من مذكرة دمشق أبوظبي إلى خطة سوق رأس المال: هل تبدأ سوريا بناء قناة تمويل جديدة للقطاع الخاص؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
وقّع سوق دمشق للأوراق المالية وسوق أبوظبي للأوراق المالية في 29 أيلول 2026 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات، على هامش المؤتمر السنوي لاتحاد أسواق المال العربية في أبوظبي، بحضور وزير المالية السوري محمد يسر برنية والمدير التنفيذي لسوق دمشق باسل أسعد والرئيس التنفيذي لمجموعة سوق أبوظبي عبدالله سالم النعيمي.
لكن أهمية الحدث تتجاوز المذكرة نفسها.
ففي تعليقه على التوقيع، أعلن وزير المالية أن العمل جارٍ على «خطة طموحة جداً» لتطوير وتفعيل أسواق رأس المال في سوريا، على أن تُطلق قريباً بهدف تعزيز دورها في تمويل القطاع الخاص ومشروعات التنمية والشراكات بين القطاعين العام والخاص، مع الإشارة إلى اتفاقيات ومذكرات أخرى مرتقبة مع أسواق عربية ومؤسسات وبورصات عالمية.
هذا الإعلان يأتي في وقت تتبلور فيه عدة مسارات متوازية: تطوير الأنظمة التقنية لسوق دمشق، توسيع قاعدة الشركات المدرجة، دفع شركات التأمين نحو التحول إلى شركات مساهمة عامة، العمل على أدوات حكومية من أذونات وسندات وصكوك، وإعداد بيئة تسمح لاحقاً لصناديق الاستثمار وأدوات مالية أوسع بالعمل.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي الأهم: هل تنتقل سوق دمشق من منصة محدودة لتداول أسهم مجموعة صغيرة من الشركات إلى قناة فعلية لتمويل الشركات والمشروعات؟
ماذا جرى في أبوظبي؟
جاء توقيع مذكرة التفاهم خلال المؤتمر السنوي لاتحاد أسواق المال العربية AFCM 2026، المنعقد في أبوظبي يومي 29 و30 أيلول، باستضافة سوق أبوظبي للأوراق المالية.
المؤتمر نفسه يركز هذا العام على موضوعات ترتبط مباشرة بالتحديات التي تواجه الأسواق المالية الحديثة، من بينها صناعة السوق والسيولة، الأوراق المالية الرقمية، صناديق الاستثمار المتداولة، المشتقات، البنية التحتية للأسواق، الذكاء الاصطناعي والربط بين الأسواق.
أما المعلومات المنشورة عن مذكرة دمشق–أبوظبي حتى الآن فتشير إلى التعاون وتبادل الخبرات والتجارب في مجالات عمل أسواق المال، دون إعلان بنود تنفيذية تفصيلية تتعلق بالإدراج المزدوج أو الربط المباشر بين السوقين أو جدول زمني محدد.
وهذه نقطة مهمة: المذكرة تفتح إطاراً للتعاون، لكنها ليست بحد ذاتها ربطاً فعلياً بين السوقين أو اتفاقاً على تداول مشترك.
العلاقة بين السوقين ليست جديدة
التعاون بين سوقي دمشق وأبوظبي يمتلك خلفية تعود إلى مرحلة تأسيس سوق دمشق نفسه.
ففي تشرين الأول 2007 وقّع السوقان مذكرة تفاهم سابقة، ثم استضاف سوق أبوظبي في أيلول 2008 فريقاً من سوق دمشق ضمن برنامج تدريب شمل تكنولوجيا المعلومات، الإدراج، عمليات السوق والرقابة، والمقاصة والإيداع.
وتضمنت مذكرة ذلك الوقت تبادل البيانات والمعلومات، وتسهيل التعاون المتعلق بالأوراق المالية والإدراج والتعاون بين الوسطاء.
لذلك فإن مذكرة 2026 يمكن النظر إليها بوصفها استئنافاً لعلاقة مؤسسية قديمة، لكن ضمن واقع مختلف تماماً من حيث حجم السوقين والأدوات المتاحة وطبيعة التمويل المطلوب في الاقتصاد السوري.
أين تقف سوق دمشق اليوم؟
تضم سوق دمشق للأوراق المالية 27 شركة مدرجة، ويتركز جزء كبير منها في المصارف والتأمين، إلى جانب عدد محدود من شركات الاتصالات والصناعة والخدمات. كما يوجد في السوق ثمانية إصدارات من سندات الخزينة الحكومية.
وفي 24 أيلول 2026، قبل أيام قليلة من توقيع المذكرة، بلغت القيمة السوقية للشركات المدرجة وفق بيانات اتحاد أسواق المال العربية نحو 2.115 مليار دولار، بينما بلغ عدد الصفقات في الجلسة 197 صفقة وقيمة التداول نحو 52.6 ألف دولار فقط. ويشير الاتحاد إلى أن تحويل القيمة السوقية السورية إلى الدولار يعتمد على سعر الصرف الرسمي، وهو ما يجب أخذه بالحسبان عند المقارنات الدولية.
وخلال الفترة من 30 آب حتى 24 أيلول التي تعرضها بيانات الاتحاد، بلغت قيمة التداولات المسجلة نحو 24.7 مليون دولار عبر 3,905 صفقات وحوالي 44.6 مليون سهم. لكن أكثر من نصف قيمة التداول خلال هذه الفترة تحقق في جلسة واحدة في 17 أيلول، عندما بلغت التداولات نحو 13.8 مليون دولار.
هذا التركز مهم لأنه يكشف أن القضية أمام سوق دمشق ليست فقط ارتفاع أسعار الأسهم أو نمو القيمة السوقية، بل بناء سيولة مستمرة ومنتظمة تسمح للمستثمر بالدخول والخروج دون اعتماد النشاط على عدد محدود من الصفقات الكبيرة أو الأسهم الأكثر تداولاً.
دمشق وأبوظبي بالأرقام: الفارق يوضح طبيعة التحدي
لإدراك حجم المسافة بين السوقين، يمكن استخدام بيانات اليوم نفسه، 23 أيلول 2026، الصادرة عن اتحاد أسواق المال العربية:
| المؤشر | سوق دمشق | سوق أبوظبي |
|---|
| القيمة السوقية | نحو 2.11 مليار دولار | نحو 729.5 مليار دولار |
| قيمة التداول اليومية | نحو 54.5 ألف دولار | نحو 603.9 مليون دولار |
| عدد الصفقات | 218 | 23,929 |
| حجم التداول | نحو 70 ألف سهم | نحو 466 مليون سهم |
وبحساب تقريبي، تبلغ القيمة السوقية لسوق أبوظبي في هذه اللقطة نحو 345 ضعف القيمة السوقية لسوق دمشق، بينما تجاوزت قيمة التداول اليومية في أبوظبي نظيرتها في دمشق بأكثر من 11 ألف ضعف، وعدد الصفقات بنحو 110 أضعاف.
ولا تصلح هذه المقارنة للحكم على السوقين وفق معيار واحد، لاختلاف حجم الاقتصاد والبنية المؤسسية والعملات والبيئة الاستثمارية، كما أن تقييم سوق دمشق بالدولار مرتبط بسعر الصرف الرسمي.
لكن الأرقام تكشف نقطة أساسية: الفجوة في السيولة وعمق التداول أكبر بكثير من مجرد الفارق في حجم الرسملة.
وهذا تحديداً يجعل التعاون في مجالات البنية التقنية وصناعة السوق والمنتجات والاستثمار المؤسسي أكثر أهمية من مجرد رفع المؤشر أو أسعار الأسهم.
ماذا يمكن أن تنقل تجربة أبوظبي؟
أنهى سوق أبوظبي عام 2025 بقيمة سوقية بلغت 3.13 تريليونات درهم، وقيمة تداول سنوية بنحو 385 مليار درهم، وحوالي 5.6 ملايين صفقة.
وشكل المستثمرون الأجانب نحو 39% من إجمالي قيمة التداول في السوق خلال العام، بينما مثل المستثمرون المؤسساتيون نحو 78% من قيمة التداول.
وخلال النصف الأول من 2026، بلغت القيمة السوقية للسوق نحو 2.8 تريليون درهم، وبلغت التداولات 171 مليار درهم على 50.3 مليار سهم، عبر نحو 3.3 ملايين صفقة. كما بلغت مساهمة صناع السوق 15% من إجمالي قيمة التداول، بينما بقيت المؤسسات عند نحو 78% من النشاط.
لكن الرقم وحده ليس العنصر الأكثر قابلية للنقل إلى دمشق.
الأهم هو البنية التي أنتجت هذا العمق.
فمجموعة سوق أبوظبي أصبحت تجمع التداول والمقاصة والإيداع ضمن بنية موحدة، وطورت محرك تداول يدعم الأسهم وصناديق الاستثمار المتداولة وأدوات الدين والمشتقات، كما توسعت في الربط مع أسواق ومؤسسات دولية.
وفي 2026 وسّع السوق سوق المشتقات ليصل إلى 17 عقداً مستقبلياً أساسياً و50 عقداً متاحاً، كما أصبح يستضيف صناديق ETF أمريكية مدرجة بصورة عابرة للحدود، وبلغت القيمة السوقية لصناديق ETF المتداولة فيه قرابة 27 مليار درهم في نيسان 2026.
هذه الخبرة هي التي يمكن أن تصبح ذات قيمة لسوق دمشق، وليس محاولة نسخ حجم سوق أبوظبي أو منتجاته دفعة واحدة.
المسار الأول: توسيع عدد الشركات المدرجة
واحدة من المشكلات البنيوية في سوق دمشق هي محدودية قاعدة الشركات المدرجة مقارنة بحجم النشاط الاقتصادي خارج السوق.
الحكومة ووزارة المالية بدأتا بالفعل العمل على هذا الملف.
في تموز 2026، ناقشت وزارة المالية مع هيئة الأوراق والأسواق المالية وإدارة السوق الاحتياجات القانونية والمؤسساتية والتقنية اللازمة لتشجيع الشركات العائلية على التحول إلى شركات مساهمة وإدراجها في السوق.
ثم جاءت خطوة أكثر مباشرة في قطاع التأمين.
ففي أيلول 2026 جرى إلزام شركات التأمين العاملة في سوريا بأن تصبح شركات مساهمة عامة مدرجة في سوق دمشق، مع منحها مهلة أقصاها 18 شهراً لتسوية أوضاعها، مع توجيه لجدولة عمليات الطرح والإدراج وعدم تنفيذها جميعاً في توقيت واحد.
إذا نُفذ هذا المسار وامتد لاحقاً إلى قطاعات أخرى، فإن أثره لا يقتصر على زيادة عدد الرموز الموجودة على شاشة التداول، بل يمكن أن يوسع القاعدة القطاعية للسوق ويمنح المستثمر خيارات أكبر خارج المصارف والشركات المالية التقليدية.
المسار الثاني: تحويل السوق إلى أداة تمويل للشركات
وجود بورصة لا يعني تلقائياً أن الشركات تستخدمها للحصول على رأس مال جديد.
السوق يصبح قناة تمويل حقيقية عندما تستطيع الشركات إصدار أسهم أو أدوات دين أو أوراق مالية جديدة لجمع رأس المال، بدلاً من أن يقتصر النشاط على انتقال ملكية الأسهم القديمة بين المستثمرين.
وهذا هو التحول الذي يحمل تصريح وزير المالية اليوم أهمية خاصة بشأنه.
إذا أصبح تمويل القطاع الخاص هدفاً أساسياً للخطة الجديدة، فسيحتاج السوق إلى بناء مسار واضح للشركات يبدأ من الحوكمة والإفصاح وإعادة الهيكلة، ويمر بالتقييم والطرح والإدراج، ثم يستمر بعد الإدراج من خلال علاقات المستثمرين والإفصاح المستمر.
المسار الثالث: الصكوك والسندات والأوراق الحكومية
التطوير لا يقتصر على الأسهم.
في تموز 2026 بدأت وزارة المالية مناقشة خطة استراتيجية لإصدار أوراق مالية حكومية تشمل أذونات وسندات خزينة وصكوكاً سيادية.
وقالت الوزارة إن الهدف هو توفير مصادر تمويل غير تضخمية للموازنة، إضافة إلى إنشاء مؤشر مرجعي لتسعير الأصول المالية ومساعدة المؤسسات المالية على تسعير خدماتها ومخاطرها، وتمكين المصرف المركزي من إدارة السيولة وعمليات السوق المفتوحة بصورة أكثر نشاطاً.
وكانت هيئة الأوراق والأسواق المالية قد أعلنت سابقاً العمل على تشريع خاص بصناديق الاستثمار ومشروع قانون للصكوك الإسلامية، مع اعتبار الصكوك إحدى أدوات تمويل المشروعات المستقبلية.
إذا انتقلت هذه الخطط إلى التنفيذ، فقد يصبح سوق دمشق أمام بنية متعددة الأدوات:
الأسهم.
السندات الحكومية.
أذونات الخزينة.
الصكوك السيادية.
الصكوك أو أدوات الدين التي تصدرها الشركات مستقبلاً.
صناديق الاستثمار.
وهذا يختلف جذرياً عن سوق تعتمد بشكل شبه كامل على تداول أسهم عدد محدود من الشركات.
المسار الرابع: تمويل مشروعات التنمية والشراكات العامة الخاصة
الجديد في تصريح الوزير برنية هو الربط الصريح بين تطوير سوق رأس المال وبين تمويل مشروعات التنمية والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
هذا المسار مهم لأن المشروعات الكبرى في الطاقة والنقل والعقارات والبنية التحتية تحتاج غالباً إلى هياكل تمويل أكبر من قدرة بنك واحد أو مستثمر واحد.
من حيث المبدأ، يمكن لأسواق رأس المال أن تدخل في هذه المشروعات من خلال أدوات مختلفة مثل الصكوك والسندات وصناديق الاستثمار والطرح العام لشركات المشروعات أو أدوات دين مخصصة.
لكن لم يُعلن حتى الآن أن سوريا اعتمدت نموذجاً تنفيذياً محدداً لتمويل مشروعات PPP عبر السوق.
لذلك ستكون النقطة التي تستحق المتابعة هي: ما المنتجات التي ستتضمنها الخطة المرتقبة؟ وهل ستنشأ أطر خاصة لتمويل المشروعات أم سيبدأ التطوير بالأدوات التقليدية أولاً؟
المسار الخامس: التقنية والمقاصة والإيداع
الجانب التقني ليس مكملاً ثانوياً.
وزارة المالية ناقشت في تموز بصورة مباشرة تطوير المنظومة التقنية لسوق دمشق، كما سبق أن تضمنت خطة التطوير تحديث نظم التداول والمقاصة والتحول الرقمي للخدمات.
وهنا تمتلك أبوظبي خبرة ذات صلة مباشرة.
فسوق أبوظبي يعمل اليوم ضمن مجموعة تضم التداول والمقاصة والإيداع، واعتمد بنية تقنية متعددة الأصول، ومعيار ISO 20022 في الرسائل المالية، وقدرات أكثر تقدماً في معالجة التداولات والتسوية والوصول الدولي.
بالنسبة لسوق دمشق، فإن الأولوية لا تحتاج بالضرورة إلى منتجات مالية معقدة منذ البداية؛ بل إلى بنية قوية يمكن أن تدعم لاحقاً عدداً أكبر من المستثمرين والشركات والأدوات دون خلق اختناقات تشغيلية أو رقابية.
المسار السادس: السيولة وصناعة السوق
السيولة هي أحد أكبر الاختبارات أمام أي خطة لتطوير السوق.
حتى إذا ارتفع عدد الشركات المدرجة، فإن وجود أوراق مالية لا تتداول بصورة منتظمة لا يبني سوقاً عميقة.
التجربة في أبوظبي توضح أهمية صناعة السوق: ففي النصف الأول من 2026 بلغت مساهمة صناع السوق نحو 15% من إجمالي قيمة التداول.
أما في دمشق، فبيانات التداول تظهر تفاوتاً كبيراً بين الجلسات، مع قدرة عدد محدود من العمليات الكبيرة على تغيير إجمالي النشاط بصورة واضحة.
لذلك فإن أي تطوير حقيقي يحتاج إلى معالجة جانبين معاً:
زيادة العرض عبر إدراج شركات وأدوات جديدة.
وزيادة الطلب والسيولة من خلال توسيع قاعدة المستثمرين وتطوير الوسطاء والصناديق والمؤسسات الاستثمارية وآليات صناعة السوق ضمن إطار رقابي مناسب.
المسار السابع: الحوكمة والإفصاح قبل جذب رأس المال
كلما اتسعت السوق أصبحت جودة الإفصاح أكثر أهمية.
وفي أيلول 2026 صدر قرار يشترط نشر البيانات المالية للسنة الأخيرة وفق المهل المحددة في نظام الإفصاح والشفافية قبل إعادة أسهم الشركات الموقوفة إلى التداول.
هذه الخطوة مهمة لأن تطوير البورصة لا يقوم فقط على زيادة التداول، بل على قدرة المستثمر على الحصول على معلومات مالية منتظمة وقابلة للمقارنة.
وإذا كان الهدف في المرحلة المقبلة جذب مستثمرين مؤسساتيين أو رؤوس أموال خارجية، فإن جودة البيانات والتدقيق والحوكمة تصبح جزءاً أساسياً من البنية الاستثمارية نفسها.
ماذا تعني مذكرة أبوظبي عملياً؟
من السابق لأوانه قياس نجاح المذكرة بعدد الاستثمارات أو الإدراجات، لأنها لم تدخل بعد مرحلة النتائج التنفيذية المعلنة.
لكن قيمتها المحتملة يمكن أن تظهر في خمسة مجالات عملية:
نقل الخبرة في تحديث نظم التداول والمقاصة والإيداع.
تطوير قواعد الإدراج والإفصاح والحوكمة.
بناء منتجات مالية جديدة بالتدرج.
تطوير صناعة السوق والسيولة ودور المستثمر المؤسسي.
وفتح قنوات تعاون أوسع مع أسواق عربية ودولية.
وهنا سيكون من المفيد مراقبة ما إذا كانت المذكرة ستنتقل لاحقاً من تبادل المعرفة إلى مشروعات تقنية أو تدريبية أو تشغيلية محددة.
وهل يمكن الوصول لاحقاً إلى الربط بين السوقين؟
سوق أبوظبي يمتلك بالفعل تجربة في الربط العابر للحدود من خلال منصة «تبادل»، التي أُطلقت على نموذج الوصول المتبادل للأسواق وتسمح للمستثمرين بالوصول إلى الأسواق المشاركة عبر الوسطاء المحليين.
كما أن مذكرات أبوظبي مع أسواق أخرى تشمل في بعض الحالات بحث الإدراج المزدوج والتداول عبر الحدود وصناديق ETF وتطوير المنتجات.
لكن لا يوجد حتى الآن إعلان بأن مذكرة دمشق–أبوظبي تتضمن انضمام سوق دمشق إلى «تبادل» أو إطلاق إدراج مزدوج.
وهذا فرق يجب الحفاظ عليه: التعاون الحالي قد يبني الأساس لمراحل أعمق مستقبلاً، لكنه لا يعني أن الربط التشغيلي أصبح مقرراً.
ما الذي يجب متابعته بعد إعلان اليوم؟
التطور الأهم الآن لن يكون توقيع مذكرة إضافية بحد ذاته، بل ظهور تفاصيل الخطة السورية التي قال وزير المالية إنها ستُطلق قريباً.
وهناك عشرة مؤشرات ستحدد مدى عمق التحول:
- التشريعات الجديدة التي ستصدر لأسواق رأس المال.
- توقيت إطلاق قانون أو نظام صناديق الاستثمار.
- إطار الصكوك الإسلامية والصكوك السيادية.
- أول إصدار جديد من أذونات أو سندات أو صكوك حكومية.
- عدد الشركات الجديدة التي ستبدأ إجراءات الإدراج.
- تنفيذ خطة إدراج شركات التأمين خلال مهلة الـ18 شهراً.
- انتقال شركات عائلية إلى نموذج المساهمة العامة.
- تحديث منظومة التداول والمقاصة والإيداع.
- إدخال آليات أو مؤسسات لدعم السيولة وصناعة السوق.
- الاتفاقيات المقبلة مع الأسواق والبورصات العربية والدولية وما إذا كانت ستنتقل من تبادل الخبرات إلى الربط والأدوات المشتركة.
من سوق تداول إلى سوق تمويل
القضية الأساسية ليست الوصول بسوق دمشق إلى حجم سوق أبوظبي؛ المقارنة من حيث الحجم غير واقعية ولا تمثل هدفاً بحد ذاتها.
التحول المطلوب أكثر تحديداً:
أن تستطيع شركة سورية تحتاج إلى التوسع جمع جزء من رأسمالها عبر السوق.
أن تستطيع الدولة إصدار أدوات مالية قابلة للتداول ضمن إطار منظم.
أن يستطيع المستثمر الاختيار بين أسهم وصناديق وأدوات دين وصكوك بدلاً من مجموعة محدودة من الأسهم.
وأن تتحول السوق إلى منصة تسعير وتمويل واستثمار، لا مجرد مكان لانتقال ملكية الأسهم الموجودة مسبقاً.
إذا اتجهت الخطة المرتقبة في هذا المسار، فإن مذكرة دمشق–أبوظبي ستكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء سوق رأس المال السوري.
أما إذا بقي التعاون عند مستوى مذكرات التفاهم دون توسع في الشركات والأدوات والسيولة والتقنية والإفصاح، فسيبقى الأثر محدوداً على قدرة السوق على تمويل الاقتصاد الحقيقي.
الخلاصة
توقيع مذكرة التفاهم بين سوقي دمشق وأبوظبي في 29 أيلول 2026 يحمل أهمية أكبر من الحدث البروتوكولي نفسه، لأنه يتزامن مع سلسلة خطوات سورية بدأت تتجمع ضمن مسار واحد: تحديث التقنية، إدراج شركات جديدة، إعادة هيكلة شركات التأمين، تشجيع الشركات العائلية على التحول، تطوير الصكوك والأوراق الحكومية، والعمل على صناديق الاستثمار.
الأرقام تكشف في الوقت نفسه حجم التحدي.
في لقطة 23 أيلول، بلغت رسملة سوق دمشق نحو 2.1 مليار دولار مقابل نحو 729.5 مليار دولار لأبوظبي، بينما كانت الفجوة في التداول والسيولة أكبر بكثير من الفجوة في حجم السوق.
لذلك فإن السؤال بعد مذكرة اليوم ليس: هل تصبح دمشق مثل أبوظبي؟
السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع سوريا استخدام هذه الشراكات لبناء سوق رأس مال أعمق، يسمح للشركات والمشروعات بجمع التمويل، ويمنح المستثمر أدوات أكثر، ويوفر للاقتصاد قناة تمويل إضافية إلى جانب المصارف؟
الإجابة ستبدأ بالظهور عندما تُعلن تفاصيل الخطة المرتقبة، والأدوات والتشريعات والجداول التنفيذية التي سترافقها.