من كابل 1995 إلى بنية تصل إلى 370 تيرابت.. هل يعيد UGARIT 2 رسم موقع سوريا على خريطة الاقتصاد الرقمي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
في الاقتصاد التقليدي، تحتاج الدولة إلى طرق وموانئ ومطارات حتى تتحرك السلع والأفراد.
أما في الاقتصاد الرقمي، فهي تحتاج أيضاً إلى طرق تمر عبرها البيانات.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الاتفاق الذي أعلنت تفاصيله في 11 آب 2026 لإنشاء كابل UGARIT 2 البحري بين طرطوس وقبرص، لا بوصفه مشروع اتصالات تقنياً فحسب، وإنما استثماراً في واحدة من أكثر البنى التحتية ارتباطاً بقدرة الاقتصاد السوري على العمل رقمياً والاتصال بالخارج.
الاتفاق الذي جمع الشركة السورية للاتصالات، وهيئة الاتصالات القبرصية CYTA وشركة UNIFI Communications الأميركية، وُقع في دمشق في 28 تموز 2026، بينما أُعلنت تفاصيله التنفيذية في 11 آب. ويشمل إنشاء كابل بحري بطول نحو 240 كيلومتراً يصل طرطوس بمحطة Pentaskhinos القبرصية، ويحتوي على 24 زوجاً من الألياف الضوئية، بسعة مخطط لها عند بدء التشغيل تبلغ 31 تيرابت في الثانية، مع قدرة تصميمية تسمح برفعها مستقبلاً إلى 370 تيرابت في الثانية. ويستهدف المشروع دخول الخدمة في مطلع 2028.
هذه الأرقام وحدها تجعل المشروع مختلفاً نوعياً عن الكابل الذي يحمل اسم أوغاريت منذ أكثر من ثلاثة عقود.
لكن الرقم ليس القصة كلها.
القصة الأهم هي أن سوريا بدأت تتحرك من الاعتماد على مجموعة محدودة وهشة من بوابات الاتصال الدولية إلى محاولة بناء منظومة متعددة المسارات والوجهات يمكن أن تخدم الإنترنت المحلي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، وفي مرحلة لاحقة عبور البيانات بين القارات.
أوغاريت الأول.. كابل من 1995 لا يزال يحمل جزءاً من الإنترنت السوري
يربط كابل UGARIT الأصلي بين طرطوس وقبرص منذ 1995، أي منذ أكثر من 30 عاماً، وظل خلال العقود التالية أحد مسارات الربط الدولي لسوريا، مع إجراء تحديثات تقنية على النظام خلال مراحل مختلفة. والكابل الجديد مصمم ليحل محل هذا المسار التاريخي ببنية أكثر حداثة وسعة ومرونة.
لكن أهمية الكابل القديم ظهرت بصورة عملية قبل أسابيع قليلة فقط.
ففي حزيران 2026 تعرض الكابل البحري الذي يربط طرطوس بالإسكندرية لأضرار أدت إلى خروج جزء كبير من السعات الدولية السورية من الخدمة. وفي أثناء ذلك اضطرت الشركة السورية للاتصالات إلى إدارة حركة الإنترنت عبر كابل أوغاريت مع قبرص والمسار الدولي عبر تركيا، بعد رفع جاهزية المسار التركي ليستوعب سعة أولية تبلغ 1 تيرابت في الثانية. كما أعلنت حينها العمل على إضافة مسار دولي رديف عبر الأردن وصولاً إلى خليج العقبة.
هذه الحادثة تقدم تفسيراً اقتصادياً مباشراً لسبب أهمية UGARIT 2.
ففي عالم يعتمد فيه عمل المصارف والشركات والمتاجر والمنصات الحكومية ومراكز البيانات على الاتصال، لا تصبح السعة وحدها هي المهمة، بل تصبح المرونة Redundancy أيضاً جزءاً من الأمن الاقتصادي.
كلما اعتمدت الدولة على عدد محدود من المسارات، أدى عطل واحد إلى أثر أكبر.
وكلما تعددت المسارات البحرية والبرية، أصبحت إمكانية إعادة توجيه البيانات والحفاظ على استمرارية الخدمات أعلى.
المشروع لم يبدأ اليوم
UGARIT 2 ليس فكرة ولدت في آب 2026.
وزارة الاتصالات السورية أعلنت في 30 نيسان 2025 إطلاق المرحلة الأولى من المشروع بالتعاون مع UNIFI والشركة السورية للاتصالات وCYTA، وكانت تلك المرحلة تركز على تحديث معدات المحطات الطرفية داخل سوريا وتمهيد البنية اللازمة لتطوير الاتصال الدولي عبر قبرص.
أي أن المسار بدأ أولاً بتحديث الطرف السوري من الشبكة، قبل الانتقال إلى الكابل البحري الجديد نفسه.
والمهم في إعلان آب 2026 أنه ينقل المشروع إلى مستوى مختلف من النضج: اتفاق إنشاء وصيانة، وموردون، ومسح لمسار الكابل، وتصنيع بدأ فعلياً، وموعد مستهدف للدخول في الخدمة.
فوفق الإعلان، تم طلب تجهيزات الجزء البحري من Prysmian، واختيار Elettra TLC لتنفيذ الأعمال البحرية المتكاملة، فيما ستوفر Nokia معدات النقل الضوئي DWDM للمرحلة الأولى. كما بدأت أعمال المسح البحري وتصنيع الكابل، مع استهداف الجاهزية للخدمة في أوائل 2028، مع بقاء الموعد خاضعاً للموافقات التنظيمية والظروف البحرية وتوافر سفن مد الكابلات والأوضاع الإقليمية.
وهذه التفاصيل مهمة لأنها تميز بين مذكرة تفاهم وبين مشروع بدأت سلسلة توريده وتنفيذه تتحرك بالفعل.
ماذا تعني 31 تيرابت في الثانية؟
هذه واحدة من أهم النقاط التي تحتاج إلى تفسير دقيق.
السعة المعلنة عند التشغيل هي 31 تيرابت في الثانية.
لكن هذا لا يعني أن المستخدم السوري سيحصل على اتصال بسرعة 31 تيرابت، ولا أن سرعة الإنترنت المنزلية ستقفز تلقائياً إلى مستويات عالمية عند تشغيل الكابل.
الكابل البحري يمثل الطريق الدولي الذي تدخل وتخرج عبره البيانات.
أما السرعة التي تصل إلى المنزل أو الشركة، فتتحدد أيضاً بالشبكات الداخلية، والألياف المحلية، والمقاسم، وشبكة المشغل، وتقنيات الوصول الأخير، وتجهيزات المستخدم، والطاقة، وسياسة توزيع السعات والتسعير.
وتوضح الأرقام المتاحة حجم الفجوة الموجودة في هذه الحلقة الداخلية.
فتقديرات Digital 2026 تشير إلى وجود نحو 9.25 ملايين مستخدم للإنترنت في سوريا في نهاية 2025، بمعدل انتشار يبلغ نحو 35.8% من السكان. وكانت سرعة التنزيل الوسيطة للإنترنت الثابت في نهاية 2025 نحو 3.35 ميغابت/ثانية فقط، مقابل نحو 24.69 ميغابت/ثانية للإنترنت عبر شبكات الهاتف المحمول.
إذاً، UGARIT 2 يعالج أحد الاختناقات الكبرى، لكنه لا يعالج الشبكة كلها.
يمكن تشبيه الأمر ببناء طريق سريع دولي واسع يصل إلى حدود مدينة لا تزال بعض شوارعها الداخلية بحاجة إلى تطوير.
الطريق الدولي ضروري، لكنه لا يكفي وحده.
370 تيرابت ليست سعة اليوم الأول
هناك تفصيل آخر مهم.
السعة البالغة 370 تيرابت/ثانية هي السعة التصميمية التي يمكن للنظام أن يتوسع إليها، وليست السعة التي سيبدأ بها التشغيل.
المعلن عند بدء الخدمة هو 31 تيرابت/ثانية، ثم يمكن زيادة الاستفادة من البنية مع نمو الطلب وترقية معدات النقل وتشغيل سعات إضافية.
وهذا بحد ذاته يعكس فلسفة مختلفة في بناء البنية التحتية.
فبدلاً من تصميم كابل يلبي احتياجات السوق الحالية فقط، يتم بناء نظام يمكن أن يستوعب نمواً كبيراً على مدى سنوات.
والفارق مهم في قطاع البيانات، لأن الطلب على السعات لا يرتفع تدريجياً فقط؛ بل يمكن أن يتسارع بشدة مع انتشار الفيديو، والخدمات السحابية، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وإنترنت الأشياء، والتحول الحكومي والمالي الرقمي.
لماذا 24 زوجاً من الألياف؟
عدد أزواج الألياف أحد المؤشرات المهمة في تصميم الكابل.
وجود 24 زوجاً يمنح النظام قدرة واسعة على توزيع السعات وتطويرها، ويمكن أن يسمح بتخصيص أجزاء من البنية لمشغلين أو خدمات أو مسارات مختلفة حسب النموذج التجاري الذي سيعتمد لاحقاً.
لكن التفاصيل التجارية المتعلقة بكيفية بيع هذه السعات، وأسعارها، ونسب استخدام الأطراف المختلفة لها، لم تُعلن بالكامل حتى الآن.
لذلك لا يمكن افتراض أن الـ370 تيرابت ستصبح كلها سعة مخصصة للسوق السورية المحلية.
قد تكون قيمة المشروع المستقبلية مرتبطة أيضاً بقدرته على نقل حركة بيانات عابرة وليس فقط تلبية الاستخدام المحلي.
وهنا تبدأ القصة الاقتصادية الأكبر.
من استيراد الإنترنت إلى عبور البيانات
لعقود كان التفكير بالاتصال الدولي السوري قائماً أساساً على سؤال:
كيف نحصل على الإنترنت من الخارج؟
أما الاستراتيجية التي بدأت وزارة الاتصالات تتحدث عنها خلال 2025 و2026 فتطرح سؤالاً مختلفاً:
هل يمكن للبيانات الدولية أن تمر عبر سوريا نفسها؟
وهذا هو الفارق بين دولة تستخدم شبكات الاتصال ودولة تصبح جزءاً من اقتصاد عبور البيانات.
وزير الاتصالات عبد السلام هيكل وصف UGARIT 2 إلى جانب مشروع SilkLink بأنه جزء من توجه لتحويل سوريا إلى بوابة اتصال بين أوروبا والخليج وآسيا. وهذا طموح لم يتحقق بعد، لكنه يستند إلى مجموعة مشاريع بدأت تتكامل حول الفكرة نفسها.
SilkLink.. العمود الفقري داخل سوريا
إذا كان UGARIT 2 يمثل بوابة بحرية إلى أوروبا عبر قبرص، فإن SilkLink يمثل الجزء الذي يفترض أن ينقل البيانات داخل سوريا وعبرها.
المشروع الذي تعمل عليه سوريا مع مجموعة STC السعودية يتضمن إنشاء شبكة فقارية وطنية تربط الجنوب والوسط والشرق والشمال والساحل ودمشق، إلى جانب محور دولي يربط نقاط إنزال الكابلات على الساحل بالجنوب السوري ومعبر نصيب باتجاه الأردن.
ووفق البيانات الحكومية المنشورة في أيار 2026، يتضمن SilkLink نحو 4,500 كيلومتر من الكابلات الرئيسية ومثلها تقريباً من المسارات الفرعية، إضافة إلى خمسة مراكز بيانات بطاقة إجمالية تبلغ 50 ميغاواط ومحطات إنزال بحرية جديدة على الساحل.
هنا يصبح UGARIT 2 أكثر من كابل بين دولتين.
فإذا رُبط بمثل هذه الشبكة الداخلية، يمكن للبيانات القادمة من أوروبا إلى طرطوس أن تنتقل جنوباً أو شرقاً، والعكس صحيح.
لكن تحول هذا التصور إلى ممر بيانات تجاري حقيقي يحتاج إلى اتفاقات ربط دولية، وعملاء دوليين، وتسعير تنافسي، وموثوقية مرتفعة، وحماية للمسارات، وليس إلى مد الكابلات فقط.
Medusa يضيف بوابة بحرية أخرى
المشروع الآخر هو Medusa.
في تشرين الأول 2025 وقعت الشركة السورية للاتصالات اتفاقاً مع Medusa Submarine Cable System لإنزال الكابل في طرطوس وربط سوريا بالشبكة البحرية التي تمتد عبر جنوب أوروبا وشمال أفريقيا. وتقدم Medusa مشروعها بوصفه مساراً منخفض زمن الاستجابة يمكن أن يدعم نقل البيانات بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
وهذا يعني أن الصورة المقبلة، إذا أنجزت المشاريع المخطط لها، لن تكون:
كابل سوريا–قبرص واحد.
بل مجموعة من البوابات والمسارات:
UGARIT 2 عبر قبرص.
Medusa عبر شبكة المتوسط.
المسار البري عبر تركيا.
المسار الجنوبي باتجاه الأردن.
وشبكة SilkLink التي تربط نقاط الدخول والخروج داخل الأراضي السورية.
عند هذه النقطة فقط يبدأ مفهوم العقدة الرقمية السورية بالحصول على أساس بنيوي حقيقي.
لماذا يهم ذلك الاقتصاد أكثر مما يبدو؟
الاتصال الدولي عالي السعة يدخل بصورة غير مباشرة في تكلفة تشغيل جزء متزايد من الاقتصاد.
الشركة التي تعتمد على نظام ERP سحابي تحتاج إليه.
المصرف الذي ينفذ خدمات رقمية يحتاج إليه.
شركة البرمجيات التي تخدم عميلاً في أوروبا تحتاج إليه.
المنصة التجارية تحتاج إليه.
الفندق وشركة الطيران والمستشفى والجامعة والجهة الحكومية تحتاج إليه.
وكلما أصبح الاقتصاد أكثر رقمنة، أصبحت جودة الاتصال جزءاً من الإنتاجية الاقتصادية نفسها.
الأثر، لذلك، لا يقتصر على قطاع الاتصالات.
مراكز البيانات.. الفرصة التي تأتي بعد الكابل
من أكثر القطاعات التي يمكن أن تستفيد من بنية دولية واسعة السعة مراكز البيانات.
فمركز البيانات يحتاج إلى كهرباء واتصال عالي الاعتمادية ومسارات متعددة وأمن سيبراني وبيئة تنظيمية مناسبة.
الكابل البحري يوفر عنصراً أساسياً من هذه المعادلة: الاتصال الدولي عالي السعة.
ووجود خمسة مراكز بيانات مخطط لها ضمن SilkLink بطاقة إجمالية تصل إلى 50 ميغاواط يشير إلى أن الرؤية السورية بدأت تربط بين النقل الدولي للبيانات وبين إنشاء قدرة حوسبة داخلية.
إذا تطورت هذه المنظومة، يمكن أن يظهر سوق للاستضافة المحلية، والخدمات السحابية، والتعافي من الكوارث، وحفظ البيانات، وتشغيل المنصات الحكومية والخاصة من مراكز داخل سوريا بدلاً من الاعتماد الكامل على الخارج.
لكن ذلك يحتاج إلى كهرباء مستقرة ومعايير أمن وحماية بيانات واستثمارات كبيرة إضافية.
ماذا عن الذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي يزيد الطلب على ثلاثة أشياء مترابطة:
الحوسبة.
البيانات.
والاتصال.
ولا يحول UGARIT 2 سوريا بحد ذاته إلى مركز للذكاء الاصطناعي.
لكنه يزيل جزءاً من العائق الذي يمنع تطوير بنية AI متصلة عالمياً.
فنماذج الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية ومراكز GPU تحتاج إلى نقل أحجام كبيرة من البيانات، وربط سريع مع مراكز البيانات الخارجية، وقدرة على التوسع.
ومن هنا يمكن للكابلات الجديدة أن تصبح بنية تمكينية Enabling Infrastructure لاقتصاد رقمي أكثر تطوراً، بدلاً من أن تكون منتجاً نهائياً بحد ذاتها.
التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية
الأثر الأكثر قرباً من الشركات قد يظهر في الخدمات الرقمية.
الإنترنت الأكثر استقراراً وسعةً يخلق ظروفاً أفضل لمنصات التجارة الإلكترونية، ونقاط البيع، والخدمات المصرفية، والمدفوعات الرقمية، وخدمات العملاء عن بعد، والتعليم والتدريب الإلكتروني، والعمل الحر وتصدير الخدمات البرمجية.
لكن مرة أخرى، الكابل وحده لا يصنع اقتصاداً رقمياً.
التجارة الإلكترونية تحتاج إلى مدفوعات.
والبرمجيات تحتاج إلى شركات وتمويل.
والعمل الحر يحتاج إلى قنوات مالية.
والخدمات السحابية تحتاج إلى مراكز بيانات.
والاستثمار التقني يحتاج إلى تشريعات وحماية للبيانات والملكية الفكرية.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لـUGARIT 2 تظهر عندما يتكامل مع بقية الإصلاحات، لا عندما ينظر إليه منفرداً.
هل يمكن أن تنخفض أسعار الإنترنت؟
نظرياً، زيادة السعة الدولية وتعدد المسارات يمكن أن يوسعا المعروض من الاتصال ويخفضا تكلفة الوحدة على المدى الطويل.
لكن لا يمكن استنتاج انخفاض سعر الإنترنت للمستهلك مباشرةً من سعة الكابل.
السعر النهائي يتأثر بتكلفة الشبكة المحلية، ونموذج تسعير السعات الدولية، والمنافسة بين المشغلين، والضرائب والرسوم، والاستثمار المطلوب لتطوير شبكة الوصول، وسياسات السوق.
لذلك قد يكون المشروع شرطاً مهماً لإنترنت أفضل وأقل تكلفة، لكنه ليس ضماناً بمفرده لانخفاض الأسعار.
والفارق مهم بين التحليل الاقتصادي والتوقع التسويقي.
قبرص ليست مجرد نقطة على الخريطة
اختيار Pentaskhinos في قبرص له بعد شبكي مهم.
CYTA تدير بنية كابلات دولية تربط الجزيرة بمسارات أوروبية وشرق متوسطية متعددة، ولذلك فإن الوصول إلى قبرص لا يعني أن حركة البيانات تنتهي هناك، بل يتيح الانتقال إلى شبكات واتصالات أوسع نحو أوروبا والعالم.
وبهذا يصبح مسار طرطوس–قبرص عملياً بوابة إلى منظومة اتصالات أوروبية أوسع.
هذا أحد الأسباب التي تجعل طول الكابل نفسه، 240 كيلومتراً، أقل أهمية من الشبكة التي يصل إليها في الطرف الآخر.
البعد الأميركي والأوروبي في المشروع
هناك أيضاً جانب اقتصادي–تقني أوسع.
المشروع بدأ تطويره منذ 2024 بموجب ترخيص خاص صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، فيما تعمل UNIFI الأميركية كمقاول رئيسي وتملك حصة 5% في المشروع. كما يعتمد المشروع على موردين دوليين بينهم Nokia وPrysmian وElettra TLC.
وهذا يعني أن UGARIT 2 يمثل أيضاً نموذجاً مبكراً لعودة شركات وتقنيات غربية إلى مشاريع البنية التحتية السورية بعد سنوات كان فيها قطاع الاتصالات السوري يواجه قيوداً شديدة على الوصول إلى التكنولوجيا الدولية.
أما وصف الاتفاق بأنه «أول اتفاق دولي كبير للبنية التحتية يصل إلى التنفيذ ضمن الإطار الاقتصادي السوري الجديد» فهو توصيف صادر عن الأطراف المعلنة للمشروع، وليس تصنيفاً مستقلاً صادراً عن مؤسسة دولية محايدة، ولذلك يجب قراءته بهذه الصفة.
ماذا يمكن أن يعني للمستثمر؟
بالنسبة إلى المستثمر في القطاعات التقليدية، جودة الإنترنت قد تبدو عاملاً ثانوياً أمام الكهرباء والقانون والتمويل.
لكن بالنسبة إلى الشركات الحديثة، أصبحت البنية الرقمية معياراً أساسياً.
شركة دولية تريد إنشاء مركز خدمات.
شركة FinTech تريد تشغيل منصة.
شركة برمجيات تريد توظيف مئات المطورين.
مزود Cloud يريد مركز بيانات.
منصة تجارة إلكترونية تريد معالجة ملايين العمليات.
كل هذه الأنشطة تنظر إلى الاتصال الدولي باعتباره جزءاً من قرار الموقع.
ولهذا فإن القيمة الاستثمارية لـUGARIT 2 ليست في بيع الإنترنت للمستهلك فقط، بل في رفع مستوى البنية التي يمكن أن تبنى فوقها قطاعات جديدة.
من مستخدم للاتصال إلى مصدر لإيرادات الترانزيت؟
الفرصة الأبعد هي أن تتحول سوريا مستقبلاً إلى دولة عبور للبيانات.
الجغرافيا تمنح سوريا موقعاً بين المتوسط وتركيا والعراق والأردن والخليج.
لكن الجغرافيا وحدها لا تحقق إيرادات.
لكي تمر حركة بيانات دولية عبر سوريا، يجب أن يكون المسار أقصر أو أرخص أو أكثر موثوقية أو أكثر تنوعاً من البدائل.
إذا تحقق ذلك، يمكن أن تحصل شركات الاتصالات السورية والمنشآت المرتبطة بالشبكة على إيرادات من بيع السعات الدولية وخدمات العبور والربط والاستضافة ومراكز البيانات.
وعندها يتحول الاتصال من تكلفة تدفعها سوريا إلى الخارج إلى قطاع يمكن أن يولد إيرادات من مرور البيانات عبر أراضيها.
هذا السيناريو ما يزال مستقبلياً، لكنه هو المعنى الاقتصادي الحقيقي وراء الحديث عن سوريا كممر رقمي بين آسيا وأوروبا.
الأمن الرقمي يصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي
حادثة الكابل البحري في حزيران 2026 أوضحت أن البنية الرقمية معرضة للأعطال والأضرار المادية.
وكلما زاد اعتماد الاقتصاد على البيانات، ازدادت تكلفة انقطاعها.
من هنا فإن قيمة تعدد الكابلات ليست فقط في السعة، وإنما في القدرة على توزيع المخاطر.
UGARIT 2 وMedusa والمسارات البرية المختلفة لا يجب النظر إليها كمشاريع متنافسة بالضرورة.
وجود عدة مسارات هو في حد ذاته ميزة.
فالشبكة الأكثر قدرة على الصمود ليست الشبكة التي تمتلك أكبر كابل، بل الشبكة التي تستطيع الاستمرار عندما يتعطل أحد مكوناتها.
ماذا يجب أن نراقب حتى 2028؟
الخبر المهم اليوم هو توقيع اتفاق الإنشاء والصيانة وبدء سلسلة التوريد.
لكن الحكم على المشروع سيحتاج إلى متابعة أربعة ملفات: اكتمال المسح البحري والتصنيع، بدء عمليات مد الكابل، جاهزية محطتي الإنزال في طرطوس وقبرص، ثم تشغيل السعة الأولية فعلياً وربطها بالشبكة السورية الداخلية.
وفي موازاة ذلك، سيكون تطور SilkLink وMedusa والشبكات المحلية أكثر أهمية من أي رقم منفرد في UGARIT 2.
لأن سوريا لن تستفيد اقتصادياً من كابل قادر على نقل مئات التيرابت إذا بقيت الشبكة الداخلية عاجزة عن نقل هذه السعات إلى الشركات والمستخدمين والمراكز الرقمية.
الاختبار الحقيقي ليس البحر.. بل آخر كيلومتر
ربما تكون هذه أهم نقطة في المشروع كله.
بحلول 2028 قد تمتلك سوريا أحد أكثر مساراتها البحرية تطوراً منذ عقود.
لكن نجاح المشروع بالنسبة إلى الاقتصاد والمستخدم سيقاس بما يحدث بعد وصول الكابل إلى طرطوس.
هل تصل الألياف إلى المدن؟
هل تصل إلى الشركات والمناطق الصناعية؟
هل تنتشر Fiber-to-the-Home؟
هل تحصل شركات الهاتف على سعات كافية؟
هل تتحسن جودة الإنترنت الثابت؟
هل تنخفض الأعطال؟
هل تظهر مراكز بيانات جديدة؟
وهل تستطيع الشركات السورية شراء اتصال دولي بجودة وتكلفة تجعلانها أكثر تنافسية؟
هذه هي الحلقة التي تحول الكابل من مشروع بنية تحتية إلى أثر اقتصادي.
من أوغاريت القديم إلى سوريا الرقمية
عندما بدأ UGARIT الأول الخدمة عام 1995، كان الإنترنت العالمي نفسه في مرحلة مختلفة تماماً.
لم تكن التجارة الإلكترونية بالحجم الحالي.
لم تكن الخدمات السحابية أساس تشغيل الشركات.
لم تكن تطبيقات الهاتف المحمول جزءاً من الحياة اليومية.
ولم يكن الذكاء الاصطناعي يستهلك بنية حوسبة واتصالات بهذا الحجم.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود اسم أوغاريت إلى مشروع جديد، لكن ضمن اقتصاد عالمي أصبحت فيه البيانات مورداً اقتصادياً ومساراً للتجارة بقدر ما هي وسيلة اتصال.
ولهذا فإن أهم ما في UGARIT 2 ليس الرقم 370 تيرابت بمفرده.
الأهم هو الاتجاه الذي يشير إليه.
سوريا التي كانت تعتمد على مسارات دولية محدودة وتواجه انقطاعات وسعات ضعيفة تحاول اليوم بناء:
بوابات بحرية جديدة.
شبكة ألياف وطنية.
مراكز بيانات.
مسارات مع أوروبا والأردن وتركيا.
وبنية تسمح مستقبلاً بعبور البيانات لا باستهلاكها فقط.
إذا اكتملت هذه المشاريع وتكاملت فعلياً، فقد يتغير موقع قطاع الاتصالات داخل الاقتصاد السوري.
من قطاع خدمي يعاني نقص البنية والسعات إلى قطاع بنية تحتية قادر على تمكين الاستثمار الرقمي وربما توليد إيرادات من الموقع الجغرافي نفسه.
الخلاصة
UGARIT 2 ليس حلاً فورياً لمشكلة الإنترنت السوري.
وليس 370 تيرابت وعداً بسرعة تصل إلى المستخدم.
وليس توقيع الاتفاق دليلاً على أن سوريا أصبحت بالفعل مركزاً رقمياً بين القارات.
لكن المشروع يمثل خطوة بنيوية مهمة للأسباب نفسها التي تجعل الميناء أو المطار مهماً للاقتصاد التقليدي.
فهو يوسع القدرة على الوصول إلى العالم.
ويزيد الخيارات.
ويقلل الاعتماد على مسار واحد.
ويخلق سعة يمكن بناء خدمات واستثمارات جديدة فوقها.
ومع تشغيل أولي مخطط عند 31 تيرابت/ثانية، و24 زوجاً من الألياف، ومسار بحري بطول 240 كيلومتراً، وقابلية تصميمية تصل إلى 370 تيرابت/ثانية، فإن سوريا لا تستبدل كابلاً عمره أكثر من 30 عاماً بكابل أحدث فقط.
هي تبدأ ببناء جزء من البنية التي يحتاجها اقتصاد يريد أن يصبح أكثر اتصالاً ورقمنةً واعتماداً على البيانات.
ويبقى الاختبار حتى 2028 واضحاً:
هل ستصل هذه السعات من قاع المتوسط إلى الاقتصاد السوري فعلياً، أم ستبقى القدرة الدولية أكبر من قدرة الشبكة المحلية على استثمارها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان UGARIT 2 مجرد مشروع اتصالات ضخم، أم إحدى البنى الأساسية التي يبدأ معها تشكيل اقتصاد رقمي سوري جديد.