من رفع العقوبات إلى الاستثمار: ماذا تعني زيارة الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة للاقتصاد السوري؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
لم تعد العلاقة الاقتصادية بين سوريا والولايات المتحدة في أيلول 2026 تقف عند سؤال رفع العقوبات فقط. بعد سلسلة تغييرات قانونية وسياسية خلال أكثر من عام، أصبحت القضية الأكثر أهمية لقطاع الأعمال هي: هل يمكن ترجمة الانفتاح السياسي والقانوني الجديد إلى استثمارات، وتمويل، وتجارة، وشراكات فعلية؟
تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ضمن هذا السياق. ووصل الشرع إلى نيويورك في 21 أيلول على رأس وفد رسمي، مع برنامج يتضمن لقاءات مع قادة ومسؤولين وممثلين عن الجالية السورية.
لكن بالنسبة لقطاع الأعمال، لا تكمن أهمية الزيارة في الجمعية العامة وحدها، بل في تزامنها مع توسع غير مسبوق نسبياً في التواصل الاقتصادي السوري–الأميركي.
قبل نيويورك بأيام: 50 شركة أميركية في دمشق
قبل الزيارة بأيام، اختتمت غرفة التجارة الأميركية أول بعثة أعمال لها إلى سوريا، وضمت 50 شركة أميركية وأكثر من 80 مشاركاً من شركات متعددة الجنسيات وشركات ناشئة وقطاعات مختلفة.
وعقد الوفد اجتماعات مع وزارات الاقتصاد والمالية والاتصالات والصحة والسياحة والنقل والأشغال العامة، إضافة إلى مصرف سوريا المركزي وهيئة الاستثمار والصندوق السيادي السوري وقطاع الطاقة ومؤسسات اقتصادية أخرى.
وقالت غرفة التجارة الأميركية إن المهمة استهدفت استكشاف فرص المشاريع والاستثمار وبناء الشراكات، وأعلنت أنها ستستضيف الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة.
وهنا تظهر دلالة اقتصادية مهمة: المسار لم يعد يبدأ بلقاء سياسي ثم ينتظر تحرك الشركات، بل بات هناك مساران يتحركان بالتوازي؛ علاقات رسمية بين الحكومتين، واتصالات مباشرة بين الشركات والمؤسسات الاقتصادية.
تغير جذري في البيئة القانونية الأميركية تجاه سوريا
لفهم أهمية الزيارة اقتصادياً، يجب العودة إلى ما تغير خلال الأشهر الماضية.
وفق وزارة الخزانة الأميركية، لم تعد الولايات المتحدة تفرض عقوبات اقتصادية شاملة على سوريا. فقد أُنهي برنامج العقوبات الشاملة اعتباراً من 1 تموز 2025، ثم أُلغي قانون قيصر في 18 كانون الأول 2025، وفي 24 آب 2026 أُزيل تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، بالتزامن مع إزالة هيئة تحرير الشام من قائمة العقوبات ذات الصلة.
لكن هذا لا يعني أن جميع القيود الأميركية اختفت.
ما تزال هناك عقوبات موجهة بحق أفراد وكيانات محددين، كما تبقى بعض ضوابط التصدير والترخيص الأميركية قائمة، خصوصاً بالنسبة إلى بعض السلع والتقنيات الخاضعة للرقابة. وبالتالي فإن الانتقال من رفع العقوبات إلى ممارسة الأعمال بصورة طبيعية يحتاج أيضاً إلى وضوح مصرفي وتنظيمي وامتثال مؤسسي لدى الشركات والبنوك.
وهذه النقطة قد تكون أهم من رفع العقوبات نفسه في المرحلة المقبلة.
ماذا يمكن أن تغيّر زيارة نيويورك بالنسبة لقطاع الأعمال؟
أولاً: خفض «مخاطر سوريا» في حسابات الشركات
المستثمر لا يقرأ القانون فقط، بل يقرأ العلاقة بين بلده والدولة التي يفكر في الاستثمار فيها.
وجود حوار رسمي مستمر بين دمشق وواشنطن، إلى جانب اجتماعات مباشرة بين القيادة السورية ومؤسسات الأعمال الأميركية، يمكن أن يخفض تدريجياً عامل عدم اليقين لدى مجالس إدارات الشركات وفرق الامتثال والبنوك وشركات التأمين.
هذا لا يلغي المخاطر، لكنه قد ينقل سوريا من سوق كان كثير من الشركات يستبعد دخوله من الأساس إلى سوق يمكن البدء بدراسته وتقييمه.
ثانياً: الانتقال من «رفع القيود» إلى «فتح المشاريع»
المرحلة السابقة كانت تدور بدرجة كبيرة حول إمكانية التعامل مع سوريا قانونياً.
أما المرحلة الجديدة، فالسؤال يصبح أكثر عملية:
أين توجد المشاريع؟
ما حجمها؟
ما العائد المتوقع؟
من الشريك المحلي؟
كيف يتم تحويل الأموال؟
ما آلية التعاقد؟
كيف تُحل النزاعات؟
وما الضمانات القانونية للمستثمر؟
زيارة بعثة غرفة التجارة الأميركية إلى دمشق ثم اللقاءات في نيويورك تشير إلى أن النقاش بدأ ينتقل تدريجياً إلى هذه الطبقة العملية.
ثالثاً: فتح الباب أمام التكنولوجيا والخدمات المالية
الأثر المحتمل لا يقتصر على الاستثمارات التقليدية في النفط أو البنية التحتية.
رفع جانب كبير من القيود الأميركية يمكن أن ينعكس على قطاعات التكنولوجيا والبرمجيات والاتصالات والخدمات الرقمية والمعدات الصناعية والخدمات المالية وأنظمة الدفع.
لكن سرعة هذا المسار ستتوقف على استمرار تخفيف القيود التنظيمية، واستعداد الشركات نفسها، وقدرة المصارف على تنفيذ المدفوعات والتحويلات دون مخاطر امتثال مرتفعة.
رابعاً: تأثير يتجاوز الشركات الأميركية
دخول شركة أميركية كبيرة أو مؤسسة مالية دولية إلى سوق جديد يحمل قيمة تتجاوز حجم استثمارها المباشر.
فالشركات الأوروبية والخليجية والآسيوية تراقب بدورها درجة الانفتاح الأميركي على سوريا، لأن القرارات الأميركية خلال السنوات الماضية كانت عاملاً أساسياً في تقدير مخاطر التعامل مع السوق السورية.
لهذا فإن توسع النشاط التجاري الأميركي يمكن، نظرياً، أن يساهم في تخفيض «علاوة المخاطر» المرتبطة بسوريا لدى مستثمرين من دول أخرى أيضاً، رغم أن القرار النهائي لكل شركة سيبقى مرتبطاً بظروفها ومتطلبات الامتثال الخاصة بها.
القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة
المحادثات التي أجرتها بعثة غرفة التجارة الأميركية في دمشق شملت نطاقاً واسعاً من المؤسسات والقطاعات، ما يشير إلى إمكانية الاهتمام بصورة خاصة بالطاقة، النفط والغاز، الكهرباء، البنية التحتية، النقل واللوجستيات، الاتصالات والتكنولوجيا، الصحة، الإسكان وإعادة الإعمار، الخدمات المالية والمدفوعات، والصناعة.
وهذه القطاعات نفسها تمثل جزءاً كبيراً من فجوة إعادة بناء الاقتصاد السوري، لكنها تحتاج في الغالب إلى استثمارات كبيرة وتمويل طويل الأجل وتقنيات يصعب توفيرها عبر الشركات المحلية وحدها.
الاختبار الحقيقي سيكون داخل سوريا
مع ذلك، من الخطأ قياس أثر الزيارة بعدد الاجتماعات أو الصور أو التصريحات.
فتح الباب الخارجي لا يضمن دخول المستثمر.
بعد تراجع جزء كبير من العوائق الأميركية، تصبح مجموعة من الملفات الداخلية أكثر أهمية في تحديد قدرة سوريا على تحويل الاهتمام الدولي إلى رؤوس أموال فعلية: استقرار القوانين، وضوح إجراءات التأسيس والترخيص، حماية العقود والملكية، قدرة القطاع المصرفي، تحويل الأموال والأرباح، توفر بيانات اقتصادية قابلة للاعتماد، الطاقة والبنية التحتية، وآليات تسوية النزاعات.
وبعبارة أخرى، كلما تراجعت العقوبات الخارجية أصبحت جودة بيئة الأعمال الداخلية أكثر ظهوراً في معادلة الاستثمار.
من الدبلوماسية الاقتصادية إلى الصفقات؟
ربما تكون الدلالة الأهم لزيارة نيويورك الحالية أنها تأتي في توقيت مختلف جذرياً عن الزيارات السابقة.
في المرحلة الأولى كان السؤال: هل تستطيع سوريا الخروج من العزلة الاقتصادية؟
أما اليوم، وبعد إنهاء العقوبات الأميركية الشاملة وإلغاء قانون قيصر وإزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب، فقد أصبح السؤال أكثر تقدماً:
هل تستطيع سوريا تحويل الانفتاح القانوني والدبلوماسي إلى مشاريع قابلة للتمويل والاستثمار والتنفيذ؟
الإجابة لن تظهر من زيارة واحدة، وإنما من المؤشرات التي ستليها: إعلان مشاريع محددة، دخول شركات أميركية فعلياً، توسع العلاقات المصرفية، توقيع عقود قابلة للتنفيذ، عودة خدمات مالية وتقنية، وارتفاع قدرة الشركات السورية على التعامل المباشر مع النظام التجاري والمالي الدولي.
لهذا يمكن النظر إلى الزيارة الحالية لا بوصفها نقطة تحول اقتصادية مكتملة، بل باعتبارها حلقة في انتقال العلاقة السورية–الأميركية من ملف العقوبات إلى ملف الأعمال.
والفارق بين المرحلتين كبير: إزالة القيود تفتح الباب، لكن بيئة الاستثمار هي التي تحدد من سيدخل عبره.