حلب تنتقل من التخطيط إلى التنفيذ: ماذا تكشف موجة المشاريع والزيارات الحكومية منذ جولة الرئيس؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
منذ الجولة الميدانية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع في حلب في 11 أيلول/سبتمبر 2026، شهدت المحافظة سلسلة متقاربة من الاجتماعات والزيارات والتحركات الحكومية والاستثمارية شملت مطار حلب، المدينة الصناعية في الشيخ نجار، التطوير والاستثمار العقاري، البنية التحتية والخدمات، السياحة، المخططات التنظيمية، ومدينة معارض جديدة.
وفي أقل من ثلاثة أسابيع، انتقل المشهد من جولة شملت أبرز العقد العمرانية والاقتصادية في المحافظة، إلى اجتماع رئاسي مخصص لإطلاق مشاريع في حلب، ثم تحركات للهيئات والوزارات المعنية، وصولاً إلى متابعة مشاريع استثمارية قالت هيئة الاستثمار، وفق ما نقلته وسائل إعلام سورية عن مكتبها الإعلامي، إن قيمتها الإجمالية تقارب 800 مليون دولار وإن عدداً منها دخل مرحلة التنفيذ الفعلي.
لا توجد حتى الآن خطة حكومية معلنة تحمل اسماً واحداً وتجمع كل هذه الملفات، لكن تتابع الأحداث وترابطها يشيران إلى أن حلب تشهد انتقالاً تدريجياً من مرحلة إعداد الرؤى وحصر الاحتياجات إلى محاولة بناء مسارات تنفيذ واستثمار متوازية.
البداية: جولة 11 أيلول لم تقتصر على وسط المدينة
في 11 أيلول، أجرى الرئيس الشرع جولة ميدانية في حلب برفقة المحافظ عزام الغريب، وشملت أحياء المدينة وحلب القديمة ومحيط القلعة، ومناطق حرفية، والمدينة الصناعية في الشيخ نجار، إضافة إلى التحويلة الجنوبية وطريق الكاستيلو ومحيط مطار حلب الدولي وعدد من المناطق المتضررة.
اقتصادياً، تكتسب خريطة الجولة أهميتها من أنها مرت على مجموعة من العقد التي تشكل أساس استعادة النشاط الاقتصادي للمدينة: الصناعة، الطرق، المطار، النسيج العمراني، والمركز التاريخي والسياحي.
وبعد ثمانية أيام فقط، ظهر المستوى الثاني من التحرك.
19 أيلول: مشاريع حلب تصبح ملفاً متعدد الوزارات
في 19 أيلول، عقد الرئيس اجتماعاً ضم وزراء الزراعة والسياحة والأشغال العامة والإسكان، ومحافظ حلب، والمدير العام لهيئة الاستثمار السورية أحمد رواد رمضان، ومسؤولين آخرين.
الموضوع المعلن للاجتماع كان محدداً: إطلاق مشاريع تشمل التطوير العقاري، والمنشآت السياحية والصناعية، وإنشاء مدينة للمعارض، ومناقشة آليات إطلاقها وتطويرها بما يدعم النشاط الاقتصادي والتنموي في المحافظة.
وهنا بدأت الصورة تتجاوز معالجة ملفات منفصلة؛ فالتطوير العقاري يرتبط بإعادة الإعمار، والمنشآت الصناعية بإعادة بناء القاعدة الإنتاجية، والمنشآت السياحية بالمدينة القديمة والتراث، ومدينة المعارض بإعادة تنشيط دور حلب التجاري وربط المنتجين بالأسواق.
مطار حلب: البنية اللوجستية تتحرك بالتوازي
أحد أكثر الملفات تقدماً هو مطار حلب الدولي.
في 13 أيلول، عقدت المحافظة لقاءً موسعاً بحضور رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، وممثلين عن غرف التجارة والصناعة والسياحة وشركات الطيران، وأعلنت الهيئة اعتماد موقع المطار الحالي بصورة نهائية بعد دراسة أربعة مواقع، مع الاستعداد لبدء أعمال التوسعة وإعادة التأهيل مطلع عام 2027.
وتستهدف خطة التطوير رفع الطاقة الاستيعابية من نحو 1.5 مليون مسافر سنوياً إلى أكثر من مليوني مسافر في المرحلة الأولى، بالتوازي مع استكمال هيكلة مشروع مطار حلب الجديد. وكان المطار قد استقبل أكثر من 315 ألف مسافر منذ بداية 2026 وحتى نهاية آب، عبر 3,068 رحلة، مع وصول عدد شركات الطيران العاملة إلى 14 ناقلاً جوياً.
بالنسبة إلى بيئة الأعمال، لا يمثل تطوير المطار مشروع نقل فقط؛ فزيادة الربط الجوي ترتبط بالسفر التجاري، وحركة رجال الأعمال، والسياحة، والخدمات اللوجستية، واستعادة ارتباط حلب بالأسواق الإقليمية.
119 مشروعاً: إعادة تأهيل بيئة الاستقرار حول المدينة
في 22 أيلول، أطلقت محافظة حلب الحزمة الأولى من مشاريع «سوريا بلا مخيمات» في جبل سمعان وإعزاز والسفيرة ودير حافر وعين العرب، بقيمة تتجاوز 9.25 ملايين دولار.
وتضم الحزمة 119 مشروعاً موزعة على المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة، واستند اختيار المناطق المستهدفة إلى بيانات النازحين وأولويات مناطق العودة. وأكدت المحافظة أن عدداً من المشاريع انتقل بالفعل إلى التنفيذ.
هذه المشاريع ليست استثمارات تجارية بالمعنى المباشر، لكنها جزء مهم من البيئة الاقتصادية الأوسع؛ فالاستثمار لا يتحرك بمعزل عن المياه والخدمات والمدارس واستقرار السكان وشبكات البنية التحتية.
24 أيلول: الإدارة المحلية تدخل على خط تسريع المشاريع
بعد ذلك بيومين، زار وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني حلب، وعقد سلسلة اجتماعات مع المحافظة والجهات المعنية.
وبحسب محافظة حلب، تناولت الاجتماعات تسريع تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية، وتحديث المخططات التنظيمية، وتطوير الخدمات والتحول الرقمي، مع وضع مهلة أقصاها أسبوع لدراسة المشاريع المرفوعة إلى الوزارة والبت فيها وفق الأولويات، بالتزامن مع التحضير المبكر لمشاريع عام 2027.
وتبرز أهمية هذه الخطوة لأن واحدة من أكبر مشكلات إعادة الإعمار والاستثمار في المدن المتضررة لا تتعلق برأس المال فقط، وإنما بالمخططات التنظيمية، والسجلات العقارية، وحقوق الملكية، وتحديد استخدامات الأراضي، وسرعة الإجراءات الإدارية.
«رؤية حلب الكبرى»: من قواعد البيانات إلى المشاريع
بالتوازي، عاد مشروع «رؤية حلب الكبرى» إلى الواجهة بصورة أكثر تنفيذية.
وفي اجتماع عُقد في المحافظة في 25 أيلول، جرى استعراض مخرجات الرؤية خلال العام الماضي، ومنها اعتماد التجمعات العمرانية، ونمذجة المسح المكاني، وإطلاق برنامج «جسور العمران» لمعالجة المناطق والأبنية المتضررة، ومراجعة ضابطة البناء.
وأكدت المحافظة أن المرحلة المقبلة تستهدف الانتقال من التخطيط وقواعد البيانات إلى التنفيذ بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وبرنامج «جسور العمران» نفسه يعمل عبر مسارين: معالجة وترميم الأبنية المتضررة ضمن إجراءات سكنية طارئة، ومسار تحفيزي مرتبط بالانتقال نحو تجمعات ومجمعات عمرانية منظمة.
وهذا المسار مهم لفهم ما حدث لاحقاً في ملف الاستثمار العقاري.
27 أيلول: هيئة الاستثمار تنتقل من منح الإجازات إلى متابعة التنفيذ
في 27 أيلول، وصل المدير العام لهيئة الاستثمار السورية أحمد رواد رمضان إلى حلب، واجتمع مع المحافظ ومدير فرع الهيئة وعدد من المستثمرين ورجال الأعمال، لمناقشة واقع الاستثمار والعقبات التي تواجه المستثمرين والآليات اللازمة لتحسين بيئة الأعمال وتسريع المشاريع.
لكن الأهم كان ما رافق الزيارة من متابعة ميدانية لمشاريع حصلت على إجازات ورخص استثمارية خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما نُقل عن المكتب الإعلامي لهيئة الاستثمار، تبلغ القيمة الإجمالية للمشاريع التي تجري متابعتها في حلب ضمن هذه الحزمة نحو 800 مليون دولار، وقد بدأ عدد منها أعمال التنفيذ الفعلي.
كما أُطلق مشروع «العلبي» بوصفه، وفق بيان الهيئة الذي نقلته وسائل إعلام محلية، أول مشروع في سوريا بعد التحرير يسير وفق الآلية الجديدة لنظام مزاولة مهنة التطوير والاستثمار العقاري، بالتوازي مع الاتفاق على تشكيل اللجنة الفنية للتطوير والاستثمار العقاري في حلب.
وتناول النقاش أيضاً تفعيل نظام التطوير والاستثمار العقاري لمعالجة وإعادة تنظيم المناطق المتضررة، إلى جانب مشروع مدينة المعارض وآليات استثماره.
الصناعة أيضاً ضمن المشهد
وفي اليوم نفسه، بحث نائب وزير الاقتصاد والصناعة باسل عبد الحنان مع مجلس إدارة غرفة صناعة حلب واقع القطاع الصناعي، وتطوير المناطق والنشاط الصناعي، ودور الغرفة في استقطاب الصناعيين والمستثمرين ومعالجة التحديات التي تواجههم.
وجود الملف الصناعي ضمن هذه التحركات ليس تفصيلاً ثانوياً؛ فحلب لا يمكن النظر إلى إعادة إعمارها بوصفها مشروعاً عقارياً فقط. استعادة الوظيفة الاقتصادية للمدينة تحتاج إلى تشغيل المنشآت، وإعادة بناء سلاسل التوريد، وتحسين الطاقة والنقل، وربط الصناعة بالأسواق الداخلية والخارجية.
خمسة مسارات تتحرك في الوقت نفسه
عند جمع التطورات منذ 11 أيلول، يمكن ملاحظة خمسة مسارات مترابطة تتحرك بصورة متوازية:
البنية التحتية والخدمات، التنظيم والتطوير العقاري، الصناعة والاستثمار الإنتاجي، النقل والربط الجوي، والسياحة والتجارة.
وهذا الترابط هو ما يجعل التطورات الحالية في حلب أهم من كل خبر منفرد.
فالمطار وحده لن يصنع تعافياً اقتصادياً إذا بقيت الصناعة متعثرة، والتطوير العقاري لن يكفي إذا لم تُحل قضايا التنظيم والملكية والخدمات، ومدينة المعارض تحتاج إلى قاعدة إنتاجية وشبكات نقل وفنادق وخدمات تجارية حتى تؤدي وظيفة اقتصادية حقيقية.
هل تتحول حلب إلى نموذج مبكر لمرحلة إعادة الإعمار؟
لا توجد حتى الآن وثيقة رسمية معلنة تقول إن حلب اختيرت «نموذجاً وطنياً» أو «منطقة تجريبية» لإعادة الإعمار، ولذلك لا يمكن تقديم هذا الوصف كحقيقة رسمية.
لكن من زاوية تحليل بيئة الأعمال، يمكن ملاحظة أن المحافظة أصبحت إحدى الساحات المبكرة التي يجري فيها اختبار مجموعة من الأدوات الجديدة بالتزامن: نظام التطوير والاستثمار العقاري، لجان محلية مرتبطة به، مشاريع بمئات ملايين الدولارات، تحديث المخططات، برامج لمعالجة المناطق المتضررة، شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتطوير بنية النقل.
وهذا يجعل تجربة حلب خلال الأشهر المقبلة مهمة ليس للمدينة وحدها، وإنما لفهم قدرة منظومة الاستثمار وإعادة الإعمار السورية الجديدة على الانتقال من الإعلان والترخيص إلى التنفيذ الفعلي.
الرقم وحده لا يكفي
الإعلان عن مشاريع تقارب قيمتها 800 مليون دولار مؤشر مهم، لكنه لا يكفي وحده لتقييم التحول الاقتصادي.
الاختبار الحقيقي سيكون في حجم الأموال التي تتحول فعلياً إلى إنفاق استثماري، وعدد المشاريع التي تبدأ الإنشاء، والمدة بين منح الإجازة وبدء التنفيذ، وآليات معالجة حقوق الملكية، وقدرة البنية التحتية والطاقة على استيعاب المشاريع، ووضوح الأطر التنظيمية والتعاقدية.
وينطبق الأمر نفسه على مدينة المعارض والمشاريع السياحية والصناعية: الانتقال من «المشروع المقترح» إلى الأرض والتمويل والعقود والجداول الزمنية هو ما سيحدد القيمة الاقتصادية الفعلية.
ماذا يجب مراقبته الآن؟
خلال المرحلة المقبلة، ستكون المؤشرات الأكثر أهمية هي الإعلان التفصيلي عن المشاريع الداخلة ضمن رقم 800 مليون دولار وقيم كل منها، بدء الأعمال التنفيذية في المشاريع العقارية الجديدة، تحديد الإطار الاستثماري والجدول الزمني لمدينة المعارض، نتائج اللجنة الفنية للتطوير العقاري، تقدم توسعة مطار حلب، تنفيذ الحزمة الأولى من المشاريع الخدمية الـ119، وأي قرارات جديدة تتعلق بالمخططات التنظيمية والمناطق الصناعية والطاقة.
كلما تحولت هذه الملفات من اجتماعات وإجازات إلى عقود وتمويل وأعمال إنشاء وتشغيل، أصبح من الممكن الحديث بصورة أدق عن انتقال حلب إلى مرحلة اقتصادية جديدة.
الخلاصة
ما يحدث في حلب منذ منتصف أيلول لا يبدو سلسلة زيارات منفصلة لمسؤولين بقدر ما يعكس تزامن عدة مسارات حكومية واستثمارية حول المحافظة.
الجولة الرئاسية حددت مجموعة واسعة من العقد العمرانية والاقتصادية، والاجتماع اللاحق جمع الوزارات المعنية حول مشاريع محددة، ثم تحركت ملفات المطار والخدمات والتخطيط العمراني والاستثمار العقاري والصناعة تباعاً.
المرحلة الحالية، إذاً، ليست اكتمال إعادة إعمار حلب ولا تحولاً اقتصادياً محسوماً، وإنما محاولة واضحة للانتقال من إعداد الرؤى والفرص والإجازات إلى بناء مسار تنفيذ فعلي.
وستكون الأشهر المقبلة هي الاختبار الأهم: هل تستطيع هذه المنظومة تحويل المشاريع المعلنة إلى مواقع عمل وإنتاج واستثمار حقيقي، أم ستبقى الفجوة بين الإعلان والتنفيذ هي التحدي الأكبر؟