مقابلة الرئيس الشرع مع BFMTV وزيارة ماكرون إلى دمشق: سوريا تنتقل من اختبار الاعتراف السياسي إلى اختبار الشراكات الاقتصادية

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
مقابلة BFMTV: خطاب اقتصادي موجه إلى أوروبا
في مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع BFMTV، برزت ثلاثة محاور اقتصادية واضحة: إعادة الإعمار، الشراكات مع الشركات الفرنسية، وربط الاستقرار الداخلي بمصالح مشتركة مع أوروبا في ملفات الهجرة والأمن والتنمية.
لم يتعامل الرئيس الشرع مع العلاقة السورية ـ الفرنسية بوصفها ملفاً سياسياً فقط، بل وضعها ضمن سياق عملي يرتبط برفع العقوبات، وفتح المجال أمام الاقتصاد السوري، وبناء شراكات تساعد البلاد على الانتقال من مرحلة تثبيت الدولة إلى مرحلة إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية.
وهنا تكمن أهمية المقابلة: فهي لم تكن موجهة إلى الداخل السوري فقط، بل إلى المستثمر الأوروبي، وصانع القرار الفرنسي، والشركات الكبرى التي تراقب السوق السورية وتنتظر مؤشرات أكثر وضوحاً حول الاستقرار، والقانون، والتمويل، وقدرة الدولة على إدارة مشاريع طويلة الأجل.
من ملف أزمة إلى سوق إعادة بناء
قدّم الرئيس الشرع سوريا في المقابلة بوصفها بلداً يعيش مرحلة إعادة إعمار واسعة بعد 14 سنة من الحرب، وهي عبارة تحمل مضموناً اقتصادياً واضحاً. فإعادة الإعمار هنا ليست شعاراً عاماً، بل إطاراً لقطاعات محددة تحتاج إلى استثمارات، وشركات، وتمويل، وتكنولوجيا، وخبرات تشغيلية.
ومن أبرز النقاط التي وردت في المقابلة حديثه عن حاجة سوريا إلى شراكات في قطاعات متعددة، من بينها الطيران، والبنية التحتية، والسياحة، والزراعة، والصناعة، والقطاع المالي. كما أشار إلى أن سوريا تعمل على توقيع طلبية لشراء 8 طائرات إيرباص، في مؤشر مهم إلى أن قطاع النقل الجوي قد يكون جزءاً من إعادة الانفتاح الاقتصادي، وليس مجرد ملف خدمي محدود.
وتتجاوز دلالة الطيران حدود شراء الطائرات؛ فهذا القطاع يرتبط بحركة رجال الأعمال، والسياحة، والمعارض، والشحن، وربط دمشق والعواصم السورية بمراكز القرار والأسواق الخارجية. وكل تحسن في هذا المسار ينعكس بصورة مباشرة على سهولة حركة المستثمرين، وعودة المؤتمرات، وربط الشركات السورية بسلاسل التوريد والتوزيع.
الطاقة أولاً: 5000 ميغاواط كبوابة للتعافي الصناعي
من بين الأرقام الأكثر أهمية في المقابلة، إشارة الرئيس الشرع إلى عقود في قطاع الطاقة لإنتاج 5000 ميغاواط وإعادة بناء المحطات الكهربائية. هذا الرقم لا يجب قراءته كرقم فني فقط، بل كمؤشر على موقع الطاقة في معادلة التعافي الاقتصادي السوري.
فلا يمكن الحديث عن عودة واسعة للصناعة، أو نمو في السياحة، أو توسع في الخدمات، أو تشغيل مصانع جديدة، من دون معالجة ملف الكهرباء والطاقة. لذلك يمكن اعتبار الطاقة البوابة الأولى لأي موجة استثمارية جدية في سوريا.
بالنسبة للشركات الفرنسية والأوروبية، يفتح هذا المسار احتمالات متعددة: تطوير محطات التوليد، إعادة تأهيل الشبكات، حلول الطاقة المتجددة، إدارة المشاريع الكبرى، التمويل المختلط، وخدمات التشغيل والصيانة. وبالنسبة للشركات السورية، فإن تحسن الطاقة يعني خفضاً تدريجياً في تكاليف التشغيل، وتحسيناً في القدرة الإنتاجية، وعودة أكثر واقعية للمنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.
زيارة ماكرون: الاقتصاد داخل البرنامج الرسمي
تؤكد المعطيات المعلنة أن الاقتصاد ليس ملفاً هامشياً في زيارة ماكرون إلى دمشق. فالرئيس الفرنسي جاء برفقة وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، كما تتضمن الزيارة جلسة حوار مستديرة بين الرئيسين والوفدين، إضافة إلى مباحثات اقتصادية وتوقيع مذكرات تفاهم.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تنقل الزيارة من مستوى الرسائل السياسية إلى مستوى الاختبار العملي. فحضور الشركات وممثلي الاستثمار يعني أن باريس لا تكتفي بفتح قناة سياسية مع دمشق، بل تختبر أيضاً حدود العودة الاقتصادية إلى السوق السورية.
وتزداد أهمية ذلك مع الحديث عن حضور شركات فرنسية كبرى في قطاعات الطاقة والنقل البحري والخدمات اللوجستية. فهذه القطاعات ليست ثانوية في إعادة بناء الاقتصاد السوري، بل تمثل عصباً رئيسياً لأي تعافٍ: الطاقة لتشغيل الإنتاج، النقل واللوجستيات لربط السوق، والمرافئ والشحن لإعادة سوريا إلى موقعها التجاري الطبيعي.
ماذا تريد فرنسا من السوق السورية؟
من زاوية الأعمال، لا يمكن فصل الحضور الفرنسي عن حسابات المصالح الاقتصادية. فالسوق السورية تحتاج إلى إعادة بناء واسعة، وفرنسا تملك شركات وخبرات في الطاقة، النقل، البنية التحتية، الطيران، المياه، الزراعة، الصناعة، التمويل، والخدمات الحضرية.
لكن الدخول الفرنسي إلى سوريا لن يكون تلقائياً أو سريعاً. الشركات الكبرى تحتاج إلى بيئة قانونية واضحة، أدوات تمويل قابلة للتنفيذ، نظام مصرفي قادر على التعامل مع المشاريع، وضمانات تشغيلية تقلل مخاطر الدخول إلى سوق خارجة من مرحلة نزاع طويلة.
لذلك، فإن الزيارة تمثل اختباراً متبادلاً: سوريا تختبر جدية فرنسا في الانتقال من الموقف السياسي إلى الشراكة الاقتصادية، وفرنسا تختبر قدرة سوريا على توفير بيئة أعمال تسمح بتحويل النوايا إلى مشاريع.
أثر رفع العقوبات على المشهد الاستثماري
لا يمكن قراءة زيارة ماكرون من دون ربطها بمسار رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية عن سوريا. فقد فتح هذا المسار نافذة أوسع أمام الشركات الأوروبية، وخصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار.
صحيح أن إزالة القيود الاقتصادية لا تعني أن الطريق أصبح خالياً من التعقيدات، لكنها تخفف جزءاً مهماً من الحاجز القانوني والنفسي أمام الشركات. فالاستثمار لا يتحرك فقط وفق الفرص، بل وفق القدرة على الدفع والتحويل والتأمين والتعاقد والامتثال.
من هنا، فإن رفع العقوبات يمثل شرطاً ضرورياً، لكنه ليس كافياً وحده. المطلوب في المرحلة التالية هو بناء مسارات تنفيذ واضحة: قوانين استثمار مستقرة، مؤسسات قادرة على المتابعة، شفافية في منح المشاريع، آليات تحكيم وتسوية نزاعات، وشراكات محلية موثوقة تساعد المستثمر الأجنبي على فهم السوق السوري.
القطاعات الأكثر استفادة من المسار السوري ـ الفرنسي
يمكن تحديد مجموعة قطاعات مرشحة للاستفادة من الانفتاح السوري ـ الفرنسي إذا تحولت الزيارة إلى اتفاقات ومذكرات تنفيذية واضحة.
أولاً، قطاع الطاقة، لأنه الشرط الأساسي لعودة الإنتاج الصناعي والخدمات. أي مشروع جدي في الكهرباء أو الطاقة المتجددة أو إعادة تأهيل المحطات يمكن أن ينعكس على الاقتصاد كله.
ثانياً، النقل والخدمات اللوجستية، خصوصاً مع أهمية المرافئ، الشحن، الحاويات، النقل البحري، وسلاسل الإمداد في إعادة وصل سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية.
ثالثاً، الطيران والسياحة، بعد الإشارة إلى طلبية إيرباص، وما يمكن أن تعنيه من إعادة تنشيط حركة السفر، المعارض، المؤتمرات، والزيارات الاستثمارية.
رابعاً، الزراعة والصناعات الغذائية، وهما قطاعان يملكان قابلية عالية للشراكات التقنية والتمويلية والتصديرية إذا توفرت الطاقة، النقل، وسلاسل التبريد والتعبئة.
خامساً، القطاع المالي والمصرفي، لأن أي موجة استثمارية تحتاج إلى أدوات دفع وتمويل وضمانات، وإلى بنية مصرفية قادرة على التعامل مع شركات أجنبية ومشاريع كبيرة.
سادساً، التعليم والموارد البشرية، لأن إعادة الإعمار ليست مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل تحتاج إلى كوادر فنية وإدارية وهندسية قادرة على تشغيل المشاريع واستدامتها.
ماذا يعني ذلك للشركات السورية؟
بالنسبة للشركات السورية، لا يجب التعامل مع زيارة ماكرون بوصفها حدثاً سياسياً بعيداً عن السوق. فإذا بدأ مسار شراكات فرنسية أو أوروبية أوسع، فإن الشركات المحلية ستكون أمام فرصة وتحد في الوقت نفسه.
الفرصة تكمن في إمكانية الدخول كموردين، مقاولين فرعيين، موزعين، شركاء محليين، مزودي خدمات، أو جهات تنفيذ مساندة في مشاريع كبرى. أما التحدي فيكمن في أن الشركات الأجنبية لا تبحث فقط عن علاقات محلية، بل عن شركاء قادرين على تقديم ملفات واضحة، امتثال مقبول، حوكمة داخلية، قدرة تشغيلية، وسجل أعمال قابل للتحقق.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة قد ترفع أهمية جاهزية الشركات السورية من حيث التوثيق، اللغة، العروض الفنية، البيانات المالية، الامتثال الضريبي والقانوني، القدرة على التسعير، وجودة العرض التجاري. ومن يستعد مبكراً سيكون أكثر قدرة على دخول سلاسل التوريد المرتبطة بمشاريع إعادة الإعمار.
بين التفاؤل والحذر
تحمل زيارة ماكرون زخماً واضحاً، لكنها لا تعني أن الاستثمار الأوروبي الواسع سيبدأ فوراً. فالانتقال من زيارة سياسية إلى مشاريع اقتصادية يحتاج إلى وقت، وإلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، وإلى أدوات تمويل ومخاطر مؤسسية واضحة.
كما أن السوق السورية، رغم فرصها الكبيرة، ما زالت تحتاج إلى تحسين بيئة الأعمال، وتوضيح الإجراءات، ورفع كفاءة المؤسسات، وتطوير النظام المصرفي، وتثبيت قواعد الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
لذلك، فإن القراءة الواقعية للزيارة يجب أن تكون متوازنة: هي ليست نهاية الطريق، لكنها بداية مهمة لمسار قد يفتح الباب أمام اهتمام أوروبي أوسع. وليست ضماناً للاستثمار، لكنها إشارة ثقة يمكن البناء عليها إذا أُحسن تحويلها إلى مشاريع واضحة.
الخلاصة: سوريا من زاوية الفرصة لا الأزمة
تجمع زيارة ماكرون إلى دمشق ومقابلة الرئيس الشرع مع BFMTV بين الرسالة السياسية والاقتصادية. الرسالة السياسية تقول إن سوريا عادت إلى طاولة التفاعل الدولي. أما الرسالة الاقتصادية فتقول إن إعادة الإعمار لم تعد عنواناً عاماً، بل بدأت تتحول إلى قائمة قطاعات وشركاء وأرقام ومسارات تفاوض.
بالنسبة لبيئة الأعمال السورية، تكمن أهمية اللحظة في أنها تنقل النقاش من سؤال الاعتراف إلى سؤال التنفيذ: كيف تتحول العلاقات الدولية الجديدة إلى استثمارات؟ وكيف تتحول مذكرات التفاهم إلى عقود؟ وكيف تتحول الثقة السياسية إلى بيئة أعمال قادرة على جذب الشركات الكبرى وتحريك القطاع الخاص المحلي؟
إذا نجحت سوريا في تحويل هذا الزخم إلى مشاريع واضحة في الطاقة، النقل، الطيران، الصناعة، الزراعة، والسياحة، فقد تصبح زيارة ماكرون واحدة من المحطات التي تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين دمشق وأوروبا.
الأهم أن المقابلة والزيارة معاً ترسلان رسالة واحدة إلى مجتمع الأعمال: سوريا لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الأزمة، بل من زاوية الفرصة. وهذه هي النقطة التي يجب أن يبني عليها المستثمرون والشركات وصناع القرار في المرحلة المقبلة.