إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية السورية–اللبنانية: من معالجة المعابر إلى بناء اتفاق تجاري أوسع

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
شهدت العلاقات الاقتصادية بين سوريا ولبنان خلال الأيام الأخيرة تحركاً متسارعاً تجاوز حدود اللقاءات البروتوكولية، واتجه نحو إعادة تنظيم القواعد التي تحكم التجارة والنقل والاستثمار وحركة رجال الأعمال بين البلدين.
وجاء هذا التحرك ضمن سلسلة مترابطة من الاجتماعات بدأت بلقاءات على المستوى الرئاسي والحكومي، وانتقلت إلى وزارتي الاقتصاد والسياحة، ثم إلى مجالس الأعمال والقطاع الخاص، بالتوازي مع طرح مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم سابقة، ومعالجة ملفات عملية تشمل حركة الشاحنات، والرسوم الجمركية، والمختبرات، والمواصفات، ومعايير الجودة، وتنقل الأشخاص والبضائع.
ولا تكمن أهمية هذه التطورات في عدد الاجتماعات أو المذكرات الموقعة فحسب، بل في انتقال النقاش السوري–اللبناني من الحديث العام عن التعاون إلى محاولة إعادة بناء منظومة اقتصادية مشتركة، تبدأ من الحدود والمعابر، وتمتد إلى التجارة والاستثمار والبناء والسياحة والخدمات والأسواق الخارجية.
مسار سياسي واقتصادي متدرج
بدأ المسار الأخير على مستوى رفيع، باستقبال الرئيس أحمد الشرع وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط في دمشق، بحضور وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، لبحث تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري وآليات التنسيق المشترك.
وجاء اللقاء بعد توقيع اتفاقية تشكيل اللجنة العليا السورية–اللبنانية في الثاني من تموز 2026، بما يوفر إطاراً مؤسسياً أوسع لمتابعة الملفات المشتركة بدلاً من إبقائها ضمن اجتماعات منفصلة أو ترتيبات مؤقتة.
عقب ذلك، عقد وزيرا الاقتصاد في البلدين اجتماعاً موسعاً بمشاركة مسؤولين اقتصاديين واستثماريين وممثلين عن القطاع الخاص، نوقشت خلاله آليات تبادل المعلومات، وبناء مراكز متخصصة لجمع البيانات وتحليلها وقياس المؤشرات، واستكمال مذكرات التفاهم بين اتحادات غرف التجارة والصناعة، وتبسيط إجراءات سفر رجال الأعمال وتنقلهم.
هذا التسلسل مهم؛ لأنه يشير إلى وجود محاولة لربط القرار السياسي بالعمل الحكومي، ثم نقله إلى مؤسسات القطاع الخاص ومجالس الأعمال، وهي إحدى المتطلبات الأساسية لتحويل التفاهمات العامة إلى نتائج قابلة للقياس.
مراجعة أكثر من 40 اتفاقية: لماذا تعد الخطوة جوهرية؟
أعلن وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني أن لجنة شُكلت في مطلع تموز ستبدأ مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم سابقة بين البلدين، تغطي مجالات تشمل الاستثمار والتأشيرات والضرائب والمعايير التجارية وغيرها من جوانب العلاقة الاقتصادية.
وبحسب الوزير اللبناني، قد تستغرق عملية المراجعة عدة أشهر، بينما يحتاج الوصول إلى اتفاق تجاري ثنائي أوسع إلى مدة أطول، نظراً إلى ضرورة معالجة العقبات اللوجستية والفروقات القائمة في الرسوم والتعرفة الجمركية.
ولا تعني مراجعة الاتفاقيات إلغاءها بالضرورة، بل إعادة تقييم مدى صلاحيتها للمرحلة الحالية، وتحديد ما إذا كانت تحتاج إلى تعديل أو تفعيل أو دمج أو استبدال بأطر جديدة.
وتعد هذه المراجعة ضرورية لثلاثة أسباب رئيسية:
أولاً، وجود اتفاقيات قديمة لا يعني أنها قابلة للتطبيق تلقائياً، خصوصاً إذا تغيرت المؤسسات والإجراءات والسياسات الاقتصادية والجمركية في البلدين.
ثانياً، التداخل الكبير بين الملفات الاقتصادية يجعل معالجة ملف واحد بمعزل عن الآخر غير كافية. فزيادة التجارة، مثلاً، ترتبط بالجمارك والنقل والمختبرات والمواصفات والتحويلات المالية والتأشيرات وحرية حركة رجال الأعمال.
ثالثاً، يحتاج المستثمر إلى إطار واضح ومستقر، لا إلى تفاهمات متفرقة تتغير وفق كل شحنة أو معبر أو حالة استثمارية.
لذلك ستكون القيمة الحقيقية للمراجعة في قدرتها على إنتاج قواعد واضحة وقابلة للتنفيذ، وليس في مجرد إصدار قائمة جديدة من المذكرات.
التجارة بين 250 مليون دولار وإمكانات أكبر
بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا ولبنان نحو 250 مليون دولار خلال عام 2025، وفق الأرقام التي أعلنها وزير الاقتصاد اللبناني، مقارنة بمستويات تاريخية اقتربت في ذروتها من 800 مليون دولار سنوياً.
ويرى الجانب اللبناني أن الحجم الطبيعي للعلاقة الاقتصادية يجب أن يقاس بمليارات الدولارات، لا بمئات الملايين، استناداً إلى القرب الجغرافي وتشابك الأسواق واعتماد البلدين المتبادل على طرق النقل والعبور.
لكن رفع التبادل التجاري إلى مستويات أكبر لن يتحقق بمجرد زيادة الصادرات والواردات. فالعلاقة بين البلدين أوسع من تجارة السلع، وتشمل:
- عبور الصادرات اللبنانية عبر الأراضي السورية نحو الأردن ودول الخليج.
- استخدام الشركات السورية للمرافئ والخدمات التجارية اللبنانية.
- تكامل الصناعات السورية مع شبكات التوزيع والتسويق اللبنانية.
- تأسيس شركات واستثمارات مشتركة.
- التعاون في السياحة والبناء والخدمات.
- تطوير سلاسل توريد عابرة للحدود.
وبالتالي، فإن المعيار الأكثر دقة لقياس نجاح المرحلة المقبلة لن يكون قيمة التجارة الثنائية وحدها، بل أيضاً حجم حركة الترانزيت، وعدد المشاريع المشتركة، وزمن عبور الشاحنات، وتكلفة النقل، وعدد المستثمرين والشركات التي تستفيد من الترتيبات الجديدة.
المعابر والنقل: نقطة البداية العملية
يظهر ملف النقل البري بوصفه أحد أكثر الملفات إلحاحاً، لأن أي اتفاق تجاري سيبقى محدود الأثر إذا استمرت الشاحنات في مواجهة التأخير أو المناقلة أو اختلاف الأوزان والرسوم والإجراءات بين المعابر.
وكانت مباحثات سابقة بين وزيري النقل في البلدين قد تناولت إعادة تفعيل اتفاقية نقل الركاب والبضائع الموقعة عام 1993، وتوحيد الأوزان والحمولات المحورية، ونقل المواد الخطرة، ودفتر المرور الموحد، وتوسيع اللجنة الفنية المشتركة لتضم الجمارك والأمن العام.
كما نوقش تطبيق نظام «النافذة الواحدة» في المعابر، وتوحيد إجراءات العمل، ومعالجة ملف مناقلة البضائع، ولا سيما عند معبري المصنع والعبودية.
وخلال الاجتماعات الأخيرة، عاد ملف حركة الشاحنات وتسهيل انتقال الأشخاص والبضائع إلى مقدمة النقاشات، إلى جانب بحث تخفيض الرسوم الجمركية على عدد كبير من الأصناف وتبسيط الإجراءات.
وهذا يعني أن العلاقة الاقتصادية المقبلة ستُختبر أولاً على الحدود. فإذا انخفضت مدة انتظار الشاحنات، وتراجعت كلفة المناقلة، وتوحدت الوثائق والإجراءات، فسيظهر الأثر سريعاً على أسعار النقل وقدرة المنتجات السورية واللبنانية على المنافسة.
أما إذا بقيت المعابر محكومة بالاستثناءات والإجراءات المتعددة، فلن تكون زيادة التجارة ممكنة حتى مع وجود طلب مرتفع في السوقين.
المختبرات والمواصفات: عوائق غير جمركية لا تقل أهمية
لم تقتصر المباحثات على الرسوم الجمركية، بل شملت أيضاً المختبرات ومعايير الجودة والمواصفات، وهي ملفات قد تتحول إلى عائق تجاري أكبر من الرسوم نفسها.
فعندما لا يعترف أحد البلدين بنتائج الفحص أو شهادات المطابقة الصادرة عن الآخر، تضطر الشركات إلى إعادة الاختبارات ودفع تكاليف إضافية وانتظار فترات أطول قبل إدخال البضائع إلى السوق.
وتتأثر بهذه المسألة بصورة خاصة المنتجات الغذائية والزراعية والدوائية والكيميائية ومواد البناء والمنتجات التي تحتاج إلى شهادات صحية أو فنية.
لذلك، فإن الوصول إلى اعتراف متبادل بالمختبرات وشهادات المنشأ والمطابقة، أو الاتفاق على إجراءات فحص مشتركة، يمكن أن يحقق أثراً مباشراً على التجارة يفوق أثر تخفيض محدود في الرسوم الجمركية.
ويجب أن تكون الأولوية في هذا الملف لإنشاء قوائم واضحة بالمختبرات المعترف بها، وتحديد المعايير المرجعية، وتبادل البيانات إلكترونياً، ووضع آلية سريعة لمعالجة حالات الرفض أو الاختلاف الفني.
مشكلة الرسوم غير المتوازنة
أشار وزير الاقتصاد اللبناني إلى وجود اختلافات في المعاملة الجمركية، موضحاً أن المصدرين اللبنانيين يدفعون رسوماً لا تُطبق بالصورة نفسها على الجانب السوري، وهو ملف يتطلب معالجة ضمن أي اتفاق أوسع.
ويعد تحقيق التوازن في الرسوم من أكثر الملفات حساسية؛ لأن خفض التعرفة دون دراسة قد يضر بقطاعات إنتاجية محلية، بينما يؤدي إبقاء الرسوم المرتفعة أو غير المتوازنة إلى الحد من التجارة وفتح المجال أمام التهريب والتجارة غير الرسمية.
والحل لا يتمثل بالضرورة في إلغاء كل الرسوم، بل في بناء نظام متوازن يراعي:
- حماية الصناعات المحلية في البلدين.
- منع الإغراق أو إعادة تصدير البضائع من دول ثالثة.
- تحديد قواعد منشأ واضحة.
- تخفيض الرسوم على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج.
- تسهيل دخول السلع التي تحقق تكاملاً اقتصادياً.
- حماية المنتجات الحساسة خلال مراحل انتقالية محددة.
كما يتطلب أي اتفاق فعّال وجود آلية دورية لمراجعة الرسوم، بدلاً من تثبيتها لسنوات طويلة في ظل تغير الأسعار والتكاليف والقدرات الإنتاجية.
القطاع الخاص ينتقل من المشاركة إلى بناء قناة مؤسسية
شهدت الاجتماعات توقيع مذكرة تعاون بين مجلس الأعمال السوري اللبناني ومجلس الأعمال اللبناني السوري، بهدف دعم الشراكات الاقتصادية وتوسيع التواصل بين رجال الأعمال والعمل على إزالة معوقات التبادل التجاري والاستثمار.
وتكتسب المذكرة أهميتها من السعي إلى إنشاء إطار دائم لمتابعة مشكلات الشركات، لا الاكتفاء بتنظيم الزيارات واللقاءات.
ويحتاج هذا الإطار إلى وظيفة واضحة، تشمل جمع ملاحظات المصدرين والمستوردين، وتوثيق العقبات حسب القطاع والمعبر، ورفع مقترحات محددة إلى الحكومتين، ومتابعة تنفيذ القرارات.
كما يجري التحضير لمؤتمر اقتصادي موسع في دمشق أواخر أيلول 2026، بمشاركة متوقعة لأكثر من 250 رجل أعمال لبنانياً، لمناقشة التعاون بين القطاع الخاص والجهات الحكومية وتسريع الإجراءات الاقتصادية.
وسيكون المؤتمر اختباراً عملياً لجدية المسار الحالي. فقيمته لن تقاس بعدد المشاركين، بل بما إذا كان سينتج مشاريع واتفاقيات وجداول متابعة واضحة، أو سيبقى في إطار التعارف وتبادل الكلمات.
فرص الشراكات الصناعية والتجارية
يرى ممثلو القطاع الخاص أن الاقتصادين السوري واللبناني يمتلكان عناصر تكامل يمكن البناء عليها، من خلال الجمع بين القدرات الإنتاجية السورية وشبكات التجارة والتوزيع والخدمات اللبنانية.
ويمكن أن تظهر فرص التعاون في عدد من المسارات:
الصناعات السورية والأسواق الخارجية
تستطيع الشركات اللبنانية دعم تسويق المنتجات السورية في أسواق جديدة، من خلال شبكاتها التجارية وخبراتها في التوزيع والعلامات التجارية والمشاركة في المعارض.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب تحسين المواصفات والتغليف والالتزام بالمواعيد والقدرة على توفير كميات مستقرة، وليس الاعتماد على الوساطة التجارية وحدها.
البناء وإعادة التأهيل
طُرحت إمكانية مشاركة شركات لبنانية في مشاريع البناء داخل سوريا، وهو مجال يمكن أن يشمل المقاولات والهندسة والتصميم والتجهيز ومواد البناء وإدارة المشاريع.
إلا أن انتقال الشركات من الاهتمام إلى الاستثمار الفعلي سيظل مرتبطاً بوضوح العقود، وضمان الحقوق، وآليات تسوية النزاعات، والتحويلات المالية، وتوافر التمويل.
الشركات المشتركة
يمكن تأسيس شركات سورية–لبنانية تستفيد من السوقين أو تتوجه إلى أسواق ثالثة، خصوصاً في الصناعات الغذائية ومواد البناء والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية والتجارة.
وتتميز الشركات المشتركة بإمكانية توزيع المخاطر والاستفادة من المعرفة المحلية في كل سوق، لكنها تحتاج إلى قواعد واضحة للملكية وتحويل الأرباح والضرائب والإدارة.
السياحة تتحول إلى مسار استثماري مستقل
امتد التحرك الاقتصادي إلى قطاع السياحة، حيث بحث وزير السياحة السوري مع الوفد اللبناني الاستثمار في الفنادق التراثية، وإعادة تأهيل المباني القديمة وتحويلها إلى منشآت سياحية، والتعاون في المطاعم، وتسهيل حركة الزوار، وتطوير مسارات سياحية مشتركة.
كما طُرحت مشاركة القطاعين العام والخاص اللبنانيين في ملتقى السفر السوري 2026، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من التنسيق إلى تنفيذ مشروعات عملية.
وتملك السياحة بين البلدين خصوصية مختلفة عن التجارة التقليدية، لأنها تستطيع بناء منتجات مشتركة تشمل الرحلات الدينية والثقافية والتاريخية والطبيعية، وربط مدن ومواقع في البلدين ضمن برنامج واحد.
كما يمكن للخبرات اللبنانية في إدارة المطاعم والفنادق الصغيرة والمباني التراثية أن تدعم تطوير عدد من الوجهات السورية، بشرط وجود بيئة استثمارية واضحة ومعايير لحماية الطابع العمراني والتراثي.
ما الذي يمكن أن تكسبه سوريا؟
بالنسبة إلى سوريا، يحمل المسار الجديد عدداً من المكاسب المحتملة:
- تخفيض تكاليف وصول المنتجات السورية إلى لبنان والأسواق الخارجية.
- تحسين انسياب المواد الأولية والتجهيزات المستوردة.
- جذب استثمارات وشراكات في البناء والسياحة والتجارة.
- الاستفادة من الخبرات اللبنانية في الإدارة والخدمات والتسويق.
- زيادة حركة الترانزيت والخدمات المرتبطة بها.
- دعم المرافئ والمعابر والقطاعات اللوجستية.
- توسيع فرص الشركات السورية للوصول إلى شركاء وتمويل وأسواق جديدة.
لكن هذه المكاسب ليست تلقائية. فإذا لم تُعالج اختلالات الإجراءات والمواصفات والرسوم، فقد تتحول زيادة الانفتاح إلى ارتفاع في الواردات دون نمو مواز في الصادرات والاستثمار.
لذلك ينبغي ربط أي تسهيلات جديدة بمؤشرات واضحة لزيادة الإنتاج والتصدير والشراكات والاستثمارات، وليس بحجم حركة السلع فقط.
وما الذي يمكن أن يكسبه لبنان؟
يستفيد لبنان من استعادة دوره بوصفه شريكاً تجارياً وخدمياً وممراً بحرياً قريباً من السوق السورية، كما يحتاج إلى الطرق السورية للوصول البري إلى الأردن والخليج.
ويمكن للشركات اللبنانية الاستفادة من اتساع الطلب السوري على مواد البناء والخدمات والتجهيزات والسياحة وإعادة التأهيل، إضافة إلى فرص تأسيس مشروعات مشتركة داخل السوق السورية.
كما قد يساعد تنظيم العلاقة على نقل جزء من التبادل من القنوات غير الرسمية إلى التجارة النظامية، بما يرفع إيرادات الدولة ويمنح الشركات قدرة أفضل على التخطيط.
العقبات التي قد تعطل المسار
رغم الزخم الحالي، تواجه إعادة بناء العلاقة الاقتصادية عدداً من التحديات:
بطء التنفيذ
مراجعة أكثر من 40 اتفاقية تحتاج إلى توزيع واضح للمهام ومواعيد محددة، وإلا قد تتحول العملية إلى مسار طويل دون نتائج قريبة.
تعدد الجهات
ترتبط الملفات بوزارات الاقتصاد والنقل والمالية والسياحة، والجمارك، والمواصفات، وهيئات الاستثمار، والأمن العام، والمعابر، والغرف ومجالس الأعمال. وأي ضعف في التنسيق قد يعطل التنفيذ.
تفاوت المصالح القطاعية
قد تستفيد قطاعات من خفض الرسوم والانفتاح، بينما تتضرر قطاعات أخرى من المنافسة. لذلك يجب التشاور مع المنتجين والمصدرين قبل تعديل التعرفات.
ضعف البيانات
تحتاج القرارات إلى بيانات دقيقة حول التجارة الرسمية وغير الرسمية، والسلع المتبادلة، وكلفة النقل، ومدة العبور، وأسباب رفض الشحنات.
الاكتفاء بالمذكرات
توقيع المذكرات يوفر إطاراً سياسياً ومؤسسياً، لكنه لا يغير واقع الشركات ما لم يتبعه قرار تنفيذي وإجراء واضح على المعابر وفي الإدارات المختصة.
ما الذي يجب متابعته خلال الأشهر المقبلة؟
يمكن قياس جدية التحرك السوري–اللبناني من خلال مجموعة مؤشرات عملية:
- نشر قائمة الاتفاقيات التي ستُراجع وتحديد أولوياتها.
- إعلان جدول اجتماعات اللجنة العليا واللجان الفنية.
- صدور قرارات تخص الرسوم الجمركية والرسوم المفروضة على الشاحنات.
- تنفيذ خطوات عملية لتسهيل المناقلة والعبور في المعابر.
- الاتفاق على الاعتراف بالمختبرات وشهادات المطابقة.
- تبسيط تنقل رجال الأعمال وإجراءات التأشيرات والإقامة.
- الإعلان عن مشروعات أو شركات سورية–لبنانية مشتركة.
- تحويل مؤتمر أيلول إلى منصة اتفاقات ومتابعة، لا فعالية علاقات عامة.
- ظهور نمو فعلي في الصادرات المتبادلة وحركة الترانزيت.
- إطلاق مشروعات سياحية أو فندقية محددة قابلة للتنفيذ.
من علاقة تقليدية إلى شراكة اقتصادية منظمة
تملك سوريا ولبنان عوامل جغرافية وتاريخية وتجارية تجعل التعاون بينهما ضرورة اقتصادية، لا مجرد خيار دبلوماسي. لكن القرب الجغرافي وحده لم يكن كافياً في السابق لبناء علاقة متوازنة وفعّالة.
التحرك الجاري يمثل فرصة لإعادة بناء هذه العلاقة على أساس المؤسسات والقواعد والبيانات والمصالح المتبادلة، بدلاً من الاستثناءات والترتيبات المؤقتة.
وستكون معالجة المعابر والنقل والمختبرات والرسوم أول اختبار حقيقي لهذا المسار، بينما يشكل الوصول لاحقاً إلى اتفاق تجاري أوسع هدفاً يحتاج إلى وقت ومفاوضات وتوازن بين حماية الإنتاج المحلي وتسهيل التجارة.
وبالنسبة إلى مجتمع الأعمال، فإن التطور الأهم ليس ما قيل في الاجتماعات، بل ما سيظهر خلال الأشهر المقبلة في زمن عبور الشاحنات، وكلفة التصدير، والاعتراف بالشهادات، وحجم المشاريع المشتركة.
فإذا تحولت اللجان والمذكرات إلى إجراءات قابلة للقياس، قد تدخل العلاقات السورية–اللبنانية مرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي. أما إذا بقي التنفيذ بطيئاً ومجزأً، فسيظل حجم التجارة أقل كثيراً من الإمكانات التي يملكها البلدان.