سعر الصرف في سوريا بعد التحرير: من صدمة الانتقال إلى اختبار الاستقرار النقدي
دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
لم يعد سعر صرف الليرة السورية بعد التحرير مجرد رقم يومي يتابعه المواطنون والتجار، بل أصبح مؤشراً مركباً على ثقة السوق، قدرة السياسة النقدية، حجم التدفقات الخارجية، ومستوى التعافي الاقتصادي الفعلي. فمنذ كانون الأول 2024 وحتى اليوم، انتقل سعر الصرف من مرحلة الاضطراب الحاد بعد التحول السياسي، إلى مرحلة أكثر انتظاماً في النشرة الرسمية، مع بقاء فجوة واضحة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
وفق النشرة الرسمية لمصرف سورية المركزي الصادرة في 2 حزيران 2026، بلغ السعر الوسطي للدولار الأميركي 11,300 ليرة سورية بالعملة القديمة، و113 ليرة سورية بالعملة الجديدة، مع سعر شراء 11,250 وسعر مبيع 11,350 ليرة قديمة. أما في السوق، فقد أوردت بيانات متداولة في اليوم نفسه أن سعر الدولار في دمشق وحلب وإدلب بلغ نحو 13,970 للشراء و14,040 للبيع، ما يعني أن السوق ما زالت تسعّر الدولار أعلى من السعر الرسمي بنحو 24% عند المقارنة بالسعر الوسطي الرسمي.
ماذا تغيّر منذ التحرير؟
في أول نشرة رسمية بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024، حدد مصرف سورية المركزي سعر الدولار عند 12,500 ليرة في المؤسسات المالية والبنوك، بعدما كانت السوق قد شهدت تقلبات حادة ووصلت التداولات في الأيام الأخيرة قبل السقوط إلى مستويات قريبة من 15 ألف ليرة للدولار وفق تقديرات مكاتب صرافة نقلتها رويترز والجزيرة.
بالمقارنة بين السعر الرسمي الأول بعد التحرير، 12,500 ليرة، والسعر الوسطي الرسمي في 2 حزيران 2026، 11,300 ليرة، تكون الليرة قد حققت تحسناً اسمياً يقارب 9.6% أمام الدولار في النشرة الرسمية. لكن هذا التحسن لا يعني أن السوق وصلت إلى استقرار كامل، لأن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي ما زالت قائمة، وهو ما يعكس استمرار حساسية السوق تجاه السيولة، الثقة، الاستيراد، والتحويلات الخارجية.
سعر رسمي أكثر انتظاماً وسوق موازية أكثر حذراً
يمكن قراءة المشهد الحالي عبر مستويين مختلفين. الأول هو مستوى السعر الرسمي، حيث يبدو أن المصرف المركزي يحاول إدارة سعر الصرف ضمن نطاق منضبط، خصوصاً بعد إطلاق العملة السورية الجديدة وحذف صفرين من القيم الاسمية. والثاني هو مستوى السوق، حيث ما زالت الأسعار تتحرك وفق العرض والطلب الفعلي على الدولار، وحسب حاجة التجار والمستوردين والأفراد إلى السيولة الأجنبية.
إطلاق العملة الجديدة مطلع عام 2026 كان خطوة نقدية مهمة، ليس لأنها تغيّر القيمة الاقتصادية بحد ذاتها، بل لأنها تعيد تنظيم وحدة الحساب وتخفف الكتلة الورقية المتداولة وتسهّل التسعير والمحاسبة. وكانت رويترز قد نقلت أن عملية استبدال العملة تبدأ في 1 كانون الثاني 2026 ضمن خطة لاستبدال الأوراق القديمة وحذف صفرين من العملة.
لكن استبدال العملة لا يكفي وحده لتثبيت سعر الصرف. الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى ثلاثة عناصر: توفر الدولار عبر القنوات النظامية، ثقة المتعاملين بالليرة، وتراجع الحاجة إلى السوق الموازية في تمويل التجارة والتحويلات.
لماذا لم تنعكس قوة الليرة بالكامل على الأسعار؟
تحسن سعر الصرف لا يؤدي تلقائياً إلى انخفاض واسع في الأسعار. في السوق السوري، توجد عدة عوامل تجعل انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار بطيئاً أو جزئياً:
أولاً، كثير من السلع الموجودة في السوق مستوردة أو مسعّرة سابقاً على تكاليف أعلى. ثانياً، التجار يحتسبون مخاطر إعادة الشراء لا السعر الحالي فقط. ثالثاً، تكاليف النقل والطاقة والتمويل والرسوم والهوامش التجارية لا تنخفض بالسرعة نفسها التي قد يتحسن بها سعر الصرف. رابعاً، بقاء فجوة بين السعر الرسمي والموازي يجعل التسعير التجاري أكثر تحفظاً.
لذلك، فإن استقرار الليرة أهم من تحسنها السريع. فالتاجر يستطيع التسعير والتخطيط عندما يكون السعر مستقراً، حتى لو لم يكن منخفضاً جداً. أما التقلب الحاد، صعوداً أو هبوطاً، فيدفع السوق إلى رفع الهوامش والاحتياط من الخسارة.
العوامل التي دعمت الليرة بعد التحرير
هناك عدة عوامل ساعدت على تحسين موقع الليرة نسبياً منذ نهاية 2024. من أبرزها تراجع حالة الذعر النقدي الأولى، تحسن التوقعات السياسية والاقتصادية، عودة جزء من النشاط التجاري، ارتفاع مستوى الاهتمام الإقليمي والدولي بالسوق السوري، وتحسن بعض مؤشرات الثقة مع بدء إعادة بناء المؤسسات.
كما تشير قراءة البنك الدولي الأخيرة إلى أن الاقتصاد السوري يظهر علامات تعافٍ أولية، مع توقعات بتحسن النشاط الاقتصادي في 2025 و2026، مدعوماً بتخفيف العقوبات، عودة بعض اللاجئين، تحسن الكهرباء، وتزايد النشاط الاستثماري، مع تقدير تراجع التضخم إلى 11.5% في 2025 بعد 72.1% في 2024.
هذه المؤشرات لا تعني أن الاقتصاد تجاوز أزمته، لكنها تساعد في تفسير لماذا لم يعد سعر الصرف يتحرك فقط وفق منطق الانهيار، بل أصبح يتأثر أيضاً بعوامل الثقة والتوقعات وإعادة الاندماج التدريجي.
العوامل التي تضغط على سعر الصرف
في المقابل، ما زالت الليرة تواجه ضغوطاً حقيقية. الاقتصاد السوري لا يزال بحاجة كبيرة إلى الواردات، وقطاع الإنتاج المحلي لم يستعد كامل طاقته، كما أن البنية المصرفية ما زالت في طور إعادة الاندماج والتحديث. وتبقى فجوة التمويل الخارجي، وحاجة المستوردين إلى الدولار، وقيود التحويلات، وضعف القنوات المصرفية الدولية، من العوامل التي تمنع تشكل سوق صرف نظامية عميقة وكافية.
كما أن البنك الدولي أشار إلى أن القيود المرتبطة بالأصول المجمدة والوصول المحدود إلى النظام المصرفي الدولي ما زالت تعيق الطاقة والمساعدات والتجارة والاستثمار، رغم وجود فرص صعودية مع تخفيف العقوبات.
لذلك، فإن أي توقع لسعر الصرف يجب أن يبقى مشروطاً بتطورات التجارة، الطاقة، التحويلات، الاستثمارات، والإصلاح المصرفي، لا بقرار نقدي منفرد.
ماذا تعني الفجوة بين الرسمي والموازي؟
الفجوة الحالية بين السعر الرسمي والسوق الموازية تعني أن السعر الرسمي لم يتحول بعد إلى السعر المرجعي الكامل لكل التعاملات. كلما استطاعت القنوات النظامية تلبية الطلب الحقيقي على الدولار، تراجعت أهمية السوق الموازية. وكلما بقيت الحاجة إلى الدولار خارج القنوات الرسمية، بقيت الفجوة قائمة.
من الناحية العملية، الفجوة ليست مجرد رقم. هي تؤثر على تكلفة الاستيراد، تسعير السلع، قرارات التجار، تقييم الرواتب، حسابات الشركات، وعقود الخدمات. لذلك، فإن تقليص الفجوة أهم من خفض السعر الرسمي بحد ذاته.
التوقعات للمرحلة القادمة
يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات عملية لسعر الصرف خلال الأشهر المقبلة:
السيناريو الأول: استقرار تدريجي ضمن نطاق قريب من المستويات الحالية
هذا السيناريو مرجح إذا استمرت السياسة النقدية المنضبطة، وتحسنت قنوات التحويل، وتراجع الطلب المضاربي على الدولار، وبدأت القنوات الرسمية بتلبية جزء أكبر من احتياجات السوق.
السيناريو الثاني: تحسن إضافي محدود في الليرة
قد يحدث إذا تسارعت تدفقات الاستثمار والتحويلات والمساعدات، وتحسن إنتاج الطاقة، وارتفعت الثقة بالقطاع المصرفي. لكن هذا التحسن سيكون صحياً فقط إذا ترافق مع انخفاض الفجوة بين الرسمي والموازي، لا إذا بقي محصوراً في النشرة الرسمية.
السيناريو الثالث: عودة الضغوط على الليرة
قد يظهر إذا ارتفع الطلب على الاستيراد أسرع من توفر القطع الأجنبي، أو تأخر تحسن القنوات المصرفية، أو حدثت صدمات أمنية أو سياسية أو تجارية. في هذه الحالة، قد تتسع الفجوة مجدداً بين السعر الرسمي والسوق.
ما الذي يجب أن تراقبه الشركات؟
بالنسبة للشركات والمستوردين والمستثمرين، لا يكفي متابعة سعر الدولار اليومي فقط. الأهم هو مراقبة خمسة مؤشرات:
- الفرق بين السعر الرسمي والسوق الموازي.
- استقرار السعر لا مستواه فقط.
- قدرة المصارف وشركات الصرافة على تلبية الطلب.
- انعكاس سعر الصرف على أسعار المواد الأولية والمستوردة.
- اتجاه السياسات النقدية والمالية خلال مرحلة استبدال العملة.
كلما ضاقت الفجوة بين السعرين، وتحسن توفر الدولار عبر القنوات النظامية، أصبح التخطيط التجاري أكثر وضوحاً. وكلما بقيت الفجوة واسعة، سيبقى التسعير في السوق أقرب إلى سعر المخاطرة لا إلى السعر الرسمي.
خلاصة
سعر الصرف في سوريا بعد التحرير دخل مرحلة مختلفة عن سنوات الانهيار السابقة. لم يعد المشهد محكوماً فقط بالخوف وفقدان الثقة، لكنه لم يصل بعد إلى الاستقرار الكامل. السعر الرسمي تحسن مقارنة بأول نشرة بعد التحرير، والعملة الجديدة أعادت ترتيب وحدة الحساب، إلا أن السوق الموازية ما زالت تختبر قدرة السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي على تأمين القطع الأجنبي وتقليص الفجوة.
المرحلة القادمة لن تحسمها النشرة الرسمية وحدها، بل قدرة الاقتصاد السوري على تحويل التحسن السياسي والمؤسسي إلى تدفقات فعلية: إنتاج، صادرات، تحويلات، استثمار، وتمويل نظامي للتجارة. عندها فقط يمكن الحديث عن استقرار أعمق في سعر الصرف، لا مجرد تحسن مؤقت في الأرقام.