إعادة فتح القنوات المالية مع النمسا: لماذا قد تكون هذه الخطوة من أهم مؤشرات عودة سوريا إلى النظام المالي الدولي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
لا تبدو زيارة حاكم مصرف سوريا المركزي إلى فيينا حدثاً بروتوكولياً عادياً. فالاجتماعات التي عقدها مع حاكم البنك المركزي النمساوي مارتن كوخر، ومع عدد من البنوك النمساوية، تناولت ملفات أكثر حساسية من مجرد “تحسين العلاقات”، إذ ركزت على استعادة العلاقات المالية بين البلدين، واستئناف الحوالات، وتفعيل المدفوعات عبر الحدود، ومعالجة العقبات المصرفية التي تواجه الشركات الراغبة بالاستثمار في سوريا. والأهم أن الاجتماعات أفضت إلى اتفاق على إعادة فتح حساب مصرف سوريا لدى بنك رايفايسن الدولي في النمسا.
اقتصادياً، تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمس واحدة من أكثر العقد إعاقةً لأي نشاط استثماري أو تجاري في سوريا: القناة المصرفية. فالمشكلة في كثير من الحالات لم تكن نقص الاهتمام بالسوق السوري فقط، بل صعوبة تحويل الأموال، وارتفاع كلفة الامتثال، وتعقّد عمليات التسوية، وغياب مسارات دفع مستقرة وواضحة للشركات التي تريد الدخول إلى السوق أو العمل معه من الخارج. وعندما يصبح الحديث عن “إعادة تفعيل المدفوعات عبر الحدود” جزءاً من النقاش الرسمي، فهذا يعني أن الملف انتقل من مستوى الرغبة السياسية العامة إلى مستوى البنية التشغيلية للمعاملات.
من زاوية الأعمال، يمكن قراءة التحرك مع النمسا على ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الحوالات، وهو مهم ليس فقط للأفراد بل للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على تحويلات الشركاء أو المساهمين أو الموردين. المستوى الثاني هو المدفوعات التجارية، أي قدرة الشركات على تسديد مستحقاتها واستقبال دفعاتها بصورة أقل كلفة وأكثر انتظاماً. أما المستوى الثالث فهو إشارة الثقة: لأن عودة بنك أوروبي إلى التعامل الحسابي المباشر مع مؤسسة مالية سورية تمنح السوق رسالة عملية بأن المخاطر التشغيلية بدأت تخف تدريجياً، حتى إن بقيت مرتفعة. هذا استنتاج تحليلي مبني على طبيعة الملفات التي ناقشتها الزيارة والاتفاق المعلن بشأن الحساب المصرفي.
وتكتسب الخطوة وزناً أكبر لأنها تأتي بالتوازي مع تحركات سورية أوسع داخل اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي، حيث ناقش الوفد السوري مع البنك الدولي محفظة من 10 مشاريع بمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، مع طرح فكرة إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين، والترحيب بخطط لافتتاح مكتب للبنك الدولي في دمشق. هذا التزامن مهم، لأنه يضع التحرك المصرفي ضمن مشهد أوسع عنوانه: إعادة بناء أدوات التعامل المالي والمؤسسي مع سوريا، لا الاكتفاء بإعلانات سياسية عامة.
لكن في المقابل، من المبكر التعامل مع التطور بوصفه “انفراجاً كاملاً”. فإعادة فتح حساب أو استئناف قناة مصرفية لا تعني تلقائياً عودة تدفقات استثمارية كبيرة أو انخفاضاً فورياً في كلفة المعاملات. ما تعنيه فعلياً هو تقليص أحد أهم اختناقات الأعمال: اختناق التسوية والتحويل. وإذا تطورت هذه القنوات إلى علاقات مراسلة أكثر اتساعاً، فإن الأثر الحقيقي سيظهر في التجارة الخارجية، وتمويل الواردات، وتنفيذ العقود، وتحسين قدرة الشركات الأجنبية على اختبار السوق السوري بدلاً من تجنبه. هذا تحليل استشرافي يستند إلى طبيعة الدور الذي تؤديه القنوات البنكية في أي بيئة أعمال.