عودة أيمن الأصفري إلى سوريا: ماذا تعني منذ 2025 حتى زيارة إدلب في 18 نيسان 2026؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
ليست عودة رجل أعمال بحجم أيمن الأصفري إلى سوريا حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد زيارة شخصية يمكن المرور عليها سريعاً. فالرجل يأتي من خلفية تجمع بين المال، والشبكات الدولية، والعمل المؤسسي، والدور الخيري، والقدرة على التأثير في دوائر الأعمال والسياسات معاً. لذلك فإن حضوره في سوريا منذ مطلع 2025، ثم ظهوره الميداني في إدلب يوم 18 نيسان 2026، يستحق قراءة أوسع من خبر الزيارة نفسه: ما الذي يعنيه هذا الحضور لبيئة الأعمال السورية؟ وما الذي قد ينتج عنه معنوياً وعملياً؟ وما الذي ينبغي المبالغة فيه، وما الذي ينبغي التعامل معه بحذر؟
أولاً: ما الذي حدث فعلياً منذ 2025 وحتى نيسان 2026؟
المسار الموثق حتى الآن يمر بأربع محطات أساسية:
في مطلع يناير 2025 ظهر اسم أيمن الأصفري في دمشق ضمن لقاء رسمي مع أحمد الشرع، كما وثّقت منصة “مدنية” اجتماعاً جمعه مع سوسن أبو زين الدين بكل من أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في قصر الشعب بتاريخ 4 يناير 2025. هذا يعني أن حضوره لم يبدأ من زيارة إدلب، بل من انخراط مبكر في لحظة التحول السياسي والوطني الجديدة.
في 1 سبتمبر 2025 انتقل حضوره من الإطار السياسي-المدني إلى الإطار الاقتصادي المباشر، حين أعلنت سانا أن وزير الطاقة محمد البشير بحث معه إمكانات الاستثمار في قطاع النفط والغاز، وأن الهدف من الاجتماع كان تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع مساهمة رجال الأعمال السوريين في المشاريع الاستراتيجية الداعمة للتعافي الاقتصادي الوطني. هذه نقطة مهمة لأنها تضع الأصفري في خانة “الفاعل الاقتصادي المحتمل”، لا “الزائر الرمزي” فقط.
ثم جاءت زيارة إدلب في 18 أبريل 2026، حيث أعلنت سانا أن محافظ إدلب محمد عبد الرحمن التقى الأصفري لبحث إطلاق سلسلة مشاريع خيرية ضمن حملة “الوفاء لإدلب”، وبحضور وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح ومستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان. وفي إطار هذه الزيارة وُضع حجر الأساس لـ مشفى الدكتور محمد أديب أصفري للأمومة والطفولة غرب مدينة إدلب، بدعم من مؤسسة الأصفري وبالشراكة مع الجمعية الطبية السورية الأميركية SAMS.
هذه الوقائع الثلاث تعطي خطاً واضحاً: لقاء سياسي-وطني في بداية 2025، ثم بحث استثماري في قطاع استراتيجي خلال سبتمبر 2025، ثم حضور ميداني تنفيذي-تنموي في أبريل 2026. وهذا التسلسل أهم من كل شائعة غير موثقة عن مذكرات تفاهم أو عقود لم تُعلن رسمياً حتى الآن.
ثانياً: لماذا يعد هذا الحضور مهماً في هذا التوقيت بالذات؟
أهمية الحدث لا تأتي فقط من اسم الأصفري، بل من التوقيت الاقتصادي السوري. فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أدت 14 سنة من الحرب إلى محو ما يقارب أربعة عقود من التقدم الاقتصادي والاجتماعي، ويعيش 9 من كل 10 سوريين في الفقر، بينما تضاعفت البطالة ثلاث مرات وأصبح واحد من كل أربعة سوريين عاطلاً عن العمل. كما أن الاقتصاد السوري، وفق التقييم نفسه، لن يستعيد مستوى ناتجه قبل الحرب قبل عام 2080 إذا استمر النمو على الوتيرة الحالية.
وفي الوقت نفسه، قال البنك الدولي في يوليو 2025 إن الناتج المحلي السوري انكمش 1.5% في 2024، وكان متوقعاً أن يحقق نمواً متواضعاً يبلغ 1% في 2025 فقط، مع بقاء القيود المصرفية والسيولة والوصول إلى التمويل الدولي من أبرز العوائق أمام التجارة والاستثمار والتعافي.
لكن المشهد لم يبقَ ثابتاً بالكامل. ففي 28 مايو 2025 اعتمد الاتحاد الأوروبي الأطر القانونية لرفع العقوبات الاقتصادية على سوريا، مع الإبقاء على العقوبات ذات الطابع الأمني والمرتبطة بأشخاص وكيانات محددة. كما شمل القرار إزالة 24 كياناً من قوائم التجميد، بينها بنوك وشركات عاملة في قطاعات مهمة للتعافي الاقتصادي. هذا التطور لا يعني أن بيئة الاستثمار أصبحت جاهزة بالكامل، لكنه غيّر الإشارة السياسية والاقتصادية العامة باتجاه أكثر انفتاحاً من المرحلة السابقة.
ضمن هذا السياق تحديداً، تصبح عودة الأصفري أكثر من مجرد حدث شخصي: إنها اختبار مبكر لفكرة عودة رأس المال السوري الخارجي، وقياس أولي لمدى استعداد سوريا لالتقاط هذه الإشارة وتحويلها إلى مسار اقتصادي أوسع.
ثالثاً: ما الذي تمثله عودة الأصفري معنوياً؟
معنوياً، تحمل عودة أيمن الأصفري ثلاث رسائل كبيرة.
الرسالة الأولى أن سوريا عادت إلى رادار رجال الأعمال السوريين الكبار في الخارج بوصفها مساحة ممكنة للانخراط، لا ملفاً مغلقاً بالكامل. فمجرد حضور اسم بحجمه إلى دمشق ثم إدلب، بعد سنوات طويلة من القطيعة والانقسام، يخلق أثراً نفسياً يتجاوز شخصه. إنه يقول ضمناً إن العودة إلى سوريا لم تعد فكرة مستحيلة سياسياً أو أخلاقياً أو عملياً كما كانت في مراحل سابقة.
الرسالة الثانية أن العودة يمكن أن تبدأ من البوابة التنموية والإنسانية ثم تتوسع إلى البوابات الاقتصادية والاستثمارية. وهذا مهم جداً في الحالة السورية، لأن رأس المال الكبير لا يدخل عادة إلى البيئات الهشة عبر المشاريع التجارية المباشرة أولاً، بل يبدأ غالباً من المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والمؤسسي التي تختبر البيئة، وتبني الثقة، وتفتح قنوات مع الدولة والمجتمع المحلي والمانحين والشركاء. زيارة إدلب تجسد هذا النمط بوضوح.
الرسالة الثالثة أن الحضور ليس حضوراً اسمياً فقط. فالأصفري ليس مستثمراً فردياً صغيراً، بل شخصية قادت إحدى أبرز شركات خدمات الطاقة عالمياً؛ ووفق موقع Petrofac، ما تزال الشركة تعرف نفسها بأنها تضم 8,500 موظف عبر أكثر من 30 مكتباً حول العالم. كما أن مؤسسة الأصفري تقول إنها استثمرت أكثر من 60 مليون جنيه إسترليني في المشرق والمملكة المتحدة منذ تأسيسها عام 2006. هذا لا يعني أن هذه الأرقام ستنتقل تلقائياً إلى سوريا، لكنه يعني أن الحديث يدور عن فاعل يملك خبرة في المشاريع الكبرى، والشراكات، والعمل المؤسسي طويل الأمد.
رابعاً: ما الذي قد ينتج عملياً عن هذا الحضور؟
1) رفع منسوب الثقة لدى رجال الأعمال السوريين في الخارج
الاقتصاد السوري اليوم يحتاج إلى أكثر من المال: يحتاج إلى إشارة ثقة. وعندما يرى رجال أعمال سوريون آخرون أن شخصية معروفة بحجم الأصفري تعود، وتلتقي، وتبحث، وتظهر ميدانياً، فإن هذا قد يخفف من منطق “الانتظار الجماعي” الذي يجمّد قرارات كثيرين. فالمستثمرون لا ينظرون فقط إلى القوانين، بل إلى من سبقهم، ومن دخل قبلهم، ومن اختبر البيئة.
2) ترجيح مسار “الاستثمار المتدرج” بدلاً من القفزات الكبيرة
السيناريو الأقرب ليس دخولاً فورياً بمشاريع عملاقة، بل مساراً متدرجاً يبدأ من الصحة، والخدمات، والتعليم، والبنية الاجتماعية، ثم ينتقل عند تحسن الشروط إلى الطاقة، والخدمات الهندسية، وربما الشراكات المحلية والقطاعات الإنتاجية. هذا يتسق مع الوقائع المعلنة نفسها: مستشفى في إدلب، ثم بحث سابق في النفط والغاز، وليس العكس.
3) تعزيز فكرة الشراكة بين الدولة ورجال الأعمال والشتات
ظهور الأصفري في مشهد يضم المحافظ، ووزيراً، ومستشاراً رئاسياً، ثم انتقاله سابقاً إلى اجتماع مع وزير الطاقة، يوحي بأن الدولة السورية الجديدة تحاول أن تبني نموذجاً عنوانه: العودة ليست فقط لرجال الأعمال، بل لرجال الأعمال ضمن شراكة مؤسسية مع السلطة العامة. وهذا مهم لأن التعافي السوري لن يكون ممكناً إذا بقيت العلاقة بين الدولة ورأس المال الخارجي علاقة شك متبادل أو قنوات فردية ضيقة.
4) توجيه الأنظار إلى إدلب بوصفها مساحة اختبار
اختيار إدلب له دلالة خاصة. فإطلاق مشروع صحي كبير للأمومة والطفولة هناك يحمل بعداً رمزياً وتنموياً معاً: إعادة تموضع إدلب من صورة “منطقة أزمة فقط” إلى صورة “منطقة قابلة لمشاريع إعادة بناء وخدمات أساسية”. وإذا نجحت المشاريع الأولى من هذا النوع تنظيمياً وتنفيذياً، فقد تصبح المحافظة مساحة اختبار أولية لمشاريع أخرى ذات طابع خدمي أو تنموي أو حتى استثماري لاحقاً.
خامساً: لكن ما الذي لا ينبغي المبالغة فيه؟
رغم أهمية الحدث، من الخطأ تضخيمه إلى حد اعتباره نقطة تحول مكتملة بذاتها. هناك خمسة قيود حقيقية يجب إبقاؤها في الصورة:
أولاً، الاقتصاد السوري ما يزال هشاً جداً. الفقر الواسع، البطالة المرتفعة، وتآكل البنية التحتية ليست ظروفاً تسمح بانفجار استثماري سريع.
ثانياً، رفع العقوبات الأوروبية لا يعني نهاية العوائق المالية والمصرفية. البنك الدولي نفسه أشار إلى أن الأصول المجمدة، والقيود على الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، ما تزال تعيق الطاقة، والتجارة، والاستثمار، والمساعدات.
ثالثاً، ما جرى في إدلب حتى الآن هو مشروع تنموي-صحي واضح، وليس إعلاناً رسمياً عن رزمة استثمارات صناعية أو تجارية واسعة. وبالتالي يجب التفريق بين ما هو قائم فعلاً، وما هو محتمل لاحقاً.
رابعاً، نجاح حضور الأصفري أو غيره لا يقاس فقط بحجم المال، بل بقدرة البيئة السورية على تقديم حكم مؤسسي واضح، ومسارات تنفيذ عملية، وضمانات قانونية، وسرعة في القرار. من دون ذلك، قد تبقى الزيارات واللقاءات أقوى معنوياً من أثرها الاقتصادي المباشر. هذا استنتاج تحليلي تدعمه الأرقام السلبية للبنية الاقتصادية الحالية وتأكيد البنك الدولي على استمرار القيود البنيوية.
خامساً، أي رهان على الأفراد وحدهم يبقى محدوداً. فحتى رجال الأعمال الكبار لا يعوضون غياب البنية العامة: التشريعات، التمويل، البنوك، القضاء التجاري، البنية التحتية، والحوكمة المحلية.
سادساً: كيف يمكن قراءة المستقبل من الآن؟
السيناريو الأول: تأثير معنوي قوي وأثر اقتصادي محدود في المدى القصير
وهو السيناريو الأقرب حالياً. فيه تبقى عودة الأصفري إشارة ثقة مهمة، لكنها لا تتحول سريعاً إلى تدفقات استثمارية كبيرة، بل إلى مشاريع محددة، ولقاءات، واختبارات عملية للبيئة السورية. هذا السيناريو يبدو منسجماً مع نمو اقتصادي متواضع قدره 1% في 2025، ومع بقاء القيود المالية واللوجستية.
السيناريو الثاني: تحول تدريجي نحو استثمارات نوعية يقودها الشتات
إذا تحسن الوصول المصرفي، وتقدمت الإصلاحات، وتكررت حالات مشابهة من رجال أعمال سوريين آخرين، فقد تتحول عودة الأصفري إلى سابقة تأسيسية تفتح الباب أمام استثمارات نوعية في الصحة، الطاقة، الخدمات، وربما البنية التحتية والشراكات المحلية. ويعزز هذا السيناريو أن الاتحاد الأوروبي اتخذ بالفعل قراراً برفع العقوبات الاقتصادية القطاعية، وأن الحكومة السورية بدأت تروّج علناً لمساهمة رجال الأعمال السوريين في مشاريع التعافي.
السيناريو الثالث: بقاء الحدث في حدوده الرمزية إذا تعثرت البيئة
أما إذا بقيت الإصلاحات بطيئة، واستمرت القيود المالية والتقلبات الأمنية والمؤسسية، فقد تظل العودة ذات وزن رمزي وإعلامي أكثر من كونها بداية لمسار اقتصادي واسع. وتاريخ الاقتصادات الخارجة من النزاع يقول إن الإشارات الإيجابية وحدها لا تكفي، ما لم تتحول إلى قواعد مستقرة وممكنات تنفيذ واضحة.
الخلاصة
عودة أيمن الأصفري إلى سوريا منذ مطلع 2025، ثم ظهوره في إدلب في 18 نيسان 2026، ليست حدثاً عادياً في ميزان الأعمال والاستثمار السوري. أهميتها الحقيقية أنها تكشف عن ثلاثة تحولات متزامنة:
الأول، أن سوريا بدأت تستعيد قدرتها على استقبال بعض الأسماء السورية الكبرى في الخارج ضمن مشهد أكثر علنية ومأسسة.
الثاني، أن بوابة العودة تبدو اليوم أقرب إلى التنمية والشراكات والمشاريع الاجتماعية قبل أن تصبح موجة استثمار تجاري واسعة.
الثالث، أن قيمة الحدث ليست فقط فيما أُعلن عنه الآن، بل فيما قد يفتحه لاحقاً من ثقة، وقدوة، وتكرار إذا لحقت به عودة أسماء أخرى، وتحسنَت البيئة التنفيذية والقانونية والمالية.
بكلمة واحدة:
أيمن الأصفري ليس دليلاً على أن الاستثمار الكبير عاد إلى سوريا بالفعل، لكنه من أقوى المؤشرات حتى الآن على أن باب العودة بدأ يُختبر بجدية.