حاكم مصرف سوريا المركزي في مؤتمر حوار القطاع الخاص: الاستقرار النقدي شرط التعافي لا نتيجته فقط

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
جاءت كلمة حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان في اليوم الثالث والأخير من المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري ضمن توقيت نقدي ومالي حساس. فالمؤتمر لم يكن مخصصاً للنقاش النظري حول دور القطاع الخاص فقط، بل امتد في يومه الأخير إلى ملفات التمويل، الشركاء الدوليين، المؤسسات المالية، التجارة العابرة للحدود، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهي ملفات لا يمكن أن تتحرك بفاعلية من دون حد أدنى من الاستقرار النقدي والمصرفي.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة كلمة رسلان بوصفها رسالة مباشرة إلى السوق: التعافي الاقتصادي في سوريا لا يبدأ من المشاريع وحدها، ولا من الاستثمارات المعلنة فقط، بل من إعادة بناء الثقة بالعملة، المصارف، أنظمة الدفع، وأدوات السياسة النقدية.
ماذا قال حاكم مصرف سوريا المركزي؟
أوضح رسلان أن مصرف سوريا المركزي يعمل على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، وتطوير البنية المصرفية بما يدعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب تحسين الخدمات المالية وتحديث أنظمة الدفع لتهيئة بيئة أعمال أفضل وتشجيع الاستثمار والإنتاج في سوريا. كما أشار إلى أن الاحتياطي النقدي يبقى من أبرز الأدوات المتاحة حالياً في ظل الظروف الاستثنائية، مع العمل على تفعيل بقية أدوات السياسة النقدية تدريجياً.
الأهم في الكلمة أنه لم يقدم السياسة النقدية بوصفها قراراً فنياً منعزلاً عن السوق، بل ربطها بوجود أسواق مالية ومصرفية نشطة ومستوى عالٍ من الثقة. فقد أشار إلى أن أدوات البنوك المركزية المعتادة، مثل أسعار الفائدة وعمليات السوق المفتوحة وإدارة السندات، لا تكون فعالة إلا عندما تعمل داخل منظومة مالية ناضجة نسبياً.
هذه نقطة جوهرية في الحالة السورية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بسعر الفائدة أو سعر الصرف، بل بقدرة النظام المالي نفسه على نقل أثر السياسات إلى الشركات والمستهلكين والمستثمرين.
لماذا يهم الاستقرار النقدي القطاع الخاص؟
بالنسبة لصاحب العمل، الاستقرار النقدي ليس مفهوماً مصرفياً مجرداً. هو يدخل في كل قرار يومي تقريباً: تسعير المنتجات، شراء المواد الأولية، توقيع العقود، دفع الرواتب، استيراد التجهيزات، تقييم المخزون، والاحتفاظ بالسيولة.
عندما تكون العملة غير مستقرة، يصبح التسعير دفاعياً. وعندما يكون القطاع المصرفي ضعيف الثقة، تتحول السيولة إلى نقد خارج المصارف. وعندما لا تعمل أدوات الدفع بفاعلية، ترتفع كلفة المعاملات، ويصعب تتبع النشاط، ويتوسع الاقتصاد غير المنظم.
لذلك، فإن ربط رسلان بين الاستقرار النقدي والمالي وبين تشجيع الاستثمار والإنتاج يعكس فهماً عملياً لحاجة القطاع الخاص: لا يمكن مطالبة الشركات بالاستثمار طويل الأجل إذا كانت لا تستطيع تقدير كلفة التمويل، أو حركة العملة، أو قدرة المصارف على تلبية احتياجاتها.
الاحتياطي النقدي: أداة مهمة لكنها ليست كافية وحدها
إشارة حاكم مصرف سوريا المركزي إلى أن الاحتياطي النقدي ما زال من أبرز الأدوات المتاحة حالياً تحمل دلالة مزدوجة. من جهة، تعني أن المركزي يملك أداة مباشرة نسبياً للتدخل وإدارة جزء من الاستقرار. ومن جهة أخرى، تكشف أن بقية أدوات السياسة النقدية لم تصل بعد إلى مستوى الفاعلية الكامل.
في الاقتصادات المستقرة، يمكن للبنك المركزي أن يؤثر في السوق عبر سعر الفائدة، عمليات السوق المفتوحة، أدوات الدين، وإشارات السياسة النقدية. أما في اقتصاد يعيد بناء قطاعه المصرفي والثقة العامة، فإن أثر هذه الأدوات يبقى محدوداً إذا لم تكن المصارف نشطة، وإذا لم يكن الادخار والتمويل والتسليف يمر عبر النظام المالي المنظم.
لذلك، لا يجب فهم كلمة رسلان على أنها إعلان عن أداة جاهزة واحدة، بل باعتبارها توصيفاً لمرحلة انتقالية: المركزي يستخدم المتاح الآن، ويعمل تدريجياً على بناء أدوات أعمق تحتاج إلى ثقة ومؤسسات وأسواق.
تحديث أنظمة الدفع: ملف تقني أم اقتصادي؟
حديث رسلان عن تحديث أنظمة الدفع لا يجب أن يُقرأ كملف تقني فقط. في السوق السوري، تطوير الدفع الإلكتروني والتحويلات والربط المصرفي يمكن أن يؤثر مباشرة في بيئة الأعمال.
أنظمة الدفع الحديثة تساعد على خفض التعامل النقدي، تسريع المدفوعات بين الشركات، تحسين قدرة الدولة على تتبع النشاط الاقتصادي، توسيع الشمول المالي، وتسهيل التجارة الداخلية. كما أنها توفر قاعدة أفضل لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، لأن البيانات المالية تصبح أوضح وأكثر قابلية للتقييم.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى أكثر من تطبيقات دفع. يحتاج إلى ثقة المستخدم، قبول التجار، بنية مصرفية فعالة، حماية بيانات، وتكاليف مقبولة. فإذا كانت كلفة الدفع الإلكتروني مرتفعة أو إجراءاته معقدة، سيبقى النقد هو الخيار الأسهل.
استبدال العملة القديمة: مؤشر على مرحلة انتقال نقدي
قبل أيام من المؤتمر، أعلن رسلان أن نسبة استبدال العملة القديمة تجاوزت 63% على مستوى سوريا، وقرر مصرف سوريا المركزي تمديد مهلة الاستبدال ثلاثين يوماً إضافية من 1 تموز إلى 31 تموز 2026، لإتاحة الفرصة أمام من لم يتمكنوا من استبدال الفئات النقدية القديمة.
هذا الرقم مهم لأنه لا يرتبط بالشكل النقدي فقط، بل بثقة الجمهور في العملية، قدرة المصارف ومراكز الاستبدال على التنفيذ، وحجم الانتقال من العملة القديمة إلى الجديدة. كما أن مرسوم إطلاق العملة الجديدة نص على سحب الأوراق القديمة تدريجياً، وإصدار العملة الجديدة بعد حذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث تعادل كل 100 ليرة سورية قديمة ليرة سورية جديدة.
عملياً، استبدال العملة ليس بديلاً عن الإصلاح النقدي، لكنه جزء من إعادة ترتيب التداول النقدي. نجاحه يتوقف على وضوح التعليمات، توفر العملة الجديدة، منع إعادة تدوير الفئات القديمة، وقدرة النظام المصرفي على استيعاب العملية دون ضغط على المواطنين والشركات.
الثقة المصرفية: الحلقة الأصعب
شدد رسلان على أن إعادة بناء الثقة بالاقتصاد والقطاع المالي مسؤولية مشتركة بين الحكومة، المصرف المركزي، القطاع المصرفي، القطاع الخاص، والشركاء التنمويين.
هذه العبارة قد تكون الأهم في الكلمة. فالثقة لا تُبنى بقرار واحد. تحتاج إلى سلوك مؤسسي مستمر: وضوح في التعليمات، استقرار نسبي في السياسات، قدرة المصارف على تقديم خدمات مفيدة، حماية للمدخرات، شفافية في الإجراءات، وتجنب المفاجآت التي تربك السوق.
بالنسبة للقطاع الخاص، الثقة المصرفية تعني أن الشركة تستطيع أن تودع، تحول، تقترض، تدفع، وتستلم أموالها عبر النظام المصرفي دون شعور بأن هذا المسار أكثر كلفة أو خطورة أو بطئاً من التعامل النقدي.
إذا لم تعد الثقة إلى المصارف، سيبقى جزء كبير من الاقتصاد خارج القنوات الرسمية، وسيصعب تمويل الإنتاج أو بناء أدوات سياسة نقدية فعالة.
من الاستقرار إلى التمويل: ما الذي ينتظره السوق؟
القطاع الخاص لا ينتظر من المصرف المركزي ضبط الاستقرار النقدي فقط، بل ينتظر أن ينعكس ذلك على التمويل. فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وهي جزء أساسي من النشاط الاقتصادي السوري، تحتاج إلى قروض رأس مال عامل، تمويل معدات، أدوات دفع، ضمانات، وتمويل تجاري يساعدها على الاستيراد والتصدير.
جلسات اليوم الثالث نفسها ناقشت توسيع الوصول إلى التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتأسيس تعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية والعائدين السوريين. وهذا يعني أن ملف التمويل لم يعد تفصيلاً مصرفياً، بل بات شرطاً لتعافي الشركات.
لكن التمويل لا يتحرك بأوامر عامة. المصارف تحتاج إلى بيانات ومخاطر قابلة للقياس. الشركات تحتاج إلى سجلات مالية أوضح. والدولة تحتاج إلى أدوات ضمان أو برامج تحفيز أو أطر تنظيمية تخفف المخاطر عن المصارف دون تحويل التمويل إلى دعم غير مستدام.
خلفية الحاكم الجديد: لماذا تهم؟
عُيّن محمد صفوت رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي بموجب المرسوم رقم 99 لعام 2026 في 15 أيار 2026. وتشير سيرته المنشورة إلى خبرة تتجاوز 20 عاماً في إدارة مخاطر الائتمان والحوكمة والتحول الرقمي، مع عمل سابق في مؤسسات مصرفية واستشارية منها Deutsche Bank وTARGOBANK وEY وCapco وبنك بيبلوس سوريا.
هذه الخلفية تفسر بعض مفردات الكلمة: الثقة، البنية المصرفية، أدوات السياسة النقدية، أنظمة الدفع، والحوكمة. فالتحدي أمام المصرف المركزي اليوم لا يقتصر على إدارة النقد، بل على إعادة بناء قطاع مالي قادر على تمويل اقتصاد حقيقي.
كما أن رسلان كان قد أكد بعد تعيينه أن إعادة بناء الاستقرار النقدي والمالي يجب أن تتم بصورة مستدامة، وأن قيمة السياسة النقدية تقاس بانعكاسها على حياة الناس واستقرارهم، لا بمجرد التصريحات.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين؟
بالنسبة للمستثمر المحلي أو الخارجي، كلمة رسلان تقدم رسالة إيجابية لكنها غير مكتملة بعد. الإيجابي فيها أن المصرف المركزي يضع الاستقرار والثقة وتحديث القطاع المالي في صلب التعافي. أما غير المكتمل، فهو أن الكلمة لم تتضمن بعد أدوات تفصيلية كافية حول أسعار الفائدة، برامج التمويل، ضمانات القروض، أو آليات دعم المشاريع الإنتاجية.
المستثمر يحتاج إلى معرفة ثلاثة أمور:
هل يمكن تحويل الأموال ودفع الالتزامات بسهولة؟
هل يستطيع القطاع المصرفي تمويل المشروع أو خدمته؟
هل يمكن توقع السياسة النقدية وسعر الصرف بدرجة معقولة؟
إذا تحسنت الإجابة عن هذه الأسئلة، يصبح الاستثمار أكثر قابلية للتخطيط. وإذا بقيت غامضة، سيبقى المستثمر حذراً حتى لو كانت الفرص كبيرة.
ما الذي يعنيه ذلك للشركات السورية؟
الشركات السورية، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، تحتاج إلى رؤية نتائج عملية من هذا التوجه. أهمها:
تمويل مصرفي قابل للوصول.
أنظمة دفع أسرع وأقل كلفة.
إجراءات مصرفية أوضح.
ثقة أكبر بالودائع والتحويلات.
أدوات تساعد على التجارة والاستيراد والتصدير.
وقنوات تمويل لا تقتصر على الضمانات التقليدية الثقيلة.
أما الشركات الأكبر، فتحتاج إلى أدوات أكثر تقدماً: تمويل تجاري، تسهيلات ائتمانية، اعتمادات، ضمانات، إدارة مخاطر، وربط أفضل بالنظام المالي الإقليمي والدولي.
التفاؤل الواقعي: أين تكمن الفرصة؟
توجد ثلاثة مؤشرات تسمح بقراءة متفائلة بحذر.
أولاً، خطاب المصرف المركزي بات يربط السياسة النقدية بالقطاع الخاص والإنتاج، لا بسعر الصرف فقط.
ثانياً، ملف استبدال العملة يسير بنسبة معلنة تجاوزت 63%، ما يعطي مؤشراً على قدرة تنفيذية في ملف نقدي واسع.
ثالثاً، استراتيجية مصرف سوريا المركزي 2026 ـ 2030، وفق ما أعلن سابقاً، تستهدف تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، تحديث القطاع المصرفي، تطوير سوق صرف شفافة، توسيع الدفع الرقمي، وتعزيز الاندماج التدريجي مع النظام المالي العالمي.
لكن التفاؤل يبقى مشروطاً. فالسياسة النقدية لا تنجح وحدها إذا لم تتكامل مع السياسة المالية، الجمارك، التجارة، الاستثمار، القضاء التجاري، وحوكمة المصارف. كما أن تحديث أنظمة الدفع لا يكفي إذا لم تظهر ثقة فعلية من الشركات والأفراد في استخدام القنوات المصرفية.
الأسئلة التي يجب متابعتها بعد الكلمة
تفتح كلمة حاكم مصرف سوريا المركزي مجموعة أسئلة عملية يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة:
ما خطة تفعيل أدوات السياسة النقدية خارج الاحتياطي النقدي؟
هل ستصدر برامج تمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة؟
كيف سيجري تطوير أنظمة الدفع؟
هل ستعود علاقات المراسلة المصرفية تدريجياً؟
ما دور المصارف الخاصة والعامة في تمويل الإنتاج؟
هل سيصدر إطار أوضح لسوق الصرف؟
كيف ستُبنى الثقة بالقطاع المصرفي؟
ما مصير الفئات النقدية القديمة بعد انتهاء المهلة النهائية للاستبدال؟
وهل ستظهر مؤشرات دورية تقيس التقدم في الاستقرار النقدي والمالي؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الكلمة بداية مسار نقدي مؤثر أم مجرد إطار عام يحتاج إلى أدوات تنفيذية.
الخلاصة
كلمة حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان في مؤتمر حوار القطاع الخاص تؤكد أن الاستقرار النقدي ليس نتيجة تلقائية للتعافي، بل شرط سابق له. لا يمكن بناء استثمار مستدام، ولا تمويل إنتاجي، ولا تجارة أكثر انتظاماً، ولا قطاع خاص أكثر جرأة، من دون عملة أكثر استقراراً، ومصارف أكثر ثقة، وأنظمة دفع أكثر كفاءة.
الرسالة العملية للسوق أن المصرف المركزي يدرك حدود المرحلة الحالية: الاحتياطي النقدي أداة مهمة، لكن أدوات السياسة النقدية الأعمق تحتاج إلى ثقة وأسواق ومؤسسات. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في إعلان التوجهات، بل في تحويلها إلى أدوات تمويل، دفع، رقابة، وشفافية يشعر بها أصحاب الأعمال والمواطنون في التعامل اليومي.
التفاؤل ممكن، لكنه مشروط. فإذا نجح المصرف المركزي في ربط الاستقرار النقدي بتحديث القطاع المصرفي وتمويل الإنتاج، فقد يصبح أحد المفاتيح العملية للتعافي الاقتصادي السوري. أما إذا بقيت السياسة النقدية محصورة في إدارة الأزمة اليومية، فسيبقى القطاع الخاص ينتظر الشرط الأهم: نظام مالي يمكن التخطيط عليه.