آخر 48 ساعة قبل خروج الليرة السورية القديمة من التداول: ماذا يتغير بعد 30 تموز؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ 28 تموز 2026
العملة القديمة لن تفقد قيمتها، لكنها ستفقد صلاحيتها القانونية للتداول، فيما تنتقل عملية استردادها إلى مسار أكثر تقييداً يتطلب مراجعة المصرف المركزي في دمشق وتقديم ما لا يقل عن 100 ورقة نقدية
تدخل سوريا خلال الساعات المقبلة المرحلة الأخيرة من عملية استبدال العملة الوطنية، مع انتهاء صلاحية الأوراق النقدية القديمة للتداول بنهاية يوم الخميس 30 تموز 2026.
واعتباراً من 31 تموز، لن يكون من الممكن استخدام هذه الأوراق في الشراء أو دفع الأجور أو تسوية الديون أو تنفيذ المعاملات المالية، لكنها لن تصبح بلا قيمة. إذ يبقى لحامليها حق تسليمها إلى مصرف سوريا المركزي والحصول على قيمتها بالليرة السورية الجديدة ضمن مرحلة سحب تستمر خمس سنوات.
هذا التمييز هو النقطة الأهم في القرار: ما ينتهي في 30 تموز هو التداول والاستبدال عبر الشبكة الواسعة من المصارف وشركات الصرافة، وليس الحق المالي لحامل الأوراق القديمة.
لكن الاحتفاظ بهذا الحق لا يعني أن الإجراءات بعد انتهاء المهلة ستبقى بالسهولة أو المرونة نفسها.
ماذا يحدث حتى نهاية 30 تموز؟
تبقى الأوراق النقدية القديمة حتى نهاية يوم 30 تموز 2026 متمتعة بقوتها الإبرائية الكاملة، ويمكن استخدامها في عمليات الدفع وتسوية الالتزامات المالية، إلى جانب إمكانية استبدالها لدى الجهات المالية المعتمدة.
وبالتالي، فإن رفضها قبل انتهاء المهلة بحجة أنها خرجت من التداول لا يتوافق مع التعليمات المعلنة، ما دامت الورقة مشمولة بعملية الاستبدال ومستوفية للشروط العامة لقبول النقد.
عملياً، تمثل الساعات المتبقية الفرصة الأخيرة لتنفيذ العملية من خلال شبكة المؤسسات المالية المعتمدة، قبل انتقالها إلى آلية أكثر مركزية وتعقيداً.
ماذا يتغير اعتباراً من 31 تموز؟
ابتداءً من 31 تموز، تدخل الأوراق القديمة مرحلة «السحب» بدلاً من مرحلة «الاستبدال والتداول»، وتطبق القواعد الآتية:
- تفقد الأوراق القديمة صلاحيتها القانونية للتداول وإجراء المعاملات المالية.
- تستمر إمكانية تسليمها لمدة خمس سنوات.
- تقدم الطلبات حصراً إلى مركز مصرف سوريا المركزي في دمشق.
- يجب ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية من أي فئة.
- لا تقبل الطلبات التي تحتوي على أقل من 100 ورقة.
- تخضع الأوراق والطلب للتدقيق والموافقة.
- تحول القيمة المستحقة إلى حساب مصرفي محدد بالليرة السورية الجديدة.
- لا تستوفى عمولات أو رسوم أو ضرائب أو نفقات على عملية السحب.
كما أوضح المصرف أنه اعتباراً من 31 تموز، فإن أي إشارة إلى «الليرة السورية» في القرارات والتعليمات والتعاملات الرسمية ستعني الليرة السورية الجديدة.
ما الفرق بين فقدان القوة الإبرائية وفقدان القيمة؟
القوة الإبرائية هي الصفة القانونية التي تجعل العملة وسيلة مقبولة وملزمة لتسديد الديون والالتزامات.
عندما تفقد الورقة القديمة قوتها الإبرائية، لن يتمكن حاملها من إلزام متجر أو شركة أو شخص آخر بقبولها ثمناً أو وفاءً لدين. لكنها تبقى خلال فترة السحب مطالبة مالية يمكن تقديمها إلى المصرف المركزي وفق الشروط المحددة.
بمعنى آخر:
قبل 31 تموز: الورقة مال قابل للتداول والاستبدال.
بعد 31 تموز: الورقة لم تعد أداة دفع، لكنها تبقى مستنداً إلى حق مالي لدى المصرف المركزي ضمن آلية السحب.
وهذا الفرق مهم لمنع حالتين متناقضتين: الاعتقاد بأن الأوراق ستصبح عديمة القيمة بالكامل، أو الاعتقاد بأن استمرار الحق لمدة خمس سنوات يعني إمكان استخدامها في السوق خلال هذه الفترة.
شرط 100 ورقة: لماذا يثير أسئلة عملية؟
قد يكون الهدف من وضع حد أدنى للطلبات تقليل عدد المعاملات الصغيرة وتخفيف الضغط الإداري على مركز المصرف خلال فترة السحب الطويلة.
لكن صياغة الشرط على أساس عدد الأوراق بدلاً من القيمة الإجمالية تخلق تفاوتاً واضحاً بين حاملي الفئات المختلفة.
فعلى سبيل المثال، وبحسب معيار الاستبدال الذي يحدد كل 100 ليرة قديمة بليرة سورية جديدة واحدة:
- 100 ورقة من فئة 50 ليرة قديمة تعادل 50 ليرة جديدة.
- 99 ورقة من فئة 5,000 ليرة قديمة تعادل 4,950 ليرة جديدة.
ومع ذلك، فإن التطبيق الحرفي للشرط يعني قبول الطلب الأول ورفض الثاني، لأن الأول يحتوي على 100 ورقة والثاني على 99 ورقة، بصرف النظر عن الفرق الكبير في القيمة.
وهنا تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي حول كيفية التعامل مع:
- من يملك أقل من 100 ورقة ذات قيمة إجمالية مرتفعة.
- إمكان جمع أوراق تعود إلى أفراد من الأسرة نفسها.
- تقديم الطلب بالوكالة.
- حالات الإرث أو الوفاة.
- السوريين الموجودين خارج البلاد.
- كبار السن وذوي الإعاقة وغير القادرين على السفر إلى دمشق.
غياب آلية واضحة لهذه الحالات قد يدفع بعض الحائزين إلى التخلي عن جزء من حقوقهم أو التعامل مع وسطاء غير رسميين.
هل يشترط امتلاك حساب مصرفي؟
البيان الرسمي ينص على تحويل القيمة المستحقة بعد التدقيق والموافقة إلى «الحساب المصرفي المحدد» بالليرة السورية الجديدة. وهذا يجعل وجود حساب قادر على استقبال المبلغ ضرورة عملية لإتمام المعاملة.
لكن الصياغة المنشورة لا توضح بصورة كافية ما إذا كان يجب أن يكون الحساب باسم مقدم الطلب نفسه، أو ما إذا كان يمكن تحديد حساب قريب أو وكيل، ولا تحدد آلية التعامل مع الأشخاص الذين لا يملكون حسابات مصرفية.
قد يساهم هذا الإجراء في تشجيع فتح الحسابات وإدخال جزء أكبر من السيولة إلى النظام المالي الرسمي، كما يمنح المصرف قدرة أفضل على توثيق العملية وتتبعها.
في المقابل، قد يتحول إلى عائق أمام المواطنين غير المتعاملين مع المصارف، ولا سيما كبار السن وسكان المناطق البعيدة وبعض أصحاب الدخول المحدودة، ما لم تتوافر إجراءات سريعة ومبسطة لفتح الحسابات.
هل تمتد عملية التدقيق إلى أربعين يوماً؟
تداولت بعض الصفحات والمصادر معلومات تفيد بأن التدقيق والمراجعة قد يستغرقان مدة تصل إلى أربعين يوماً.
لكن البيان الرسمي والقرار المنشورين حتى تاريخ إعداد هذه المادة ينصان على أن التحويل يتم «بعد التدقيق والموافقة»، من دون تحديد مدة قصوى معلنة لإنجاز التدقيق أو تحويل المبلغ.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع الأربعين يوماً بوصفها مهلة رسمية ثابتة ما لم يصدر تعميم أو دليل إجراءات واضح عن مصرف سوريا المركزي.
ومع ذلك، فإن عدم وجود مدة إنجاز معلنة يظل مسألة مهمة؛ لأن صاحب الأموال قد يفقد القدرة على استخدامها منذ لحظة تسليمها إلى حين انتهاء التدقيق والتحويل، ما يعني تجميد السيولة خلال تلك الفترة.
كيف يمكن أن تؤثر الإجراءات على المواطنين؟
1. ارتفاع التكلفة الفعلية للاسترداد
رغم أن المصرف لا يستوفي رسوماً أو عمولات، فإن مراجعة دمشق قد تفرض تكاليف سفر وإقامة ونقل ووقت، وقد تتجاوز هذه التكاليف قيمة المبلغ نفسه بالنسبة إلى بعض المواطنين.
2. تفاوت جغرافي في الوصول إلى الخدمة
حصر الطلبات في مركز واحد بدمشق يمنح المقيمين في العاصمة أفضلية عملية مقارنة بسكان المحافظات البعيدة، وخصوصاً المناطق التي تتطلب ساعات طويلة من السفر.
3. احتمال ظهور وسطاء غير رسميين
قد يعرض بعض الوسطاء شراء الأوراق القديمة بأقل من قيمتها من الأشخاص الذين لا يملكون 100 ورقة، أو لا يستطيعون السفر، أو لا يملكون حساباً مصرفياً.
وقد يؤدي ذلك إلى نشوء سوق خصم غير رسمية، ينتقل فيها جزء من قيمة أموال المواطنين إلى الوسطاء مقابل تجميع الأوراق ومراجعة المصرف.
4. زيادة مخاطر الاحتيال
قد تظهر عروض تدعي جمع العملة أو استبدالها أو فتح حسابات بالنيابة عن المواطنين. ولذلك يصبح من الضروري عدم تسليم الأوراق أو الوثائق الشخصية إلا إلى جهة رسمية أو بموجب معاملة موثقة.
ماذا يعني انتهاء المهلة للشركات والتجار؟
على الشركات والمتاجر وأصحاب الصناديق النقدية الانتهاء قبل نهاية 30 تموز من جرد ما لديهم من أوراق قديمة وتسليمها إلى الجهات المعتمدة.
واعتباراً من 31 تموز، يجب ألا تستقبل المؤسسات هذه الأوراق ضمن المبيعات أو التحصيلات، كما ينبغي التأكد من:
- إغلاق أرصدة الصناديق القديمة وتسويتها.
- تسجيل عمليات التحويل وفق معيار 100 ليرة قديمة مقابل ليرة جديدة واحدة.
- تحديث الأنظمة المحاسبية والفواتير وقوائم الأسعار.
- استخدام الليرة الجديدة في العقود والإيصالات والسندات الجديدة.
- توعية الموظفين والمسؤولين عن التحصيل.
- الاحتفاظ بوثائق عمليات الاستبدال والإيداع.
وكان المصرف قد أكد منذ بدء العملية أن حذف صفرين لا يغير الحقوق المالية أو القدرة الشرائية، وأن الرواتب والعقود والديون والالتزامات تنتقل إلى الوحدة الجديدة وفق معيار التحويل المعتمد.
هل يؤدي خروج العملة القديمة إلى انخفاض الأسعار أو تحسن سعر الصرف؟
استبدال الأوراق وحذف صفرين يبسّطان التعاملات والحسابات ويقللان عدد الأرقام والأوراق اللازمة للدفع، لكنهما لا يخلقان بحد ذاتهما قدرة شرائية جديدة.
فالقيمة الحقيقية للعملة والأسعار تتأثر بعوامل مثل حجم الإنتاج، كمية النقود، الإنفاق العام، العجز المالي، العرض والطلب على العملات الأجنبية، كلفة المستوردات، والثقة بالسياسات الاقتصادية.
وقد أوضح المصرف منذ إطلاق العملة الجديدة أن العملية إعادة تعبير عن القيم النقدية وليست تخفيضاً للحقوق أو تغييراً مباشراً في القدرة الشرائية. كما أن التضخم يرتبط باختلال العلاقة بين الطلب والعرض والكتلة النقدية وحجم الاقتصاد، وليس بعدد الأصفار المطبوعة على الورقة.
لذلك، فإن نجاح عملية الاستبدال لا يقاس بمجرد اختفاء الأوراق القديمة، بل بما إذا كانت ستتبعها سياسات قادرة على ضبط التضخم، وتنشيط الإنتاج، وتطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الثقة بالليرة الجديدة.
ما المكاسب الاقتصادية المحتملة؟
يمكن للعملية، عند تنفيذها بكفاءة، أن تحقق عدداً من النتائج الإيجابية:
- تحسين قدرة المصرف المركزي على تقدير الكتلة النقدية الفعلية.
- إخراج الأوراق القديمة والمهترئة من السوق.
- تبسيط المحاسبة والتسعير والرواتب والمدفوعات.
- تقليل تكاليف عدّ ونقل وتخزين كميات كبيرة من النقد.
- إدخال مزيد من السيولة إلى النظام المصرفي.
- تحسين تتبع حركة الأموال والحد من تداول الكتل النقدية مجهولة المصدر.
- بناء قاعدة أكثر ملاءمة لتطوير الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية.
وقد أعلن حاكم المصرف في منتصف تموز أن نسبة استبدال المعروض النقدي بلغت نحو 80 بالمئة، بعد أن كانت قد تجاوزت 63 بالمئة في نهاية أيار.
أين تكمن المخاطر؟
تظهر المخاطر عندما تتحول إجراءات الحماية والتدقيق إلى عوائق غير متناسبة أمام أصحاب الحقوق.
فإذا كانت تكلفة السفر أو فتح الحساب أو الانتظار أعلى من قيمة الأوراق، فقد يعزف بعض المواطنين عن استردادها. وإذا لم توجد مدة واضحة للمعالجة، فقد يؤدي ذلك إلى تجميد أموال يحتاج أصحابها إليها. وإذا استمر حصر الخدمة في دمشق، فقد تنشأ سوق وساطة وخصم تستفيد من صعوبة الوصول.
كما أن أي التباس أو تأخير أو اختلاف في تطبيق التعليمات قد يؤثر في الثقة بالعملة الجديدة وبالمؤسسات المالية، وهي ثقة تحتاج عملية الإصلاح النقدي إلى تعزيزها لا إلى تعريضها للاهتزاز.
ماذا ينبغي على من لا يزال يحتفظ بأوراق قديمة أن يفعل؟
قبل نهاية 30 تموز، ينبغي:
- حصر جميع الأوراق القديمة الموجودة في المنزل أو مكان العمل.
- عدم الاكتفاء بحساب قيمتها، بل حساب عدد الأوراق أيضاً.
- التوجه بأسرع وقت إلى مصرف أو جهة مالية معتمدة.
- عدم بيع الأوراق القديمة بأقل من قيمتها لوسطاء.
- الحصول على إيصال أو إثبات عند تسليم أي مبلغ.
- التأكد من جاهزية حساب مصرفي صالح لاستقبال القيمة إذا تعذر إنجاز العملية قبل انتهاء المهلة.
- متابعة تعليمات مصرف سوريا المركزي حصراً بشأن الأوراق والوثائق المطلوبة بعد 31 تموز.
ما القرارات المكملة المطلوبة بعد انتهاء المهلة؟
لضمان عدم تحول فترة السحب إلى عبء طويل الأمد، سيكون من المفيد أن ينشر مصرف سوريا المركزي دليلاً تنفيذياً مفصلاً يوضح:
- الوثائق المطلوبة.
- المدة القصوى للتدقيق والتحويل.
- شروط الحساب المصرفي.
- آلية فتح حساب مبسط لمن لا يملكون حسابات.
- التعامل مع الوكالات والورثة والسوريين في الخارج.
- آلية الاعتراض على رفض الأوراق أو الطلب.
- شروط التحقق من مصدر الأموال عند المبالغ الكبيرة.
- إمكان استقبال الطلبات في فروع المحافظات.
- معالجة الطلبات التي تقل عن 100 ورقة.
- قناة واضحة للشكاوى والاستفسارات.
كما أن فتح نوافذ دورية في المحافظات، أو السماح للمصارف باستقبال الطلبات وإرسالها مركزياً، يمكن أن يخفض التكاليف على المواطنين ويحد من ظهور الوسطاء.
مرحلة جديدة تتجاوز تغيير شكل الأوراق
يمثل 30 تموز نهاية أطول مرحلة انتقالية في عملية استبدال العملة السورية، وبداية اعتماد الليرة الجديدة وحدها في التداول والمعاملات الرسمية.
لكن الأهمية الحقيقية للعملية لا تتوقف عند حذف صفرين أو تغيير تصميم الأوراق. فالاختبار الأهم هو قدرة النظام النقدي على الحفاظ على حقوق المواطنين، وتسهيل الوصول إلى الأموال، وتعزيز الثقة، وتحويل التغيير النقدي إلى جزء من إصلاح مصرفي واقتصادي أوسع.
خروج العملة القديمة من التداول قد يكون خطوة ضرورية لتنظيم النظام النقدي، لكن نجاح الخطوة سيقاس بمدى وضوح الإجراءات وعدالتها وسهولة تطبيقها، وبقدرة السياسات الاقتصادية اللاحقة على حماية القوة الشرائية وتحسين بيئة الإنتاج والأعمال.