محمد العبار يحدد موعد توقيع مشروعين بـ15 مليار دولار في دمشق: هل تنتقل استثمارات Eagle Hills في سورية من التخطيط إلى التنفيذ؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
دخل ملف الاستثمارات العقارية التي يقودها رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار في سورية مرحلة أكثر تحديداً، بعدما أعلن أن شركة Eagle Hills تعتزم توقيع اتفاقيات لمشروعين في دمشق بقيمة إجمالية تقارب 15 مليار دولار خلال الأسبوع الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026.
التصريح، الذي أدلى به العبار في مقابلة خاصة مع CNBC عربية في 21 سبتمبر/أيلول، يمثل تطوراً مهماً مقارنة بالإعلانات السابقة؛ إذ لم يعد الحديث محصوراً في دراسة فرص أو إعداد مشاريع محتملة، وإنما بات مرتبطاً بموعد قريب ومحدد لتوقيع اتفاقيات المشروعين.
وقال العبار إن الاستثمار في السوق السورية يمثل «مجازفة محسوبة»، في ظل ما وصفه بتحسن تدريجي في الأوضاع خلال نحو 22 شهراً. والتصريح مهم من زاوية الأعمال لأنه يكشف الطريقة التي تنظر بها واحدة من أبرز مجموعات التطوير العقاري الإقليمية إلى معادلة المخاطر والفرص في السوق السورية الحالية.
من 19 ملياراً في أيار إلى 20 ملياراً في تموز
مسار العبار في سورية لم يبدأ بالإعلان الأخير. ففي المنتدى الاستثماري السوري–الإماراتي الذي عُقد في دمشق في مايو/أيار 2026، تحدث عن مشاريع استثمارية قيد الدراسة تصل قيمتها المتوقعة إلى نحو 19 مليار دولار، موزعة بين مشاريع قد تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار في دمشق ونحو 7 مليارات دولار في الساحل السوري. كما قدر آنذاك أن هذه الاستثمارات يمكن أن توفر نحو 100 ألف فرصة عمل.
وكانت الرؤية المطروحة في تلك المرحلة واسعة، إذ ربط العبار بين التطوير العقاري والسياحة، وتحدث عن إمكان رفع عدد السياح القادمين إلى سورية إلى نحو 8 ملايين سائح خلال أربع إلى خمس سنوات، وما يمكن أن يرافق ذلك من وظائف وتدفقات بالعملات الأجنبية وإيرادات عامة.
ثم جاءت مرحلة ثانية في منتصف يوليو/تموز، عندما كشفت تقارير استندت إلى مقابلة للعبار مع Bloomberg عن مشروعين عقاريين وسياحيين في دمشق واللاذقية باستثمارات لا تقل عن 20 مليار دولار.
وتضمنت التصورات المعلنة آنذاك عشرات الآلاف من الوحدات السكنية، إلى جانب منتجعات وفنادق ومتاجر ومكاتب ومدارس ومستشفيات، بما يجعل المشروعين أقرب إلى مجتمعات عمرانية متكاملة من كونهما تطويراً عقارياً تقليدياً محدود النطاق.
سبتمبر: الرقم أصبح 15 مليار دولار.. والموقع دمشق
هنا تظهر النقطة التي تستحق الانتباه.
فالإعلان الجديد يتحدث عن مشروعين في دمشق بقيمة إجمالية تبلغ نحو 15 مليار دولار، بينما كان الحديث في يوليو عن مشروعين في دمشق واللاذقية بقيمة لا تقل عن 20 مليار دولار.
ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية كافية تسمح بالقول إن حجم الاستثمار الإجمالي قد تقلص فعلاً من 20 إلى 15 مليار دولار، أو أن مشروع اللاذقية قد أُلغي أو جرى تأجيله.
هناك عدة تفسيرات محتملة: قد تكون قيمة الـ15 مليار دولار مرتبطة فقط بالمشروعين اللذين أصبحا جاهزين للتوقيع في دمشق، بينما يبقى مشروع الساحل ضمن مرحلة أخرى؛ وقد يكون نطاق المشاريع قد تغير خلال عمليات التفاوض والتصميم؛ أو قد تكون تقديرات الـ19 والـ20 مليار دولار السابقة قد عكست تصوراً أولياً أوسع من القيمة التي ستدخل الاتفاقيات الحالية.
لكن أياً من هذه الاحتمالات لم يُحسم في التصريحات المتاحة حتى الآن، ولذلك سيكون من المبكر اعتبار الفرق بين الأرقام دليلاً على تقليص نهائي للاستثمارات.
من «الاستثمار المحتمل» إلى «موعد التوقيع»
اقتصادياً، النقطة الأكثر أهمية في تصريح سبتمبر ليست انخفاض الرقم من 20 إلى 15 مليار دولار، وإنما تحديد الأسبوع الأول من أكتوبر موعداً للتوقيع.
فالمشاريع الاستثمارية الكبرى تمر عادة بعدة طبقات: الاهتمام الأولي، ودراسة المواقع، والمفاوضات، وتحديد النموذج الاستثماري، والاتفاق على الأرض والتمويل والملكية، ثم توقيع الاتفاقيات، وبعد ذلك العقود التنفيذية والتمويل والبناء.
وصول الملف إلى موعد معلن للتوقيع يعني، إذا جرى وفق الموعد المحدد، أن مشاريع العبار السورية ستنتقل خطوة إضافية من دائرة الخطط والمفاوضات إلى إطار تعاقدي أكثر وضوحاً.
لكنه لا يعني تلقائياً بدء ضخ 15 مليار دولار أو بدء الإنشاءات فوراً. فالرقم المعلن يمثل القيمة المقدرة للمشاريع على امتداد مراحل تطويرها، بينما يتوقف التدفق الفعلي للاستثمار على هيكل التمويل، ومراحل التنفيذ والمبيعات، وتجهيز الأراضي والبنية التحتية، والحصول على الموافقات والعقود التنفيذية.
نموذج مختلف للملكية والتمويل؟
الإعلانات التي ظهرت في يوليو قدمت مؤشراً مهماً على الشكل الذي قد تتخذه هذه المشاريع.
فبحسب المعلومات المنشورة استناداً إلى مقابلة العبار مع Bloomberg، كان التصور يقوم على إنشاء شركة جديدة تضم الحكومة السورية ومستثمرين خليجيين ومستثمرين سوريين، مع مساهمة الجانب الحكومي بالأراضي، فيما تكون Eagle Hills مستثمراً رئيسياً، مع توجه لإتاحة مشاركة السوريين في ملكية الكيان الاستثماري. وكانت ترتيبات التمويل لا تزال قيد الإعداد حينها.
إذا ظهر هذا النموذج بالفعل في اتفاقيات أكتوبر، فسيكون مهماً ليس فقط لحجم المشروع، بل لأنه سيقدم نموذجاً يمكن أن يتكرر في مشاريع إعادة التطوير العمراني السورية: الدولة تقدم الأرض، والمطور يجلب الإدارة والخبرة ورأس المال، ويدخل مستثمرون محليون وخارجيون في الهيكل المالي للمشروع.
أما إذا جاءت الاتفاقيات بصيغة مختلفة، فإن ذلك سيكشف أن الأشهر الماضية شهدت إعادة هيكلة جوهرية للنموذج الاستثماري.
لماذا تمثل مشاريع بهذا الحجم أكثر من مجرد تطوير عقاري؟
مشروع أو مجموعة مشاريع بقيمة 15 مليار دولار لا تنعكس على شركات الإنشاءات وحدها.
مشروعات التطوير العمراني المتكامل تحتاج إلى سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها: المقاولات، الإسمنت والحديد ومواد البناء، الزجاج والألمنيوم، البنية التحتية، الكهرباء والمياه، التصميم والهندسة، النقل والخدمات اللوجستية، الأثاث والتجهيزات، المصارف والتمويل، التأمين، الاتصالات، إدارة العقارات، الفنادق والتجزئة والخدمات.
ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الاستثمار الأجنبي، وإنما بمقدار القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد السوري: ما نسبة المشتريات المحلية؟ كم شركة سورية ستدخل كمقاول أو مورد؟ ما حجم العمالة المحلية؟ وهل ستتطور سلاسل توريد سورية قادرة على خدمة المشاريع على مدى سنوات؟
هذه التفاصيل قد تجعل الأثر الاقتصادي مختلفاً بصورة كبيرة حتى بين مشروعين يحملان القيمة الاستثمارية نفسها.
دمشق أيضاً أمام اختبار عمراني
تركيز الإعلان الأخير على مشروعين في دمشق يفتح ملفاً آخر يتعلق بموقع المشروعات داخل العاصمة أو محيطها.
حتى الآن لم يكشف تصريح CNBC عن أسماء المشروعين أو المساحات أو المواقع الدقيقة أو عدد الوحدات المخطط لها.
وستكون معرفة الأراضي المختارة عاملاً أساسياً في تقييم المشروعين، لأن استثماراً بهذا الحجم قد يؤثر في اتجاهات التوسع العمراني، وأسعار الأراضي والعقارات، وشبكات الطرق والنقل، والطلب على المياه والكهرباء والخدمات العامة، إضافة إلى قدرته على خلق مراكز تجارية وسكنية جديدة.
لذلك فإن الإعلان عن الموقع لن يكون مجرد تفصيل هندسي، وإنما معلومة اقتصادية أساسية لفهم التأثير المحتمل على سوق العقارات في دمشق.
ماذا يجب أن ننتظر في الأسبوع الأول من أكتوبر؟
موعد التوقيع سيكون النقطة التي تسمح بالانتقال من قراءة التصريحات إلى تحليل المشروع نفسه. وستحتاج السوق عندها إلى إجابات واضحة عن عدة مسائل: أسماء المشروعين وموقعهما ومساحتهما، القيمة المعتمدة لكل مشروع، مراحل وجدول التنفيذ، هيكل ملكية الشركة أو الشركات المنفذة، طبيعة مساهمة الدولة بالأراضي، آلية التمويل، عدد الوحدات والمنشآت المخطط لها، حصة المستثمرين السوريين، وحجم الفرص المتاحة للمقاولين والموردين والشركات المحلية.
وبصورة خاصة، ينبغي توضيح مصير مشروع اللاذقية الذي ظهر بوضوح في الإعلانات السابقة ولم يرد ذكره في تصريح الـ15 مليار دولار الأخير.
بين الرقم والتنفيذ
السوق السورية شهدت خلال الأشهر الماضية عدداً كبيراً من إعلانات المشاريع والاستثمارات، إلا أن المرحلة الأهم اقتصادياً تبدأ عندما تتحول الأرقام المعلنة إلى عقود، والعقود إلى تمويل، والتمويل إلى مواقع عمل وإنفاق فعلي.
ومن هنا تأتي أهمية تصريح محمد العبار الجديد.
فالخبر ليس أن مستثمراً إماراتياً يدرس ضخ مليارات الدولارات في سورية؛ هذه المعلومة أصبحت معروفة منذ أشهر. الجديد هو أن Eagle Hills تضع موعداً قريباً لتوقيع اتفاقيات مشروعين بقيمة تقارب 15 مليار دولار.
إذا تم التوقيع في الأسبوع الأول من أكتوبر كما أُعلن، ستبدأ مرحلة مختلفة من الأسئلة: متى يبدأ التنفيذ؟ من يمول؟ ومن يبني؟ وما حجم مشاركة القطاع الخاص السوري؟ وكيف تتوزع القيمة الاقتصادية للمشروع داخل السوق؟
أما حتى ذلك الحين، فيبقى رقم الـ15 مليار دولار قيمة معلنة لمشاريع مرتقبة، وليس استثماراً منفذاً أو أموالاً دخلت السوق بالفعل.
وهذا الفصل بين الإعلان والتوقيع والتنفيذ سيكون ضرورياً لقراءة موجة الاستثمارات الكبرى في سورية بصورة أكثر دقة خلال المرحلة المقبلة.
خلاصة بوابة الأعمال السورية
تحركات محمد العبار منذ مايو ترسم مساراً واضحاً من الاهتمام الأولي إلى دراسة مشاريع بمليارات الدولارات، ثم تحديد مشاريع ومواقع ونموذج استثماري أولي، وصولاً الآن إلى موعد قريب للتوقيع.
لكن التغير من 19 مليار دولار في مايو، إلى أكثر من 20 ملياراً في يوليو، ثم نحو 15 ملياراً لمشروعين في دمشق في سبتمبر، يعني أن القيمة النهائية والنطاق الجغرافي وهيكل المشاريع لا تزال ملفات تحتاج إلى تثبيت رسمي عند توقيع العقود.
لذلك سيكون الأسبوع الأول من أكتوبر نقطة متابعة مهمة: ليس فقط لمعرفة ما إذا كان التوقيع سيتم، وإنما لمعرفة ما الذي سيتم توقيعه فعلياً.