من إدارة الإنفاق إلى إدارة الدين: سوريا تبدأ بناء أدوات لقياس استدامة المالية العامة

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
من ورشة فنية إلى سؤال أكبر حول إدارة المالية العامة
في الظاهر، تبدو ورشة متخصصة حول «المبادئ الأساسية لتحليل استدامة الدين العام» حدثاً فنياً محدوداً يتعلق بتدريب عدد من العاملين في المؤسسات المالية.
لكن وضع الحدث ضمن سلسلة التطورات التي شهدتها السياسة المالية السورية خلال الأشهر الأخيرة يعطيه دلالة أوسع.
ففي 30 أيلول 2026، نظمت وزارة المالية بمشاركة بعثة من خبراء البنك الدولي ورشة متخصصة في دمشق استهدفت كوادر وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي، وركزت على أدوات تحليل استدامة الدين العام، وتقييم مخاطر التمويل، واختبارات الضغط، وبناء السيناريوهات الاقتصادية المرجعية. ووفق وزارة المالية، يأتي ذلك ضمن تعزيز التعاون التقني وتطوير إدارة المالية العامة وبناء قدرات محلية لإدارة المخاطر ووضع استراتيجيات أكثر تطوراً لإدارة الدين.
المهم هنا ليس الورشة بحد ذاتها، وإنما انتقال النقاش المالي تدريجياً من أسئلة مرتبطة فقط بحجم الإنفاق والإيرادات إلى أسئلة أكثر تعقيداً:
كيف تُموّل الدولة احتياجاتها؟
ما حجم الدين الذي تستطيع تحمله؟
ما أثر تغير النمو أو الإيرادات أو أسعار الصرف أو تكاليف التمويل؟
وماذا يحدث للمالية العامة إذا جاءت النتائج الاقتصادية أسوأ من التوقعات؟
هذه هي الأسئلة التي يحاول تحليل استدامة الدين الإجابة عنها.
ما المقصود بتحليل استدامة الدين العام؟
تحليل استدامة الدين Debt Sustainability Analysis ليس مجرد حساب لقيمة الدين الحالية أو مقارنة الدين بالناتج المحلي.
هو إطار ينظر إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية على المدى المتوسط والطويل، مع الأخذ في الاعتبار مسار الاقتصاد والإيرادات والإنفاق وتكاليف التمويل وهيكل الدين والمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها المالية العامة.
وتوضح منهجيات صندوق النقد والبنك الدولي أن تحليل الاستدامة يبدأ عادة من سيناريو اقتصادي أساسي، ثم تُختبر قدرة الدين على التحمل إذا تغيرت الافتراضات أو تعرض الاقتصاد لصدمات. كما ينظر التحليل إلى بنية الدين وآجاله وتكاليفه والجهات الدائنة، بهدف اكتشاف نقاط الضعف قبل تحولها إلى أزمة تمويل أو سداد.
بمعنى أكثر بساطة:
السؤال ليس فقط «كم ندين؟».
بل «هل يمكن للاقتصاد والمالية العامة تحمل هذا الدين وتمويله وخدمته إذا تغيرت الظروف؟».
السيناريو الأساسي وحده لا يكفي
عندما تضع الحكومة توقعات للإيرادات والنمو والإنفاق والتمويل، يمكن بناء مسار متوقع للدين خلال السنوات المقبلة.
لكن الاقتصادات لا تتحرك دائماً وفق السيناريو المخطط.
لذلك تأتي اختبارات الضغط Stress Tests لتطرح سيناريوهات أكثر صعوبة:
ماذا يحدث إذا انخفض النمو؟
ماذا لو تراجعت الإيرادات؟
ماذا لو ارتفعت تكاليف التمويل؟
ماذا لو تحرك سعر الصرف بصورة تؤثر في الالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية؟
ماذا إذا ظهرت التزامات مالية غير متوقعة على الدولة؟
أو إذا احتاج الاقتصاد إلى تمويل إضافي بصورة عاجلة؟
أطر تحليل الاستدامة الدولية تستخدم هذه الاختبارات لقياس حساسية الدين للصدمات ومساعدة صانعي السياسات على اكتشاف نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى ضغوط فعلية. وقد عززت مراجعة 2026 لإطار استدامة الدين المشترك بين البنك الدولي وصندوق النقد استخدام اختبارات الضغط وأدوات التحقق من واقعية التوقعات وتحليل مخاطر الدين المحلي بصورة أوسع.
لماذا يهم هذا سوريا الآن؟
أهمية هذه الأدوات ترتفع في الحالة السورية لسبب أساسي: الموارد العامة محدودة، بينما احتياجات الإنفاق وإعادة التأهيل والخدمات والاستثمار مرتفعة.
في آذار 2026، قال البنك الدولي إن الحيز المالي المتاح لسوريا لا يزال مقيداً بشدة، وأشار إلى أن الإيرادات العامة تراجعت من مستوى كان قريباً من 20% من الناتج المحلي قبل سنوات الحرب إلى أقل من 5%، نتيجة تراجع إيرادات النفط والضرائب، إلى جانب ضعف التحصيل الجمركي.
هذه الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات تضع إدارة المالية العامة أمام معادلة صعبة.
فخفض الإنفاق بلا تمييز يمكن أن يؤثر في الخدمات والاستثمار والنشاط الاقتصادي، بينما التوسع غير المحسوب في الإنفاق أو الاقتراض يمكن أن يولد مخاطر مالية في المستقبل.
وهنا تصبح إدارة الدين جزءاً من إدارة الاقتصاد، وليست مجرد عملية محاسبية داخل وزارة المالية.
من ترشيد الإنفاق إلى إدارة المخاطر المالية
قبل يومين فقط من ورشة استدامة الدين، كانت السياسة المالية السورية تتحرك في اتجاه آخر مرتبط بضبط الإنفاق.
ففي 28 أيلول أعلنت وزارة المالية أن إجراءات ترشيد الإنفاق العام تستهدف تعزيز الانضباط المالي والمحافظة على توازن الموازنة وتحسين استخدام الموارد، مع التأكيد على عدم المساس بالرواتب والأجور واستمرار الخدمات الأساسية.
الربط بين الحدثين مهم.
ترشيد الإنفاق يتعامل مع جانب من المعادلة: كيف تُستخدم الموارد المتاحة؟
أما تحليل استدامة الدين فيتعامل مع جانب آخر: كيف يمكن تمويل الفجوات والاحتياجات دون خلق مسار مالي يصعب تحمله لاحقاً؟
وعندما يُضاف إلى ذلك تحسين الإيرادات والبيانات المالية وإدارة الموازنة، تبدأ ملامح منظومة أشمل لإدارة المالية العامة بالظهور.
الورشة ليست خطوة منفصلة
قراءة التطورات خلال 2026 تظهر أن ورشة الدين العام تأتي ضمن مسار أوسع، وليست حدثاً منفصلاً.
آذار: 20 مليون دولار لتعزيز إدارة المالية العامة
في آذار وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار لسوريا لتمويل مشروع تعزيز قدرات إدارة المالية العامة.
ويستهدف المشروع تحسين وظائف إعداد وتنفيذ الموازنة والمشتريات والتقارير المالية، وتعزيز الرقابة على الموازنة، ووضع الأساس لرقمنة بعض العمليات المالية الحكومية وإنشاء نظام معلومات متكامل للإدارة المالية السورية SIFMIS.
ويتبنى المشروع منهجاً يقوم على بناء الأساسيات أولاً، قبل الانتقال إلى إصلاحات أكثر تعقيداً، مع التركيز على القدرات المؤسسية والبيانات والرقابة والشفافية.
آب: استدامة الدين تدخل ضمن تقييم الأداء
في 2 آب أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن مراجعة البنك الدولي لإجراءات الأداء والسياسات الخاصة بسوريا للسنة المالية 2026 ضمن سياسة تمويل التنمية المستدامة للمؤسسة الدولية للتنمية انتهت بتقييم تنفيذ الإجراءات المتعلقة باستدامة الدين وإدارة الدين والشفافية بصورة مرضية، وفق ما نقلته وزارة المالية.
وأشار الإعلان إلى أن ذلك سيتيح لسوريا الاستفادة من حافز ضمن مخصصات المؤسسة الدولية للتنمية للسنة المالية 2027 وزيادة المخصصات المتاحة من المنح.
وهذا يجعل ملف الدين مرتبطاً ليس فقط بالإدارة المالية الداخلية، وإنما أيضاً بعلاقة سوريا بمؤسسات التمويل الدولية وقدرتها على الحصول على تمويل بشروط ميسرة أو منح.
آب أيضاً: 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي
في 7 آب أقر البنك الدولي منحة أخرى بقيمة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع المالي السوري، مع التركيز على البنية التحتية المالية والمدفوعات، وقدرات مصرف سوريا المركزي، والرقابة المصرفية والاستقرار والنزاهة المالية.
وهذا المسار يرتبط بإدارة الدين بصورة غير مباشرة، لأن كفاءة النظام المالي والمدفوعات والقطاع المصرفي تؤثر في قدرة الدولة والاقتصاد على إدارة الموارد والتمويل والسيولة.
أيلول: إعادة بناء البيانات المالية
وفي 24 أيلول بحثت وزارة المالية مع بعثة من صندوق النقد الدولي مواءمة إحصاءات مالية الحكومة السورية مع دليل إحصاءات مالية الحكومة GFSM، وشملت الأعمال مطابقة عمليات الموازنة من نفقات وإيرادات وتمويل مع متطلبات الدليل وإعداد مسودة خارطة طريق لتطوير الإحصاءات المالية الحكومية.
وهذه نقطة أساسية.
فلا يمكن بناء تحليل موثوق لاستدامة الدين إذا لم تكن بيانات الدين والإيرادات والإنفاق والتمويل منتظمة ومحدثة وقابلة للمقارنة.
بالتالي، فإن تحسين الإحصاءات المالية وتحليل استدامة الدين مساران يكمل أحدهما الآخر.
ماذا تعني استدامة الدين بالنسبة إلى الموازنة؟
كل دين جديد يخلق التزامات مستقبلية.
وكلما ارتفع الدين أو تغيرت شروطه، تصبح الموازنة مطالبة بتخصيص جزء من مواردها لخدمة هذا الدين.
لذلك تساعد أدوات الاستدامة في الإجابة عن أسئلة قبل اتخاذ قرار الاقتراض:
هل المشروع الذي نريد تمويله يبرر الالتزام المالي؟
هل الدين طويل الأجل أم قصير الأجل؟
بأي عملة؟
ما تكلفة خدمته؟
متى تستحق المدفوعات؟
وهل ستتزامن استحقاقات كبيرة في فترة واحدة؟
وما مقدار الضغط الذي يمكن أن تتعرض له الموازنة إذا جاءت الإيرادات أقل من المتوقع؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية في اقتصاد يحتاج إلى تمويل واسع للبنية التحتية والطاقة والخدمات وإعادة التأهيل، في وقت لا تزال فيه الإيرادات العامة محدودة.
ليس كل دين مشكلة.. وليس كل تمويل آمناً
الحديث عن استدامة الدين لا يعني أن الاقتراض بحد ذاته أمر سلبي.
الدين يمكن أن يكون أداة تمويل طبيعية للدولة عندما يستخدم لتمويل أصول أو مشاريع أو احتياجات يمكن للاقتصاد تحملها، خصوصاً عندما تكون شروط التمويل طويلة الأجل وميسرة.
لكن الفارق الأساسي يكمن في العلاقة بين حجم الالتزام وقدرة الاقتصاد على السداد.
تمويل مشروع بنية تحتية طويل الأجل بمنحة أو قرض ميسر يختلف عن تمويل نفقات مستمرة باقتراض مرتفع التكلفة وقصير الأجل.
كما يختلف الدين بالعملة المحلية عن الدين بالعملة الأجنبية في نوع المخاطر التي يحملها.
وهنا تظهر قيمة استراتيجية إدارة الدين: ليس فقط تحديد مقدار الاقتراض، بل اختيار مصدر التمويل وأجله وعملته وكلفته وتوقيت استحقاقه.
ما الذي يعنيه ذلك للمشاريع والاستثمار؟
قد يبدو تحليل الدين العام بعيداً عن القطاع الخاص، لكن العلاقة مباشرة أكثر مما تبدو.
إذا كانت المالية العامة أكثر قدرة على التخطيط، تستطيع الدولة تحديد أولويات الاستثمار والمشاريع بصورة أوضح، وتقليل الحاجة إلى قرارات مالية طارئة، وتحسين قدرتها على إدارة الالتزامات طويلة الأجل.
وبالنسبة إلى المستثمر، فإن وضوح السياسة المالية مهم لأنه يرتبط بمستوى الضرائب والرسوم، والإنفاق على البنية التحتية، وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، واستقرار السياسات الاقتصادية.
كما أن إدارة الدين بصورة أفضل يمكن أن تساعد على تقييم قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها دون خلق ضغوط مفرطة على موارد القطاع المصرفي أو الاقتصاد.
لكن هذه النتائج لا تتحقق بمجرد امتلاك نموذج تحليلي.
القيمة الحقيقية تظهر عندما تدخل نتائج التحليل فعلياً في قرارات الموازنة والاقتراض والاستثمار العام.
التحدي الأكبر: البيانات
أحد أهم شروط تحليل استدامة الدين هو معرفة صورة الدين نفسه بصورة دقيقة ومحدثة.
ويشمل ذلك الدين الداخلي والخارجي، آجال الاستحقاق، العملات، أسعار الفائدة، الجهات الدائنة، الضمانات الحكومية، والمتأخرات أو الالتزامات المحتملة عند وجودها.
كما يحتاج التحليل إلى بيانات موثوقة حول الناتج والإيرادات والنفقات والصادرات والاحتياطيات والتمويل.
ولهذا ركزت المراجعة الحديثة لإطار استدامة الدين لدى البنك الدولي وصندوق النقد على تحسين جودة واتساع وشفافية بيانات الدين؛ لأن جودة النتيجة تعتمد في النهاية على جودة البيانات المستخدمة في بنائها.
وفي الحالة السورية، يصبح تطوير البيانات والإحصاءات المالية جزءاً أساسياً من بناء هذه القدرة.
لماذا تشارك وزارة المالية والمصرف المركزي معاً؟
وجود كوادر من وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي في الورشة يحمل دلالة مؤسسية مهمة.
إدارة الدين لا تقع بالكامل داخل السياسة المالية أو السياسة النقدية بصورة منفصلة.
وزارة المالية تتعامل مع الموازنة والإيرادات والإنفاق والاقتراض الحكومي، بينما يرتبط المصرف المركزي بالسيولة وأسعار الصرف والقطاع المصرفي والسياسة النقدية والاستقرار المالي.
وأي اختلال كبير في التمويل الحكومي يمكن أن ينتقل إلى النظام المصرفي أو النقدي، كما أن تغير أسعار الصرف أو ظروف السيولة يمكن أن يغير تكلفة بعض الالتزامات الحكومية.
لذلك فإن بناء تحليل مشترك للمخاطر يرفع أهمية التنسيق بين المؤسستين.
ماذا يجب أن نراقب بعد الورشة؟
القيمة الحقيقية لهذا التطور ستظهر عندما تنتقل الأدوات من التدريب إلى العمل المؤسسي المنتظم.
وهناك ستة مؤشرات تستحق المتابعة:
1. نشر بيانات أكثر انتظاماً عن الدين العام
وجود بيانات دورية عن حجم الدين وهيكله وتوزعه واستحقاقاته سيكون مؤشراً مهماً على تطور الشفافية المالية.
2. ظهور استراتيجية رسمية لإدارة الدين
الخطوة الأكثر تقدماً ستكون وجود استراتيجية متوسطة الأجل تحدد أهداف الاقتراض ومزيج التمويل وإدارة المخاطر.
3. ربط الاقتراض بالموازنة والاستثمار العام
هل ستُدرس قدرة المالية العامة على التحمل قبل الموافقة على التزامات ومشاريع كبيرة؟
4. استخدام اختبارات الضغط فعلياً
المهم ليس بناء سيناريو متفائل، وإنما اختبار ما يحدث في الظروف الأقل ملاءمة.
5. تطوير قواعد بيانات الدين والضمانات
إدارة المخاطر تحتاج إلى معرفة الالتزامات المباشرة والمحتملة للدولة، وليس فقط الأرقام الظاهرة في الموازنة.
6. نشر تقارير مالية قابلة للمتابعة
كلما أصبحت البيانات والافتراضات والتوقعات أكثر وضوحاً، أصبح بإمكان مجتمع الأعمال والمؤسسات والممولين قراءة اتجاه السياسة المالية بصورة أفضل.
ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟
رغم أهمية التطور، من الضروري عدم تحميل الورشة أكثر مما تحتمل.
الإعلان الصادر عنها لم ينشر تقييماً جديداً لحجم الدين العام السوري، ولا مساراً متوقعاً لنسبة الدين إلى الناتج، ولا جدولاً لاستحقاقات الدين، ولا تقديرات حديثة لخدمة الدين، ولا نتائج لاختبارات الضغط على الاقتصاد السوري.
وبالتالي لا يمكن من هذه الورشة وحدها الحكم على مستوى استدامة الدين السوري أو تصنيفه من حيث المخاطر.
ما يمكن قوله حالياً هو أن أدوات قياس هذه المخاطر نفسها بدأت تدخل بصورة أوضح ضمن مسار بناء القدرات والإصلاح المالي.
وهذا فارق مهم بين امتلاك بيانات ونتائج منشورة عن استدامة الدين وبين بناء القدرة المؤسسية التي تسمح بإنتاج هذه النتائج مستقبلاً.
من إدارة الأزمة إلى بناء منظومة مالية؟
عند جمع التطورات الأخيرة، تظهر صورة أوسع.
هناك إجراءات لضبط الإنفاق.
هناك مشروع لتطوير إدارة المالية العامة والموازنة.
هناك عمل على مواءمة الإحصاءات الحكومية مع المعايير الدولية.
هناك تحديث للبنية المالية والمصرفية.
وهناك الآن تدريب متخصص على استدامة الدين وإدارة مخاطره.
كل خطوة منفردة لا تكفي للحديث عن تحول مكتمل في إدارة المالية العامة.
لكن ترابطها يشير إلى انتقال تدريجي من التعامل مع الملفات المالية بصورة منفصلة إلى بناء منظومة تتعامل مع الإيرادات والإنفاق والتمويل والدين والبيانات والمخاطر ضمن إطار أكثر تكاملاً.
والاختبار الأساسي خلال المرحلة المقبلة سيكون في التنفيذ والشفافية واستمرارية البيانات.
الخلاصة
ورشة استدامة الدين التي جمعت وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي وخبراء البنك الدولي ليست حدثاً جماهيرياً كبيراً، لكنها قد تكون واحدة من الخطوات الفنية ذات الأثر المؤسسي طويل الأجل.
فالدول لا تواجه أزمات الدين يوم تقرر الاقتراض فقط، وإنما عندما تتراكم التزامات لم تُقرأ مخاطرها مسبقاً أو عندما تتغير الظروف الاقتصادية ولا توجد أدوات كافية لقياس أثر التغير.
لهذا فإن الانتقال من سؤال «كيف نضبط الإنفاق اليوم؟» إلى سؤال «كيف نحافظ على قدرة المالية العامة على التمويل والسداد خلال السنوات المقبلة؟» يمثل تطوراً مهماً في طبيعة النقاش المالي.
لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد الورش أو النماذج المستخدمة.
سيُقاس بقدرة المؤسسات على إنتاج بيانات أفضل، ودمج المخاطر في قرارات الموازنة والاقتراض، ونشر صورة أوضح عن المالية العامة، واختيار مصادر التمويل بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد السوري على تحملها.
عندها فقط تتحول استدامة الدين من مفهوم تدريبي إلى أداة فعلية في إدارة الاقتصاد.