الفريق الاقتصادي السوري بين مركزية المرحلة وضرورات التشاركية: هل يعمل في الظل أم يؤسس لاقتصاد جديد؟
دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
يدور في الشارع الاقتصادي السوري سؤال حساس: هل يعمل الفريق الاقتصادي بعيداً عن الصناعيين ورجال الأعمال ويتخذ قراراته ضمن دائرة ضيقة، أم أن ما يجري هو نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية معقدة تحاول إعادة بناء اقتصاد خرج من حرب طويلة ومؤسسات مرهقة وملفات متراكمة؟
الإجابة الأدق لا تقع في أحد الطرفين. لا توجد معطيات كافية تسمح بوصف السياسة الاقتصادية الحالية بأنها مشروع ممنهج لإقصاء القطاع الخاص أو صناعة “اقتصاد أصدقاء السلطة”. وفي الوقت نفسه، لا يمكن القول إن التشاركية المعلنة تحولت بعد إلى منظومة مؤسسية مستقرة وشفافة وقابلة للقياس.
الصورة الأقرب للواقع أن سوريا تقف في مرحلة تأسيس اقتصادي مبكر، تجمع بين مركزية القرار بحكم الضرورة، واتجاه رسمي معلن نحو إشراك القطاع الخاص، ومخاوف مشروعة من ضعف الشفافية وغياب آليات تشاور ثابتة. لذلك، لا يجب أن يكون السؤال: هل الفريق الاقتصادي جيد أم سيئ؟ بل: هل تتحول النية السياسية والتشريعية المعلنة إلى قواعد عمل ومؤسسات وآليات تمثيل ومساءلة خلال المرحلة التالية؟
اقتصاد خارج من حرب لا من دورة ركود عادية
لا يمكن تقييم أداء الفريق الاقتصادي السوري وكأنه يعمل في دولة مستقرة خرجت من أزمة عابرة. سوريا لا تواجه ركوداً اقتصادياً عادياً، بل تحاول إعادة تشغيل اقتصاد تضرر على مدى 14 سنة من الحرب، العقوبات، انهيار الإنتاج، تراجع الصادرات، تفكك سلاسل القيمة، هجرة رأس المال والخبرات، وتآكل القدرة الشرائية.
تشير تقديرات دولية إلى أن الأضرار المباشرة في البنية التحتية والمباني والأصول الرأسمالية بلغت نحو 108 مليارات دولار، بينما تصل كلفة إعادة الإعمار المقدرة إلى نحو 216 مليار دولار. هذه الأرقام وحدها تكفي لفهم أن أي فريق اقتصادي، مهما امتلك من نية أو خبرة، لا يستطيع نقل البلاد من الانهيار إلى التعافي خلال أشهر قليلة.
كما أن الاقتصاد السوري تقلص بأكثر من النصف مقارنة بما قبل الحرب، وتراجعت الصادرات من مستويات كبيرة قبل 2011 إلى مستويات محدودة، وتآكلت الاحتياطيات، وتضررت الزراعة والطاقة والصناعة والخدمات. لذلك، فإن بطء النتائج لا يعني بالضرورة غياب الرؤية، لكنه يعني أن الفجوة بين القرار والنتيجة ستكون طويلة ومكلفة، وأن اختبار السياسات يحتاج وقتاً ومؤشرات لا انطباعات فقط.
لماذا يظهر القرار الاقتصادي مركزياً؟
في المراحل الانتقالية، تميل الحكومات عادة إلى تركيز القرار، خصوصاً عندما تكون الدولة في طور إعادة بناء أدواتها. هذا لا يعني أن المركزية مثالية، لكنها قد تكون مفهومة جزئياً عندما تكون الملفات مفتوحة في وقت واحد: الموازنة، الدعم، الطاقة، الجمارك، المصارف، سعر الصرف، الاستثمار، الدين العام، إعادة الإعمار، عودة اللاجئين، وتطبيع العلاقات الاقتصادية الخارجية.
في الحالة السورية، يبدو أن السلطة السياسية تحاول أولاً بناء مركز قرار اقتصادي قادر على تنسيق الوزارات والهيئات والملفات المتداخلة. من هنا تأتي أهمية استحداث المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية بوصفه إطاراً مركزياً لتنسيق الاستراتيجيات والخطط الاقتصادية والاستثمارية ورسم خريطة اقتصادية شاملة للبلاد.
لكن هذه المركزية تصبح مفيدة فقط إذا كانت مرحلة انتقالية نحو مؤسسات أكثر وضوحاً. أما إذا تحولت إلى أسلوب دائم لإدارة الاقتصاد، فإنها ستخلق فجوة مع الصناعيين والتجار والمستثمرين ورواد الأعمال، وستعيد إنتاج المشكلة القديمة نفسها: قرار يصدر من الأعلى، وسوق يتلقى النتائج دون مشاركة كافية في صياغتها.
ما الذي يبرر القلق في الشارع الاقتصادي؟
القلق الموجود لدى بعض الصناعيين ورجال الأعمال ليس بلا أساس. هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعله مفهوماً.
أولاً، الشفافية الاقتصادية لا تزال دون المستوى الذي تحتاجه مرحلة إعادة البناء. فالموازنة العامة لعام 2026، المقدرة بنحو 10.5 مليارات دولار، تعطي مؤشراً على توسع مالي مهم، لكنها لا تكفي وحدها لفهم أولويات الإنفاق، آليات التمويل، أثر العجز، أو كيفية قياس النتائج على الإنتاج وفرص العمل والخدمات. نشر الأرقام خطوة إيجابية، لكن الاقتصاد يحتاج إلى ما هو أبعد من الرقم: يحتاج إلى شرح، مؤشرات تنفيذ، ومتابعة دورية.
ثانياً، لا تزال آليات التشاور الاقتصادي غير واضحة بما يكفي. توجد لقاءات ومؤتمرات واجتماعات مع القطاع الخاص، لكن السؤال العملي هو: هل هناك إطار دائم يضمن تمثيل الصناعيين والتجار وأصحاب الشركات في المحافظات والقطاعات المختلفة؟ هل توجد لجان قطاعية معلنة؟ هل تُنشر توصياتها؟ هل يُتابع تنفيذها؟ هل يستطيع القطاع الخاص الاعتراض أو الاقتراح ضمن قناة واضحة قبل صدور القرارات المؤثرة؟
ثالثاً، هناك حساسية سورية عالية تجاه أي حديث عن الخصخصة أو الشراكات أو الاستثمارات الكبرى. السبب أن التجربة السابقة تركت ذاكرة سلبية مرتبطة بالاحتكار، النفوذ، القرب من السلطة، واستغلال القرارات العامة لمصلحة شبكات محددة. لذلك، فإن أي سياسة استثمارية جديدة، مهما كانت ضرورية، تحتاج إلى ضمانات معلنة تمنع الاحتكار وتؤكد تكافؤ الفرص وتحمي المنافسة.
ما الذي يدعم قراءة التأسيس والتشاركية؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاتجاه العام في الخطاب الاقتصادي الرسمي خلال 2025 و2026 يميل إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار والتشاركية، وليس إلى العودة إلى اقتصاد مغلق تديره الدولة وحدها.
المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص في دمشق شكل مؤشراً مهماً في هذا الاتجاه. فقد جمع مسؤولين حكوميين وممثلين عن القطاع الخاص وشركاء دوليين، وناقش الإصلاح القانوني والتنظيمي، الاستثمار، التمويل، الضرائب، الوصول إلى الأسواق، وسلاسل القيمة. الأهم من انعقاده أن توصياته الختامية تحدثت عن الشفافية، المنافسة، تكافؤ الفرص، منع الاحتكار، حماية الملكية الخاصة، احترام العقود، تبسيط الإجراءات، وتطوير البيئة القانونية والتنظيمية.
هذه ليست تفاصيل ثانوية. إذا تحولت إلى خطة تنفيذ، فإنها قد تشكل بداية انتقال من التشاور الموسمي إلى الشراكة المؤسسية.
كذلك شهدت سوريا خلال 2025 موجة اتفاقيات واستثمارات خارجية كبيرة، بينها حزمة اتفاقيات بقيمة 14 مليار دولار شملت مشاريع في المطار والنقل والعقارات، إضافة إلى اتفاقيات في الموانئ والسياحة والطاقة والخدمات اللوجستية. صحيح أن الاتفاقيات الخارجية لا تثبت وحدها وجود تشاركية داخلية، لكنها تعكس وجود توجه واضح لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وهو توجه لا يمكن أن ينجح دون بيئة أعمال محلية قادرة على التنفيذ والاستفادة.
إلى جانب ذلك، بدأ التواصل مع مؤسسات دولية فنية، ومنها صندوق النقد الدولي، للتركيز على ملفات الموازنة، الإيرادات، التشريعات الضريبية، الدين العام، القطاع المالي، أنظمة الدفع، وإعادة بناء قدرات المصرف المركزي. هذا النوع من الدعم لا يحل المشكلة وحده، لكنه يشير إلى أن الدولة تتحرك باتجاه إعادة بناء أدوات السياسة الاقتصادية، لا الاكتفاء بإدارة يومية للأزمة.
المشكلة الحقيقية: الفارق بين النية والآلية
النقطة الحاسمة ليست في وجود نية تشاركية أو عدم وجودها، بل في الفارق بين النية والآلية.
يمكن للسلطة السياسية أن تعلن رغبتها في الشراكة مع القطاع الخاص، ويمكن أن تنظم مؤتمرات مهمة، وتوقع اتفاقيات كبيرة، وتطلق مجالس وهيئات جديدة. لكن كل ذلك يبقى غير كافٍ إذا لم يتحول إلى آليات واضحة:
- إطار دائم للحوار بين الحكومة والقطاع الخاص.
- لجان قطاعية معلنة للصناعة والتجارة والزراعة والخدمات والتصدير.
- نشر موجزات دورية عن توصيات هذه اللجان وما تم تنفيذه منها.
- إشراك الغرف والاتحادات وممثلي المحافظات في القرارات ذات الأثر المباشر.
- تقييم أثر القرارات الاقتصادية قبل صدورها وبعد تطبيقها.
- قواعد معلنة للشراكات والاستثمارات الكبرى تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة.
- مؤشرات أداء تقيس أثر السياسات على الإنتاج، التشغيل، الصادرات، الاستثمار، وسهولة ممارسة الأعمال.
بغياب هذه الآليات، ستبقى التشاركية انطباعاً إيجابياً لا نظاماً مؤسسياً. وبوجودها، يمكن تحويل القلق الموجود في الشارع الاقتصادي إلى مشاركة منتجة لا إلى تشكيك دائم.
لماذا التفاؤل ممكن رغم القلق؟
التفاؤل في الحالة السورية لا يجب أن يكون خطاباً عاطفياً، بل قراءة مبنية على مؤشرات.
هناك عدة مؤشرات تسمح بتفاؤل واقعي. أولها أن الدولة بدأت تنتقل من إدارة الأزمة إلى بناء أطر اقتصادية جديدة: مجلس أعلى للتنمية الاقتصادية، موازنة توسعية، حوار مع القطاع الخاص، اتفاقيات استثمارية، ومحاولات لإعادة تأهيل القطاع المالي والمصرفي.
ثانيها أن القطاع الخاص السوري لم يختفِ رغم الحرب. بقيت ورش ومعامل وشركات وتجار ومصدرون ورواد أعمال يعملون في ظروف صعبة، داخل سوريا وخارجها. هذا المخزون من الخبرة والمرونة يمكن أن يصبح محركاً رئيسياً للتعافي إذا وجد بيئة تنظيمية أكثر وضوحاً.
ثالثها أن عودة سوريا التدريجية إلى محيطها الاقتصادي تفتح فرصة لإعادة بناء سلاسل التجارة والاستثمار والنقل والطاقة. هذه الفرصة ليست مضمونة، لكنها حقيقية، وتحتاج إلى تنظيم داخلي حتى لا تبقى محصورة في الاتفاقيات الكبرى فقط.
رابعها أن الخطاب الاقتصادي الجديد يتحدث عن الإنتاج، الاستثمار، سلاسل القيمة، التمويل، الشراكة، وتسهيل الإجراءات. هذه مفردات صحيحة للمرحلة. المطلوب الآن ألا تبقى مفردات، بل تتحول إلى إجراءات قابلة للمتابعة.
ما الذي يجب أن يفعله الفريق الاقتصادي في المرحلة التالية؟
حتى يخرج النقاش من ثنائية الاتهام والدفاع، يمكن تحديد مجموعة خطوات عملية تعزز الثقة بين الفريق الاقتصادي والشارع الاقتصادي.
أولاً، نشر برنامج اقتصادي مرحلي مختصر ومفهوم، يوضح أولويات 12 إلى 18 شهراً: الطاقة، التمويل، الجمارك، الضرائب، الصناعة، الزراعة، الاستثمار، التصدير، وسعر الصرف.
ثانياً، إنشاء منصة تشاور اقتصادي معلنة، تضم ممثلين عن الغرف الصناعية والتجارية والزراعية والسياحية، ورواد الأعمال، والنساء في الأعمال، والمغتربين، وخبراء مستقلين.
ثالثاً، إصدار تقارير متابعة ربع سنوية، لا تكتفي بذكر القرارات، بل تعرض ما تحقق، ما تعثر، وما يجري تعديله.
رابعاً، ربط أي قرار مؤثر على الاستيراد أو التصدير أو الجمارك أو الضرائب أو التراخيص بمذكرة أثر اقتصادي مختصرة تشرح من يتأثر، ولماذا صدر القرار، وما الهدف منه.
خامساً، حماية المنافسة ومنع الاحتكار في الاستثمارات الكبرى، لأن نجاح إعادة الإعمار لا يقاس فقط بحجم الأموال المعلنة، بل بعدالة الفرص وتوزيع الأثر على الاقتصاد الحقيقي.
سادساً، تحويل المؤتمر الوطني لحوار القطاع الخاص إلى مسار دائم، بحيث لا يكون حدثاً لمرة واحدة، بل نقطة بداية لآلية مؤسسية منتظمة.
ما الذي يجب أن يفعله القطاع الخاص؟
المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها. القطاع الخاص السوري يحتاج أيضاً إلى تنظيم خطابه ومطالبه.
ليس كافياً أن يشتكي الصناعي أو التاجر من القرارات بعد صدورها. المطلوب أن تتقدم الغرف والاتحادات والروابط المهنية بمقترحات مكتوبة، أرقام قطاعية، تقديرات أثر، خرائط مشاكل، وحلول قابلة للتطبيق.
كما يحتاج القطاع الخاص إلى تجاوز منطق المطالب الفردية نحو مطالب مؤسسية: طاقة مستقرة، تمويل منتج، إجراءات جمركية واضحة، ضرائب قابلة للتوقع، تسهيل التصدير، حماية المنافسة، وتبسيط الترخيص.
كلما كان صوت القطاع الخاص منظماً ومبنياً على بيانات، أصبح من الصعب تجاهله، وأصبح أكثر قدرة على التأثير في صياغة السياسات.
الخلاصة: مرحلة اختبار لا مرحلة حكم نهائي
القول إن الفريق الاقتصادي السوري يعمل في الظل ضمن سياسة ممنهجة لإقصاء الصناعيين ورجال الأعمال هو حكم أكبر مما تسمح به الوقائع المتاحة. وفي المقابل، القول إن التشاركية الاقتصادية أصبحت نظاماً مؤسسياً ناضجاً هو تفاؤل سابق لأوانه.
الأدق أن سوريا تعيش مرحلة تأسيس اقتصادي وتشريعي مبكر، تحاول فيها السلطة السياسية بناء أدوات القرار بعد تراكم كبير خلفه النظام السابق والحرب والعقوبات والانهيار المؤسسي. هذه المرحلة تفسر قدراً من المركزية، لكنها لا تبرر استمرار الغموض. وتمنح فرصة للتفاؤل، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الشفافية.
الاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة الحكومة على تحويل النية التشاركية إلى قواعد معلنة، وتحويل اللقاءات إلى مؤسسات، وتحويل الاتفاقيات إلى إنتاج وفرص عمل، وتحويل القطاع الخاص من متلقٍ للقرارات إلى شريك في صياغتها.
إذا تحقق ذلك، يمكن أن تتحول المركزية الحالية من ضرورة انتقالية إلى جسر نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنظيماً. أما إذا بقيت التشاركية في حدود الخطاب والاجتماعات، فستبقى فجوة الثقة قائمة، وسيستمر الشارع الاقتصادي في طرح السؤال نفسه: من يصنع القرار الاقتصادي السوري، ولصالح من؟