كركوك – بانياس يعود إلى خريطة الطاقة الإقليمية: ماذا تعني مذكرتا التفاهم لسوريا والعراق؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
بعد عقود من التوقف والتعثر، عاد خط النفط العراقي–السوري المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس إلى واجهة مشاريع الطاقة الإقليمية، لكن هذه المرة ضمن تصور يتجاوز إصلاح أنبوب قديم، ليفتح الباب أمام إنشاء ممر نفطي واسع يربط الموارد العراقية بالساحل السوري على البحر المتوسط.
فقد وقّعت سوريا مذكرتي تفاهم خلال اجتماعات عُقدت في الولايات المتحدة؛ الأولى بين الشركة السورية للبترول وشركة نفط البصرة لإعادة تأهيل وإحياء خط الأنابيب العراقية–السورية «الحديثة–بانياس»، المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس، والثانية بين الشركة السورية للبترول وائتلاف دولي يضم شركات Chevron وUCC Holding وTI Capital، لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.
ووفق المعلومات الرسمية، تستهدف أعمال إعادة التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تُقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً، بما قد يجعل المشروع واحداً من أكبر مشاريع نقل الطاقة المخطط لها في المنطقة، ويعيد تموضع سوريا بوصفها ممراً برياً وبحرياً لتصدير النفط العراقي باتجاه الأسواق المتوسطية. لكن المرحلة الحالية تبقى مرحلة مذكرات تفاهم ودراسات، وليست عقد تنفيذ نهائياً أو قراراً ببدء الأعمال الإنشائية.
ماذا جرى توقيعه فعلياً؟
تحمل المذكرتان وظيفتين متكاملتين.
المذكرة الأولى تؤسس للمسار المؤسسي بين الجانبين السوري والعراقي، وتعبّر عن وجود رغبة حكومية مشتركة في إعادة تشغيل منظومة نقل النفط بين البلدين. كما توفر أساساً للبحث في نطاق المشروع، ومسار الخط، ومصادر النفط التي ستغذيه، وآليات العبور والتشغيل والتصدير.
أما المذكرة الثانية، فتفتح المسار الفني والاستثماري أمام الائتلاف الدولي لإعداد الدراسات الفنية والمالية والأسس التنفيذية، بما يشمل تقييم حالة الأنابيب والمنشآت المرتبطة بها، وتحديد الاحتياجات الإنشائية والتقنية، وتقدير التكلفة، وبحث نموذج التمويل والتشغيل.
وبذلك، لا يعني التوقيع أن شركة Chevron أو بقية أطراف الائتلاف أصبحت متعهدة نهائية لتنفيذ المشروع، ولا يعني أن التمويل قد أُغلق أو أن جدولاً زمنياً للبناء أصبح معتمداً. ما حدث هو انتقال المشروع من مستوى النقاش السياسي والاهتمام العام إلى مسار أكثر تنظيماً، يستطيع، إذا أثبتت الدراسات جدواه، أن يقود إلى اتفاقيات استثمار وتنفيذ ملزمة.
لماذا يُعد هذا التوقيع مختلفاً عن الطروحات السابقة؟
شهدت الأشهر الماضية سلسلة مباحثات بشأن إعادة إحياء الخط. ففي نيسان 2026 ناقش وزيرا الطاقة السوري والنفط العراقي مشاريع التعاون المشترك وإعادة تأهيل بنية نقل النفط، ثم جرت في حزيران مباحثات عراقية–أمريكية بشأن دفع المشروع، أعقبتها مناقشات بين الشركة السورية للبترول ووفد من Chevron حول إمكانية دخول الشركة شريكاً استراتيجياً.
أما التطور الجديد، فيكمن في الجمع بين مسارين في وقت واحد: تفاهم سوري–عراقي يحدد الإطار السياسي والمؤسسي، وتفاهم مع ائتلاف دولي يتولى بناء المسار الفني والمالي. وهذه الصيغة تمنح المشروع جدية أكبر، لأنها تربط إرادة الدولتين باختبارات الجدوى والتمويل والتنفيذ.
مليونا برميل يومياً: إعادة تأهيل أم إعادة بناء؟
تُعد الطاقة التشغيلية المستهدفة، البالغة نحو مليوني برميل يومياً، من أهم الأرقام الواردة في الإعلان وأكثرها حاجة إلى قراءة دقيقة.
فالبيانات التاريخية التي أوردتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قدّرت الطاقة الاسمية لمنظومة كركوك–بانياس وطرابلس بنحو 700 ألف برميل يومياً، قبل توقفها وتضررها. وهذا يعني أن الطاقة المستهدفة حالياً تقارب ثلاثة أضعاف الطاقة التاريخية المقدرة للمنظومة القديمة.
لهذا، فإن الوصول إلى مليوني برميل يومياً لن يكون، على الأرجح، نتيجة إصلاح المقاطع المتضررة وحدها، بل سيحتاج إلى إعادة هندسة واسعة للمنظومة، قد تشمل إنشاء مقاطع جديدة أو خطوط موازية، وزيادة أقطار الأنابيب، وبناء محطات ضخ ومنشآت تخزين وقياس وتحكم، وتوسعة قدرات الاستقبال والتصدير على الساحل السوري.
كما تبرز ضرورة توضيح ما إذا كان الرقم يخص خط الحديثة–بانياس وحده، أم شبكة أوسع تربط حقول جنوب العراق وشماله بمسار التصدير السوري. وهذه إحدى النقاط التي يفترض أن تحسمها الدراسات الفنية المقبلة.
ماذا تكسب سوريا من المشروع؟
القيمة المحتملة للمشروع بالنسبة إلى سوريا لا تقتصر على رسوم عبور النفط، رغم أهمية هذه الرسوم، بل تمتد إلى بناء منظومة اقتصادية وخدمية متكاملة حول الخط.
فإذا انتقل المشروع إلى التنفيذ، يمكن أن تستفيد سوريا من رسوم النقل والعبور والتخزين والمناولة البحرية، إضافة إلى العقود المرتبطة بأعمال الإنشاء والتأهيل والفحص الهندسي والحماية والصيانة والتشغيل.
كما قد ينشأ طلب واسع على خدمات المقاولات، والهندسة، والاتصالات الصناعية، وأنظمة التحكم، والنقل، والتأمين، والخدمات اللوجستية، ومعدات الضخ والصمامات وقطع الغيار. وهذا يمنح الشركات السورية فرصة للمشاركة كمقاولين وموردين ومقدمي خدمات، شريطة بناء آليات واضحة للمحتوى المحلي والتأهيل المسبق ونقل المعرفة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تشغيل ممر بهذا الحجم سيعيد ربط سوريا بمنظومة الطاقة الإقليمية بعد سنوات من تراجع البنية الإنتاجية والتصديرية. وسيتحول الموقع الجغرافي السوري من ميزة نظرية إلى أصل اقتصادي قابل لتوليد الإيرادات وجذب الاستثمارات.
لكن حجم الإيرادات السورية لن يُعرف قبل إعلان نموذج المشروع وتعرفة النقل وحجم التدفقات المضمونة وطبيعة التزامات الطرفين. فالنفط المنقول سيبقى نفطاً عراقياً ما لم تتضمن الاتفاقيات ترتيبات مستقلة لتوريد كميات إلى السوق السورية أو تسوية جزء من رسوم العبور بالنفط.
بانياس أمام تحول محتمل
إذا كان العراق يمثل مصدر النفط، فإن بانياس ستكون نقطة الارتكاز السورية للمشروع، ليس باعتبارها نهاية جغرافية للأنبوب فحسب، بل بوصفها مركز تخزين وتكرير وتصدير بحري.
وسيحتاج التعامل مع تدفقات كبيرة من النفط إلى تأهيل أو توسعة خزانات التخزين، ومنظومات القياس والتحميل البحري، ومرافق السلامة ومكافحة الحرائق، والطاقة الكهربائية، والتحكم الرقمي، والاستجابة للتسربات والحوادث.
كما قد يدعم المشروع إعادة تأهيل مصفاة بانياس ورفع استقرار إمداداتها بالخام، إذا نصت الاتفاقيات اللاحقة على تخصيص كميات من النفط العراقي للتكرير داخل سوريا. إلا أن وجود خط يعبر إلى المرفأ لا يعني تلقائياً حصول المصفاة على الخام؛ فذلك يحتاج إلى اتفاق توريد، وتقييم توافق نوعية النفط مع وحدات التكرير، واستثمارات منفصلة في تأهيل المصفاة ورفع كفاءتها.
ومن شأن تطوير المرفأ والمصفاة والمنشآت المرافقة أن يحول منطقة بانياس إلى تجمع اقتصادي للطاقة والخدمات البحرية والصناعات المرتبطة بها، مع فرص للعمل والتدريب والتوريد المحلي. لكن هذه الفرص ستعتمد على مستوى مشاركة الشركات السورية، وليس على حجم الإنفاق الرأسمالي وحده.
ماذا يعني المشروع للعراق؟
بالنسبة إلى العراق، يوفر المسار السوري منفذاً إضافياً نحو البحر المتوسط، ويقلل الاعتماد المفرط على منافذ التصدير الجنوبية في البصرة والمرور عبر مضيق هرمز.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الطاقة التشغيلية لمنافذ التصدير الجنوبية العراقية بلغت نحو 3.4 ملايين برميل يومياً في منتصف 2024، مع استمرار اختناقات البنية التحتية والحاجة إلى استثمارات إضافية.
وقد برزت أهمية إيجاد مسارات بديلة بصورة أكبر خلال اضطرابات تدفقات النفط عبر مضيق هرمز في 2026، والتي أظهرت التكلفة الاقتصادية لاعتماد الدول المنتجة على منفذ بحري واحد أو عدد محدود من المسارات.
ولا يُفترض أن يحل ممر بانياس محل المنافذ العراقية في الخليج، بل أن يشكل خياراً موازياً يمنح بغداد مرونة أكبر في توجيه الصادرات، والوصول إلى أسواق المتوسط وأوروبا، وإدارة المخاطر الجيوسياسية واللوجستية.
ماذا يعني وجود Chevron والائتلاف الدولي؟
تمنح مشاركة ائتلاف يضم Chevron وUCC Holding وTI Capital المشروع بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية السورية–العراقية.
فالتركيبة المعلنة تجمع شركة طاقة دولية كبرى مع أطراف تعمل في الاستثمار وتطوير البنية التحتية، ما يشير إلى محاولة بناء مشروع متكامل يجمع الخبرة الفنية مع القدرات التنفيذية والهيكلة المالية.
كما أن وجود Chevron يمكن أن يرفع مستوى المعايير المطلوبة في التصميم والسلامة والحوكمة والتشغيل، ويساعد في جذب شركات هندسية ومؤسسات تمويل وتأمين دولية إذا أثبت المشروع جدواه.
ومع ذلك، تبقى المشاركة الحالية في إطار إعداد الدراسات والأسس التنفيذية. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الأطراف على تحويل نتائج الدراسات إلى هيكل تعاقدي قابل للتمويل، يحدد بوضوح الملكية والعوائد والمخاطر وضمانات التدفق.
ما التحديات التي تنتظر المشروع؟
رغم أهميته، يقف المشروع أمام مجموعة معقدة من التحديات:
- تحديد الحالة الفعلية للأنابيب والمنشآت القديمة، وما يمكن إصلاحه وما يحتاج إلى استبدال كامل.
- حسم المسار النهائي للخط، ومصادر النفط التي ستغذيه، وآلية ربط جنوب العراق وشماله بالممر السوري.
- تأمين التمويل وضمان الجدوى الاقتصادية في ظل التكلفة الكبيرة المتوقعة.
- الاتفاق على رسوم العبور والتخزين والمناولة وتوزيع الإيرادات بين الأطراف.
- توفير كميات مضمونة من النفط لفترة طويلة بما يبرر الاستثمار.
- تحديد نموذج الملكية والتشغيل، سواء كان شراكة أو امتيازاً أو مشروعاً مشتركاً.
- حماية البنية التحتية العابرة للحدود وتوفير الأطر الأمنية والتأمينية اللازمة.
- تطبيق معايير بيئية صارمة، ولا سيما في المناطق الساحلية وحول مرفأ ومصفاة بانياس.
- تحديد مستوى مشاركة الشركات والكوادر السورية في التنفيذ والتشغيل ونقل المعرفة.
ما الذي يجب مراقبته بعد مذكرتي التفاهم؟
سيكون من المبكر تقييم نجاح المشروع قبل ظهور مجموعة من المؤشرات العملية، أبرزها:
- إعلان نطاق الدراسات والمدة الزمنية اللازمة لإنجازها.
- تحديد المسار الفني والطاقة التشغيلية لكل مرحلة.
- نشر تقدير أولي للتكلفة الرأسمالية.
- توضيح نموذج التمويل والملكية والتشغيل.
- الاتفاق على تعرفة العبور والكميات العراقية المضمونة.
- تحديد حصة السوق السورية أو مصفاة بانياس من النفط المنقول، إن وجدت.
- الإعلان عن خطة تأهيل مرفأ بانياس والمنشآت المرافقة.
- الانتقال من مذكرات التفاهم إلى عقد تطوير أو تنفيذ ملزم.
- إطلاق المناقصات الهندسية والإنشائية وبدء الأعمال الميدانية.
من خط متوقف إلى مشروع لإعادة تعريف موقع سوريا
تكمن أهمية مذكرتي التفاهم في أنهما لا تعيدان طرح خط نفطي قديم فحسب، بل تفتحان الباب أمام إعادة تعريف موقع سوريا داخل منظومة الطاقة الإقليمية.
فنجاح المشروع سيمنح العراق منفذاً استراتيجياً إضافياً، ويمنح سوريا إيرادات عبور واستثمارات في البنية التحتية، ويعيد تنشيط مرفأ ومصفاة بانياس، ويخلق سوقاً واسعة للخدمات الهندسية واللوجستية والصناعية.
لكن المسافة ما تزال كبيرة بين التوقيع والتشغيل. فمذكرات التفاهم تعلن الاتجاه وتبدأ الدراسات، بينما يحتاج التنفيذ إلى تمويل وعقود ملزمة وضمانات تدفق وتفاهمات تشغيلية وأمنية وبيئية دقيقة.
ومن هنا، يمكن اعتبار الحدث تحولاً استراتيجياً مهماً وأحد أبرز التطورات الاقتصادية في قطاع الطاقة السوري، لكن قيمته النهائية ستُقاس بقدرة الأطراف على تحويل رقم مليوني برميل يومياً من هدف معلن إلى بنية تحتية قائمة وتدفقات فعلية وعوائد اقتصادية مستدامة لسوريا والعراق.