من 3.75 إلى 10 مليارات دولار: ما الذي يتطلبه توسيع التجارة السورية–التركية؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
أعادت تركيا طرح هدف رفع حجم التبادل التجاري مع سوريا إلى 10 مليارات دولار سنوياً، بعد وصول التجارة الثنائية إلى نحو 3.75 مليارات دولار خلال 2025، بنمو تجاوز 40% مقارنة بالعام السابق.
وجاء الإعلان خلال اجتماع «المناطق الحرة التجارية والصناعية في سوريا وبيئة الاستثمار» الذي عُقد في أنقرة بمشاركة وزير التجارة التركي عمر بولاط، ورئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية قتيبة أحمد بدوي، ورئيس اتحاد الغرف والبورصات التركية رفعت حصارجيكلي أوغلو.
وأكد الجانب التركي أن الوصول إلى الهدف يرتبط بزيادة الإنتاج والاستثمار، وتحديث المعابر الجمركية، وتوسيع النقل البري والبحري، وتنشيط تجارة الترانزيت، وفتح معبر نصيبين–القامشلي أمام التجارة والمسافرين قبل نهاية العام.
غير أن الانتقال من 3.75 إلى 10 مليارات دولار لا يمثل زيادة حسابية في حركة الاستيراد والتصدير فقط، بل يحتاج إلى إعادة تنظيم العلاقة التجارية بما يضمن أن تؤدي زيادة التجارة إلى توسيع الإنتاج والاستثمار السوري، لا إلى ارتفاع الاعتماد على المستوردات واتساع العجز التجاري.
ملخص
يمثل هدف الـ10 مليارات دولار رؤية متوسطة إلى طويلة الأجل، وليس اتفاقاً يضمن تحقيق الرقم ضمن مدة زمنية محددة.
وكان وزير التجارة التركي قد تحدث في حزيران 2026 عن رفع التجارة إلى 5 مليارات دولار خلال عامين، ثم الوصول إلى 10 مليارات دولار في مطلع ثلاثينيات القرن الحالي. وهذا يجعل الرقم الحالي هدفاً استراتيجياً يحتاج إلى مراحل وسياسات متدرجة، وليس مستهدفاً قصير الأجل بالضرورة.
ويتطلب تحقيقه العمل على خمسة ملفات رئيسية:
- زيادة الصادرات السورية، وليس المستوردات وحدها.
- تطوير المعابر والطرق والموانئ وإجراءات التخليص.
- توفير قنوات مصرفية وتمويل تجاري قابلة للاستخدام.
- وضع إطار تجاري يحمي الصناعة والزراعة السورية من المنافسة غير المتوازنة.
- تحويل سوريا إلى مركز إنتاج وعبور نحو العراق والأردن والخليج، لا سوق استهلاك نهائية فقط.
كيف تبدو التجارة الحالية بين البلدين؟
تعكس بيانات 2025 نمواً سريعاً في التجارة، لكنها تظهر في الوقت نفسه اختلالاً كبيراً في اتجاهها.
فبحسب ملف سوريا الاقتصادي الصادر عن وزارة التجارة التركية لعام 2026، والمستند إلى بيانات التجارة المرآتية، استوردت سوريا من تركيا سلعاً بقيمة تقارب 3.493 مليارات دولار خلال 2025، بينما بلغت صادراتها إلى السوق التركية نحو 235 مليون دولار فقط.
وبذلك شكلت تركيا قرابة 55% من إجمالي مستوردات سوريا المقدرة في الملف، بينما استحوذت على نحو 29% من صادراتها.
وتعني هذه الأرقام أن كل دولار تقريباً صدّرته سوريا إلى تركيا قابله نحو 15 دولاراً من البضائع التركية الداخلة إلى السوق السورية.
ولا يمثل العجز التجاري مشكلة تلقائية في مرحلة التعافي، خصوصاً عندما تكون الواردات آلات وتجهيزات ومدخلات إنتاج ومواد بناء يحتاج إليها الاقتصاد. لكن المشكلة تظهر إذا تركزت الزيادة في السلع الاستهلاكية والمنتجات التي تستطيع المصانع والمزارع السورية إنتاجها محلياً.
لذلك لا يكفي قياس نجاح العلاقة بحجم التجارة الكلي؛ بل يجب قياسها أيضاً بنسبة الصادرات السورية، ونوعية السلع المتبادلة، وحجم الاستثمار المنتج، وعدد فرص العمل التي تولدها العلاقة داخل سوريا.
ما الذي يقف خلف النمو السريع؟
الطلب المرتفع على المستوردات
تحتاج السوق السورية إلى مواد غذائية ومواد أولية وتجهيزات صناعية وآليات ومواد بناء ومنتجات كهربائية ودوائية واستهلاكية.
وتستفيد تركيا من قربها الجغرافي، واتساع قاعدتها الصناعية، وقدرتها على توريد كميات صغيرة وكبيرة بسرعة، إضافة إلى خبرة الشركات التركية بالسوق السورية وشبكات التجار السوريين العاملين بين البلدين.
إعادة تشغيل المعابر
تعمل حالياً ستة معابر بين سوريا وتركيا، خمسة منها مخصصة للتجارة والمسافرين، بينما يقتصر معبر كسب على حركة المسافرين. وأعلن الجانبان العمل على افتتاح معبر نصيبين–القامشلي، ما قد يرفع عدد المعابر العاملة على مدار الساعة إلى سبعة.
ويكتسب المعبر الجديد أهمية خاصة لأنه يربط جنوب شرق تركيا بشمال شرق سوريا، ويختصر الطريق نحو العراق، ويفتح منفذاً إضافياً لتجارة الحبوب والمنتجات الزراعية والطاقة والسلع الصناعية.
انطلاق تجارة الترانزيت
بدأت حركة الترانزيت عبر سوريا بصورة فعلية ومنتظمة خلال 2026، وربطت تركيا بأسواق لبنان والأردن والعراق والسعودية ودول الخليج.
ووفق وزارة التجارة التركية، تعبر يومياً قرابة 300 شاحنة لأغراض الترانزيت عبر معبري باب الهوى المقابل لجيلوة غوزو وتل أبيض المقابل لأقجة قلعة، في اتجاه العراق والكويت ولبنان والأردن والسعودية.
ولا تدخل قيمة البضائع العابرة بالضرورة ضمن التجارة الثنائية السورية–التركية، لكنها تولد إيرادات للمعابر والنقل والخدمات والوقود والصيانة، وتعيد وضع سوريا داخل شبكة التجارة الإقليمية.
التقارب المؤسسي
أنشأ البلدان اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة «JETCO»، وناقشا تطوير اتفاقية شراكة اقتصادية أكثر شمولاً من اتفاقية التجارة الحرة القديمة التي توقفت عملياً بعد 2011.
كما اتفق الجانبان على إنشاء لجنة جمركية مشتركة، وتقليل عمليات نقل الحمولة عند الحدود، وتطوير التسليم المباشر، وتعميق التعاون في النسيج والزراعة والغذاء والآلات.
هل يستطيع الاستيراد وحده رفع التجارة إلى 10 مليارات دولار؟
من الناحية الحسابية، يمكن أن يرتفع حجم التجارة إذا واصلت سوريا زيادة وارداتها من تركيا.
لكن هذا السيناريو لن يكون صحياً أو مستداماً؛ لأنه يحتاج إلى تدفقات مستمرة من القطع الأجنبي، وقد يضغط على المنتجين السوريين، ويزيد حساسية السوق لأي تغير في الأسعار أو المعابر أو سعر الصرف.
أما المسار الأكثر توازناً فيقوم على رفع الصادرات السورية إلى تركيا بالتوازي مع الواردات.
ويملك الاقتصاد السوري منتجات يمكن أن تتوسع في السوق التركية، منها:
- زيت الزيتون والزيوت النباتية.
- الخضروات والفواكه والمنتجات المجففة.
- القطن والغزول وبعض المنتجات النسيجية.
- الفوسفات والأسمدة والمنتجات التعدينية.
- الأعشاب والتوابل والمنتجات الغذائية التقليدية.
- بعض المنتجات الدوائية والكيميائية عند استيفاء المواصفات.
- الخدمات البرمجية والمهنية والإبداعية.
لكن دخول هذه المنتجات يحتاج إلى مواصفات وشهادات منشأ ومخابر معتمدة وتغليف مناسب وسلاسل تبريد وقدرة على تأمين كميات منتظمة.
عقدة الرسوم الجمركية وحماية الإنتاج المحلي
يمثل تصميم الإطار الجمركي واحداً من أكثر الملفات حساسية.
ففتح السوق بسرعة أمام المنتجات التركية قد يخفض أسعار بعض السلع ويوفر احتياجات الإنتاج، لكنه قد يضع المصانع السورية أمام منافسة صعبة مع شركات تمتلك تمويلاً وتقنيات وقدرات إنتاجية أكبر.
وفي المقابل، فإن فرض رسوم مرتفعة وعشوائية قد يرفع تكاليف المواد الأولية ويشجع التهريب ويعطل التجارة النظامية.
ولهذا يحتاج أي اتفاق اقتصادي جديد إلى تصنيف واضح للسلع:
مواد أولية وآلات لا تُنتج محلياً:
يمكن تسهيل دخولها أو خفض رسومها لدعم إعادة تشغيل المصانع.
سلع تُنتج محلياً بطاقة غير كافية:
يمكن فتحها ضمن حصص أو تخفيضات تدريجية.
سلع يملك المنتج السوري قدرة فعلية على تصنيعها:
تحتاج إلى حماية مؤقتة وضوابط تمنع الإغراق.
سلع سورية مخصصة للتصدير:
يجب التفاوض على دخولها إلى السوق التركية وفق معاملة متوازنة ومتطلبات فنية قابلة للتطبيق.
كما ينبغي أن تتضمن الاتفاقات قواعد منشأ دقيقة، حتى لا تتحول سوريا إلى ممر لإعادة تصدير منتجات دول ثالثة أو تصبح تركيا ممراً لسلع غير تركية تستفيد من التفضيلات الجمركية.
البنوك والمدفوعات شرط أساسي
تظل التجارة الحالية معتمدة بدرجة كبيرة على النقد وشركات التحويل والوسطاء والتسويات غير المباشرة.
ولا يمكن الوصول إلى تجارة سنوية مستقرة بقيمة 10 مليارات دولار من دون قنوات مصرفية تسمح بـ:
- فتح الاعتمادات المستندية.
- تمويل المستوردين والمصدرين.
- إصدار الضمانات البنكية.
- تأمين الصادرات.
- تسوية المدفوعات بين المصارف.
- تمويل المخزون والشحن.
- تحويل أرباح الشركات والمستثمرين.
وأشار وزير التجارة التركي في حزيران إلى وجود تفاهم حول فتح فروع لمصارف تركية في سوريا، بالتزامن مع مناقشات بين المصرفين المركزيين وتعديلات في التشريعات المصرفية السورية. لكن هذه الترتيبات تحتاج إلى قرارات تنفيذية وقواعد امتثال واضحة قبل أن تتحول إلى خدمات متاحة للشركات.
المعابر ليست مجرد بوابات حدودية
يتطلب رفع التجارة توسيع طاقة المعابر وتحسين طريقة إدارتها.
وتشمل الأولويات العملية:
- زيادة مسارات الشاحنات.
- تشغيل المعابر على مدار الساعة.
- توحيد الوثائق الإلكترونية.
- تقليل فترات الانتظار.
- تطوير أجهزة الفحص والموازين.
- الاعتراف المتبادل بنتائج بعض المخابر.
- تطبيق إدارة المخاطر بدلاً من فحص كل شحنة.
- تخصيص مسارات للمواد سريعة التلف.
- الحد من نقل البضائع من شاحنة إلى أخرى عند الحدود.
وكل يوم انتظار إضافي يرفع تكلفة الشاحنة والسائق والتبريد والتأمين والمخزون، ثم تنتقل هذه التكاليف في النهاية إلى المستهلك أو المصنع.
من التجارة الثنائية إلى ممر إقليمي
لا تنظر تركيا إلى سوريا كسوق فقط، بل بوصفها ممراً يربطها بالأردن والسعودية والعراق والخليج.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الاضطرابات البحرية والإقليمية، وتراجع موثوقية بعض طرق الشحن التقليدية.
وقد استؤنفت حركة الترانزيت المنتظمة عبر سوريا والأردن والسعودية اعتباراً من منتصف نيسان 2026، بعد توقف امتد قرابة 14 عاماً. كما وقعت سوريا وتركيا والأردن مذكرة لتطوير النقل والربط اللوجستي والمشروعات المرتبطة بحركة البضائع والركاب.
ويمكن لسوريا أن تستفيد من هذا الممر من خلال:
- رسوم العبور والخدمات الجمركية.
- محطات الوقود والصيانة.
- المستودعات والمناطق اللوجستية.
- الفنادق وخدمات السائقين.
- التأمين والنقل الداخلي.
- الموانئ وإعادة الشحن.
- المناطق الحرة والصناعية الواقعة على طول المسارات.
لكن الفائدة تبقى محدودة إذا اكتفت الشاحنات بالعبور. أما القيمة الأكبر فتأتي عندما تنشأ حول الممر مصانع تجميع وتغليف وتصنيع خفيف ومستودعات ومراكز توزيع تخدم عدة أسواق.
ماذا يعني افتتاح نصيبين–القامشلي؟
قد يغير افتتاح معبر نصيبين–القامشلي خريطة التجارة في شمال شرق سوريا.
فالمنطقة تمتلك إنتاجاً زراعياً مهماً، ولا سيما في الحبوب والقطن والثروة الحيوانية، كما تقع على مسار قريب من شمال العراق.
ويمكن للمعبر أن يساعد على:
- تسهيل تصدير المنتجات الزراعية.
- خفض تكلفة استيراد الآلات والمدخلات.
- ربط القامشلي والحسكة بمراكز التجارة التركية.
- تنشيط تجارة الترانزيت باتجاه العراق.
- تطوير مستودعات ومراكز لوجستية جديدة.
- تقليل الضغط على المعابر الواقعة غرباً.
لكن هذه المنافع تحتاج إلى بنية طرق ومخابر ومراكز حجر زراعي وبيطري، وآلية موحدة لإدارة حركة البضائع والرسوم والتراخيص.
المناطق الحرة والصناعية المشتركة
ركز اجتماع أنقرة على المناطق الحرة والتجارية والصناعية وبيئة الاستثمار في سوريا.
ويمكن للمناطق القريبة من الحدود أن تلعب دوراً في جذب مصانع تركية وسورية مشتركة، خصوصاً في الصناعات الغذائية والنسيجية والبلاستيكية ومواد البناء والآلات الخفيفة.
لكن النموذج الناجح لا يقوم على نقل خطوط إنتاج تركية منخفضة القيمة للاستفادة من العمالة الأرخص فقط، بل على:
- شراكات رأسمالية حقيقية.
- تدريب العمالة السورية.
- نقل المعرفة والتقنية.
- شراء مدخلات محلية.
- تخصيص نسبة من الإنتاج للتصدير.
- ربط المصانع بالموردين السوريين.
- منع تحويل المناطق إلى مستودعات للبضائع المستوردة.
ويجب تحديد ما إذا كانت هذه المناطق ستخضع للقانون السوري، وكيف ستُدار الضرائب والجمارك والأراضي والعمالة وتسوية النزاعات.
القطاعات الأكثر استفادة
مواد البناء وإعادة الإعمار
يمكن أن تنمو تجارة الإسمنت والحديد والكابلات والزجاج والسيراميك والآليات، مع توسع مشروعات الإسكان والبنية التحتية.
لكن ينبغي الموازنة بين الاستيراد السريع وإعادة تشغيل المصانع السورية القادرة على إنتاج جزء من هذه الاحتياجات.
الآلات والتجهيزات الصناعية
تملك تركيا قاعدة قوية في الآلات وخطوط الإنتاج والتجهيزات المتوسطة، ويمكن أن تصبح مورداً رئيسياً لإعادة تأهيل المصانع السورية.
ويمثل هذا النوع من الواردات فرصة إنتاجية أكبر من السلع الاستهلاكية، خصوصاً إذا ترافق مع الصيانة ونقل المعرفة وتدريب الفنيين.
الزراعة والغذاء
يستطيع البلدان بناء تجارة تكاملية تقوم على استيراد سوريا للمدخلات والآلات، وتصدير منتجات زراعية وغذائية سورية موسمية أو مصنعة.
لكن ذلك يحتاج إلى تنسيق المواسم والحصص، حتى لا يؤدي دخول المنتجات التركية في ذروة الموسم السوري إلى انهيار أسعار المزارعين.
النسيج والملابس
يمكن لسوريا الاستفادة من خبرتها التاريخية في الغزل والنسيج ومن قربها من سلسلة التوريد التركية، عبر شراكات في القطن والغزل والأقمشة والملابس.
غير أن القطاع السوري يحتاج إلى كهرباء وتمويل وآلات وأسواق مستقرة حتى يستطيع المنافسة.
الخدمات والنقل
ستستفيد شركات النقل والتخليص والتأمين والمستودعات والموانئ والمطاعم والفنادق وخدمات الشاحنات من توسع التجارة والترانزيت.
المخاطر التي يجب التعامل معها
اتساع العجز التجاري
إذا ارتفعت التجارة إلى 10 مليارات دولار مع بقاء النسب الحالية، فقد تصبح معظم الزيادة صادرات تركية إلى سوريا، ما يرفع الضغط على القطع الأجنبي.
تراجع الصناعة المحلية
قد تفقد المصانع الصغيرة والمتوسطة حصتها في السوق إذا دخلت منتجات منافسة بأسعار أقل قبل استعادة قدرتها على الإنتاج والتمويل.
اعتماد مفرط على سوق واحدة
أصبحت تركيا بالفعل أكبر مورد للسوق السورية وفق بيانات التجارة المرآتية لعام 2025. وزيادة الاعتماد قد تجعل الأسعار والإمدادات السورية شديدة التأثر بأي خلاف أو إغلاق حدودي أو تغير في السياسة التجارية.
تفاوت القدرة التفاوضية
تدخل الشركات التركية العلاقة بتمويل وتقنية وقدرة تصديرية أكبر، بينما ما تزال الشركات السورية تعاني نقص السيولة والطاقة والآلات.
نمو التجارة غير المنظمة
إذا بقيت الرسوم والإجراءات معقدة، فقد تنمو التجارة عبر التهريب أو الفواتير غير الدقيقة بدلاً من القنوات النظامية.
ما الذي تحتاجه سوريا قبل اتفاق تجاري أوسع؟
ينبغي أن تسبق أي اتفاقية شاملة دراسة قطاعية تحدد أثرها في كل صناعة ومحصول، مع بناء قائمة للسلع الحساسة، وفترات انتقالية، وآليات لحماية السوق عند حدوث إغراق أو زيادة مفاجئة في الواردات.
كما تحتاج سوريا إلى:
- برنامج لزيادة الصادرات السورية إلى تركيا.
- تمويل للمصدرين وتأمين للشحنات.
- دعم الحصول على شهادات الجودة والمواصفات.
- تطوير المعابر والمخابر والحجر الزراعي.
- قواعد منشأ واضحة.
- نظام إنذار مبكر لمراقبة نمو الواردات.
- نشر بيانات شهرية تفصيلية للتجارة حسب السلع.
- تفاوض يربط فتح السوق بالاستثمار والإنتاج المحلي.
- أولوية للآلات ومدخلات الإنتاج في التسهيلات الجمركية.
- ضمان فرص الشركات السورية في المشروعات والمناطق الصناعية المشتركة.
ثلاثة سيناريوهات للوصول إلى 10 مليارات دولار
السيناريو الأول: نمو تقوده الواردات
ترتفع المستوردات التركية بسرعة لتلبية طلب السوق وإعادة الإعمار، بينما تبقى الصادرات السورية محدودة.
ويحقق هذا السيناريو الرقم المستهدف بصورة أسرع، لكنه يزيد العجز التجاري والاعتماد على الخارج.
السيناريو الثاني: تكامل إنتاجي تدريجي
تتوسع التجارة بالتزامن مع استثمارات مشتركة وإعادة تشغيل المصانع السورية وزيادة الصادرات الزراعية والصناعية.
وهو السيناريو الأكثر فائدة، لكنه يحتاج إلى وقت وتمويل وسياسات واضحة.
السيناريو الثالث: سوريا مركز عبور وإنتاج إقليمي
تتحول العلاقة من تجارة ثنائية إلى منظومة تربط تركيا وسوريا والعراق والأردن والخليج، مع مناطق صناعية ولوجستية وموانئ وخطوط برية وسككية.
وفي هذه الحالة قد يتجاوز الأثر الاقتصادي قيمة التجارة الثنائية نفسها، من خلال إيرادات الترانزيت والاستثمار والخدمات والتصنيع.
ماذا يعني ذلك للشركات السورية؟
ينبغي للشركات ألا تنتظر الوصول إلى الرقم المستهدف، بل أن تبدأ بالاستعداد من الآن.
فالمرحلة المقبلة قد تحمل فرصاً في التصدير والاستيراد والتوزيع والتصنيع المشترك والنقل والخدمات اللوجستية.
وتحتاج الشركة السورية إلى تقييم:
- المنتجات التي يمكنها تصديرها إلى تركيا.
- المواصفات والشهادات المطلوبة.
- أثر المنافسة التركية في سوقها المحلي.
- إمكانية استيراد آلات أو مدخلات تخفض التكلفة.
- فرص الشراكة بدلاً من الاستيراد الجاهز.
- موقعها المحتمل ضمن ممرات الترانزيت.
- قدرتها على العمل ضمن المناطق الصناعية أو الحرة الجديدة.
الخلاصة
يمثل هدف رفع التجارة السورية–التركية إلى 10 مليارات دولار مؤشراً على انتقال العلاقة الاقتصادية بين البلدين إلى مرحلة أكثر تنظيماً واتساعاً.
لكن الرقم وحده لا يكفي لقياس نجاح هذه العلاقة.
فالتجارة المفيدة لسوريا هي التي ترفع الإنتاج والصادرات، وتعيد تشغيل المصانع، وتخلق وظائف، وتنقل المعرفة، وتربط البلاد بالأسواق الإقليمية، لا التي تزيد المستوردات فقط.
وتملك سوريا موقعاً جغرافياً يسمح لها بأن تكون شريكاً إنتاجياً وممراً تجارياً بين تركيا والعراق والأردن والخليج. إلا أن تحويل هذا الموقع إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى معابر حديثة، ومصارف عاملة، وطرق وموانئ، واتفاقات متوازنة، وسياسة صناعية وتجارية تحمي القدرة المحلية وتفتح أبواب التصدير.
لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان الوصول إلى 10 مليارات دولار ممكناً، بل كيف ستتوزع هذه المليارات، ومن سيستفيد منها، وما مقدار القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد السوري؟