من الإغاثة إلى إعادة الإعمار: ماذا تعني زيارة غوتيريش التاريخية إلى سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
تحمل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق دلالات تتجاوز بكثير إطار الزيارات الدبلوماسية المعتادة.
فهي الزيارة الأولى التي يجريها أمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ عام 2009، والأولى لأنطونيو غوتيريش بصفته الحالية، وتأتي في مرحلة تسعى فيها البلاد إلى الانتقال من إدارة تداعيات سنوات الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي إلى تثبيت الاستقرار، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات، وتهيئة بيئة تسمح بعودة السوريين واستئناف الإنتاج والاستثمار.
وخلال لقاءاته في دمشق، لم يقتصر النقاش على المساعدات الإنسانية، بل انتقل بصورة واضحة إلى التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، والاستثمار في البنية التحتية، وسبل العيش، ودور المؤسسات المالية الدولية في إعادة ربط سوريا بالفرص الاقتصادية الإقليمية والعالمية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه يعيد تعريف العلاقة بين سوريا ومنظومة الأمم المتحدة: من علاقة تركزت سنوات طويلة على إدارة الأزمة وتقديم الإغاثة، إلى محاولة بناء شراكة أوسع ترتبط بالتنمية والاستقرار وإعادة تأهيل الدولة والاقتصاد.
لكن الزيارة لم تتضمن حتى الآن إعلان مؤتمر مانحين، أو حزمة تمويل جديدة، أو اتفاقاً تنفيذياً جاهزاً لإعادة الإعمار.
وبذلك فإن قيمتها الأساسية تكمن في الاتجاه السياسي والمؤسسي الذي تؤسسه، وفي الخطوات التي يمكن أن تنتج عنها خلال الأشهر المقبلة، وليس في تمويل فوري أُعلن خلال الزيارة.
زيارة تاريخية في توقيت اقتصادي حساس
وصل غوتيريش إلى دمشق في 25 تموز 2026 في زيارة رسمية تمتد وفق البرنامج الأممي المعلن حتى 27 تموز، والتقى الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، وعدداً من الوزراء والمسؤولين وممثلي المؤسسات السورية. وهي أول زيارة لأمين عام أممي إلى العاصمة السورية منذ زيارة بان كي مون عام 2009.
وتأتي الزيارة في وقت تواجه فيه سوريا معادلة معقدة:
- حاجات إعادة إعمار هائلة.
- عودة متسارعة لملايين اللاجئين والنازحين.
- ضعف الخدمات الأساسية في مناطق واسعة.
- حاجة المؤسسات العامة إلى إعادة بناء قدراتها.
- نقص التمويل والاستثمار طويل الأجل.
- ضرورة الانتقال من الاقتصاد القائم على الاستجابة الطارئة إلى الإنتاج وفرص العمل.
- سعي البلاد إلى استعادة مكانتها في المؤسسات الدولية والنظام المالي العالمي.
وقد قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. ويقتصر هذا التقدير أساساً على المباني والبنية التحتية المادية، ولا يشمل بالضرورة كامل الخسائر الاجتماعية والبشرية والإنتاجية المتراكمة.
وفي الوقت نفسه، تجاوز عدد السوريين الذين عادوا من الخارج أو من النزوح الداخلي منذ كانون الأول 2024 حاجز 3.5 ملايين شخص، في واحدة من أكبر حركات العودة خلال القرن الحالي، بينما تسبق وتيرة العودة قدرة المساكن والخدمات وفرص العمل على الاستيعاب في عدد من المناطق.
وهذا ما يجعل زيارة غوتيريش مرتبطة مباشرة بالسؤال الاقتصادي الأهم في المرحلة الحالية:
كيف يمكن تحويل العودة السياسية لسوريا إلى المجتمع الدولي إلى قدرة فعلية على إعادة بناء الخدمات والاقتصاد وتوفير شروط الاستقرار؟
ماذا جرى خلال الزيارة؟
لقاء الرئيس أحمد الشرع
استقبل الرئيس أحمد الشرع الأمين العام للأمم المتحدة في قصر الشعب، بحضور وزير الخارجية وعدد من المسؤولين.
وتركز اللقاء على تعزيز التعاون بين سوريا والأمم المتحدة في المجالات الإنسانية والتنموية، ودعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد على احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية لأنه وضع ثلاثة ملفات في مستوى واحد:
- التعاون الإنساني لتلبية الاحتياجات العاجلة.
- التعافي والتنمية لإعادة الخدمات والإنتاج وفرص العمل.
- السيادة والاستقرار بوصفهما شرطين لأي استثمار أو عودة مستدامة.
وهذا الربط ضروري؛ إذ لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن الاستقرار السياسي والمؤسسي، كما لا يمكن بناء تنمية مستدامة إذا بقيت السياسات الدولية تجاه سوريا موزعة بين مسار إنساني منفصل ومسار سياسي وأمني لا يترجم إلى أدوات اقتصادية.
اجتماع موسع مع الحكومة السورية
عقد وزير الخارجية أسعد الشيباني اجتماعاً موسعاً مع غوتيريش، شارك فيه وزيرا الطوارئ وإدارة الكوارث والشؤون الاجتماعية والعمل، وحاكم مصرف سوريا المركزي، ومندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة.
وتناول الاجتماع الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى التنمية المستدامة، ودعم التعافي المبكر، وتوجيه التعاون مع وكالات الأمم المتحدة بما ينسجم مع الأولويات السورية.
وتكشف طبيعة المشاركين عن اتساع الملفات المطروحة.
فوجود حاكم المصرف المركزي يربط النقاش بالتمويل وإعادة الاندماج المالي، بينما يرتبط حضور وزارة الشؤون الاجتماعية بفرص العمل والحماية الاجتماعية وعودة السكان، وترتبط وزارة الطوارئ بإزالة آثار الحرب والتعامل مع الكوارث وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
المؤتمر الصحفي السوري–الأممي
في المؤتمر الصحفي المشترك، تحدث وزير الخارجية عن الانتقال من الإغاثة المؤقتة إلى التنمية المستدامة، وعن توجيه الدعم الدولي نحو المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وفرص العمل.
كما أعلن أن المباحثات تناولت إعداد ورقة واتفاقية لخطة تعافٍ مشتركة بين الأمم المتحدة والأولويات السورية، من المتوقع توقيعها خلال الأشهر المقبلة، مع توجيه جهود الوكالات الأممية العاملة في سوريا نحو مسار موحد يدعم التعافي وإعادة الإعمار.
وهذه النقطة هي النتيجة التنفيذية الأهم التي ظهرت خلال الزيارة حتى الآن.
فإذا تحولت الخطة المشتركة إلى وثيقة واضحة تتضمن القطاعات والمشروعات والتمويل والمسؤوليات ومؤشرات الأداء، فقد تصبح إطاراً لتنسيق عمل وكالات الأمم المتحدة والدول المانحة والمؤسسات المالية بدلاً من استمرار البرامج المتفرقة قصيرة الأجل.
من جهته، أكد غوتيريش أن سوريا تمر بمرحلة تجمع بين التعافي وفرص الاستثمار، وأن أي دولة تخرج من صراع واسع لا تستطيع إعادة بناء نفسها بمفردها.
وأشار إلى ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوسيع سبل العيش والاستثمار، ودعم العودة الكريمة والطوعية، وإلى الدور الذي تستطيع المؤسسات المالية الدولية القيام به في إعادة وصل سوريا بالفرص الاستثمارية الإقليمية والدولية.
«سوريا بلا مخيمات»
من الملفات التي طُرحت خلال المباحثات دعم المبادرة الرئاسية المعروفة باسم «سوريا بلا مخيمات»، والتي تستهدف إنهاء أو تقليص أوضاع النزوح الطويلة، وتأمين عودة السكان إلى مناطقهم بصورة كريمة ومستدامة.
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال نقل العائلات خارج المخيمات فقط.
فالعودة المستدامة تحتاج إلى:
- مساكن قابلة للسكن.
- مدارس ومراكز صحية.
- مياه وكهرباء وصرف صحي.
- طرق ونقل.
- وثائق مدنية وحقوق ملكية.
- فرص عمل ودخل.
- إزالة الألغام والذخائر.
- حماية قانونية واجتماعية.
- مؤسسات محلية قادرة على تقديم الخدمات.
ولهذا يرتبط ملف المخيمات مباشرة بإعادة الإعمار المحلي والتنمية، وليس بالاستجابة الإنسانية وحدها.
لقاء رئيس مجلس الشعب والجهات الوطنية
التقى غوتيريش رئيس مجلس الشعب وعدداً من المسؤولين السوريين، وناقش معهم الدور التشريعي وبناء المنظومة القانونية خلال المرحلة المقبلة.
كما شملت لقاءاته جهات معنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين والانتخابات، مع التركيز على بناء القدرات الوطنية، وحماية حقوق الضحايا والعائلات، وتحديد الأدوار بين المؤسسات السورية والأمم المتحدة والمنظمات المدنية.
وتحمل هذه اللقاءات دلالة اقتصادية غير مباشرة لكنها مهمة.
فالاستثمار وإعادة الإعمار يحتاجان إلى:
- قوانين واضحة.
- مؤسسات موثوقة.
- حماية الملكية والعقود.
- آليات للمساءلة.
- قدرة على حل النزاعات.
- ثقة عامة في الدولة.
- مصالحة مجتمعية تقلل مخاطر العودة والاستثمار.
ولا تنفصل العدالة وبناء المؤسسات عن الاقتصاد؛ لأن المستثمر والمواطن والعائد من النزوح يحتاجون جميعاً إلى بيئة يمكن التنبؤ بها قانونياً ومؤسسياً.
زيارة الجامع الأموي ودمشق القديمة
أجرى غوتيريش جولة في دمشق القديمة وزار الجامع الأموي.
ولا يمثل هذا الجزء من البرنامج بعداً بروتوكولياً فقط؛ إذ حمل رسالة مرتبطة بصورة سوريا التاريخية وتنوعها الحضاري وقدرتها على استعادة موقعها مركزاً للتواصل والثقافة والسياحة.
ويمكن أن يكون للزيارة الرمزية أثر في إعادة تقديم دمشق دولياً بوصفها مدينة قادرة على استقبال الوفود والزوار والاستثمارات، خصوصاً مع عودة النشاط السياحي والفندقي والمؤتمرات والفعاليات الدولية.
زيارة سجن صيدنايا
زار الأمين العام للأمم المتحدة سجن صيدنايا في ريف دمشق، وهو موقع ارتبط خلال العقود السابقة بالانتهاكات والاعتقال والتعذيب.
وتكتسب الزيارة دلالة سياسية وإنسانية عميقة؛ لأنها تربط التعافي الاقتصادي بعدم تجاهل ملف الضحايا والعدالة.
فإعادة الإعمار لا تعني إصلاح الطرق والمباني فقط، بل تشمل أيضاً بناء مؤسسات جديدة، وحفظ الذاكرة، وكشف مصير المفقودين، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومن دون هذا المسار، قد يعاد بناء الحجر من دون معالجة العوامل التي تعيق الاستقرار الاجتماعي طويل الأجل.
لماذا تعد الزيارة مختلفة عن الزيارات السابقة؟
أولاً: مستوى التمثيل الأممي
زيارة الأمين العام تختلف عن زيارة مسؤول في وكالة متخصصة أو مبعوث سياسي؛ لأن غوتيريش يمثل منظومة الأمم المتحدة بكامل وكالاتها وبرامجها ومؤسساتها.
ويمكن لموقفه أن يساعد على:
- توجيه أولويات وكالات الأمم المتحدة في سوريا.
- حشد اهتمام الدول الأعضاء والمانحين.
- دعم إدراج سوريا في برامج التعافي والتنمية.
- دفع التنسيق بين المسارات الإنسانية والإنمائية.
- تعزيز التواصل مع المؤسسات المالية الدولية.
- نقل الملف السوري إلى مستوى سياسي دولي أعلى.
ولا يملك الأمين العام وحده قرار توفير مليارات الدولارات، لكنه يستطيع استخدام موقعه لتعبئة المؤسسات والدول حول إطار مشترك.
ثانياً: تغير لغة التعاون
لسنوات طويلة، كانت اللغة الدولية تجاه سوريا تتركز على المساعدات الطارئة والحماية والنزوح.
أما خلال الزيارة الحالية، فقد ظهرت مفردات مختلفة:
- الاستثمار.
- البنية التحتية.
- سبل العيش.
- التعافي.
- التنمية المستدامة.
- المؤسسات المالية الدولية.
- عودة اللاجئين.
- إعادة الإعمار.
هذا التحول في اللغة لا يضمن التمويل، لكنه ضروري لتغيير تصميم البرامج.
فبرنامج إنساني مدته ستة أشهر يختلف جذرياً عن مشروع لإعادة تأهيل شبكة مياه أو تمويل منشآت صغيرة أو تطوير إدارة محلية أو خلق آلاف فرص العمل.
ثالثاً: تأكيد القيادة السورية لمسار التعافي
أكد الجانب السوري أن التعاون المطلوب يجب أن يجري ضمن استراتيجية موحدة تقودها سوريا، وأن تعمل وكالات الأمم المتحدة بما ينسجم مع الأولويات الوطنية.
كما قال غوتيريش إن الأمم المتحدة لا تحمل أجندة خاصة في سوريا، وإن دورها يتمثل في مرافقة ودعم المسار السوري.
وهذه نقطة محورية؛ لأن نجاح إعادة الإعمار يحتاج إلى ملكية وطنية، لكن الملكية الوطنية يجب أن تقترن بالشفافية والقدرة المؤسسية والمشاركة المجتمعية.
فالمطلوب ليس انتقال البرامج من إدارة دولية كاملة إلى مركزية مغلقة، بل بناء نموذج يحدد فيه السوريون أولوياتهم، وتشارك المؤسسات المحلية والمجتمعات والقطاع الخاص في التنفيذ والرقابة.
من الاستجابة الإنسانية إلى التنمية: ماذا يعني ذلك عملياً؟
الانتقال من الإغاثة إلى التنمية لا يعني وقف المساعدات الإنسانية.
فما تزال شرائح واسعة من السوريين تحتاج إلى الغذاء والصحة والحماية والدعم المباشر، ولا يمكن تجاوز هذه الاحتياجات بقرار سياسي.
لكن المطلوب هو ألا تبقى المساعدات منفصلة عن بناء القدرة المحلية.
مثال الكهرباء
بدلاً من توزيع الوقود أو المولدات بصورة متكررة، يمكن توجيه التمويل إلى إصلاح المحطات والشبكات، وتقليل الفاقد، وتحسين التحصيل، وتوسيع الطاقة المتجددة، وبناء إدارة أكثر استدامة للقطاع.
وقد بدأ البنك الدولي بالفعل العودة إلى سوريا عبر منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم الكهرباء، قبل أن يوسع التمويل لاحقاً إلى قطاعات المياه والصحة والإدارة المالية العامة.
مثال المياه
بدلاً من الاعتماد الدائم على صهاريج المياه، تتجه التنمية نحو إصلاح المضخات والخطوط ومحطات المعالجة، وتأمين الطاقة اللازمة للتشغيل، وتطوير الإدارة المالية والفنية للمؤسسات.
مثال الغذاء
بدلاً من توزيع السلال الغذائية فقط، يمكن تمويل المزارعين، وإصلاح شبكات الري، وتطوير التخزين والتصنيع الغذائي، وربط المنتجين بالأسواق.
مثال فرص العمل
يمكن تحويل جزء من الإنفاق إلى برامج كثيفة العمالة لإزالة الأنقاض وإصلاح الطرق والمرافق، ثم الانتقال إلى دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وسلاسل القيمة والإنتاج المحلي.
مثال العودة
بدلاً من تقديم مساعدة قصيرة للعائلة العائدة، تتطلب العودة المستدامة إعادة تأهيل الحي أو القرية بصورة متكاملة، تشمل السكن والخدمات والعمل والأمان القانوني.
الدور المتوقع للأمم المتحدة
إعداد إطار تعافٍ مشترك
النتيجة الأكثر ترقباً هي الاتفاقية أو الورقة المشتركة التي تحدث عنها وزير الخارجية، والمتوقع إعدادها وتوقيعها خلال الأشهر المقبلة.
ومن المفترض أن توضح هذه الوثيقة:
- أولويات الحكومة السورية.
- دور وكالات الأمم المتحدة.
- القطاعات الجغرافية والاقتصادية المستهدفة.
- المشروعات القابلة للتمويل.
- آلية التنسيق والمتابعة.
- معايير اختيار المستفيدين.
- مؤشرات النتائج.
- آليات الشفافية والتدقيق.
- العلاقة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
- كيفية الانتقال من الإغاثة إلى التنمية.
إعادة توجيه عمل الوكالات الأممية
تعمل في سوريا وكالات متعددة، منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، ومنظمة الأغذية والزراعة، وغيرها.
ويمكن للزيارة أن تدفع نحو توحيد برامج هذه الجهات في المناطق ذات الأولوية.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تعمل المفوضية على دعم العائدين، بينما تسهم اليونيسف في المدارس والمياه، ومنظمة الصحة في المراكز الصحية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سبل العيش والإدارة المحلية، ضمن خطة مكانية واحدة.
حشد التمويل الدولي
لا تمول الأمم المتحدة إعادة إعمار دولة كاملة من ميزانيتها المركزية.
لكنها تستطيع إنشاء صناديق مشتركة، وتنظيم مؤتمرات، وحشد مساهمات الدول، وتصميم مشروعات قابلة للتمويل، وتوفير ضمانات للمانحين بشأن الإدارة والمتابعة.
وقد أثبتت البرامج المشتركة القائمة إمكانية تعبئة تمويل للتعافي؛ إذ بلغت مساهمة كوريا الجنوبية في إحدى المبادرات الأممية متعددة الوكالات أكثر من 38 مليون دولار، وشملت خدمات ومساعدات للتعافي في مناطق سورية.
الربط مع المؤسسات المالية الدولية
أشار غوتيريش بصورة واضحة إلى دور المؤسسات المالية الدولية.
وتشمل هذه المؤسسات البنك الدولي ومؤسسات التنمية الإقليمية، وربما لاحقاً جهات تمويل أوروبية وعربية وصناديق تنمية.
وتختلف هذه الجهات عن وكالات الإغاثة؛ إذ تستطيع تمويل مشروعات أكبر وأكثر استدامة، لكنها تحتاج إلى:
- مؤسسات عامة قادرة على التنفيذ.
- أنظمة مشتريات شفافة.
- إدارة مالية موثوقة.
- دراسات فنية.
- تقييمات بيئية واجتماعية.
- قدرة على المتابعة والتدقيق.
- استقرار قانوني وأمني.
وقد استعادت سوريا أهليتها للحصول على تمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي بعد تسوية متأخراتها، وبدأ البنك تمويل مشروعات في الكهرباء والمياه والصحة والإدارة العامة، ما يعني أن مسار إعادة الارتباط بالمؤسسات المالية قد بدأ بالفعل، لكنه يحتاج إلى توسع وتنسيق.
ماذا يعني وضع الاستثمار في قلب التعاون؟
أهم ما ورد في خطاب غوتيريش هو الربط بين التعافي والاستثمار.
فالاقتصاد السوري لا يستطيع الاعتماد على المنح والمساعدات وحدها، مهما ارتفع حجمها.
تحتاج البلاد إلى رأس مال خاص يمول:
- المصانع.
- الطاقة.
- الإسكان.
- النقل.
- الزراعة.
- الاتصالات.
- السياحة.
- الصحة والتعليم.
- المراكز اللوجستية.
- الخدمات الرقمية.
- الشركات الصغيرة والمتوسطة.
لكن الاستثمار لا يدخل إلى بيئة ما بعد النزاع بسبب الفرص وحدها.
بل يحتاج إلى منظومة تقلل المخاطر، تشمل:
- قوانين مستقرة.
- نظاماً قضائياً فعالاً.
- حماية الملكية.
- شفافية العقود.
- قدرة على التحويل المصرفي.
- تأميناً وضمانات.
- بيانات اقتصادية.
- بنية تحتية أساسية.
- استقراراً أمنياً واجتماعياً.
- قواعد واضحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويمكن للأمم المتحدة والمؤسسات المالية أن تساعد في تحسين هذه البيئة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإصلاحات الوطنية.
ما الذي يمكن أن ينتج عن الزيارة؟
خلال الأشهر القريبة
من المتوقع أن تتركز النتائج العملية على:
- إعداد وتوقيع خطة تعافٍ مشتركة بين سوريا والأمم المتحدة.
- إعادة ترتيب أولويات وكالات الأمم المتحدة داخل البلاد.
- إعداد حزم مشروعات في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإسكان.
- توسيع دعم المناطق التي تشهد عودة اللاجئين والنازحين.
- دعم مبادرة إنهاء المخيمات وإيجاد حلول دائمة للنازحين.
- زيادة التعاون الفني في التشريعات والعدالة الانتقالية والمفقودين.
- فتح حوار أوسع مع الدول والاتحاد الأوروبي حول تمويل التعافي.
- التنسيق مع البنك الدولي ومؤسسات التمويل حول المشروعات المقبلة.
- دعم إزالة الأنقاض والألغام وتأهيل الخدمات المحلية.
- إشراك أكبر للقطاع الخاص في فرص العمل وسلاسل التوريد.
على المدى المتوسط
قد تساهم الزيارة في التحضير لمسارات أكبر، مثل:
- إنشاء صندوق دولي متعدد المانحين للتعافي.
- عقد مؤتمر دولي أو سلسلة اجتماعات تمويلية حول سوريا.
- الانتقال من المشروعات الصغيرة المتفرقة إلى برامج قطاعية.
- زيادة تمويل البلديات والإدارة المحلية.
- دعم برامج الإسكان وإعادة تأهيل الأحياء.
- توفير ضمانات لتمويل القطاع الخاص.
- تأسيس منصات استثمار تربط الشركات السورية بالمستثمرين الدوليين.
- توسيع التمويل الموجه إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة.
- تطوير قواعد بيانات وطنية للمشروعات والأضرار والاحتياجات.
لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ إذ تحتاج إلى متابعة دبلوماسية وفنية، وإلى تقديم مشروعات قابلة للتمويل لا قوائم عامة بالاحتياجات فقط.
ما المطلوب من الجانب السوري؟
مشروع وطني واضح لإعادة الإعمار
يحتاج الشركاء الدوليون إلى معرفة:
- ما القطاعات ذات الأولوية؟
- ما المناطق التي تبدأ فيها المشروعات؟
- كيف ستُختار المشاريع؟
- من سينفذها؟
- كيف ستُراقب الأموال؟
- كيف سيشارك القطاع الخاص؟
- كيف ستُحمى حقوق السكان والمالكين؟
- ما العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية؟
ومن دون إطار وطني معلن، قد تستمر المبادرات الدولية بصورة متفرقة.
قائمة مشروعات جاهزة
لا يكفي القول إن الكهرباء أو المياه تحتاجان إلى مليارات الدولارات.
يجب إعداد ملفات تتضمن:
- الدراسة الفنية.
- التكلفة.
- الجدول الزمني.
- الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
- نموذج التمويل.
- مخاطر التنفيذ.
- متطلبات الأراضي والتراخيص.
- الجهة المسؤولة.
- مؤشرات الأداء.
إصلاح البيئة المؤسسية
كلما ارتفع حجم التمويل، زادت أهمية الإدارة والمشتريات والرقابة.
وقد يكون الاستثمار في قدرة الدولة على إدارة الأموال من أكثر استثمارات التعافي أهمية؛ ولهذا موّل البنك الدولي مشروعاً مستقلاً لتطوير إدارة المالية العامة والشفافية والمساءلة.
إشراك القطاع الخاص السوري
تستطيع الشركات السورية أن تؤدي دوراً في:
- المقاولات.
- مواد البناء.
- النقل.
- الطاقة.
- الخدمات الهندسية.
- البرمجيات.
- التدريب.
- الزراعة والصناعة.
- الصيانة والتشغيل.
- الاستشارات.
لكن المشاركة تحتاج إلى مناقصات واضحة، ومنع الاحتكار، وتأهيل الشركات، وتوفير التمويل والضمانات.
إشراك المجتمعات المحلية
يجب ألا يقتصر التخطيط على الوزارات والمنظمات الدولية.
فالسكان والعائدون والمجالس المحلية والشركات والنقابات والمنظمات المدنية أقدر على تحديد عدد من الاحتياجات الفعلية، كما أن مشاركتهم تقلل مخاطر تنفيذ مشروعات لا تتناسب مع أولويات المناطق.
ما المطلوب من المجتمع الدولي؟
الانتقال من التمويل السنوي القصير إلى تمويل متعدد السنوات
يصعب إعادة بناء شبكة مياه أو مدرسة أو سوق إنتاجي بتمويل إنساني ينتهي بعد أشهر.
تحتاج مشروعات التعافي إلى تمويل لعدة سنوات يسمح بالتخطيط والتعاقد والمتابعة.
عدم الفصل بين العودة والتنمية
تشجيع اللاجئين على العودة من دون توفير السكن والعمل والخدمات قد يؤدي إلى عودة غير مستقرة، أو إلى نزوح جديد داخل البلاد.
لذلك يجب أن يرافق دعم العودة تمويل للمناطق المستقبلة.
تخفيف العوائق المالية والتشغيلية
حتى بعد رفع أو تخفيف عدد من العقوبات، قد تستمر المصارف والشركات في تجنب التعامل مع سوريا بسبب المخاطر والقيود الداخلية.
وتحتاج مرحلة التعافي إلى توضيحات قانونية وقنوات مصرفية وضمانات تقلل التردد في تمويل التجارة والمشروعات.
الاستثمار لا المساعدة فقط
لا يعني الاستثمار التخلي عن المسؤولية الإنسانية، بل بناء قدرة تجعل المجتمع أقل اعتماداً على المساعدات مستقبلاً.
فكل مشروع يعيد مصنعاً أو مزرعة أو سوقاً أو شبكة كهرباء إلى العمل يقلل الحاجة إلى الدعم المباشر ويخلق دخلاً محلياً.
مؤشرات يجب مراقبتها بعد الزيارة
لن تُقاس قيمة الزيارة بعدد اللقاءات أو الصور، بل بما يلي:
- هل جرى توقيع خطة التعافي المشتركة؟
- هل حُددت مشروعات وموازنات؟
- هل ارتفع التمويل الدولي لسوريا؟
- هل انتقلت وكالات الأمم المتحدة إلى برامج متعددة السنوات؟
- هل تحسنت الخدمات في مناطق العودة؟
- هل انخفض عدد المقيمين في المخيمات؟
- هل دخلت مؤسسات مالية جديدة إلى السوق؟
- هل توسع- هل توسع تمويل البنية التحتية؟
- هل حصل القطاع الخاص على دور واضح؟
- هل نُشرت بيانات دورية عن التنفيذ؟
- هل ظهرت نتائج ملموسة في فرص العمل والدخل؟
- هل حافظت المشروعات على الشفافية والمشاركة المحلية؟
فرص أمام قطاع الأعمال السوري
قد تفتح المرحلة الجديدة طلباً متزايداً على مجموعة واسعة من الخدمات والمنتجات، منها:
- الاستشارات الهندسية ودراسات المشروعات.
- المقاولات وترميم المباني.
- تجهيزات المياه والكهرباء والطاقة المتجددة.
- المعدات الطبية والمدرسية.
- النقل والخدمات اللوجستية.
- مواد البناء والتجهيز.
- إدارة النفايات وإزالة الأنقاض.
- الحلول الرقمية ونظم المعلومات.
- التدريب وبناء القدرات.
- التأمين والخدمات المالية.
- الزراعة والتصنيع الغذائي.
- المسح والتقييم وجمع البيانات.
لكن الشركات التي ترغب في الاستفادة من البرامج الدولية تحتاج إلى رفع جاهزيتها من حيث:
- التسجيل القانوني.
- الحسابات المالية.
- السياسات الإدارية.
- الجودة والسلامة.
- الخبرات السابقة.
- القدرة على إعداد العروض.
- الامتثال لشروط المشتريات الدولية.
- الشفافية في الملكية والتعاملات.
بين التفاؤل والواقعية
توفر زيارة غوتيريش سبباً حقيقياً للتفاؤل.
فعودة أعلى مسؤول أممي إلى دمشق، واجتماعه بالقيادة السورية، وتحدثه علناً عن الاستثمار والبنية التحتية وسبل العيش ودور المؤسسات المالية، كلها مؤشرات على أن سوريا لم تعد تُناقش دولياً بوصفها ملف أزمة إنسانية مغلقاً فقط.
كما أن الحديث عن خطة تعافٍ مشتركة خلال الأشهر المقبلة يمنح الزيارة مساراً تنفيذياً محتملاً يمكن متابعته وقياسه.
لكن الواقعية تقتضي الاعتراف بأن الطريق ما يزال طويلاً.
فحجم الدمار أكبر من قدرة الأمم المتحدة أو أي مانح منفرد، والتمويل الدولي يواجه منافسة من أزمات عالمية متعددة، كما أن المستثمرين يحتاجون إلى إصلاحات وضمانات واستقرار مستدام.
كذلك فإن تحويل الأموال إلى نتائج يتطلب مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة، وإدارة توازن دقيق بين السرعة والشفافية والعدالة في توزيع المشروعات.
والأهم أن إعادة الإعمار ليست عملية فنية فقط.
إنها عملية اقتصادية واجتماعية وقانونية تحدد من يعود، ومن يستفيد، وكيف تُستعاد الملكيات، وكيف تتوزع الفرص بين المناطق والقطاعات، وكيف يُمنع تحول الإعمار إلى مصدر جديد للتفاوت أو الاحتكار.
ثلاثة سيناريوهات لما بعد الزيارة
السيناريو الأول: تعاون سياسي ورمزي
تبقى نتائج الزيارة في إطار الدعم السياسي والبيانات العامة، مع استمرار برامج الأمم المتحدة الحالية من دون توسع جوهري في التمويل.
ويكون الأثر إيجابياً من ناحية العلاقات الدولية، لكنه محدود اقتصادياً.
السيناريو الثاني: خطة تعافٍ وبرامج قطاعية
تُوقّع الخطة المشتركة، وتُعد مشروعات في الخدمات والعودة وفرص العمل، وتنجح الأمم المتحدة في حشد تمويل إضافي من الدول والمؤسسات.
وهذا السيناريو هو الأكثر واقعية على المدى القريب، وقد ينتج تحسناً تدريجياً في مناطق وقطاعات محددة.
السيناريو الثالث: منصة دولية واسعة لإعادة الإعمار
تتحول الزيارة إلى نقطة انطلاق لمسار دولي يضم الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والدول العربية، مع صندوق تمويل وبرامج بنية تحتية وضمانات استثمار.
هذا السيناريو هو الأعلى أثراً، لكنه يحتاج إلى توافق سياسي دولي، وإصلاحات محلية، ومشروعات جاهزة، وثقة في آليات التنفيذ.
الخلاصة
لا تكمن أهمية زيارة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا في كونها الأولى من نوعها منذ سبعة عشر عاماً فقط، بل في الرسالة التي حملتها بشأن طبيعة المرحلة المقبلة.
فللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يجري الحديث على هذا المستوى عن سوريا بوصفها بلداً يمتلك فرصة للتعافي والاستثمار وإعادة بناء مستقبله، لا بوصفها ساحة أزمة إنسانية دائمة.
وقد جمعت الزيارة بين ملفات تبدو متباعدة لكنها مترابطة في الواقع:
- إعادة الإعمار.
- عودة اللاجئين والنازحين.
- الاستثمار وفرص العمل.
- بناء المؤسسات والقوانين.
- العدالة والمفق.
- العدالة والمفقودون.
- السيادة والاستقرار.
- دور المؤسسات المالية الدولية.
والنتيجة الأكثر أهمية التي ينتظرها السوريون وقطاع الأعمال هي تحويل هذه الرسائل إلى خطة مشتركة ومشروعات وتمويل وآليات تنفيذ واضحة.
فالمرحلة لا تحتاج إلى مزيد من توصيف الدمار بقدر حاجتها إلى ترتيب الأولويات، وتجهيز المشروعات، وتعبئة رأس المال، وتشغيل السوريين في إعادة بناء بلدهم.
زيارة غوتيريش لا تعني أن إعادة الإعمار بدأت بحجمها المطلوب، لكنها قد تمثل لحظة انتقال مهمة: من مطالبة العالم بعدم نسيان سوريا إلى دعوته للمشاركة في استقرارها ونجاحها.
وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة: هل تتحول زيارة التضامن إلى شراكة تنموية، وهل تنتقل كلمات التعافي والاستثمار من قاعات الاجتماعات إلى الكهرباء والمياه والمدارس والمصانع وفرص العمل؟