رفع أسعار المحروقات في سوريا: هل كان تحميل السوق كامل الصدمة هو الخيار الوحيد؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
رفعت سوريا أسعار عدد من المشتقات النفطية اعتباراً من 13 سبتمبر/أيلول 2026، في خطوة بررتها وزارة الطاقة بارتفاع استثنائي في أسعار المشتقات المكررة عالمياً، وزيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة يتوقع أن تمتد لنحو شهرين.
وبحسب التسعيرة الجديدة، ارتفع ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية مقارنة بـ125 ليرة سابقاً، بزيادة تقارب 40%، فيما ارتفع بنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، مع زيادات شملت بقية المشتقات. وتؤكد الوزارة أن التعديل مؤقت وأن الأسعار قابلة للمراجعة صعوداً وهبوطاً مع تغير الظروف.
الأسباب التي قدمتها الوزارة مفهومة من زاوية تأمين الإمدادات. لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط: لماذا ارتفعت كلفة المحروقات؟
السؤال هو: هل كان من الضروري تمرير هذا القدر من الزيادة إلى الاقتصاد السوري دفعة واحدة؟
صدمة عالمية حقيقية.. لكن الاقتصاد السوري ليس اقتصاداً عادياً
تواجه أسواق الطاقة العالمية بالفعل واحدة من موجات الضغط الكبيرة خلال 2026. أسعار الخام والمشتقات المكررة ارتفعت، وأسواق الديزل تعاني نقصاً في طاقات التكرير والإمدادات، مع اضطرابات في مسارات الشحن والتأمين.
وتقول وزارة الطاقة إن حاجة سوريا تبلغ قرابة 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، في مقابل إنتاج محلي يقارب 100 ألف برميل يومياً، وهو ما يجعل الاستيراد جزءاً أساسياً من معادلة تأمين الطاقة. كما أن توقف مصفاة بانياس مؤقتاً يزيد الاعتماد على شراء المنتجات المكررة من الأسواق الخارجية.
هذه المعطيات تفسر ارتفاع التكلفة، لكنها لا تحسم الطريقة التي يجب أن توزع بها هذه التكلفة بين الدولة والمواطن والقطاع الإنتاجي.
فالاقتصاد السوري يخرج من سنوات طويلة من الانكماش وفقدان القوة الشرائية وتآكل رؤوس أموال الشركات والأسر. وحتى مع ظهور إشارات تعافٍ خلال 2025 و2026، لا يزال البنك الدولي يصف التعافي بأنه هش، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة والمخاطر الإقليمية والقيود المالية.
ولهذا فإن زيادة سعر الطاقة في سوريا لا تحمل الأثر نفسه الذي يمكن أن تحمله في اقتصاد أكثر قدرة على الامتصاص.
لماذا يمثل رفع المازوت 40% المشكلة الأكبر؟
المازوت ليس مجرد مادة استهلاكية تستخدمها الأسر.
إنه مدخل إنتاج.
يدخل في النقل والشحن، والزراعة والري والآليات، والنشاط الصناعي، والبناء، والمولدات، وتوزيع السلع، وعدد كبير من الأنشطة الخدمية.
لذلك فإن ارتفاعه بنسبة 40% لا يتوقف عند محطة الوقود.
الشاحنة تنقل الزيادة إلى أجرة النقل، والمزرعة إلى تكلفة الإنتاج، والمنشأة الصناعية إلى المنتج، والتاجر إلى السلعة النهائية.
وهكذا تتحول صدمة طاقة مؤقتة إلى موجة أوسع من ارتفاع الأسعار قد تستمر آثارها حتى بعد تراجع سعر الوقود نفسه.
وزارة الطاقة أقرت من جانبها بأن تعديل الأسعار يمثل عبئاً إضافياً على المواطنين في ظل مستوى الدخل والظروف المعيشية الحالية، فيما حذر اقتصاديون من انعكاس الزيادة على النقل والإنتاج الصناعي والزراعي والأسعار.
عمرة بانياس: من يتحمل كلفة ظرف مؤقت؟
هذه نقطة محورية.
عمرة مصفاة بانياس ليست أزمة هيكلية دائمة. هي عملية صيانة وإعادة تأهيل تتوقع الجهات المعنية استمرارها لنحو شهرين، وتهدف لاحقاً إلى رفع طاقة المصفاة من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى قرابة 130 ألف برميل يومياً.
أي أن جزءاً من زيادة فاتورة الاستيراد ناجم عن حدث مؤقت ومحدد زمنياً مرتبط بإعادة تأهيل أصل استراتيجي عام.
وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال في السياسة الاقتصادية:
هل يجب أن يتحمل المستهلك والمنتج كامل كلفة هذه الفترة الانتقالية، أم أن من الأفضل توزيع الكلفة مؤقتاً بين الدولة والسوق؟
إذا كانت الحكومة نفسها تصف الزيادة بأنها استثنائية ومؤقتة، فإن البديل الاقتصادي الممكن لم يكن تثبيت الأسعار القديمة إلى ما لا نهاية، وإنما منع انتقال كامل الصدمة دفعة واحدة.
ماذا تفعل الدول عندما تقفز أسعار الطاقة؟
التجربة العالمية لا تقوم على خيارين فقط: دعم كامل أو تحرير كامل.
هناك مساحة كبيرة بين الاثنين تسمى عملياً «تنعيم الأسعار».
صندوق النقد الدولي يشير في تحليله لأزمة الطاقة في 2026 إلى أنه عندما تكون الصدمة استثنائية وكبيرة ولكن يتوقع أن تكون مؤقتة، يمكن للحكومات أن تستخدم تدخلاً مالياً لتخفيف سرعة انتقال الزيادة، على أن يبقى التدخل مؤقتاً وأن يمر جزء من السعر العالمي إلى السوق.
وتظهر بيانات OECD أن عشرات الحكومات اتخذت خلال أزمة الطاقة الحالية إجراءات لتخفيف الضغط عن الأسر والشركات، وأن غالبية الإجراءات ذات الكلفة المالية كانت مؤقتة، بينما استهدف جزء مهم منها قطاعات شديدة التأثر مثل الزراعة والنقل البري.
والأمثلة ليست نظرية.
في سبتمبر/أيلول الحالي، قررت الصين عدم تمرير كامل الزيادة التي تفرضها آلية تسعير الوقود لديها. كان يفترض وفق المعادلة أن يرتفع سعر طن البنزين بمقدار 435 يواناً والديزل بـ420 يواناً، لكن الحكومة حدت الارتفاع إلى 260 و250 يواناً فقط. أي أنها سمحت بارتفاع السعر، لكنها امتصت جزءاً من الصدمة.
ما البديل الذي كان يمكن تطبيقه في سوريا؟
البديل الأكثر واقعية لا يقوم على إعادة دعم المحروقات بشكل شامل، وإنما على برنامج مؤقت لإدارة الصدمة خلال فترة عمرة بانياس وارتفاع الأسعار العالمية.
يمكن أن يتكون من خمسة عناصر:
- تحديد نافذة استثنائية لمدة نحو 60 يوماً تتزامن مع عمرة بانياس، تتحمل خلالها الخزينة جزءاً من فرق تكلفة الاستيراد الاستثنائي، مع مراجعة دورية معلنة.
- تمرير جزء من الارتفاع للمستهلك، ولكن على مراحل، بدلاً من زيادة المازوت 40% دفعة واحدة.
- إعطاء أولوية أكبر لحماية المازوت المخصص للنقل العام والزراعة والشحن والقطاعات الإنتاجية الأساسية، بينما يتحمل البنزين الخاص نسبة أكبر من التغيرات العالمية.
- وضع آلية تسعير شفافة تربط السعر المحلي بمتوسط تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي، مع سقف لحجم التغير في كل مراجعة، بحيث لا تتحول تقلبات الأسواق العالمية إلى قفزات مباشرة داخل السوق السورية.
- إنشاء حساب أو احتياطي استقرار بسيط: عندما تتراجع الأسعار العالمية لاحقاً، يمكن ألا تمرر كامل التخفيض فوراً، بل يستخدم جزء منه لتعويض ما تحملته الدولة خلال أشهر الصدمة، وبذلك يصبح الدعم المؤقت قابلاً للاسترداد جزئياً ولا يتحول إلى التزام دائم.
هذا النموذج لا يلغي السعر العالمي، ولا يعيد نظام الدعم المفتوح، ولا يحمل الدولة كامل فاتورة الطاقة.
إنه ببساطة يوزع الصدمة زمنياً واجتماعياً واقتصادياً.
لماذا حماية المازوت أهم من حماية البنزين؟
إذا كانت الموارد العامة محدودة، فلا ينبغي توزيع الدعم على جميع المشتقات بالتساوي.
ليتر مازوت يستخدم في نقل الخضار أو تشغيل آلية زراعية أو شاحنة لنقل مواد البناء يحمل أثراً مضاعفاً على بقية الاقتصاد.
أما ليتر البنزين المستخدم في مركبة خاصة فيحمل في الغالب أثراً أقل على سلسلة الأسعار.
لهذا فإن سياسة أكثر دقة كان يمكن أن تسمح بتمرير نسبة أكبر من ارتفاع البنزين، مقابل تخفيف أكبر لزيادة المازوت المرتبط بالنقل والإنتاج.
هذا النوع من الاستهداف ينسجم أيضاً مع التجارب الدولية في 2026، حيث وجهت عدة حكومات دعماً إلى النقل البري والزراعة والقطاعات الأكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الوقود بدلاً من تقديم دعم متساوٍ للجميع.
لكن هل تستطيع الدولة السورية تحمل ذلك؟
هذه هي نقطة الضعف الرئيسية في أي اقتراح لدعم الأسعار.
المالية العامة السورية نفسها تعاني ضيقاً شديداً في الموارد. ويشير البنك الدولي إلى أن الإيرادات العامة أصبحت أقل من 5% من الناتج المحلي مقارنة بنحو 20% قبل الحرب، ما يعني أن قدرة الدولة على تمويل دعم واسع ومفتوح محدودة للغاية.
ولهذا فإن مطالبة الدولة بتحمل كامل فارق الأسعار ليست حلاً واقعياً أيضاً.
لكن الفارق كبير بين «تحمل كامل الأسعار إلى أجل غير محدد» وبين «تحمل جزء من صدمة استثنائية لمدة شهرين».
الأول قد يتحول إلى استنزاف مالي.
أما الثاني فهو أداة لإدارة أزمة قصيرة الأجل، خصوصاً إذا ارتبط بسقف مالي واضح وتاريخ انتهاء وآلية لاستعادة جزء من التكلفة لاحقاً.
تكلفة عدم التدخل ليست صفراً
عند حساب كلفة الدعم المؤقت، يجب ألا تنظر الحكومة فقط إلى المبلغ الذي ستدفعه من الخزينة.
هناك أيضاً كلفة اقتصادية لعدم التدخل.
إذا رفعت زيادة المازوت تكاليف النقل والزراعة والصناعة، فقد ترتفع أسعار الغذاء والسلع، وتتراجع القوة الشرائية، وتنخفض مبيعات الشركات، وتضعف القدرة على الاستثمار والتوظيف.
وفي اقتصاد يتعافى من أزمة طويلة، قد تصبح خسارة النشاط الاقتصادي والإيرادات الضريبية وفرص العمل جزءاً من التكلفة غير المباشرة لرفع الأسعار.
لذلك لا تكون المقارنة الصحيحة بين «دعم يكلف الدولة» و«رفع السعر لا يكلف الدولة».
المقارنة الحقيقية هي بين كلفتين مختلفتين.
المشكلة ليست في تصحيح السعر.. بل في سرعة التصحيح
من غير الواقعي مطالبة سوريا بعزل أسعار المحروقات بالكامل عن الأسواق العالمية في ظل اعتمادها الكبير على الاستيراد.
كما أن إبقاء الأسعار أقل بكثير من تكلفة التأمين لفترة طويلة قد يؤدي إلى فجوة مالية وتعطل دورة الاستيراد وعودة نقص المواد.
وهذه حجة قوية في موقف وزارة الطاقة. فالوزارة تقول إن هدف التعديل هو ضمان وجود سيولة لتمويل الشحنات التالية وعدم تحويل فجوة السعر إلى مشكلة في توافر المادة.
لكن قبول هذه الحجة لا يعني بالضرورة قبول تمرير كامل الزيادة دفعة واحدة.
السياسة الاقتصادية الجيدة لا تختار فقط «السعر الصحيح»، بل تختار أيضاً السرعة المناسبة للوصول إليه.
وفي الحالة السورية، ربما كان الاقتصاد يحتاج إلى انتقال أبطأ.
اختبار القرار خلال الشهرين المقبلين
ستكون هناك ثلاثة اختبارات عملية للحكم على سياسة التسعير الحالية.
الأول: هل سيؤدي رفع الأسعار فعلاً إلى استقرار توافر المحروقات ومنع النقص؟
الثاني: هل ستخفض الحكومة الأسعار بصورة فعلية إذا انتهت عمرة بانياس أو تراجعت الأسعار العالمية؟
الثالث: ما مقدار انتقال زيادة المازوت إلى أسعار النقل والغذاء والزراعة والصناعة؟
إذا تحسن التوريد، وعادت مصفاة بانياس، ثم تراجعت الأسعار المحلية سريعاً، يمكن النظر إلى الزيادة باعتبارها تدبيراً استثنائياً مكلفاً لكنه محدود.
أما إذا تحولت الأسعار الجديدة إلى مستوى شبه دائم، بينما انتقلت آثارها إلى جميع السلع والخدمات، فستكون كلفة القرار على الاقتصاد السوري أكبر بكثير من مجرد فرق سعر ليتر الوقود.
الخلاصة
لا يمكن مطالبة الدولة السورية بتجاهل ارتفاع أسعار النفط والمشتقات العالمية، ولا يمكن بناء سياسة طاقة مستدامة على دعم مفتوح لا تتحمله الخزينة.
لكن في المقابل، لا ينبغي التعامل مع الاقتصاد السوري وكأنه قادر على استيعاب صدمة مازوت تبلغ 40% خلال يوم واحد من دون آثار واسعة على الأسعار والإنتاج والدخل.
وبما أن جزءاً من الأزمة مرتبط بعمرة مؤقتة لمصفاة بانياس وبصدمة عالمية استثنائية، كان من الممكن اعتماد خيار ثالث بين الدعم الكامل والتحرير الكامل:
أن تتحمل الدولة جزءاً من الصدمة لفترة محددة، وأن يتحمل السوق جزءاً آخر، وأن توجه الحماية بصورة أكبر إلى المازوت والنقل والإنتاج، مع آلية معلنة لإعادة الأسعار إلى مسارها الطبيعي بعد انتهاء الظروف الاستثنائية.
في اقتصاد هش، ليست حماية القدرة الشرائية والإنتاج نقيضاً للإصلاح الاقتصادي.
في بعض الأحيان، يكون تخفيف سرعة الصدمة جزءاً من الإصلاح نفسه.