كلمة وزير الاقتصاد في مؤتمر حوار القطاع الخاص: ملامح أولية لنموذج اقتصادي سوري جديد

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
لم تكن كلمة وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص مجرد كلمة افتتاحية في فعالية اقتصادية. الكلمة جاءت في لحظة تبحث فيها سوريا عن صيغة جديدة لإدارة اقتصادها، وعن توازن عملي بين دور الدولة، مساحة القطاع الخاص، حماية المصالح العامة، وجذب الاستثمار المحلي والخارجي.
انعقاد المؤتمر في دمشق، بتنظيم وزارة الاقتصاد والصناعة، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبشراكة مع حكومة اليابان، يمنح الحدث بعداً يتجاوز اللقاء التقليدي بين الحكومة ورجال الأعمال. فهو يعكس محاولة رسم إطار حوار منظم حول موقع القطاع الخاص في مرحلة التعافي الاقتصادي، لا بوصفه طرفاً مكملاً فقط، بل بوصفه شريكاً رئيسياً في الإنتاج والتشغيل والاستثمار.
من خطاب إعادة الإعمار إلى سؤال النموذج الاقتصادي
أبرز ما حملته كلمة الوزير أنها نقلت النقاش من عنوان عام هو “إعادة الإعمار” إلى سؤال أعمق: ما النموذج الاقتصادي الذي تحتاجه سوريا في المرحلة المقبلة؟
هذا التحول مهم. فإعادة الإعمار قد تُفهم أحياناً بوصفها مشاريع بناء وتمويل وبنية تحتية فقط، بينما الحديث عن نموذج اقتصادي يعني تحديد طريقة عمل الاقتصاد نفسه: من ينتج؟ من يستثمر؟ ما دور الدولة؟ كيف تُدار الأصول العامة؟ كيف تُحمى المنافسة؟ وكيف يتحول الموقع السوري والموارد البشرية والقطاعات الإنتاجية إلى مزايا اقتصادية فعلية؟
من هذه الزاوية، بدت الكلمة محاولة لصياغة اتجاه عام يقول إن سوريا لا تريد العودة إلى اقتصاد مركزي مغلق، ولا الذهاب إلى سوق مفتوحة بلا ضوابط، بل البحث عن نموذج يجمع بين الانفتاح، الواقعية، والانضباط المؤسسي.
الاقتصاد الحر لا يعني انسحاب الدولة
من الرسائل الأساسية في الكلمة أن التوجه نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً لا يعني غياب الدولة. هذه نقطة حساسة في الحالة السورية، لأن جزءاً من النقاش العام يختصر الخيارات الاقتصادية بين نموذجين متطرفين: إما دولة تسيطر على معظم النشاط الاقتصادي، أو سوق مفتوحة تترك كل شيء للمنافسة وحدها.
الكلمة قدمت طرحاً وسطياً: القطاع الخاص يجب أن يأخذ دوراً أكبر في الاستثمار والإنتاج والابتكار، لكن الدولة تبقى مسؤولة عن وضع الرؤية، تنظيم السوق، حماية المنافسة، ضبط التوازنات، وصون المصالح الاستراتيجية.
بالنسبة لأصحاب الأعمال، هذا الطرح يحمل إشارة إيجابية إذا تُرجم عملياً إلى قوانين وإجراءات واضحة. فالقطاع الخاص لا يحتاج فقط إلى السماح له بالعمل، بل يحتاج أيضاً إلى بيئة يمكن التنبؤ بها، ومؤسسات لا تغيّر قواعد اللعبة باستمرار، وسوق لا تترك المنافسة فيه للنفوذ أو الاستثناءات.
القطاع الخاص شريك في الإنتاج لا متلقٍ للقرارات
أهمية المؤتمر تأتي من عنوانه نفسه: حوار القطاع الخاص. وهذا يعني أن الحكومة لا تقدم القطاع الخاص بوصفه منفذاً لاحقاً للسياسات فقط، بل بوصفه طرفاً ينبغي أن يشارك في صياغة الأولويات.
هذه النقطة لها أثر عملي واضح. فالمستثمر والصناعي والتاجر وصاحب الشركة الصغيرة والمتوسطة يملكون معرفة مباشرة بتكاليف التشغيل، مشكلات التمويل، صعوبات الاستيراد والتصدير، اختناقات الطاقة والنقل، تعقيدات الترخيص، وواقع الطلب في السوق. لذلك، لا يمكن بناء سياسة اقتصادية فعالة من دون إدخال هذه الخبرة اليومية في صلب القرار.
لكن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على عقد مؤتمر أو إعلان نوايا. الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الجهات الحكومية على تحويل الحوار إلى آليات متابعة: لجان قطاعية، أولويات قابلة للقياس، تعديلات تشريعية، قنوات تواصل منتظمة، وتقييم دوري لما تم تنفيذه.
الخصخصة ليست الجواب الوحيد
من النقاط اللافتة في الكلمة الحذر في التعامل مع ملف الأصول العامة ودور الدولة الاقتصادي. فالوزير لم يطرح الخصخصة بوصفها عنواناً تلقائياً للحل، بل أشار إلى أن قيمة الأصول لا تُقاس فقط بسعر بيعها، بل بقدرتها على توليد قيمة مضافة وتشغيل وتحسين خدمات ورفع التنافسية.
هذه الرسالة مهمة في الحالة السورية. فهناك منشآت وأصول ومرافق عامة متعثرة أو متوقفة أو منخفضة الكفاءة، لكن التعامل معها لا يجب أن ينحصر بين خيارين فقط: بقاؤها كما هي أو بيعها بالكامل. توجد نماذج متعددة يمكن التفكير بها، مثل إعادة الهيكلة، الشراكة مع القطاع الخاص، عقود الإدارة، الاستثمار المشترك، التأجير طويل الأجل، أو تشغيل الأصول ضمن أطر رقابية واضحة.
المعيار هنا ليس اسم النموذج، بل النتيجة الاقتصادية: هل سيؤدي إلى تشغيل أفضل؟ هل يخلق قيمة مضافة؟ هل يحافظ على المصلحة العامة؟ هل يرفع الإنتاجية؟ وهل يمنع تحويل الأصول العامة إلى فرص ريعية قصيرة الأجل؟
الأمن الاقتصادي والغذائي والإنتاجي
الكلمة لم تنظر إلى الانفتاح الاقتصادي بوصفه استيراداً أوسع فقط. فقد برز فيها حديث واضح عن مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج، وعن أهمية حماية الأمن الاقتصادي والغذائي والإنتاجي.
هذه النقطة شديدة الارتباط بالواقع السوري. فاقتصاد خرج من سنوات طويلة من الاضطراب لا يستطيع بناء استقرار مستدام إذا بقي معتمداً على الاستيراد في سلع أساسية، أو عاجزاً عن إعادة تشغيل الزراعة والصناعة والنقل والطاقة. لذلك، فإن دعم القطاع الخاص لا ينبغي أن يتركز فقط في التجارة السريعة، بل يجب أن يمتد إلى الإنتاج الزراعي والصناعي، سلاسل التوريد، التخزين، التصنيع الغذائي، والصناعات المرتبطة بإعادة البناء.
عملياً، هذا يعني أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسة تفصل بين الاستيراد الضروري الذي يغطي نقصاً مؤقتاً، وبين الاستيراد الذي يقتل فرصة إعادة بناء الإنتاج المحلي.
الإصلاح التشريعي والمؤسسي شرط قبل رأس المال
لا يكفي أن تكون سوريا سوقاً واعدة حتى يدخل المستثمر إليها. رأس المال يبحث عن الوضوح قبل الفرصة، وعن قابلية التنفيذ قبل الوعود، وعن مؤسسات يمكن التعامل معها قبل حجم السوق.
لذلك، فإن حديث الوزير عن تحديث البيئة القانونية والمؤسسية يمكن اعتباره أحد أهم محاور الكلمة. فالمستثمر يحتاج إلى إجابات واضحة عن أسئلة أساسية: كيف تؤسس شركة؟ كيف تحصل على ترخيص؟ ما حقوق الملكية؟ كيف تُحل النزاعات؟ كيف تُنفذ العقود؟ ما نظام الضرائب والرسوم؟ ما قواعد الاستيراد والتصدير؟ وما الجهات المسؤولة عن كل إجراء؟
كلما انتقلت سوريا من ثقافة الاستثناءات إلى ثقافة القواعد، ومن التقدير الفردي إلى الإجراءات المؤسسية، أصبحت بيئة الأعمال أكثر قابلية للثقة. وهذا لا يخدم المستثمر الخارجي فقط، بل يخدم قبل ذلك المستثمر السوري وصاحب المشروع المحلي الذي يحتاج إلى وضوح وعدالة واستقرار.
المدن الصناعية والمناطق اللوجستية: إعادة تموضع لا إعادة تشغيل فقط
إشارة الوزير إلى المدن الصناعية الحديثة، المناطق اللوجستية، مراكز التصنيع، وربط سوريا بالأسواق العالمية، تفتح زاوية مهمة في فهم المرحلة المقبلة.
سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة تشغيل ما كان قائماً قبل الحرب. هذا مهم، لكنه غير كافٍ. المطلوب هو إعادة تموضع اقتصادي يأخذ في الاعتبار تغير سلاسل التوريد الإقليمية، حاجة الدول المجاورة إلى ممرات تجارية، موقع سوريا بين تركيا والعراق والأردن ولبنان والخليج، وإمكانية تحويل بعض المناطق الصناعية واللوجستية إلى منصات تصنيع وتجميع وتصدير.
إذا تطورت هذه الرؤية عملياً، فقد تصبح البنية اللوجستية والصناعية أحد مفاتيح التعافي، خصوصاً في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، مواد البناء، النسيج، الصناعات التحويلية الخفيفة، الخدمات اللوجستية، وإعادة التصدير.
الاستقرار النقدي وحماية المستهلك
ربط الكلمة بين الاستثمار والاستقرار النقدي والمالي يعكس فهماً عملياً لطبيعة قرار المستثمر. فلا يمكن الحديث عن استثمار طويل الأجل في بيئة تضخم مرتفع، أو سعر صرف غير مستقر، أو نظام دفع ضعيف، أو قطاع مصرفي غير قادر على تمويل النشاط الإنتاجي.
كما أن حماية المستهلك ليست ملفاً اجتماعياً منفصلاً عن الاستثمار. فالسوق الذي يفقد فيه المستهلك ثقته بالأسعار والجودة والرقابة يصبح سوقاً أقل استقراراً، حتى لو دخلت إليه رؤوس أموال جديدة. نجاح الاستثمار يحتاج إلى طلب محلي قادر نسبياً، ومستهلك يثق بالمنتج، ومنافسة لا تسمح بالاحتكار أو الغش أو رفع الأسعار بلا ضوابط.
ما الذي تعنيه الكلمة لأصحاب الأعمال؟
بالنسبة لأصحاب الأعمال السوريين، تحمل الكلمة ثلاث رسائل رئيسية.
الأولى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مساحة أوسع لدور القطاع الخاص، خصوصاً في الاستثمار والإنتاج والخدمات المرتبطة بالتعافي.
الثانية أن الدولة لا تنوي، وفق هذا الخطاب، الانسحاب الكامل من الاقتصاد، بل إعادة تعريف دورها من مشغل مباشر في كل شيء إلى منظم وموجه وحامٍ للتوازنات.
الثالثة أن الفرصة لن تكون متاحة تلقائياً للجميع بالدرجة نفسها. الشركات الأكثر جاهزية من حيث التنظيم، الامتثال، القدرة على الشراكة، وضوح البيانات، وفهم السوق ستكون أقدر على الاستفادة من أي انفتاح قادم.
ما الذي تعنيه للمستثمرين؟
بالنسبة للمستثمر المحلي أو الخارجي، تعطي الكلمة إشارات مشجعة، لكنها لا تكفي وحدها لاتخاذ قرار استثماري. فهي ترسم الاتجاه، لكنها لا تقدم بعد خريطة تنفيذية كاملة.
المستثمر سيحتاج إلى متابعة ما سيصدر بعد المؤتمر: القوانين التي ستُعدّل، إجراءات الترخيص، آليات الشراكة، سياسات المصارف والتمويل، قواعد المنافسة، الضمانات القانونية، وضع المناطق الصناعية، وحوافز الاستثمار القطاعية.
بمعنى آخر، الكلمة تفتح نافذة سياسية واقتصادية مهمة، لكن القرار الاستثماري سيبقى مرتبطاً بالترجمة العملية لهذه الرسائل.
الأسئلة التي يجب متابعتها بعد المؤتمر
أهمية الكلمة لا تلغي أن عدداً من الأسئلة ما زال مفتوحاً:
ما القوانين الاقتصادية والاستثمارية التي ستُراجع أولاً؟
كيف ستُترجم الشراكة مع القطاع الخاص إلى آليات واضحة؟
ما مصير المنشآت العامة المتعثرة؟
هل ستُعتمد نماذج شراكة وإدارة وتشغيل بدلاً من البيع المباشر؟
كيف سيُفعّل التمويل المصرفي للمشاريع الإنتاجية؟
ما القطاعات التي ستأخذ أولوية في المرحلة الأولى؟
كيف ستُحمى المنافسة ومنع الاحتكار؟
ما دور المدن الصناعية والمناطق اللوجستية في التصدير؟
كيف ستُعالج كلفة الطاقة والنقل والإجراءات أمام الصناعيين؟
ما الضمانات العملية للمستثمر السوري قبل المستثمر الأجنبي؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت الكلمة بداية مسار اقتصادي جديد، أم مجرد إعلان اتجاه يحتاج إلى أدوات تنفيذية لاحقة.
خلاصة
يمكن قراءة كلمة وزير الاقتصاد والصناعة في مؤتمر حوار القطاع الخاص بوصفها محاولة لرسم ملامح أولية لنموذج اقتصادي سوري جديد: اقتصاد أكثر انفتاحاً، لكنه ليس منفلتاً؛ قطاع خاص أكثر حضوراً، لكنه ليس بديلاً كاملاً عن الدولة؛ أصول عامة تُدار بمنطق القيمة المضافة لا بمنطق البيع السريع؛ وتشريعات ومؤسسات يفترض أن تتحول إلى قاعدة ثقة للاستثمار والإنتاج.
القيمة الأساسية للكلمة أنها تحدد اتجاه التفكير الرسمي في لحظة انتقالية. أما قيمتها العملية فستتوقف على ما يليها: قوانين، إجراءات، مؤسسات، تمويل، شراكات، ومؤشرات قابلة للقياس. عندها فقط يمكن الحكم على ما إذا كان الحوار مع القطاع الخاص سيتحول إلى مسار اقتصادي فعلي، أم سيبقى ضمن مستوى الرسائل العامة.