سوريا والأردن: هل يتحول التقارب التجاري إلى فرصة عملية للشركات السورية؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
تتحرك العلاقات الاقتصادية السورية الأردنية خلال الفترة الأخيرة على أكثر من خط: تجارة مباشرة، ترانزيت، زراعة، تصنيع غذائي، نقل، موانئ، وتنسيق مؤسسي بين غرف التجارة والجهات الحكومية. وفي ظاهر الأمر، قد يبدو هذا المسار استمراراً طبيعياً للتقارب بين بلدين جارين. لكن من زاوية الأعمال، فإن أهمية الملف لا تكمن في اللقاءات بحد ذاتها، بل في السؤال العملي: هل تستطيع الشركات السورية تحويل هذا التقارب إلى فرص تصدير، وشراكات، وسلاسل توريد أكثر انتظاماً؟
خلال الساعات الماضية، ناقش رئيس اتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي مع رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق فرص تعزيز التعاون الاقتصادي المشترك، وتسهيل التبادل التجاري بين البلدين، مع بحث تطوير التعاون التجاري والصناعي، والإسراع بتشكيل مجلس الأعمال السوري–الأردني المشترك، إضافة إلى استكمال مخرجات مجلس التنسيق الأعلى بين البلدين، ومنها آلية جديدة للمبادلات التجارية واستئناف حركة الترانزيت والاستفادة المتبادلة من الموانئ البحرية.
بالتوازي، بحث وزير الزراعة السوري أمجد بدر مع رئيس غرفة تجارة الأردن والوفد المرافق تعزيز التعاون والاستثمار الزراعي بين البلدين، مع حديث عن مذكرة تفاهم مرتقبة بين وزارتي الزراعة وتشكيل فرق عمل مشتركة، والتركيز على فرص الاستثمار والتسويق والتصنيع الغذائي.
هذه الوقائع تجعل الملف أكبر من لقاء تجاري عابر. نحن أمام مسار يمكن أن يؤثر على حركة البضائع، وكلفة النقل، وفرص التصدير، واستفادة الشركات السورية من موقع البلاد بين الأردن وتركيا والعراق ولبنان والبحر المتوسط.
الأرقام تقول إن الحركة ليست هامشية
الأرقام المتاحة عن التبادل التجاري بين البلدين تشير إلى توسع واضح في عام 2025، حتى لو بقيت القاعدة الإجمالية متواضعة مقارنة بما يمكن أن تصل إليه التجارة بين سوقين متجاورين.
بحسب بيانات رسمية أردنية نقلتها سانا، بلغت مستوردات الأردن من سوريا منذ مطلع 2025 وحتى نهاية تموز نحو 62 مليون دينار أردني، مقابل 31 مليون دينار في الفترة نفسها من العام السابق، أي بارتفاع نسبته 100 بالمئة. في المقابل، وصلت الصادرات الأردنية إلى سوريا إلى 130 مليون دينار، مقارنة بنحو 26 مليون دينار للفترة نفسها من العام السابق.
كما أظهرت بيانات أخرى أن حجم التبادل التجاري بين الأردن وسوريا بلغ خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2025 نحو 92.4 مليون دينار أردني، منها 72.1 مليون دينار صادرات أردنية إلى سوريا، مقابل 20.3 مليون دينار واردات من سوريا. وتشير البيانات نفسها إلى أن المنتجات الأردنية القابلة للتصدير إلى السوق السورية شملت الحديد، الإسمنت، مواد العزل، الدهانات، والكابلات الكهربائية، بينما تضمنت المستوردات من سوريا منتجات نباتية وحيوانية مثل الفستق الحلبي والضأن الحي.
هذه الأرقام تعطي مؤشرين مهمين. الأول أن السوق السورية تستورد من الأردن مواد مرتبطة مباشرة بإعادة البناء والتشييد والتجهيزات. والثاني أن الصادرات السورية إلى الأردن ما تزال بحاجة إلى تطوير نوعي، خصوصاً في الزراعة، الغذاء، الصناعات الخفيفة، والمنتجات ذات القيمة المضافة.
الترانزيت: الفرصة الأكبر من مجرد تبادل ثنائي
إذا اقتصر التحليل على التجارة بين سوريا والأردن فقط، فسنرى جزءاً من الصورة. أما الجزء الأهم فقد يكون في الترانزيت. الأردن ليس مجرد سوق مجاور، بل بوابة نحو الخليج عبر العقبة وجابر، وسوريا ليست فقط سوقاً مستوردة، بل ممر محتمل بين الأردن وتركيا ولبنان والعراق والبحر المتوسط.
في شباط 2026، أعلنت وزارة النقل الأردنية استئناف حركة مرور الشاحنات الأردنية باتجاه تركيا عبر الأراضي السورية، بعد تنسيق بين الأردن وتركيا والحكومة السورية، بما أتاح دخول شاحنات أردنية إلى الأراضي التركية عبر معبر باب الهوى السوري–جيلفاغوز التركي.
وفي نيسان 2026، وصلت أول حاوية ترانزيت من ميناء العقبة إلى مرفأ اللاذقية عبر الأراضي السورية، في خطوة وصفتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بأنها جزء من تطوير منظومة الترانزيت وتبسيط الإجراءات ورفع كفاءة العبور.
هذا التطور مهم لأنه يعيد سوريا تدريجياً إلى وظيفة اقتصادية كانت جزءاً من موقعها الطبيعي: الربط بين الموانئ والأسواق البرية. لكن هذه الوظيفة لن تتحول إلى قيمة اقتصادية كبيرة إذا بقيت سوريا مجرد طريق عبور. القيمة الحقيقية تظهر عندما ترتبط حركة الترانزيت بخدمات تخزين، تغليف، صيانة شاحنات، تخليص جمركي، تأمين، تمويل تجاري، إعادة تصدير، ومناطق لوجستية قابلة للاستثمار.
الزراعة والتصنيع الغذائي: مجال عملي قابل للنمو
اللقاء الزراعي السوري الأردني يحمل أهمية خاصة، لأن الزراعة ليست ملفاً جانبياً في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. سوريا تمتلك تنوعاً بيئياً وزراعياً، والأردن يمتلك حاجة مستمرة إلى جزء من المنتجات الغذائية والزراعية، إضافة إلى خبرة تجارية ولوجستية مهمة في الوصول إلى أسواق الخليج.
خلال اللقاء الأخير، أشار وزير الزراعة السوري إلى توافر الخبرات والأراضي الخصبة والتنوع البيئي في سوريا، وإلى العمل على مذكرة تفاهم مع الجانب الأردني وتشكيل فرق عمل مشتركة. من جهته، أشار رئيس غرفة تجارة الأردن إلى أن الأردن يستورد قسماً كبيراً من احتياجاته الغذائية، وأن سوريا تمتلك ميزة القرب الجغرافي وتنوع الإنتاج.
لكن الفرصة هنا لا يجب أن تُفهم بوصفها تصدير منتجات خام فقط. القيمة الأكبر للشركات السورية قد تكون في التصنيع الغذائي، الفرز، التعبئة، التوضيب، التبريد، شهادات الجودة، والتعاقدات الزراعية المنظمة. فالأسواق القريبة لا تبحث فقط عن منتج أرخص، بل عن توريد مستقر، مواصفات واضحة، تعبئة مناسبة، ومواعيد تسليم يمكن الاعتماد عليها.
لذلك، إذا أرادت الشركات السورية الاستفادة من التقارب الزراعي مع الأردن، فعليها الانتقال من منطق “بيع موسم” إلى منطق “بناء سلسلة توريد”.
أين توجد الفرص العملية للشركات السورية؟
يمكن قراءة الفرص المتاحة في خمسة مسارات رئيسية.
أولاً: التصدير الزراعي والغذائي
المنتجات السورية الزراعية والغذائية تستطيع الاستفادة من القرب الجغرافي وانخفاض زمن النقل، لكن ذلك مشروط بالالتزام بالمواصفات، انتظام الكميات، وتحسين التعبئة. المنتجات التي قد تكون واعدة تشمل الفستق الحلبي، بعض الخضار والفواكه، زيت الزيتون، الأعشاب، البهارات، المنتجات الحيوانية، وبعض الصناعات الغذائية الخفيفة.
لكن الدخول المستقر إلى السوق الأردنية أو عبرها إلى أسواق أخرى يحتاج إلى ضوابط صحية ونباتية وبيطرية واضحة. وكانت مباحثات سابقة بين الجانبين قد تناولت توحيد المعايير والاختبارات والضوابط المرتبطة بالشهادات الصحية والنباتية والبيطرية، بما يخدم تسهيل التبادل الزراعي.
ثانياً: النقل والتخليص والخدمات اللوجستية
كل توسع في حركة البضائع يحتاج إلى خدمات مرافقة. وهذا يخلق فرصاً لشركات النقل، التخليص الجمركي، التخزين، التبريد، إدارة المستودعات، تتبع الشحنات، وخدمات الشحن البري.
لكن هذه الفرص لن تكون مفتوحة فقط لمن يمتلك شاحنة. السوق سيحتاج إلى شركات أكثر تنظيماً، قادرة على تقديم خدمة موثقة، مواعيد واضحة، فواتير نظامية، تأمين، وتنسيق مع الموردين والمستوردين.
ثالثاً: مواد البناء والتجهيزات
الأرقام تظهر أن صادرات الأردن إلى سوريا تشمل مواد بناء مثل الحديد، الإسمنت، الدهانات، العزل، والكابلات الكهربائية. هذا يعني أن الطلب السوري على مواد إعادة البناء والتجهيز لا يزال حاضراً. لكنه يفتح أيضاً سؤالاً للشركات السورية: هل ستبقى السوق السورية مستوردة فقط، أم تستطيع بعض المصانع المحلية الدخول في سلاسل توريد مشتركة أو إنتاج بدائل أو شراكات توزيع؟
فرصة الشركات السورية هنا ليست فقط في الاستيراد، بل في الوكالات، التوزيع، التصنيع الجزئي، التركيبات، المقاولات، وخدمات ما بعد البيع.
رابعاً: الشراكات الصناعية والتجارية
تشكيل مجلس أعمال سوري–أردني مشترك، إذا تم تفعيله بصورة عملية، يمكن أن يخلق منصة لتنظيم الشراكات بين الشركات، لا مجرد اجتماعات بروتوكولية. القيمة الحقيقية ستكون في ربط الشركات السورية والأردنية حول ملفات محددة: الغذاء، مواد البناء، الخدمات اللوجستية، الأدوية، التعبئة والتغليف، الزراعة، التجارة الإلكترونية، والتصدير المشترك.
خامساً: استخدام الموانئ بصورة متبادلة
الحديث عن الاستفادة المتبادلة من الموانئ البحرية مهم جداً. ميناء العقبة يمكن أن يكون منفذاً لبعض السلع المتجهة إلى سوريا أو العابرة منها، ومرفأ اللاذقية يمكن أن يكون جزءاً من مسار إقليمي بديل لبعض الشحنات. وصول أول حاوية ترانزيت من العقبة إلى اللاذقية يعطي إشارة عملية إلى أن هذا المسار بدأ يُختبر، لكن تحويله إلى خط منتظم يحتاج إلى كلفة منافسة، زمن عبور واضح، إجراءات جمركية مبسطة، وحماية للبضائع أثناء النقل.
ما الذي يجب أن تنتبه إليه الشركات السورية؟
رغم أهمية المسار، لا يجب التعامل معه بتفاؤل مفرط. توجد تحديات حقيقية قد تحدّ من أثره إذا لم تُعالج.
أولاً، المنافسة مع السلع الأردنية والتركية والخليجية ليست سهلة، خصوصاً في الجودة والتغليف والالتزام بالمواعيد.
ثانياً، رسوم الحماية أو القيود التجارية قد تتحول إلى عقبة. فقد حذرت غرفة صناعة دمشق وريفها في وقت سابق من أن رسوم الحماية الأردنية على المنتجات السورية قد تؤثر سلباً في حركة التبادل التجاري بين البلدين.
ثالثاً، ضعف انتظام الإنتاج السوري، وارتفاع كلف الطاقة والنقل، وصعوبات التمويل، قد تجعل بعض الشركات غير قادرة على تلبية عقود توريد مستمرة.
رابعاً، الترانزيت يحتاج إلى ثقة تشغيلية. أي تأخير على المعابر، أو غموض في الرسوم، أو تعدد في الإجراءات، قد يقلل قدرة سوريا على المنافسة كممر عبور.
خامساً، الشراكات لا تُبنى بالنوايا. تحتاج إلى عقود واضحة، آليات دفع، ضمانات، مواصفات، والتزام زمني.
ماذا يجب أن تفعل الحكومة والقطاع الخاص؟
على الجانب الحكومي، الأولوية ليست في زيادة التصريحات، بل في تحويل التفاهمات إلى إجراءات قابلة للقياس. وهذا يشمل:
تبسيط إجراءات المعابر.
توحيد المتطلبات الصحية والزراعية قدر الإمكان.
إعلان رسوم العبور والخدمات بوضوح.
تسريع تشكيل مجلس الأعمال السوري–الأردني.
تسهيل حركة رجال الأعمال والشاحنات.
إيجاد آليات لحل النزاعات التجارية بسرعة.
ربط الترانزيت بخدمات لوجستية ومناطق تخزين وتبريد.
أما على جانب الشركات السورية، فالمطلوب هو رفع الجاهزية. التقارب مع الأردن لن يفيد الشركات غير القادرة على التسعير، التوريد، الالتزام، التوثيق، والمنافسة. لذلك على الشركات الراغبة بدخول هذا المسار أن تبدأ من أسئلة عملية:
ما المنتج القابل للتصدير فعلاً؟
هل نملك مواصفات وتعبئة مناسبة؟
هل نعرف متطلبات السوق الأردنية؟
هل لدينا شريك توزيع موثوق؟
هل نستطيع الالتزام بالكميات والمواعيد؟
هل توجد تكلفة نقل تجعل المنتج منافساً؟
هل الأفضل التصدير المباشر أم الشراكة مع جهة أردنية؟
قراءة بوابة الأعمال السورية
التقارب الاقتصادي السوري الأردني يحمل فرصة واقعية، لكنه ليس فرصة تلقائية. الجغرافيا تساعد، والأسواق متجاورة، والحاجة المتبادلة موجودة، وحركة الترانزيت بدأت تعود تدريجياً. لكن تحويل هذه العناصر إلى مكاسب يحتاج إلى إدارة تنفيذية دقيقة من الحكومتين، وجاهزية تجارية أعلى من الشركات.
الأهم أن سوريا يجب ألا تنظر إلى نفسها كممر عبور فقط. الترانزيت مهم، لكنه محدود القيمة إذا لم يرتبط بخدمات مضافة. الفرصة الأكبر هي أن تتحول سوريا إلى نقطة إنتاج، توضيب، تخزين، توزيع، وإعادة تصدير، مستفيدة من موقعها ومن حاجة الأسواق المحيطة إلى بدائل أقرب وأسرع.
أما الأردن، فيملك مصلحة واضحة في سوق سورية تتعافى، وفي ممر بري نحو تركيا وأوروبا، وفي شراكات زراعية وغذائية ولوجستية تقلل الكلفة وتفتح مسارات جديدة أمام قطاعه التجاري.
الخلاصة
ما يجري بين سوريا والأردن ليس مجرد حراك دبلوماسي اقتصادي، بل مسار يمكن أن يعيد تشكيل جزء من حركة التجارة البرية في المنطقة إذا أُدير بصورة عملية. الأرقام تشير إلى نمو واضح في التبادل التجاري خلال 2025، والمستجدات الأخيرة تشير إلى محاولة توسيع التعاون في التجارة والزراعة والترانزيت والموانئ.
لكن النجاح لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد الشاحنات التي تعبر بانتظام، والعقود التي تُنفذ، والمنتجات السورية التي تجد مكاناً ثابتاً في السوق الأردنية أو تعبر منها إلى أسواق أخرى.
بالنسبة للشركات السورية، الرسالة واضحة: الفرصة موجودة، لكنها تحتاج إلى منتج قابل للتصدير، وسلسلة توريد منظمة، وشريك موثوق، وقدرة على الالتزام. فمن لا يستعد عملياً، قد يجد أن موجة الانفتاح التجاري تمر من حوله من دون أن يستفيد منها.