عودة الحديث عن الاتفاقية الأوروبية السورية: ماذا قد يعني استئناف هذا المسار للاقتصاد السوري؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ نيسان 2026
عاد ملف الاتفاقية الأوروبية السورية إلى الواجهة من جديد، لكن أهميته لا تنبع من رمزيته السياسية فقط، بل من كونه قد يشير إلى تحوّل أوسع في طريقة تعامل أوروبا مع الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة. فحين يعود الحديث عن اتفاقية تعاون اقتصادي وتجاري ومالي وتقني، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد استعادة وثيقة قديمة، بل بإمكان عودة إطار مؤسسي يمكن البناء عليه في ملفات التجارة، ودعم القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وتخفيف العزلة الاقتصادية التي أثقلت السوق السورية طوال سنوات.
ومن هذه الزاوية، فإن قراءة هذا التطور تحتاج إلى فهم ثلاثة أمور معاً: ما هي هذه الاتفاقية أساساً، ولماذا توقف العمل بها عملياً، وماذا قد يعني اليوم أي مسار أوروبي جديد باتجاه استئنافها أو تحديثها.
ما هي الاتفاقية الأوروبية السورية؟
الأساس القانوني للعلاقة التعاونية بين سوريا والجماعة الاقتصادية الأوروبية يعود إلى اتفاقية وُقّعت في بروكسل بتاريخ 18 يناير 1977، ثم أُقرت أوروبياً بصورة رسمية في سبتمبر 1978. وكانت هذه الاتفاقية إطاراً منظماً للتعاون بين الجانبين في أربعة مجالات رئيسية: التعاون الاقتصادي، والتقني، والمالي، والتجاري.
وهذه النقطة مهمة، لأن الاتفاقية لم تكن مجرد تفاهم سياسي عام أو إعلان نوايا، بل إطاراً قانونياً ومؤسسياً للعلاقة الاقتصادية بين الطرفين. وهذا يعني أن أي عودة للحديث عنها اليوم لا تُقرأ بوصفها مجرد إشارة دبلوماسية، بل بوصفها احتمالاً لإعادة بناء قناة تعاون لها آثار عملية على السوق، والتمويل، والتبادل التجاري، والثقة الاستثمارية.
لماذا توقفت العلاقة فعلياً بعد 2011؟
التحول الحاسم جاء مع اندلاع الأزمة السورية وما تبعها من تصعيد سياسي وأمني وحقوقي. في عام 2011، علّق الاتحاد الأوروبي تعاونه الثنائي مع الحكومة السورية، ثم توسع لاحقاً في مسار العقوبات والتقييد، بما شمل جوانب تجارية واقتصادية ومالية مؤثرة.
وبذلك انتقلت العلاقة بين الطرفين من صيغة تعاون اقتصادي ومؤسسي إلى صيغة عزل سياسي واحتواء اقتصادي. وخلال السنوات التالية، لم يختفِ الحضور الأوروبي في الملف السوري بالكامل، لكنه تركز أساساً في الدعم الإنساني، ومساندة اللاجئين، والعمل عبر الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لا عبر العلاقة الاقتصادية الطبيعية مع الدولة السورية.
وهذا يفسر لماذا بقي الاقتصاد السوري طوال الأعوام الماضية بعيداً عن أي مسار تعاون أوروبي مباشر يمكن أن ينعكس على التجارة أو التمويل أو الانخراط المؤسسي طويل الأجل.
ما الذي تغيّر في المقاربة الأوروبية مؤخراً؟
الأهم في التطورات الأخيرة ليس مجرد عودة النقاش، بل أن المقاربة الأوروبية نفسها بدأت تتغير تدريجياً. فبدلاً من الإغلاق الاقتصادي الواسع الذي طبع المرحلة السابقة، بدأت تظهر مؤشرات على انتقال أوروبي نحو انخراط اقتصادي مشروط وأكثر براغماتية.
هذا التحول مهم لأنه يعني أن سوريا لم تعد تُقرأ أوروبياً حصراً كملف إنساني أو أمني، بل كاقتصاد يمكن التفكير في إعادة التواصل معه ضمن شروط وحدود معينة. وعندما تقترن هذه المقاربة بحديث عن التجارة، والاستثمار، والمساعدة الفنية، ودعم القطاع الخاص، فإننا نكون أمام تغير يتجاوز اللغة السياسية إلى أرضية أقرب إلى الاقتصاد وبيئة الأعمال.
ومع أن هذا المسار لا يزال بحاجة إلى وضوح قانوني وتنفيذي أكبر، فإن مجرد الانتقال من منطق التعليق والعزل إلى منطق الاستئناف المشروط يعد بحد ذاته تحولاً له وزنه.
ماذا قد يعني استئناف هذا المسار للاقتصاد السوري؟
إذا تُرجم هذا الاتجاه إلى خطوات عملية، فإن الأثر الأهم لن يكون في حدوث انتعاش فوري، بل في تغيير اتجاه العلاقة الاقتصادية بين سوريا وأوروبا. وهذا بحد ذاته قد يفتح أربعة مسارات مهمة.
1) تحسن الإشارة السياسية والاقتصادية للسوق السورية
الأسواق لا تتحرك بالأرقام وحدها، بل أيضاً بالإشارات السياسية والمؤسسية. وعندما يبدأ الاتحاد الأوروبي بالحديث مجدداً عن إطار تعاون مع سوريا، فإن ذلك يرسل رسالة إلى المستثمرين، ومؤسسات التمويل، وشركات الخدمات، والجهات الاستشارية، بأن السوق السورية لم تعد تُعامل فقط بوصفها مساحة معزولة أو عالية الإغلاق، بل بوصفها سوقاً يمكن إعادة تقييمها.
هذه الإشارة لا تكفي وحدها لصناعة تدفق استثماري، لكنها قد تكون مؤثرة في رفع مستوى الاهتمام، وتحسين المزاج العام تجاه السوق السورية، وفتح الباب أمام قراءات جديدة للمخاطر والفرص.
2) توسيع أفق التجارة وإعادة فتح قنوات التبادل
بما أن الاتفاقية في أصلها اتفاقية تعاون تجاري واقتصادي، فإن أي استئناف فعلي لها قد يخفف من الجمود الذي أصاب التبادل بين سوريا وأوروبا طوال السنوات الماضية. وهذا لا يعني عودة سريعة إلى مستويات ما قبل 2011، لكنه قد يعني تراجعاً تدريجياً في بعض الحواجز العملية، وفتح المجال أمام قطاعات مدنية وإنتاجية للاستفادة من مناخ أقل انغلاقاً.
ومن منظور الأعمال، فإن الأثر الحقيقي هنا لا يقتصر على السلع فقط، بل يشمل أيضاً الخدمات المرتبطة بالتجارة، مثل الشحن، والتأمين، والامتثال، والتعاملات التعاقدية العابرة للحدود.
3) تحسين بيئة التمويل والخدمات المساندة للأعمال
إحدى أكبر مشكلات السوق السورية خلال السنوات الماضية لم تكن فقط في ضعف الفرص، بل في ضعف القنوات التي تتيح تحويل الفرصة إلى نشاط فعلي. فالتمويل، والتحويلات، والتأمين، والاعتمادات، والامتثال المصرفي، كلها كانت عوائق كبرى أمام أي انخراط خارجي أو حتى أمام توسع بعض الأعمال المحلية.
وأي مسار أوروبي أكثر انفتاحاً قد يخفف تدريجياً من الإفراط في الحذر الذي حكم تعامل كثير من المؤسسات مع سوريا. وهذا قد ينعكس على التمويل التجاري، والخدمات المساندة، والدعم الفني، وتحسين قدرة بعض القطاعات على إعادة الاتصال بشبكات الأعمال الدولية.
4) دعم التعافي الاقتصادي التدريجي لا السريع
القراءة المهنية لهذا التطور يجب أن تبقى واقعية. فاستئناف مسار التعاون لا يعني أن الاقتصاد السوري سيشهد تحولاً سريعاً أو انفراجاً شاملاً في المدى القريب. لكن ما قد يتيحه هو دعم مسار تعافٍ تدريجي، أقل عزلة، وأكثر اتصالاً بقنوات التمويل والتعاون الفني، وأوسع قدرة على إعادة تحريك بعض مفاصل النشاط الاقتصادي.
وهذا النوع من التطورات مهم في الاقتصادات التي خرجت من فترات طويلة من الانكماش والتعطيل، لأن التحسن فيها يبدأ غالباً من استعادة القنوات والمؤسسات والثقة، قبل أن يظهر بصورة أوسع في المؤشرات الكلية.
أين يمكن أن يظهر الأثر عملياً داخل السوق السورية؟
إذا انتقل هذا المسار من مستوى الإشارات إلى مستوى التنفيذ، فمن المرجح أن يظهر أثره أولاً في المساحات الأكثر حساسية للانفتاح الخارجي، مثل:
- التجارة والخدمات اللوجستية
- التمويل التجاري والتحويلات
- القطاعات الإنتاجية القابلة لإعادة الربط الخارجي
- الخدمات القانونية والتنظيمية المرتبطة بالامتثال والتعامل الدولي
- المشاريع التي تحتاج إلى دعم فني أو شراكات أو تمويل مرحلي
- المناخ العام للاستثمار وتقييم المخاطر
كما قد تستفيد من ذلك أيضاً الجهات التي تنظر إلى سوريا بوصفها عقدة جغرافية واقتصادية محتملة ضمن الإقليم، إذا اقترن المسار الأوروبي بتحسن أوسع في الربط التجاري والنقل والطاقة والخدمات العابرة للحدود.
ما الذي يجب عدم المبالغة فيه؟
رغم أهمية التطور، من الضروري تجنب المبالغة في تفسيره. فاستئناف الحديث عن الاتفاقية أو حتى إعادة تفعيلها لا يعني تلقائياً:
- انتهاء القيود كلها
- عودة الاستثمار الأجنبي سريعاً
- استعادة التجارة الطبيعية فوراً
- حل المشكلات البنيوية داخل السوق السورية
- تجاوز تحديات الحوكمة والتمويل والبنية التحتية والقدرة الشرائية
بمعنى أوضح، الاتفاقية يمكن أن تكون منصة مساعدة لتغيير الاتجاه، لكنها ليست بحد ذاتها حلاً شاملاً. فالأثر الفعلي سيبقى مرتبطاً بقدرة البيئة السورية الداخلية على التقاط هذا المسار، وتحويله إلى إصلاحات عملية، وتحسينات تنظيمية، وفرص قابلة للتنفيذ.
لماذا يهم هذا التطور رجال الأعمال والمستثمرين؟
لأن المسألة هنا لا تخص العلاقات السياسية فقط، بل تمس مباشرة منطق القرار الاقتصادي. فكل جهة تفكر في السوق السورية، سواء كانت شركة محلية، أو مستثمراً، أو شريكاً إقليمياً، أو مؤسسة تمويل، تراقب هذه الإشارات لتعيد تقييم ثلاثة أمور أساسية:
- هل السوق تتجه إلى مزيد من الانفتاح أم مزيد من الإغلاق؟
- هل كلفة المخاطر قد تنخفض أم تبقى مرتفعة؟
- هل البيئة التشغيلية يمكن أن تصبح أكثر قابلية للتعامل الخارجي؟
ومن هنا، فإن استئناف هذا المسار، إذا تقدم فعلياً، قد لا يغيّر المشهد دفعة واحدة، لكنه قد يغيّر طريقة قراءة سوريا اقتصادياً خلال المرحلة المقبلة، وهذا بحد ذاته عامل مهم في عالم الأعمال.
الخلاصة
عودة الحديث عن الاتفاقية الأوروبية السورية تستحق المتابعة من منظور اقتصادي عملي، لا بوصفها مادة سياسية فقط. فهذه الاتفاقية كانت في أصلها إطاراً للتعاون الاقتصادي والتجاري والمالي والتقني بين سوريا وأوروبا، وتعطل مسارها مع التحول الكبير الذي بدأ في 2011. أما اليوم، فإن إعادة فتح النقاش حولها تعكس تحولاً أوروبياً أوسع من منطق العزل الاقتصادي الكامل إلى منطق انخراط مشروط وأكثر مرونة.
وإذا تُرجم هذا الاتجاه إلى أدوات تنفيذية واضحة، فقد ينعكس تدريجياً على التجارة، والتمويل، وثقة السوق، وبيئة الأعمال، وموقع سوريا في شبكات التعاون الإقليمي والدولي. لكن الأثر الأرجح في المدى القريب سيبقى أثراً تراكمياً وتدريجياً، لا طفرة سريعة. وهذا تحديداً ما يجعل متابعة هذا الملف مهمة لكل من يحاول قراءة الاقتصاد السوري بعين القرار، لا بعين الانفعال.