التعليمات التنفيذية لمرسوم القروض المتعثرة في سوريا: تسوية ديون أم مدخل لإصلاح المصارف العامة؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
أصدر وزير المالية السوري محمد يسر برنية التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 70 لعام 2026، الخاص بالقروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف المملوكة للدولة، في خطوة تحمل بعداً اجتماعياً واضحاً تجاه المتعثرين، وبعداً مصرفياً أوسع يرتبط بتنظيف ميزانيات المصارف العامة وإعادة تحريك جزء من الائتمان المتوقف.
القرار لا يقتصر على إعفاءات أو تسويات فردية للمدينين. فهو يطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن أن تتحول معالجة القروض المتعثرة إلى مدخل لإصلاح المصارف العامة، واستعادة جزء من قدرتها على التمويل، أم أنها ستبقى معالجة مؤقتة لملف مالي متراكم؟
ما الذي صدر؟
بحسب وزارة المالية، تهدف التعليمات التنفيذية إلى توضيح إجراءات الاستفادة من الحوافز والإعفاءات التي نص عليها المرسوم رقم 70 لعام 2026، والمتعلق بتسوية الديون والتسهيلات الائتمانية المتعثرة لدى المصارف العامة. وتؤكد الوزارة أن الغرض الرئيسي من المرسوم هو التيسير على عشرات الآلاف من المتعثرين الذين عجزوا عن السداد بسبب تراكم الغرامات والجزاءات، ولا سيما من محدودي الدخل.
لكن الوزارة ربطت الخطوة أيضاً بهدف اقتصادي ومصرفي أوسع، يتمثل في تنشيط عجلة الاقتصاد، إتاحة الفرصة للمتعثرين للعودة إلى النشاط الإنتاجي، تحرير الرهونات، وتنظيف موازنات المصارف العامة تمهيداً لمزيد من خطوات الإصلاح الهيكلي.
ما أبرز ما يتضمنه المرسوم؟
ينطبق المرسوم على القروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف العامة قبل تاريخ نفاذه، مع استثناء التسهيلات الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي، على أن تنظر لجنة خاصة فيها بقرار من وزير المالية.
يفرق المرسوم بين الديون التي لا تزيد كتلة الدين فيها عن 100 مليون ليرة سورية، والديون التي تتجاوز هذا الحد. ففي الديون التي لا تتجاوز 100 مليون ليرة، يمنح المرسوم إعفاءً كاملاً من الفوائد التأخيرية والغرامات والفوائد العقدية في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذه، وإعفاءً من الفوائد التأخيرية والغرامات دون الفوائد العقدية في حال التسديد خلال ستة أشهر.
أما الديون التي تتجاوز كتلة الدين فيها 100 مليون ليرة سورية، فيمنح المرسوم إعفاءً بنسبة 50 في المئة من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات في حال التسديد خلال ثلاثة أشهر، وإعفاءً بنسبة 30 في المئة في حال التسديد خلال ستة أشهر. كما يسمح بتسديد رصيد الدين بالليرة السورية أو بالدولار الأمريكي وفق سعر الصرف المحدد في نشرة مصرف سورية المركزي بتاريخ التسديد، بحسب حالة الدين والعملة.
ماذا عن إعادة الجدولة؟
لا تقتصر المعالجة على التسديد الكامل. فالمرسوم يتيح إعادة جدولة الديون التي تتجاوز كتلتها 100 مليون ليرة سورية أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية، بشرط أن يكون التعثر سابقاً لنفاذ المرسوم، وأن يقدم الطلب خلال ستة أشهر، وأن يسدد طالب الجدولة دفعة حسن نية بنسبة 15 في المئة من رصيد كتلة الدين.
وتحدد مدة إعادة الجدولة بثلاث سنوات كحد أقصى من تاريخ توقيع الاتفاق، على أن يبت المصرف في طلب المدين خلال شهر من تاريخ تسجيل الطلب، وأن يحضر المدين لتوقيع الاتفاق خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تبليغه. كما تنص الأحكام على إلغاء الجدولة إذا تأخر المدين عن تسديد ثلاثة أقساط متتالية أو خمسة أقساط خلال فترة الجدولة.
لماذا يهم هذا القرار أصحاب الأعمال؟
أهمية التعليمات التنفيذية لا تأتي فقط من أثرها على الأفراد المتعثرين، بل من أثرها المحتمل على الشركات الصغيرة والمتوسطة، أصحاب الورش، التجار، والمقترضين الذين توقفت قدرتهم على الحركة بسبب تراكم الفوائد والغرامات أو تجميد الرهونات.
من زاوية الأعمال، يمكن أن تؤدي التسويات إلى ثلاث نتائج عملية:
أولاً، تخفيف عبء الديون المتراكمة على بعض المقترضين، بما يسمح بإعادة ترتيب أوضاعهم المالية.
ثانياً، تحرير رهونات أو ضمانات كانت تعيق التصرف بالأصول أو استخدامها في نشاط اقتصادي جديد.
ثالثاً، إعادة بعض المتعثرين إلى الدورة الإنتاجية أو التجارية، إذا كانت لديهم قدرة فعلية على السداد أو إعادة الجدولة.
لكن هذه النتائج ليست تلقائية. فهي تتوقف على قدرة المدينين على تأمين السيولة خلال المهل المحددة، وعلى مرونة المصارف في التطبيق، وعلى وضوح الإجراءات وسرعة البت في الطلبات.
هل تساعد الخطوة المصارف العامة؟
الجانب الآخر من القرار يرتبط بالمصارف العامة نفسها. فالقروض المتعثرة تمثل أحد أهم مصادر الضغط على ميزانيات البنوك، لأنها تقيد جزءاً من أصولها وتضعف قدرتها على الإقراض الجديد. عندما تنجح التسويات في تحصيل جزء من الديون أو إعادة جدولتها، فإن ذلك قد يساعد المصارف على تحسين مراكزها المالية، ولو تدريجياً.
وزارة المالية أشارت صراحةً إلى أن المرسوم يأتي ضمن مسار تنظيف موازنات المصارف العامة تمهيداً لإصلاح هيكلي أوسع. وهذا يجعل التعليمات التنفيذية جزءاً من ملف أكبر يتجاوز المدينين الحاليين إلى مستقبل القطاع المصرفي العام وقدرته على تمويل النشاط الاقتصادي.
مع ذلك، فإن إصلاح المصارف العامة لا يتحقق بتسوية الديون وحدها. فالمعالجة الأوسع تحتاج إلى تحسين إدارة المخاطر، تطوير معايير منح الائتمان، تحديث نظم المتابعة والتحصيل، رفع كفاءة الحوكمة، وربط الإقراض بقدرة فعلية على السداد لا بضمانات شكلية فقط.
أين تكمن المخاطر؟
رغم أهمية الخطوة، توجد عدة نقاط يجب متابعتها.
الأولى هي قدرة المتعثرين على الاستفادة فعلاً من الإعفاءات خلال المهل المحددة. فالإعفاءات الأكبر مرتبطة بالتسديد خلال ثلاثة أشهر، وهذا قد يكون صعباً على فئات واسعة من المدينين، خصوصاً إذا كان التعثر مرتبطاً بانخفاض الدخل أو توقف النشاط لا بتراكم الغرامات فقط.
الثانية هي خطر التعامل مع التسوية كحل نهائي لمشكلة القروض المتعثرة، بينما قد تكون في الواقع مرحلة أولى فقط. فإذا لم تتغير قواعد الإقراض والرقابة والتحصيل، فقد تتكرر المشكلة مستقبلاً بصيغ جديدة.
الثالثة هي أثر التسويات على السيولة. فإذا كانت المصارف قادرة على استعادة مبالغ ملموسة، فقد يتحسن وضعها. أما إذا بقيت الاستجابة محدودة، فقد يكون الأثر المالي أقل من المتوقع.
الرابعة هي ضرورة وضوح الإجراءات للمقترضين. التعليمات التنفيذية يجب أن تتحول إلى مسار عملي سهل الفهم في فروع المصارف، لا إلى تعقيدات إضافية تعرقل الاستفادة.
ما الذي يجب على المدينين والشركات متابعته؟
على المدينين المتعثرين لدى المصارف العامة مراجعة مصرفهم المعني لمعرفة رصيد الدين، كتلة الدين، نوع العملة، قيمة الفوائد والغرامات، وإمكانية الاستفادة من التسديد الكامل أو إعادة الجدولة.
أما الشركات وأصحاب النشاط الاقتصادي، فعليهم تقييم القرار من زاويتين: هل يمكن أن يخفف القرار عبء دين قائم؟ وهل يتيح تحرير ضمانات أو أصول يمكن إعادة استخدامها في النشاط؟ وفي حال كانت الديون كبيرة، يجب احتساب أثر دفعة حسن النية، مدة الجدولة، والفوائد الجديدة قبل توقيع أي اتفاق.
الخلاصة
التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 70 لعام 2026 تمثل خطوة مهمة في معالجة ملف القروض المصرفية المتعثرة في سوريا. فهي تمنح حوافز واضحة للتسديد والتسوية، وتفتح باب إعادة الجدولة وفق شروط محددة، وتضع الملف ضمن سياق أوسع يرتبط بتنظيف ميزانيات المصارف العامة وإصلاح القطاع المصرفي.
لكن نجاح الخطوة لن يقاس بعدد النصوص الصادرة، بل بحجم التسويات المنجزة، وسرعة التطبيق، ووضوح الإجراءات، وقدرة المصارف على تحويل استرداد الديون إلى تمويل أكثر كفاءة للاقتصاد. لذلك يمكن اعتبار القرار بداية مسار، لا نهاية المشكلة.
روابط مقترحة: