الكابلات والاتصالات.
الطاقة الكهربائية.
المستودعات.
الخدمات البحرية.
الفنادق والسكن والخدمات اللوجستية للعمال.
والصيانة طويلة الأجل.
وبالتالي يجب التعامل مع خط بانياس بوصفه مشروع بنية تحتية متعدد القطاعات، لا مشروعاً يخص قطاع النفط وحده.
هل يمكن أن يولد حول بانياس عنقود طاقة جديداً؟
هذا أحد السيناريوهات الأكثر أهمية على المدى الطويل.
إذا وصلت إلى المنطقة كميات كبيرة من النفط الخام، فقد يصبح منطقياً اقتصادياً دراسة استثمارات إضافية في:
التخزين الاستراتيجي.
المرافئ النفطية.
مزج الخامات.
الخدمات البحرية.
الصيانة.
البتروكيماويات.
التكرير.
مناطق الخدمات اللوجستية.
وتوليد الطاقة المرتبط بالقطاع.
لا يعني ذلك أن هذه المشاريع ستظهر تلقائياً.
لكن البنية التحتية الكبيرة تغير عادةً جغرافيا الاستثمار من حولها.
فالمستثمر يفضل إقامة جزء من سلسلة القيمة قرب المورد والممر والسوق.
وهنا يمكن أن يصبح الساحل السوري، وبانياس تحديداً، مركزاً لاستثمارات طاقة أكبر من وظيفة الخط وحدها.
من خط نفط إلى ممر اقتصادي
الأثر الأكثر استراتيجية يمكن أن يظهر عندما يقترن المشروع بمشاريع سورية أخرى.
بانياس وطرطوس واللاذقية تعمل على تطوير الموانئ.
السكك الحديدية تعود تدريجياً إلى نقل البضائع والحاويات.
الطرق البرية مع العراق والخليج تتوسع.
وتناقش سوريا مشاريع ربط للطاقة والاتصالات والنقل ضمن رؤية إقليمية أوسع.
إذا تطورت هذه المسارات بالتوازي، فإن وظيفة سوريا الاقتصادية يمكن أن تتغير من:
سوق محلية تحتاج إلى إعادة بناء
إلى:
سوق + ممر عبور + منصة لوجستية + عقدة طاقة بين العراق والمتوسط.
وهذا تحول أكبر من أي مشروع منفرد.
ثلاثة سيناريوهات للمشروع
السيناريو الأول: يبقى في مرحلة الدراسات
تنتهي الدراسات إلى أن الكلفة أو المخاطر أو التمويل لا تسمح بالتنفيذ بالحجم المقترح.
عندها قد تبقى حركة الشاحنات أو يتم تطوير خط أصغر.
السيناريو الثاني: تنفيذ مرحلي
يبدأ المشروع بطاقة أقل من مليوني برميل يومياً، ثم تتم التوسعة لاحقاً بحسب الطلب.
وهذا سيناريو منطقي نظراً إلى إشارة Chevron نفسها إلى أن مشاريع الأنابيب لا تصل إلى كامل طاقتها منذ اليوم الأول.
السيناريو الثالث: تنفيذ المنظومة المتكاملة
تربط البصرة والحقول الجنوبية بحديثة، وتربط حقول الشمال بالشبكة نفسها، ثم يمتد مسار كبير إلى بانياس بطاقة تصل تدريجياً إلى نحو مليوني برميل يومياً.
هنا لا نكون أمام «عودة كركوك–بانياس».
نكون أمام ولادة ممر نفطي عراقي–سوري جديد بمقياس إقليمي.
الخلاصة
في 18 تموز كان العنوان:
سوريا والعراق تعيدان إحياء كركوك–بانياس.
بعد شهر تقريباً، أصبحت الصورة أكبر.
مصادر مشاركة في المشروع تتحدث عن:
منظومة أنابيب جديدة.
كلفة لا تقل عن 15 مليار دولار.
أربع سنوات محتملة للإنشاء.
ربط حقول جنوب وشمال العراق بحديثة ثم بانياس.
وطاقة أولية مستهدفة تقارب مليوني برميل يومياً.
إذا نفذ المشروع بهذه المواصفات، فإن أثره على سوريا لن يقاس فقط بعدد البراميل التي تعبر أراضيها.
سيُقاس أيضاً بما إذا كانت البلاد تستطيع تحويل العبور إلى:
رسوم وإيرادات.
استثمارات في التخزين والمرافئ.
عقود للشركات المحلية.
فرص عمل.
أمن طاقة أكبر.
صناعات وخدمات جديدة.
وربط اقتصادي أعمق بالعراق والأسواق الدولية.
لكن بين هذه الإمكانية والواقع ما تزال توجد فجوة كبيرة اسمها:
الدراسة والتمويل والاتفاق والتنفيذ.
حتى الآن، نحن أمام واحد من أكبر مشاريع البنية التحتية المحتملة المرتبطة بسوريا، وليس أمام مشروع بقيمة 15 مليار دولار بدأ بناؤه.
ولهذا فإن المؤشر الأهم الذي يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة ليس مزيداً من التصريحات حول أهمية كركوك–بانياس.
بل صدور:
دراسة جدوى نهائية.
ثم:
هيكل تمويل.
ثم:
قرار استثماري نهائي.
ثم:
عقد تنفيذ.
ثم فقط يمكن الانتقال من الحديث عن إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة إلى مشاهدة هذه الخريطة تُرسم فعلياً على الأرض.