ما تحقق في سوريا اقتصادياً منذ بداية 2025: تمويل دولي، طاقة، انفتاح اقتصادي، وآفاق 2026

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
منذ بداية عام 2025، دخل الاقتصاد السوري مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، ليس لأن أزماته انتهت، بل لأن مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية بدأت تفتح نافذة جديدة للحركة والتعافي. هذه المرحلة لا يمكن وصفها بأنها انتعاش كامل، لكنها أيضاً لم تعد مجرد استمرار مباشر للجمود السابق. ما ظهر خلال الأشهر الماضية هو مزيج من تخفيف القيود، واستعادة بعض قنوات التمويل، وتحسن جزئي في الطاقة، ومحاولات لإعادة وصل الاقتصاد السوري بمحيطه ومؤسساته المالية الدولية.
في هذا السياق، تبرز أربعة محاور رئيسية تساعد على فهم ما تحقق فعلياً منذ بداية 2025: التمويل والدعم الدولي، قطاع الطاقة والشراكات، الانفتاح الاقتصادي وفك العزلة، ثم قراءة آفاق 2026 بين التعافي الحذر والهشاشة المستمرة. والغاية هنا ليست المبالغة في تصوير التحسن، ولا التقليل من أهمية ما حدث، بل تقديم قراءة عملية تساعد المستثمر، وصاحب الشركة، وصانع القرار على فهم المشهد كما هو: فرصة ناشئة، ولكن داخل بيئة ما تزال مليئة بالمخاطر والقيود.
أولاً: التمويل والدعم الدولي… عودة جزئية إلى المجال المالي الدولي
أحد أهم ما تغير منذ بداية 2025 هو أن سوريا لم تعد تقف بالكامل خارج مشهد الدعم والتمويل الدولي. ففي 17 مارس 2025، شهد مؤتمر بروكسل التاسع الخاص بسوريا والمنطقة تعهدات إجمالية بقيمة 5.8 مليارات يورو، في إشارة مهمة إلى بقاء الملف السوري ضمن أولويات التمويل الدولي، ولو ضمن مقاربة انتقالية وحذرة. كما أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية عن تعهد أوروبي بقيمة 2.5 مليار يورو لعامي 2025 و2026، وهو رقم يكتسب أهميته ليس فقط من حجمه، بل من رسالته السياسية والاقتصادية معاً: هناك استعداد أوروبي للانخراط في دعم مرحلة انتقالية اقتصادية أوسع.
والأهم من ذلك أن سوريا استعادت في مايو 2025 أهليتها للتعامل مع البنك الدولي بعد تسوية متأخرات بقيمة تقارب 15.5 مليون دولار لصالح المؤسسة الدولية للتنمية، بدعم من السعودية وقطر. هذه الخطوة كانت مفصلية، لأنها أعادت فتح باب العمليات والتمويلات الرسمية مع مجموعة البنك الدولي بعد سنوات من التعثر. وبعد ذلك بأسابيع، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لمشروع طوارئ الكهرباء في سوريا، ما يعكس انتقال الدعم من مجرد إعلان سياسي أو مالي إلى مشروع تنفيذي يرتبط مباشرة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
اقتصادياً، تعني هذه التطورات ثلاثة أمور رئيسية. أولاً، أن سوريا استعادت جزءاً من أهليتها المؤسسية أمام التمويل الدولي. ثانياً، أن ملف التعافي لم يعد محصوراً بالمعونات الإنسانية فقط، بل بدأ يلامس تمويل البنية الاقتصادية والخدمية. ثالثاً، أن أي مستثمر أو جهة أعمال تراقب السوق السوري باتت ترى إشارات أولية على أن البيئة الاقتصادية لم تعد مغلقة بالكامل كما كانت في السنوات السابقة. لكن في المقابل، فإن هذه العودة لا تعني تدفقاً مالياً واسعاً وفورياً، لأن حجم الاحتياجات أكبر بكثير من التمويلات الحالية، كما أن التنفيذ يظل رهناً بقدرة المؤسسات المحلية، والبيئة الأمنية، واستقرار المسار السياسي.

ثانياً: الطاقة والشراكات… تحسن محدود لكنه شديد الأهمية
إذا كان هناك قطاع واحد يمكن اعتباره مفتاحاً مباشراً لأي تحسن اقتصادي في سوريا، فهو قطاع الكهرباء والطاقة. فالكهرباء ليست مجرد خدمة عامة، بل شرط أساسي لتشغيل المصانع، وتخفيف تكاليف الأعمال، وتحسين قدرة السوق على استعادة جزء من نشاطه. ولهذا اكتسبت المبادرة القطرية الخاصة بتوريد الغاز إلى سوريا عبر الأردن أهمية كبيرة في مارس 2025، إذ أعلنت الأمم المتحدة أن المبادرة ستستمر 50 يوماً وتتيح تزويد محطة دير علي بما يكفي لإنتاج 400 ميغاواط يومياً. كما جرى تمويل هذه المبادرة بقيمة 63.75 مليون دولار.
في السياق نفسه، كان البنك الدولي واضحاً في توصيفه لحالة قطاع الكهرباء في سوريا، إذ أشار إلى أن التغذية الكهربائية الضعيفة شكّلت قيداً مباشراً على النشاط الاقتصادي، وأن ساعات الإمداد المحدودة كانت من أبرز عوامل تعطيل الإنتاج والخدمات. لذلك فإن أي تحسن، حتى لو كان محدوداً، في قدرة التوليد أو انتظام الإمداد، ينعكس مباشرة على قطاع الأعمال، ولا سيما الصناعات الخفيفة، والورش، وسلاسل التبريد، والخدمات التجارية.
لكن من المهم أيضاً عدم المبالغة. فإضافة 400 ميغاواط لا تعني حل أزمة الطاقة في سوريا، بل تعني تخفيفاً جزئياً لفجوة واسعة ما تزال قائمة. كما أن البنك الدولي أشار في أبريل 2026 إلى أن سوريا ما تزال عرضة لمخاطر كبيرة في ملف الطاقة، خاصة مع اضطرابات إمدادات الغاز من الأردن ومصر وارتفاع الأسعار الإقليمية. وهذا يعني أن التحسن في الكهرباء ما يزال هشاً، وأنه يحتاج إلى استثمارات أوسع، وإعادة تأهيل حقيقية للشبكات والمحطات، لا إلى مبادرات إسعافية فقط. مع ذلك، تبقى الشراكات التي ظهرت خلال 2025 مهمة لأنها تقدم دليلاً عملياً على أن قطاع الطاقة عاد إلى الواجهة بوصفه أولوية اقتصادية لا يمكن تجاوزها.

ثالثاً: الانفتاح الاقتصادي… تخفيف العزلة لا يعني نهايتها
التحول الثالث الذي لا يمكن تجاهله هو المسار الأوروبي، ثم الأمريكي لاحقاً، في تخفيف القيود الاقتصادية على سوريا. ففي 24 فبراير 2025، أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي تعليق عدد من التدابير التقييدية على قطاعات اقتصادية رئيسية تشمل الطاقة والنقل وبعض المعاملات المالية، وذلك بهدف تسهيل الانخراط مع سوريا وشعبها وقطاع الأعمال فيها. ثم في 20 مايو 2025 صدر بيان أوروبي سياسي يعلن التوجه نحو رفع العقوبات الاقتصادية، قبل أن يعتمد الاتحاد الأوروبي في 28 مايو 2025 الأفعال القانونية اللازمة لرفع معظم العقوبات الاقتصادية على سوريا وإزالة 24 كياناً من قائمة التجميد، مع الإبقاء على بعض التدابير المرتبطة بالاعتبارات الأمنية.
هذا التطور بالغ الأهمية، لأنه لا يتعلق فقط بالعقوبات بوصفها عنواناً سياسياً، بل بما تعنيه عملياً لبيئة الأعمال: سهولة أكبر في المعاملات، مرونة أوسع في التجارة، احتمال تحسن خدمات النقل والتأمين والتمويل، وتخفيف جزء من كلفة الانفصال عن السوق الدولية. وفي بيئة مثل سوريا، كانت فيها العقوبات والتجميد المصرفي يرفعان كلفة كل عملية استيراد أو تحويل أو تمويل، فإن أي تخفيف في هذه القيود يخلق فرقاً مباشراً في قدرة الشركات على الحركة، حتى لو لم يكن الفرق شاملاً بعد.
أما على الجانب الأمريكي، فالمسار ما يزال أكثر تعقيداً، لكن 2025 و2026 شهدا إشارات مهمة أيضاً. فالتقارير والمؤشرات الدولية باتت تربط بين تخفيف القيود وبين إمكانية تحسن النمو، كما أن المؤسسات الدولية نفسها أصبحت أكثر انخراطاً في توصيف الاقتصاد السوري بوصفه اقتصاداً قابلاً للتعافي، لا مجرد حالة انهيار مزمن. كما أن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى دمشق في فبراير 2026، وحديثها عن دعم واسع لوزارة المالية والمصرف المركزي وتحسين الإحصاءات واستئناف المساعدة الفنية، يشير إلى أن سوريا بدأت تستعيد حضورها داخل الحوار المالي الدولي ولو ببطء.
لكن هنا أيضاً يجب الانتباه: تخفيف العزلة لا يعني أن الاقتصاد السوري أصبح اقتصاداً مفتوحاً بالكامل، ولا أن العوائق المصرفية والتجارية انتهت. فما يزال الوصول إلى التمويل، والتحويلات، والاستثمار الأجنبي، والخدمات البنكية الدولية، أضعف بكثير من المطلوب لمرحلة تعافٍ واسعة. لذلك فإن القراءة الأدق هي أن 2025 شهد بداية فك عزلة اقتصادية جزئية، لا اكتمال عودة طبيعية إلى النظام المالي والتجاري الدولي.

رابعاً: ماذا تقول الأرقام عن النمو والتعافي؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل ما حدث انعكس فعلاً على النمو الاقتصادي؟ الجواب أن الصورة تغيرت، لكنها ما تزال مزدوجة. ففي يوليو 2025، قدّر البنك الدولي نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سوريا بنحو 1.0% خلال 2025، بعد انكماش بلغ 1.5% في 2024. وهذا بحد ذاته يعني انتقالاً من الانكماش إلى نمو متواضع، لكنه ما يزال بعيداً عن تعافٍ قوي أو واسع.
لكن في أبريل 2026، قدم البنك الدولي في تقريره الخاص بسوريا ضمن Macro Poverty Outlook صورة أحدث نسبياً، إذ أشار إلى أن النشاط الاقتصادي التقط إشارات تعافٍ أوضح خلال 2025، وأن تقديرات نمو الناتج الحقيقي باتت تتراوح بين 2.0% و4.0%، مع استمرار تحسن النشاط في مطلع 2026. كما أشار التقرير إلى مؤشرات داعمة مثل ارتفاع شدة الإضاءة الليلية، وتحسن حركة الطيران، وارتفاع حركة الموانئ، وعودة تدريجية للنشاط التجاري. هذه المؤشرات لا تعني أن الاقتصاد السوري تعافى بالكامل، لكنها تعني أن هناك حركة فعلية بدأت تظهر على الأرض.
مع ذلك، فإن التوصيف الأكثر دقة لعام 2026 ليس “تعافياً قوياً”، بل “تعافياً حذراً”. فالبنك الدولي نفسه يقول إن سوريا تُظهر علامات ثابتة على التعافي، لكنه يربط ذلك بجملة من المخاطر الكبيرة: العنف المحلي، ارتفاع تكاليف المعيشة، محدودية المساعدات الإنسانية، القيود المصرفية، ومخاطر الطاقة. كما يشير إلى أن الفقر ما يزال مرتفعاً جداً، وأن هشاشة المجتمع والاقتصاد ما تزال كبيرة. ولهذا فإن 2026 يجب أن تُقرأ بوصفها سنة آفاق وتوقعات، لا سنة حكم نهائي على نجاح التعافي.

ماذا تعني هذه التطورات للأعمال والاستثمار في سوريا؟
من زاوية عملية، لا تكمن أهمية ما جرى فقط في الأرقام المنفردة، بل في الاتجاه العام الذي ترسمه. فحين تجتمع تعهدات دولية كبيرة، واستعادة الأهلية أمام البنك الدولي، ومشروعات كهرباء طارئة، وتخفيف قيود أوروبية، وزيارات صندوق النقد، مع مؤشرات أولية على عودة الحركة التجارية، فإن ذلك يعني أن سوريا لم تعد تتحرك فقط في إطار إدارة الأزمة، بل بدأت تدخل ببطء في إطار إدارة التعافي. وهذا فرق مهم جداً بالنسبة لقطاع الأعمال.
لكن هذا لا يعني أن السوق السوري أصبح سهلاً أو جاهزاً بالكامل. ما يزال الاقتصاد السوري يواجه اختناقات كبيرة في السيولة، والطاقة، والتمويل، والحوكمة، والاستقرار. ولذلك فإن القراءة المهنية السليمة لا ينبغي أن تكون: “سوريا تعافت”، ولا أيضاً: “لا شيء تغيّر”. بل الأقرب إلى الواقع هو أن السوق السورية دخلت مرحلة جديدة تجمع بين فرص ناشئة ومخاطر مرتفعة. ومن هنا تزداد أهمية التحليل القطاعي، ودراسات السوق، وفهم البيئة القانونية والتنظيمية، وتقييم الجاهزية قبل الدخول أو التوسع أو الاستثمار. هذا بالضبط هو النوع من القراءة التي يحتاجها المستثمر ورجل الأعمال اليوم، بعيداً عن الأحكام الانفعالية السريعة.
الخلاصة
ما تحقق في سوريا اقتصادياً منذ بداية 2025 يمكن تلخيصه بأنه انتقال من مرحلة الانغلاق والانكماش الكامل تقريباً إلى مرحلة تعافٍ أولي حذر. الدعم الدولي عاد جزئياً، وقنوات التمويل بدأت تُفتح من جديد، والطاقة شهدت تحسناً محدوداً لكنه مؤثر، والعزلة الاقتصادية خفّت بدرجة ملموسة، والمؤسسات الدولية باتت تتحدث عن نمو متواضع بدلاً من استمرار الانكماش. لكن في الوقت نفسه، ما تزال بنية الاقتصاد السوري هشّة، وما يزال هذا التعافي عرضة للانتكاس إذا لم تُدعمه إصلاحات أعمق، واستقرار أكبر، واستثمارات أوسع، وتحسن حقيقي في بيئة الأعمال.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الاقتصاد السوري قد تعافى بالكامل، بل ما إذا كانت هذه المؤشرات ستتحول إلى مسار مستدام يمكن البناء عليه. وحتى الآن، يبدو أن الإجابة الأقرب هي: نعم، هناك بداية مختلفة عمّا سبق، لكنها ما تزال بداية تحتاج إلى كثير من الحذر، وكثير من العمل، وكثير من القراءة الدقيقة قبل اتخاذ القرار.