ميثاق مجالس الأعمال السورية: خطوة نحو تنظيم الحضور الاقتصادي السوري في الخارج

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
أطلق المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال، خلال فعاليات المؤتمر الوطني لحوار القطاع الخاص في دمشق، ميثاق عمل مجالس الأعمال السورية المشتركة، إلى جانب دليل عمل لرؤساء ومؤسسي المجالس، بهدف تأسيس مرجعية مؤسسية موحدة تنظم عمل القطاع الخاص السوري في علاقاته الاقتصادية مع الدول الشريكة.
قد يبدو الخبر للوهلة الأولى إدارياً أو تنظيمياً، لكنه يحمل دلالة أوسع في هذه المرحلة. فالسؤال لم يعد فقط: كيف يمكن جذب المستثمرين أو فتح أسواق جديدة؟ بل كيف يمكن تنظيم الحضور الاقتصادي السوري خارجياً، بحيث لا يبقى قائماً على مبادرات فردية أو علاقات شخصية متفرقة، بل يتحول إلى شبكة مؤسسية قابلة للمتابعة والقياس.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الميثاق بوصفه محاولة لبناء دبلوماسية اقتصادية خاصة تقودها مجالس الأعمال، تحت مظلة تنظيمية مرتبطة بوزارة الاقتصاد والصناعة، وتعمل على دعم الصادرات، جذب الاستثمارات، تأمين فرص أعمال للشركات السورية، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص في الأسواق الخارجية.
ما هو ميثاق مجالس الأعمال السورية؟
الميثاق هو إطار عمل تنظيمي لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع الدول الأخرى. وظيفته الأساسية وضع قواعد ومرجعية موحدة لعمل هذه المجالس، وتحديد دورها في بناء العلاقات الاقتصادية مع الدول الشريكة، وربط أنشطتها بأولويات الاقتصاد السوري.
بحسب ما أعلنته سانا، فإن إطلاق الميثاق جاء بهدف تأسيس مرجعية مؤسسية موحدة تنظم عمل القطاع الخاص السوري في علاقاته الاقتصادية مع الدول الشريكة. كما أوضح وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار أن الميثاق يأتي ضمن توجه الدولة لإعادة بناء أدواتها الاقتصادية على أسس مؤسسية أكثر نضجاً، بحيث تصبح مجالس الأعمال قناة منظمة تسهم في رفع الصادرات، جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام الشركات الوطنية.
بمعنى عملي، الميثاق يحاول نقل مجالس الأعمال من دورها التقليدي كمنصات لقاء وتمثيل، إلى دور أكثر ارتباطاً بالنتائج: فرص تصدير، شراكات، بعثات تجارية، معلومات سوقية، واستثمارات قابلة للمتابعة.
ما الجهة التي تقف خلف الميثاق؟
الجهة الأساسية هي المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال المشتركة، الذي صدر قرار تشكيله عن وزير الاقتصاد والصناعة في 20 كانون الثاني 2026، ليكون إطاراً جامعاً لتنسيق وتنظيم وتطوير عمل مجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم.
يتولى المجلس، وفق القرار، التنسيق المؤسسي بين مجالس الأعمال المشتركة ووزارة الاقتصاد والصناعة والجهات ذات الصلة، وتوحيد الأطر التنظيمية والإجرائية، ومتابعة الالتزام بالقوانين والأنظمة، واقتراح مجالات التعاون والمشاريع المشتركة التي تخدم أولويات الاقتصاد الوطني. كما تشمل مهامه رفع تقارير دورية عن واقع عمل المجالس وأنشطتها والتحديات التي تواجهها، واقتراح تشكيل مجالس جديدة أو إعادة تنظيم أو حل مجالس قائمة، إضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات خاصة بالمجالس وأعضائها وأنشطتها وتحديثها بشكل مستمر.
هذه النقطة مهمة، لأن وجود الميثاق من دون جهة تنسيق ومتابعة كان سيجعله أقرب إلى وثيقة عامة. أما ربطه بمجلس تنسيقي له مهام تنظيمية وتقارير وقاعدة بيانات، فيمنحه فرصة أفضل للتحول إلى أداة عمل.
لماذا تحتاج سوريا إلى هذا الميثاق الآن؟
الاقتصاد السوري يدخل مرحلة تحتاج إلى إعادة بناء أدواته الخارجية: التصدير، الاستثمار، الشراكات، المعارض، البعثات التجارية، وجذب رأس المال السوري والعربي والأجنبي. هذه الملفات لا يمكن أن تتحرك بكفاءة إذا بقي كل مجلس أعمال يعمل وحده، وكل علاقة خارجية تبنى على مبادرة منفصلة.
في السنوات السابقة، تضررت قدرة الشركات السورية على الوصول إلى الأسواق الخارجية، وضعفت سلاسل التوريد، وتراجعت الثقة، وتغيرت خريطة الشركاء التجاريين. لذلك، فإن أي محاولة جادة لإعادة التموضع الاقتصادي تحتاج إلى مؤسسات وسيطة قادرة على الربط بين الدولة والقطاع الخاص والأسواق الخارجية.
الميثاق يأتي هنا ليعطي مجالس الأعمال وظيفة أكثر وضوحاً: ليست مجالس بروتوكولية فقط، بل أدوات عمل اقتصادي منظم. وإذا جرى تطبيقه بجدية، يمكن أن يصبح أحد الجسور العملية بين الشركات السورية والأسواق المستهدفة.
الأرقام: من 16 مجلساً نشطاً إلى 62 مجلساً مستهدفاً
الأرقام المتاحة تكشف أن المشروع ليس محدوداً بمجلس أو مجلسين. الموقع الرسمي للمجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال يذكر وجود 16 مجلس أعمال نشطاً، و62 مجلس أعمال مستهدفاً، وأكثر من 20 فعالية اقتصادية سنوياً، وأكثر من 1000 شركة مشاركة في أنشطة المجالس. كما يعرض فرصاً استثمارية مصنفة تشمل 25 فرصة في المشاريع الصناعية، و18 في الطاقة، و32 في البنية التحتية، و15 في السياحة.
وكان رئيس المجلس أحمد رواد رمضان قد أشار في تصريح سابق إلى أن خطة التوسع تستهدف وصول شبكة مجالس الأعمال السورية المشتركة إلى ما لا يقل عن 62 مجلس أعمال ثنائياً، ضمن رؤية تنظيمية تركز على الكفاءة والفاعلية والقدرة على تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.
هذه الأرقام مهمة لأنها تظهر أن الميثاق ليس مجرد تنظيم لمجالس قائمة، بل تأسيس لشبكة أوسع يمكن أن تغطي خريطة كبيرة من العلاقات الاقتصادية، إذا توفرت الحوكمة والقدرة التنفيذية.
ما الأهداف الأساسية للميثاق؟
حددت المنظومة، وفق سانا، أربعة أهداف رئيسية لعمل مجالس الأعمال: رفع الصادرات السورية، جذب الاستثمارات والشراكات الاقتصادية، تأمين فرص أعمال للشركات السورية، وتعزيز كفاءة القطاع الخاص وقدرته التنافسية دولياً.
هذه الأهداف تعكس احتياجات حقيقية للاقتصاد السوري.
رفع الصادرات يعني مساعدة الشركات السورية على الوصول إلى أسواق خارجية، وفهم متطلبات الجودة والتغليف والشهادات واللوجستيات والدفع.
جذب الاستثمارات يعني بناء قنوات مع رجال الأعمال السوريين في الخارج والمستثمرين العرب والأجانب، وتقديم فرص أكثر تنظيماً بدل الاكتفاء بالدعوات العامة.
تأمين فرص أعمال يعني تحويل المجالس إلى منصة معلومات وعلاقات: من يبحث عن شريك؟ من يحتاج مورداً؟ ما المشاريع المطروحة؟ ما المعارض والبعثات القادمة؟
أما تعزيز التنافسية الدولية فيعني أن دور المجالس لا يتوقف عند فتح الأبواب، بل يمتد إلى مساعدة الشركات على فهم ما يتطلبه السوق الخارجي من جودة، انتظام، توثيق، تسعير، وموثوقية.
من العلاقات الفردية إلى العمل المؤسسي
أوضح رئيس المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال أحمد رواد رمضان أن العمل ضمن منظومة وطنية موحدة يمنح القطاع الخاص صوتاً مؤسسياً أكثر تماسكاً أمام الدول الشريكة، ويسهم في تحويل العلاقات الاقتصادية الفردية إلى عمل منظم قابل للمتابعة والتقييم. كما أشار إلى أن المنظومة تعتمد على الحوكمة التشاركية والانضباط المؤسسي، مع التركيز على البعد التنموي والاجتماعي من خلال تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية وتوسيع فرص العمل وتنمية الكفاءات الوطنية.
هذه الفكرة هي جوهر الميثاق. فالعلاقات الفردية قد تفتح فرصة، لكنها لا تبني نظاماً. أما العمل المؤسسي، إذا أُحسن تصميمه، فيراكم البيانات، يحفظ الخبرة، يوسع المشاركة، ويمنع احتكار العلاقات الخارجية من قبل عدد محدود من الأشخاص أو الشركات.
اقتصادياً، هذا التحول مهم لأن سوريا تحتاج إلى شبكة علاقات لا تعتمد فقط على قوة الأفراد، بل على قدرة المؤسسات على الاستمرار والتقييم والتصحيح.
ما الذي يمكن أن يقدمه الميثاق للاقتصاد السوري؟
يمكن للميثاق أن يقدم للاقتصاد السوري خمس قيم عملية، إذا انتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى التنفيذ.
أولاً: تنظيم بوابة القطاع الخاص نحو الخارج
من دون إطار موحد، قد تعمل مجالس الأعمال بصورة متفرقة، فتتكرر الأنشطة، تضيع المعلومات، وتضعف قدرة الدولة والقطاع الخاص على معرفة النتائج الفعلية. الميثاق يمكن أن يحول هذه المجالس إلى بوابة منظمة للتواصل مع الدول الشريكة، بحيث يصبح لكل مجلس خطة، قطاعات أولوية، قاعدة أعضاء، برنامج فعاليات، ومؤشرات أداء.
هذا مهم خصوصاً مع وجود خطة لتوسيع الشبكة إلى 62 مجلساً، لأن التوسع من دون تنظيم قد يخلق ازدحاماً شكلياً، أما التوسع ضمن ميثاق واضح فقد يحول المجالس إلى شبكة اقتصادية ذات أثر.
ثانياً: دعم الصادرات السورية بطريقة أكثر عملية
الصادرات لا تنمو بالتصريحات فقط. تحتاج إلى أسواق، مواصفات، عقود، شحن، تمويل، تسويق، وشهادات. مجالس الأعمال يمكن أن تلعب دوراً عملياً في تحديد الأسواق المناسبة لكل قطاع، تنظيم لقاءات B2B، ترتيب مشاركات في المعارض، جمع معلومات عن الطلب الخارجي، وربط المصدرين السوريين بمستوردين وشركاء.
إذا نجح الميثاق في دفع كل مجلس إلى إعداد خريطة قطاعات وفرص للدولة الشريكة، فقد يصبح أداة حقيقية لدعم الصادرات السورية، خصوصاً في قطاعات مثل الصناعات الغذائية، النسيج، الألبسة، المنتجات الزراعية، مواد البناء، الصناعات الخفيفة، والخدمات المهنية.
ثالثاً: جذب الاستثمار عبر قناة أكثر موثوقية
المستثمر الخارجي لا يبحث عن فرصة فقط، بل يبحث عن قناة موثوقة يدخل من خلالها إلى السوق. مجالس الأعمال، إذا كانت منظمة وتعمل وفق ميثاق واضح، يمكن أن تقدم للمستثمر صورة أوضح عن القطاعات، الشركاء المحتملين، الجهات الرسمية ذات العلاقة، والمخاطر العملية.
هنا تصبح المجالس حلقة وسيطة بين “المعلومة العامة” و“القرار الاستثماري الأولي”. فهي لا تحل محل هيئة الاستثمار أو الجهات الرسمية، لكنها يمكن أن تساعد على تقريب المستثمر من القطاع الخاص السوري، وتوفير لقاءات ومعلومات أكثر عملية.
رابعاً: ربط السوريين في الخارج بالاقتصاد المحلي
جزء مهم من رأس المال السوري والخبرة السورية موجود خارج البلاد. والعودة الاقتصادية لا تعني بالضرورة عودة الأشخاص فوراً، بل قد تبدأ من شراكات، تمويل، تصدير، توكيلات، نقل خبرات، أو فتح أسواق.
الميثاق يمكن أن يساعد في تحويل مجالس الأعمال إلى أداة منظمة لاستقطاب السوريين في الخارج، ليس عبر الخطاب العاطفي فقط، بل عبر فرص محددة، قطاعات واضحة، قواعد مشاركة، وآليات متابعة.
خامساً: بناء ذاكرة اقتصادية مؤسسية
أحد أكبر مشكلات العمل الاقتصادي غير المنظم أنه لا يراكم معرفة. تعقد الاجتماعات، تنتهي الزيارات، ولا تبقى قاعدة بيانات دقيقة عن الفرص والنتائج والعقبات.
الميثاق، مع قاعدة بيانات المجالس وأعضائها وأنشطتها التي نص عليها قرار تشكيل المجلس التنسيقي، يمكن أن يساعد في بناء ذاكرة اقتصادية مؤسسية: ما الدول الأكثر تجاوباً؟ ما القطاعات الأكثر طلباً؟ ما العوائق المتكررة؟ ما الشركات القادرة على التصدير؟ ما الفعاليات التي أنتجت نتائج فعلية؟
هذه الذاكرة مهمة لصانع القرار، وللشركات، ولأي منصة أعمال أو دليل شركات أو جهة استثمارية تريد فهم العلاقات الاقتصادية السورية الخارجية بصورة أكثر نضجاً.
ماذا يعني الميثاق لمستقبل العمل المؤسساتي الاقتصادي في سوريا؟
الميثاق يحمل دلالة تتجاوز مجالس الأعمال نفسها. فهو يعبر عن اتجاه أوسع نحو إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية الوسيطة في سوريا: اتحادات، غرف، مجالس، لجان، منصات، وشبكات تعاون.
في اقتصاد متضرر، لا تستطيع الدولة وحدها إدارة كل علاقة اقتصادية، ولا يستطيع القطاع الخاص وحده فتح الأسواق وجذب الاستثمار من دون إطار. المطلوب هو طبقة وسطى من المؤسسات المهنية التي تربط بين الطرفين: تفهم احتياجات السوق، وتتحرك ضمن التوجهات العامة للدولة، وتقدم نتائج قابلة للقياس.
إذا نجح هذا النموذج في مجالس الأعمال، فقد ينعكس لاحقاً على طريقة عمل غرف التجارة والصناعة، لجان التصدير، منصات الاستثمار، وبرامج دعم الشركات. أي أنه قد يكون بداية تحول من العمل الاقتصادي الفردي إلى العمل الاقتصادي المؤسسي.
أين يمكن أن يظهر الأثر العملي؟
لن يظهر أثر الميثاق فوراً بمجرد إعلانه. الأثر سيظهر من خلال مؤشرات واضحة يمكن مراقبتها خلال الأشهر المقبلة:
عدد المجالس التي تعمل وفق خطط سنوية معلنة.
عدد البعثات التجارية واللقاءات الثنائية.
عدد الشركات السورية المشاركة في أنشطة المجالس.
عدد الفرص الاستثمارية أو التصديرية التي جرى توثيقها.
حجم المشاركة في المعارض الخارجية.
عدد مذكرات التفاهم أو الشراكات أو العقود الناتجة.
وجود تقارير دورية عن أداء المجالس.
وجود قاعدة بيانات محدثة للأعضاء والأنشطة.
ومدى تمثيل الشركات الصغيرة والمتوسطة، لا الشركات الكبيرة فقط.
هذه المؤشرات هي التي ستحدد ما إذا كان الميثاق تحولاً حقيقياً في الحوكمة الاقتصادية أم مجرد وثيقة تنظيمية جديدة.
ما المخاطر التي يجب الانتباه لها؟
النظرة التفاؤلية لا تعني تجاهل المخاطر. أهم خطر هو أن تتحول المجالس إلى واجهات اسمية لا تقاس بنتائجها. وقد يظهر خطر آخر إذا بقيت العضوية محدودة بفئة ضيقة من رجال الأعمال، أو إذا غابت الشفافية في اختيار الأعضاء، أو إذا لم تُنشر خطط ومؤشرات واضحة.
كما أن التوسع إلى 62 مجلساً قد يكون فرصة، لكنه قد يصبح عبئاً إذا لم يرتبط بمبرر اقتصادي حقيقي لكل مجلس، وقطاعات ذات أولوية، وخطة عمل قابلة للتنفيذ. لذلك تبدو المعايير التي تحدث عنها المجلس مهمة، خصوصاً وجود مبرر اقتصادي حقيقي، تحديد الدولة الشريكة، تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتقديم تصور واضح لخطة العمل.
الخطر الثالث أن تبقى المجالس في مستوى اللقاءات والزيارات، من دون أدوات تنفيذية: معلومات سوقية، غرف عمليات تصدير، متابعة فرص، ربط بشركات، أو تقارير نتائج. هنا يفقد الميثاق قيمته العملية.
كيف يمكن أن يستفيد منه أصحاب الأعمال؟
بالنسبة للشركات السورية، يمكن أن يصبح الميثاق مفيداً إذا وفر لها ثلاثة أشياء: وصولاً إلى معلومات، وصولاً إلى شركاء، ووصولاً إلى فرص.
الشركة المصدرة قد تستفيد من مجلس أعمال مع دولة مستهدفة لمعرفة متطلبات دخول السوق. الشركة الصناعية قد تجد شريكاً أو موزعاً أو مستورداً. شركة الخدمات قد تجد فرصة تعاون أو مشروعاً خارجياً. المستثمر السوري في الخارج قد يجد قناة أكثر وضوحاً للتواصل مع السوق المحلي.
لكن ذلك يتطلب أن لا تكون المجالس مغلقة على أعضائها التقليديين فقط. كلما توسعت مشاركة الشركات الجادة، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة المؤهلة، زادت القيمة الاقتصادية للميثاق.
العلاقة مع دليل الشركات السورية والمنصات الاقتصادية
من الزاوية العملية، يمكن أن يتكامل الميثاق مستقبلاً مع أدوات مثل دليل الشركات السورية، قواعد بيانات المصدرين، المنصات الاقتصادية، وتقارير الأسواق. فمجلس الأعمال يحتاج إلى معرفة من هي الشركات المؤهلة للتصدير، وأي القطاعات جاهزة، وما المنتجات القابلة للترويج خارجياً.
هنا تظهر أهمية الربط بين العمل المؤسسي والمعلومة المنظمة. فالميثاق وحده لا يكفي، والمجالس وحدها لا تكفي. المطلوب منظومة بيانات: شركات، قطاعات، فرص، أسواق، فعاليات، ومؤشرات أداء.
إذا تحقق هذا الربط، يمكن أن تصبح مجالس الأعمال قناة تصدير واستثمار فعلية، لا مجرد إطار تمثيلي.
قراءة تفاؤلية واقعية
الجانب الإيجابي في ميثاق مجالس الأعمال أنه يأتي في توقيت بدأت فيه سوريا إعادة ترتيب أدواتها الاقتصادية: مؤتمر حوار القطاع الخاص، تفعيل لجان الغرف، نقاش الإصلاح الضريبي، تحديث السياسة النقدية والمصرفية، ومحاولة تنظيم الشراكات مع الخارج. ضمن هذا السياق، يبدو الميثاق جزءاً من انتقال أوسع نحو بناء مؤسسات اقتصادية أكثر وضوحاً.
التفاؤل هنا مبرر لأن الاقتصاد السوري لا يبدأ من الصفر. هناك خبرة تجارية وصناعية، رجال أعمال في الداخل والخارج، قطاعات قابلة للتصدير، وموقع جغرافي يمكن أن يكون نقطة ربط بين أسواق المنطقة. لكن تحويل هذه العناصر إلى نتائج يحتاج إلى مؤسسات، لا إلى نوايا فقط.
الميثاق يمكن أن يكون إحدى هذه المؤسسات إذا التزم بالحوكمة، الشفافية، الكفاءة، والقياس.
ما الذي يجب متابعته بعد إطلاق الميثاق؟
حتى لا يبقى الميثاق حدثاً عابراً، يجب متابعة مجموعة أسئلة:
هل سيُنشر النص الكامل للميثاق ودليل رؤساء ومؤسسي المجالس؟
ما معايير العضوية والتمثيل؟
هل ستُنشر خطط سنوية لكل مجلس؟
هل سيكون لكل مجلس قطاعات أولوية واضحة؟
هل ستصدر تقارير أداء دورية؟
ما دور غرف التجارة والصناعة في المجالس؟
كيف ستُمثل المحافظات والشركات الصغيرة والمتوسطة؟
هل ستُربط المجالس بمنصة إلكترونية محدثة؟
وهل ستقاس النتائج بالصفقات والفرص والاستثمارات، لا بعدد الاجتماعات فقط؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية الخطوة، بل تحدد كيفية تحويلها إلى أثر اقتصادي.
الخلاصة
ميثاق مجالس الأعمال السورية المشتركة هو أكثر من وثيقة تنظيمية. إنه محاولة لإعادة بناء الحضور الاقتصادي السوري الخارجي على أساس مؤسسي، وربط القطاع الخاص السوري بشبكة علاقات أكثر تنظيماً مع الدول الشريكة.
أهميته تكمن في أنه يضع أهدافاً واضحة: رفع الصادرات، جذب الاستثمارات، تأمين فرص أعمال، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص. كما يأتي ضمن بنية أوسع يقودها المجلس السوري لتنسيق مجالس الأعمال المشتركة، مع خطة توسع من 16 مجلساً نشطاً إلى 62 مجلساً مستهدفاً، وأكثر من 1000 شركة مشاركة في أنشطة المجالس وفق البيانات المنشورة على موقع المجلس.
النظرة المتفائلة تقول إن هذه الخطوة يمكن أن تساعد سوريا على الانتقال من علاقات اقتصادية متفرقة إلى عمل مؤسسي أكثر نضجاً. أما النظرة الواقعية فتقول إن النجاح لن يقاس بإطلاق الميثاق، بل بقدرته على إنتاج فرص تصدير، شراكات، استثمارات، بيانات، ونتائج ملموسة للشركات السورية.
إذا تحولت مجالس الأعمال إلى شبكة فعالة تربط الشركات السورية بالأسواق الخارجية، فقد يصبح الميثاق أحد أدوات التعافي الاقتصادي الهادئة، لكنه المؤثرة في مستقبل قطاع الأعمال السوري.