الصادرات الأردنية إلى سوريا ترتفع 33.8%: هل يعاد تشكيل الممر التجاري بين البلدين؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
سجلت الصادرات الوطنية الأردنية إلى سوريا نمواً بنسبة 33.8% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق أحدث بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية في 29 أيلول.
الرقم لا يمثل إعلاناً عن اتفاقية جديدة أو مشروع مستقبلي، بل يعكس حركة تجارية تحققت بالفعل خلال الفترة من كانون الثاني إلى تموز 2026، في وقت تتزامن فيه زيادة التدفقات التجارية مع سلسلة خطوات سورية وأردنية لتوسعة المعابر، وتحسين الطرق، وتسهيل النقل، وتنظيم التبادل التجاري بين البلدين.
وهذا يجعل المؤشر أبعد من مجرد ارتفاع في صادرات دولة مجاورة إلى السوق السورية؛ إذ يمكن قراءته ضمن إعادة تشكل أحد أهم الممرات التجارية البرية جنوب سوريا، الذي يربط دمشق بعمّان، ويمتد عبر الأردن باتجاه أسواق الخليج.
ملخص تنفيذي
ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية إلى سوريا بنسبة 33.8% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بينما بلغت نسبة نمو إجمالي الصادرات الوطنية الأردنية إلى جميع الأسواق 4.6% فقط خلال الفترة نفسها، ما يعني أن السوق السورية نمت بالنسبة للصادرات الأردنية بوتيرة تفوق المتوسط العام للصادرات الأردنية بأكثر من سبعة أضعاف من حيث معدل النمو النسبي.
ولم يبدأ هذا الاتجاه في تموز؛ فقد أظهرت البيانات السابقة نمواً للصادرات الأردنية إلى سوريا بنسبة 38.4% خلال الأشهر الأربعة الأولى، و38.9% خلال خمسة أشهر، ثم 36.4% خلال النصف الأول، وصولاً إلى 33.8% خلال سبعة أشهر.
أي أن معدل النمو التراكمي شهد بعض التباطؤ، لكن الصادرات بقيت أعلى بنحو الثلث من مستواها خلال الفترة المقارنة من 2025.
وفي الوقت نفسه، يجري العمل على توسعة منفذي نصيب وجابر، ورفع قدرة التعامل مع الشاحنات، وتأهيل أوتوستراد نصيب–دمشق، بالتوازي مع تفاهمات لتسهيل التجارة والترانزيت بين البلدين.
33.8%: رقم يتجاوز أداء الصادرات الأردنية ككل
أظهرت البيانات الأردنية أن قيمة الصادرات الوطنية للمملكة إلى مختلف دول العالم ارتفعت بنسبة 4.6% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 لتصل إلى 5.509 مليارات دينار أردني، فيما بلغت الصادرات الكلية، التي تشمل المعاد تصديره، 6.395 مليارات دينار بنمو 10.3%.
أما الصادرات الوطنية المتجهة إلى سوريا، فارتفعت بنسبة 33.8% على أساس سنوي.
هذه المقارنة مهمة؛ لأن نمو السوق السورية ليس مجرد انعكاس لتحسن عام في الصادرات الأردنية، بل يظهر أن التجارة باتجاه سوريا تتحرك بوتيرة أعلى بكثير من متوسط نمو الصادرات الأردنية.
كما أشار التقرير الأردني إلى أن زيادة الصادرات نحو سوريا والعراق وبعض الأسواق الآسيوية والأوروبية كانت من العوامل التي دعمت أداء الصادرات الوطنية خلال الفترة.
اتجاه مستمر منذ بداية العام
الأهم من قراءة رقم 33.8% بصورة منفردة هو تتبع المسار الذي سبق إليه.
خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، بلغت قيمة الصادرات الأردنية إلى سوريا 101 مليون دينار أردني، مقابل 73 مليون دينار خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة 38.4%.
وفي الاتجاه المقابل، بلغت واردات الأردن من سوريا خلال الأشهر الأربعة الأولى 12 مليون دينار، مقابل 21 مليوناً في الفترة المقارنة من 2025، بانخفاض 42.9%.
ثم أظهرت بيانات الأشهر الخمسة الأولى استمرار نمو الصادرات الأردنية إلى سوريا بنسبة 38.9%، قبل أن يسجل النصف الأول نمواً بنسبة 36.4%، وصولاً إلى 33.8% خلال سبعة أشهر.
ولا تعني هذه الحركة أن الصادرات بدأت بالانخفاض، لأن النسب تقارن تراكمياً بالفترة نفسها من العام السابق؛ لكنها تشير إلى أن معدل النمو السنوي التراكمي أصبح أقل قليلاً مما كان عليه في الشهور الأولى، مع بقائه مرتفعاً.
العلاقة التجارية ما تزال غير متوازنة
من زاوية الاقتصاد السوري، هناك جانب آخر يجب الانتباه إليه.
النمو القوي للصادرات الأردنية إلى سوريا لا يعني بالضرورة نمواً موازياً للصادرات السورية إلى الأردن.
فبيانات الأشهر الأربعة الأولى أظهرت أن الأردن صدّر إلى سوريا ما قيمته 101 مليون دينار، بينما استورد منها 12 مليون دينار فقط خلال الفترة نفسها.
كما أظهرت بيانات النصف الأول من العام أن الأردن سجل فائضاً تجارياً في علاقته مع سوريا، ضمن عشر دول عربية حقق معها فائضاً تجارياً خلال الفترة.
وبالتالي، فإن نمو التجارة الحالي يحمل فرصة وتحدياً للاقتصاد السوري في الوقت نفسه.
الفرصة تتمثل في عودة الممر التجاري الجنوبي وارتفاع تدفق السلع وحركة النقل.
أما التحدي فهو رفع قدرة المنتجات السورية على الاستفادة من الاتجاه المعاكس نحو السوق الأردنية، بحيث لا يتحول الممر إلى قناة واردات باتجاه واحد بصورة رئيسية.
ما الذي تغير تنظيمياً بين سوريا والأردن؟
الأرقام التجارية تأتي بعد سلسلة خطوات تنظيمية اتخذها البلدان خلال 2026.
وفي الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى السوري–الأردني، اتفق الجانبان على آلية جديدة للتبادل التجاري دخلت حيز التنفيذ في 1 أيار 2026، قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، بما يشمل الرسوم الجمركية المتساوية، إلى جانب استئناف تجارة الترانزيت.
كما اتفق الطرفان على مواصلة العمل في ملفات النقل والاستثمار والجمارك وتطوير منفذ جابر–نصيب والبنية التحتية المرتبطة بالترانزيت، إضافة إلى دراسة مشاريع ذات طابع إقليمي في النقل والطاقة والربط السككي والتكامل الصناعي.
وهنا تبدأ العلاقة بين القرارات والأرقام بالظهور بصورة أوضح: تسهيل التجارة لا يُقاس بعدد الاجتماعات والاتفاقيات فقط، بل بزيادة البضائع التي تعبر الحدود فعلياً.
جابر يتوسع لاستيعاب 200 شاحنة إضافية
في 15 أيلول 2026، أعلن الجانب الأردني توسعة القدرة التشغيلية في مركز حدود جابر عبر تجهيز ساحة جديدة تستوعب نحو 200 شاحنة محملة.
ووفق وكالة الأنباء الأردنية، جاءت التوسعة بالتزامن مع ارتفاع الحركة التجارية القادمة من سوريا، وشملت تجهيزات لتسريع دخول الشاحنات وتحسين تدفق البضائع، ضمن خطة أوسع لتطوير المعبر خلال 2026–2027.
هذه الخطوة مهمة لأنها تعالج أحد أكثر العناصر تأثيراً في التجارة البرية: زمن انتظار الشاحنة عند الحدود.
فكل تأخير إضافي يعني تكلفة تشغيل أعلى، وزيادة في تكلفة النقل والتخزين، وتأثيراً أكبر على السلع سريعة التلف أو المنتجات ذات الهوامش التجارية المحدودة.
وعلى الجانب السوري: توسعة نصيب بدأت بالفعل
بالتوازي مع ذلك، بدأت في أيلول أعمال توسعة وتأهيل عدد من مرافق منفذ نصيب الحدودي.
وأعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أن الأعمال تهدف إلى رفع كفاءة ساحات الحركة وتحسين انسيابية عبور الشاحنات والصادرات والواردات، وتشمل أعمالاً في الطرق والبنية التحتية داخل المنفذ.
وكان الجانبان قد بحثا في تموز مشروعاً أوسع لتطوير نصيب وجابر، يتضمن توسعة الساحات التشغيلية واستحداث مسارات جديدة ورفع الطاقة الاستيعابية للمعبرين.
بذلك لا يجري التعامل مع الارتفاع في التجارة بوصفه حركة مؤقتة فقط، بل بدأت تظهر استثمارات وتجهيزات مادية لاستيعاب حجم أكبر من الحركة الحدودية.
الطريق نفسه يدخل مرحلة إعادة التأهيل
ولا تتوقف الحلقة اللوجستية عند المعبر.
ففي 22 أيلول وقعت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية في سوريا عقداً مع شركة المجموعة المشتركة للمقاولات الكويتية لصيانة وإعادة تأهيل أوتوستراد نصيب–دمشق الدولي.
والطريق يمثل العمود الأساسي للممر التجاري بين الحدود الأردنية ودمشق، ومن ثم باتجاه أجزاء أخرى من السوق السورية.
وعند جمع:
نمو الصادرات،
وتوسعة جابر،
وتأهيل نصيب،
وإعادة تأهيل أوتوستراد نصيب–دمشق،
وتسهيل تجارة الترانزيت،
يصبح من الممكن الحديث عن تحول يتجاوز التجارة الثنائية نفسها نحو إعادة بناء ممر لوجستي إقليمي.
سوريا بين الأردن وتركيا والخليج
الأهمية الاستراتيجية لممر نصيب–جابر لا تأتي من التجارة السورية–الأردنية وحدها.
فجغرافياً، يمثل الأردن امتداداً برياً لسوريا باتجاه السعودية ودول الخليج، بينما تشكل سوريا الطريق البري الطبيعي الذي يمكن أن يربط الأردن بتركيا والأسواق الواقعة شمالها.
وفي 23 أيلول، ناقشت وزارة النقل الأردنية مع ممثلين عن قطاع النقل التركي تطوير مسارات لوجستية تربط الأردن وتركيا عبر سوريا، مع الإشارة إلى التحسن في إجراءات العبور عبر جابر وانخفاض أوقات الانتظار.
كما سبق أن بحث وزيرا النقل السوري والأردني عودة النقل المباشر من نقطة الانطلاق إلى الوجهة النهائية، باعتباره وسيلة لخفض التكاليف وتقليل زمن التسليم وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
وهذا يعني أن قيمة نصيب–جابر مستقبلاً قد تُقاس ليس فقط بحجم التجارة السورية–الأردنية، بل بحجم تجارة الترانزيت التي يمكن أن تمر عبر سوريا والأردن بين تركيا والخليج.
ماذا يعني النمو للشركات السورية؟
من زاوية الشركات، يفتح توسع الممر الأردني عدة مسارات.
أولها الوصول إلى السوق الأردنية نفسها، التي يمكن أن تمثل سوقاً قريبة لبعض المنتجات السورية، خصوصاً عندما تتراجع تكاليف النقل والتأخير الحدودي.
وثانيها استخدام الأردن كبوابة لوجستية باتجاه السعودية والخليج، إذا تطورت ترتيبات الترانزيت والنقل المباشر.
وثالثها فرص الخدمات المرتبطة بحركة التجارة نفسها: النقل البري، التخليص الجمركي، المستودعات، الخدمات اللوجستية، التأمين، التبريد، الصيانة، محطات خدمة الشاحنات والمنصات الرقمية المرتبطة بالشحن والتجارة.
لكن الاستفادة السورية لن تكون تلقائية.
ففي المدى القريب، تظهر الأرقام أن الأردن يستفيد تجارياً بدرجة أكبر من نمو الممر، بينما تحتاج الصادرات السورية إلى رفع قدرتها على الدخول في الاتجاه المعاكس.
المنطقة الحرة السورية–الأردنية: عقدة محتملة للنمو المقبل
هناك أيضاً مسار يمكن أن يصبح أكثر أهمية إذا استمر نمو التجارة، وهو المنطقة الحرة السورية–الأردنية المشتركة.
وخلال المباحثات الأخيرة بين الجانبين جرت مراجعة أداء المنطقة والخطط المرتبطة بتطوير خدماتها اللوجستية، والبنية التحتية والأنظمة الرقمية وجذب الاستثمارات، مع التأكيد على دورها المحتمل كمركز لوجستي يخدم حركة التجارة بين البلدين.
إذا ارتفعت حركة الشاحنات والتجارة والترانزيت، فإن دور المنطقة الحرة يمكن أن ينتقل من مساحة حدودية للتبادل إلى منصة لتجميع وتخزين وإعادة توزيع السلع، وربما إلى خدمات صناعية ولوجستية مرتبطة بالتجارة الإقليمية.
ما الذي يجب مراقبته خلال الأشهر المقبلة؟
هناك خمسة مؤشرات ستحدد إن كان النمو الحالي يمثل تحولاً هيكلياً أم موجة تجارية مؤقتة:
أولاً: استمرار نمو الصادرات والواردات في الاتجاهين حتى نهاية 2026.
ثانياً: ارتفاع الصادرات السورية إلى الأردن وتقليص الفجوة الحالية في الميزان التجاري.
ثالثاً: أثر توسعة نصيب وجابر في زمن عبور الشاحنات وتكلفة النقل.
رابعاً: تطور النقل المباشر والترانزيت بين سوريا والأردن وتركيا والخليج.
خامساً: حجم الاستثمارات والخدمات اللوجستية التي ستنشأ حول الممر والمنطقة الحرة السورية–الأردنية.
من حدود تجارية إلى ممر اقتصادي
ارتفاع الصادرات الأردنية إلى سوريا بنسبة 33.8% مهم، لكن الرقم الأهم قد لا يكون النسبة نفسها.
ما يستحق المتابعة هو أن نمو التجارة أصبح يتزامن مع استثمارات فعلية في المعابر والطرق، وتعديلات في آليات التبادل، ومحاولات لإعادة تشغيل النقل والترانزيت الإقليمي.
هذا الجمع بين البضائع التي تتحرك بالفعل والبنية التحتية التي يجري تطويرها هو ما يعطي التطور وزنه الاقتصادي.
بالنسبة لسوريا، المرحلة المقبلة يجب ألا تقاس فقط بكمية السلع التي تدخل عبر نصيب، بل أيضاً بقدرة المنتج السوري على التحرك في الاتجاه المعاكس، وبحجم تجارة الترانزيت التي تستعيدها البلاد، وبالخدمات والاستثمارات التي يمكن أن تنشأ حول الطريق.
إذا استمرت هذه العناصر في التطور بالتوازي، فقد يتحول محور دمشق–نصيب–عمّان من معبر ثنائي للتجارة إلى أحد الممرات الرئيسية في إعادة ربط السوق السورية بالشبكة التجارية البرية للمنطقة.