التضخم في سوريا بين 2010 و2025: كيف تحولت موجات الأسعار من صدمة مؤقتة إلى اختلال بنيوي؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء السورية دراسة موسعة ترصد واقع التضخم في سوريا خلال الفترة الممتدة من عام 2010 إلى عام 2025، محاولةً تفسير كيفية انتقال الاقتصاد من استقرار سعري نسبي إلى واحدة من أكثر البيئات التضخمية تعقيداً في المنطقة.
ولا تتعامل الدراسة مع التضخم بوصفه نتيجة مباشرة لتوسع السيولة أو تراجع قيمة العملة فقط، بل تقدمه بوصفه حصيلة تفاعل طويل بين انهيار سعر الصرف، وتضرر الإنتاج، وتجزئة الأسواق، واختناق طرق الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، والسياسات الحكومية المرتبطة بالدعم والأجور والتسعير، إلى جانب العقوبات والصدمات الخارجية.
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تكتفي بإعلان معدل تضخم سنوي، بل تقسم المسار السوري إلى مراحل اقتصادية متمايزة، وتفكك مساهمة مجموعات الإنفاق المختلفة، وتحاول الربط بين حركة الرقم القياسي لأسعار المستهلك وسعر الصرف والأحداث الاقتصادية التي مر بها السوق.
لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مشكلة منهجية لا تقل أهمية عن نتائجها: المؤشر ما زال يعتمد على سلة استهلاك وأوزان تعود إلى مسح دخل ونفقات الأسرة لعامي 2008 و2009، رغم التحولات الجذرية التي أصابت أنماط الاستهلاك والدخل والسكن والطاقة خلال السنوات اللاحقة.
ملخص تنفيذي
تصل الدراسة إلى أربع خلاصات رئيسية:
- التضخم السوري تحول من موجات مرتبطة بصدمات استثنائية إلى تضخم بنيوي يولد ضغوطه من داخل هيكل الاقتصاد نفسه.
- كان سعر الصرف العامل الأكثر ثباتاً وتأثيراً، لكنه لم يعمل منفرداً؛ فقد تضاعف أثره بسبب ضعف الإنتاج وارتفاع الاعتماد على الاستيراد واختناقات الطاقة والنقل.
- استحوذت الأغذية والسكن والطاقة والنقل على نحو 72.5% من الوزن المعتمد لسلة المستهلك، ما جعل أي صدمة في هذه القطاعات تنتقل بسرعة إلى المستوى العام للأسعار.
- انخفاض الرقم القياسي خلال 2025 يمثل تصحيحاً سعرياً واسعاً، لكنه لا يعني عودة الأسعار إلى مستويات طبيعية أو تحقق استقرار مستدام، خصوصاً مع عودة الارتفاع في الربع الرابع.
كيف قاست الدراسة التضخم؟
اعتمدت الدراسة الرقم القياسي لأسعار المستهلك، مع اتخاذ عام 2010 سنة أساس، واستخدمت صيغة «لاسبير» التي تثبت الأوزان النسبية لمكونات السلة الاستهلاكية، ثم تقيس تغير أسعارها عبر الزمن.
وتتكون السلة من نحو 1,400 مادة استهلاكية تفصيلية، جُمعت ضمن قرابة 570 مادة أساسية، استناداً إلى مسح دخل ونفقات الأسرة المنفذ خلال عامي 2008 و2009. كما فضلت الدراسة التحليل الربعي على الاكتفاء بالمؤشرات السنوية، لأنه يلتقط الصدمات والتقلبات القصيرة بصورة أوضح.
ويمثل الرقم القياسي مقدار تغير أسعار السلة مقارنة بسنة الأساس. فإذا كان المؤشر 200 مثلاً، فهذا يعني أن تكلفة السلة أصبحت ضعف تكلفتها في سنة الأساس، وليس أن معدل التضخم في تلك اللحظة يساوي 200%.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم:
مستوى الأسعار: تكلفة السلة مقارنة بسنة الأساس.
معدل التضخم: سرعة ارتفاع مستوى الأسعار خلال فترة محددة.
الانكماش السعري: انخفاض متوسط مستوى الأسعار مقارنة بالفترة السابقة.
وهذا التمييز ضروري لفهم عام 2025؛ فقد انخفض معدل الأسعار مقارنة بعام 2024، لكن المستوى العام ظل أعلى بمئات المرات من مستوى سنة الأساس.
ماذا تكشف أوزان سلة المستهلك؟
تمنح السلة المعتمدة الوزن الأكبر للأغذية والمشروبات غير الكحولية بنسبة تقارب 39.9%، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 25.54%، ثم النقل بنسبة 7.06%.
وبذلك تستحوذ هذه المجموعات الثلاث وحدها على نحو 72.5% من وزن المؤشر.
هذا التركيب يفسر سبب حساسية التضخم السوري لثلاثة أنواع من الصدمات:
- ارتفاع أسعار الغذاء أو تراجع توافره.
- تعديل أسعار الوقود والكهرباء وتكاليف السكن.
- ارتفاع تكاليف النقل وانتقالها إلى بقية السلع والخدمات.
ولا تقتصر آثار الوقود على المجموعة المخصصة للطاقة؛ فعندما ترتفع أسعار المحروقات، ترتفع تكاليف نقل المواد الأولية والمنتجات، وتشغيل الآلات والمولدات، والتبريد والتخزين، فتنتقل الصدمة تدريجياً إلى الغذاء والصناعة والخدمات.
التضخم السنوي بين 2011 و2025
تعرض الدراسة المسار السنوي على النحو الآتي:
| العام | التضخم السنوي |
|---|
| 2011 | 6% |
| 2012 | 36% |
| 2013 | 82% |
| 2014 | 23% |
| 2015 | 38% |
| 2016 | 48% |
| 2017 | 18% |
| 2018 | 1% |
| 2019 | 13% |
| 2020 | 114% |
| 2021 | 119% |
| 2022 | 64% |
| 2023 | 130% |
| 2024 | 108% |
| 2025 | سالب 27% تقريباً |
توضح السلسلة أن انخفاض التضخم في سنة ما لم يكن يعني بالضرورة تراجع الأسعار، بل كان يعني غالباً استمرار ارتفاعها بوتيرة أبطأ. فالأسعار التي ترتفع 100% ثم ترتفع 20% في السنة التالية لا تعود إلى مستوياتها السابقة، وإنما تستمر في الصعود انطلاقاً من قاعدة أعلى.
كما تكشف الأرقام أن أشد موجات التضخم السنوي تركزت في 2020 و2021 و2023 و2024، وهي سنوات تداخل فيها تدهور سعر الصرف مع أزمات الوقود والطاقة، وتراجع العرض، وارتفاع تكاليف الشحن، والصدمات الخارجية.
سبع مراحل لتطور التضخم السوري
المرحلة الأولى: انتقال تدريجي إلى الاضطراب خلال 2010 و2011
تصف الدراسة عام 2011 بوصفه مرحلة انتقال من استقرار نسبي إلى اضطراب ناشئ. لم تكن السلع قد اختفت على نطاق واسع بعد، لكن بدأت توقعات السوق ومخاطر سعر الصرف تؤثر في التسعير، ولا سيما أسعار الغذاء.
ارتفع الرقم القياسي بين الربعين الأول والرابع من 2011 بنحو 5.7%، بينما ارتفع متوسط سعر الصرف الربعي بنحو 9.5%. وكانت الأغذية والمشروبات غير الكحولية مسؤولة عن نحو 72% من ارتفاع المؤشر خلال تلك الفترة.
كانت تلك بداية انتقال السوق من تسعير قائم على التكلفة الفعلية إلى تسعير يأخذ في الاعتبار المخاطر المتوقعة واحتمالات نقص السلع وتراجع العملة.
المرحلة الثانية: صدمة الاقتصاد خلال 2012 و2013
شهدت هذه المرحلة انتقال التضخم من ظاهرة محدودة إلى صدمة مركبة.
ارتفعت أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج مع تراجع الليرة، وتضررت سلاسل التوريد، وارتفعت تكاليف النقل والطاقة، وبدأ التجار بإعادة التسعير بصورة استباقية.
وسجل الربع الثالث من 2013 تضخماً ربعياً بلغ نحو 25.7%، بالتزامن مع زيادة كبيرة في سعر الصرف. وترى الدراسة أن هذه المرحلة جمعت بين:
- تضخم مستورد عبر سعر الصرف.
- تضخم عرض بسبب انقطاع الإمدادات.
- تضخم تكلفة عبر النقل والطاقة.
- تضخم توقعات نتيجة إعادة التسعير والمضاربة.
المرحلة الثالثة: الانهيار الهيكلي بين 2014 و2016
خلال هذه الفترة، لم تعد المشكلة مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار، بل تضررت البنية التي تنتج السلع وتنقلها وتوزعها.
خرجت مناطق إنتاج من الدورة الاقتصادية، وتضررت منشآت صناعية وبنى تحتية، وازدادت صعوبة نقل المواد بين المحافظات، وارتفعت تكاليف الحواجز والتأخير وفقدان البضائع، بالتوازي مع أزمات المحروقات وتدهور سعر الصرف.
وتخلص الدراسة إلى أن الاقتصاد دخل خلال هذه المرحلة في تضخم تراكمي واسع تغذيه ثلاثة عوامل مترابطة:
انهيار سعر الصرف، واختناق العرض والإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
المهم هنا أن التضخم لم يعد غذائياً فقط؛ بل اتسع إلى السكن والتجهيزات المنزلية والنقل والمطاعم والخدمات، ما يعني تحوله إلى أزمة عامة في تكلفة المعيشة.
المرحلة الرابعة: استقرار هش بين 2017 و2019
شهد عامَا 2017 و2018 تهدئة نسبية، قبل أن تعود الضغوط للارتفاع في 2019.
وارتفع الرقم القياسي خلال الفترة كاملة بنحو 25.3%، في حين ارتفع سعر الصرف الربعي بنحو 51.9%. وسجل عام 2018 تضخماً سنوياً منخفضاً يقارب 1%، لكنه لم يمثل نهاية التضخم البنيوي، بل فترة مؤقتة تزامنت مع تحسن نسبي في الطرق والإمداد والإنتاج وتوافر الطاقة.
تكشف هذه المرحلة أن الاستقرار النسبي في الأسعار يمكن أن يتحقق مؤقتاً حتى ضمن اقتصاد ضعيف، لكنه يبقى هشاً إذا لم تستعد القاعدة الإنتاجية قوتها ولم تتراجع حساسية السوق لسعر الصرف والاستيراد.
المرحلة الخامسة: تضخم معيشي مركب خلال 2020 و2021
مثلت هذه الفترة إحدى أشد المراحل تضخماً، إذ بلغ المعدل السنوي 114% في 2020 ونحو 119% في 2021.
تفاعلت عدة صدمات في وقت واحد:
- تدهور سعر صرف الليرة.
- الأزمة المالية اللبنانية.
- آثار جائحة كورونا.
- ارتفاع أسعار النقل والشحن.
- العقوبات الاقتصادية.
- اختناقات المحروقات والطاقة.
- ارتفاع أسعار الخدمات الصحية والمواد الوقائية.
انتقلت الضغوط في هذه المرحلة من الغذاء إلى السكن والنقل والصحة والخدمات، وأصبح التضخم يشمل معظم بنود إنفاق الأسرة بدلاً من تمركزه في سلعة أو مجموعة محددة.
المرحلة السادسة: تضخم تكاليف المعيشة والطاقة بين 2022 و2024
سجلت هذه الفترة تضخماً سنوياً بلغ 64% في 2022، ثم 130% في 2023، ونحو 108% في 2024.
وتشير الدراسة إلى أن التضخم كان مركباً من تدهور سعر الصرف، واختناقات الوقود والنقل، وارتفاع تكاليف السلسلة اللوجستية، والصدمات الخارجية التي أصابت الحبوب والزيوت عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
كما ارتبطت بعض موجات الأسعار بقرارات رفع أسعار الطاقة والمحروقات وتغيير سياسات الدعم، إلى جانب زيادات الأجور والمعاشات التي دعمت الطلب الاسمي جزئياً، لكنها لم تعوض تآكل القوة الشرائية.
وتصف الدراسة 2023 بأنه عام التسارع الأكبر ضمن هذه المرحلة، بينما كرس 2024 انتقال الأسعار إلى مستويات أعلى وأكثر اتساعاً.
عام 2025: انخفاض كبير، لكن هل انتهى التضخم؟
يمثل عام 2025 أكثر أجزاء الدراسة حساسية؛ إذ انخفض متوسط الرقم القياسي السنوي بنحو 27% مقارنة بعام 2024، كما انخفض المؤشر بين الربعين الأول والرابع من 34,132 نقطة إلى نحو 20,554 نقطة، أي بنحو 39.8%.
لكن هذا الانخفاض لم يكن منتظماً طوال العام.
فبعد تراجع حاد في الربع الثاني، استمر الانخفاض بوتيرة أضعف خلال الربع الثالث، ثم ارتفع المؤشر مجدداً بنحو 5.4% في الربع الرابع مقارنة بالربع الثالث. كما ارتفع سعر الصرف خلال الجزء الأخير من العام بعد وصوله إلى مستوى منخفض في الربع الثاني.
لذلك تصف الدراسة 2025 بأنه عام تصحيح سعري قوي أعقبه ارتداد جزئي، وليس عودة نهائية إلى استقرار الأسعار.
من أين جاء الانخفاض؟
كانت الأغذية والمشروبات غير الكحولية مسؤولة عن نحو 56.5% من الانخفاض الكلي في المؤشر، بينما ساهم النقل بنحو 46.1%. وتداخلت مساهمات مجموعات ارتفعت أسعارها مع المجموعات التي سجلت تراجعاً، ولذلك يمكن أن تتجاوز الحصص الموجبة للانخفاض 100% عند احتساب المساهمات المعاكسة.
وضمن الغذاء، جاءت اللحوم في مقدمة المجموعات المساهمة في الانخفاض، تلتها الزيوت والدهون، ثم البقول والخضار، واللبن والجبن والبيض، والخبز والحبوب.
وتربط الدراسة التصحيح بتحسن الوصول إلى الأسواق، وتراجع بعض اختناقات التوريد، والانفتاح النسبي، وانخفاض سعر الصرف خلال جزء من العام.
لماذا لا يعني تضخم سالب أن الأسعار عادت إلى مستويات طبيعية؟
اعتمدت الدراسة عام 2010 أساساً بقيمة 100 نقطة. وبلغ متوسط الرقم القياسي في 2025 نحو 24,138.6 نقطة.
وهذا يعني حسابياً أن مستوى الأسعار المقاس بالسلة أصبح قرابة 241 مرة مستواه في سنة الأساس، رغم انخفاضه مقارنة بعام 2024.
بمعنى آخر، انخفاض الأسعار في 2025 جاء من قمة مرتفعة للغاية، ولم يُعد القوة الشرائية أو تكاليف المعيشة إلى مستويات سابقة.
كما أن الانكماش السعري لا يكون إيجابياً في جميع الحالات. فقد ينتج عن تحسن العرض وتراجع تكاليف الاستيراد، لكنه قد يرتبط أيضاً بضعف الطلب وعجز المستهلكين عن الشراء.
تركز الدراسة في تفسير 2025 على سعر الصرف وتحسن الإمداد والانفتاح النسبي. ومن زاوية تحليلية أوسع، يحتاج تقييم جودة هذا الانخفاض إلى معرفة ما إذا كان قد ترافق مع زيادة الإنتاج والمبيعات والدخول الحقيقية، أم مع استمرار ضعف الطلب الاستهلاكي.
سعر الصرف: العامل الأكثر ثباتاً وليس العامل الوحيد
تعتبر الدراسة تدهور سعر الصرف العامل الأكثر تأثيراً عبر الفترة المدروسة، لأنه يرفع أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ثم ينتقل إلى البدائل المحلية والخدمات.
وفي 2025، بلغ معامل الارتباط بين التغير الربعي في الرقم القياسي والتغير الربعي في سعر الصرف نحو 0.95، وهي علاقة قوية تشير إلى أن تحركات الأسعار بقيت شديدة الصلة بحركة الليرة.
لكن الارتباط لا يعني أن سعر الصرف يفسر كل تغير في الأسعار، أو أن تحسن العملة سيخفض جميع الأسعار بالمقدار نفسه.
فالدراسة نفسها توضح تدخل عوامل أخرى، منها:
- اختناقات الإمداد.
- تكاليف الطاقة.
- أجور النقل والتخزين.
- السياسات الإدارية والتسعيرية.
- مستويات المنافسة.
- توقعات التجار والمستهلكين.
- سرعة استجابة الأسعار للانخفاض مقارنة بسرعة استجابتها للارتفاع.
وغالباً ما تكون استجابة السوق غير متناظرة؛ إذ ترتفع الأسعار سريعاً عند تدهور العملة، لكنها قد تنخفض ببطء عند تحسنها بسبب المخزون المرتفع التكلفة، وعدم اليقين، وتكاليف الاستبدال، واتساع الهوامش الاحتياطية.
الطاقة والنقل: كيف تنتقل الصدمة إلى كامل الاقتصاد؟
توضح الدراسة أن أسعار الطاقة لا تمثل بنداً استهلاكياً منفصلاً فقط، بل قناة تنقل التضخم إلى بقية القطاعات.
عندما ترتفع أسعار المازوت أو البنزين أو الكهرباء، تتأثر:
- تكاليف تشغيل المصانع والورش.
- نقل العمال والمواد والمنتجات.
- الزراعة والري وتشغيل الآليات.
- التبريد والتخزين.
- المخابز والصناعات الغذائية.
- الخدمات والمطاعم والفنادق.
- أسعار السكن والخدمات المرتبطة به.
لهذا ربطت الدراسة القفزات التضخمية بتعديلات أسعار المحروقات، خصوصاً في أعوام 2013 و2016 و2020 و2021 و2023 و2024.
ويعني ذلك أن أي قرار متعلق بتسعير الطاقة يجب ألا يُقيّم فقط من زاوية إيرادات الخزينة أو تكلفة الدعم، بل أيضاً من زاوية أثره المتسلسل على الإنتاج والنقل والغذاء ومستوى المعيشة.
الأجور: لماذا لا تحمي الزيادات الاسمية القوة الشرائية؟
ترى الدراسة أن زيادات الرواتب والأجور خففت جزءاً من تراجع الدخل الاسمي، لكنها لم تستطع حماية القوة الشرائية في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وضعف الإنتاج.
وقد تتحول زيادة الأجور إلى موجة طلب إضافية إذا لم تترافق مع زيادة مقابلة في السلع والخدمات. كما قد يعيد السوق تسعير منتجاته مسبقاً عند توقع زيادة الدخول، فتُمتص الزيادة قبل أن تتحول إلى تحسن حقيقي في مستوى المعيشة.
لذلك لا يكفي قياس السياسة من خلال نسبة زيادة الراتب، بل يجب مقارنة:
- نمو الأجر الاسمي.
- التضخم خلال الفترة نفسها.
- تغير تكلفة السلة الأساسية.
- الإنتاجية والإنتاج المحلي.
- القدرة على الوصول إلى السلع والخدمات.
- توزيع الزيادة بين شرائح الدخل المختلفة.
أهم ملاحظة منهجية: هل ما زالت السلة تمثل الأسرة السورية؟
تعترف الدراسة بأن سلة المستهلك المبنية على مسح 2008–2009 لم تعد ممثلة بصورة كافية لأنماط الإنفاق والاستهلاك خلال السنوات اللاحقة. كما تقر بأن تحليل سوريا بوصفها سوقاً واحدة يخفي الاختلافات الكبيرة بين المحافظات.
وتعد هذه الملاحظة أساسية لعدة أسباب.
فخلال خمسة عشر عاماً تغيرت:
- تركيبة الأسر ومناطق سكنها.
- حصة الغذاء والطاقة من الإنفاق.
- أنماط النقل واستخدام المولدات والطاقة البديلة.
- تكاليف التعليم والصحة والسكن.
- الاعتماد على المساعدات والتحويلات.
- الفوارق بين المحافظات والمناطق.
- جودة السلع والكميات التي تستطيع الأسر شراءها.
وقد تضطر الأسر عند تراجع الدخل إلى استبدال اللحوم أو الألبان أو الفواكه بسلع أرخص، أو تقليل استهلاك بعض الخدمات تماماً. وعندما تبقى الأوزان ثابتة، قد لا يعكس المؤشر بصورة كاملة التحول القسري في نمط المعيشة.
هذا لا يلغي قيمة السلسلة الإحصائية؛ فثبات الأوزان يسمح بالمقارنة عبر الزمن، لكنه يعني أن المؤشر يحتاج إلى تحديث أو إلى سلسلة موازية تعكس بنية الاستهلاك الحالية.
ماذا تقول الدراسة عن بداية 2026؟
تتضمن الدراسة «قراءة سريعة» لعام 2026، لكنها لا تمثل قياساً سنوياً نهائياً أو بديلاً عن نشرة رسمية مكتملة.
وتشير هذه القراءة إلى تعرض السوق لضغوط جديدة نتيجة الاضطرابات الإقليمية وطرق الشحن، وارتفاع أسعار بعض المواد خلال فترة قصيرة، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والتأمين وتراجع بعض التحويلات.
كما تذكر أن سعر الصرف ارتفع من نحو 11,450 إلى 13,200 ليرة، بنسبة تقارب 15%، وترى أن ذلك قد يضغط على أسعار الطاقة والمواد والخدمات ويمتص جزءاً من الزيادات الاسمية في الدخول.
وتبقى هذه القراءة أولية؛ إذ يحتاج تقييم تضخم 2026 إلى بيانات شهرية وربعية مكتملة، وتفصيل حسب المجموعات والمحافظات.
ماذا تعني النتائج للسياسة الاقتصادية؟
توضح الدراسة أن معالجة التضخم لا يمكن أن تعتمد على أداة واحدة.
استقرار العملة ضروري لكنه غير كافٍ
يخفض استقرار سعر الصرف تكلفة المستوردات ومدخلات الإنتاج، لكنه لن يحقق استقراراً دائماً إذا بقي الإنتاج ضعيفاً والطاقة نادرة والنقل مكلفاً والأسواق مجزأة.
زيادة الإنتاج أكثر استدامة من ضبط الأسعار إدارياً
الرقابة قد تحد من بعض المخالفات، لكنها لا تعالج نقص السلع أو ارتفاع تكلفتها. ويتطلب تخفيف التضخم زيادة إنتاج الغذاء والسلع الأساسية، وتحسين الطاقة والتمويل والنقل.
قرارات الطاقة يجب أن تسبقها دراسة أثر تضخمي
أي تعديل لأسعار المحروقات والكهرباء ينتقل إلى عشرات السلع والخدمات. لذلك تحتاج القرارات إلى حساب الأثر المباشر وغير المباشر، وتحديد القطاعات الأكثر تعرضاً.
الأجور يجب أن ترتبط بالإنتاجية والعرض
زيادة الأجر دون زيادة الإنتاج قد ترفع الطلب الاسمي فقط. أما التحسن المستدام في الدخل الحقيقي فيحتاج إلى نمو الإنتاج وانخفاض تكاليفه وتحسن كفاءة السوق.
الحماية الاجتماعية يجب أن تكون أكثر استهدافاً
لا تتأثر جميع الأسر بالتضخم بالطريقة نفسها. فالأسر الأقل دخلاً تنفق نسبة أكبر على الغذاء والطاقة والنقل، ولذلك تتحمل أثراً أكبر من ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ماذا تعني الدراسة للشركات والمستثمرين؟
بالنسبة إلى الشركات، التضخم ليس مجرد ارتفاع في سعر المستهلك، بل يؤثر في كامل دورة العمل.
إدارة رأس المال العامل
ارتفاع أسعار المواد يجعل الشركة تحتاج إلى سيولة أكبر لشراء الكمية نفسها، حتى عندما لا يتغير حجم الإنتاج.
سياسة التسعير
التسعير الثابت لفترات طويلة يصبح محفوفاً بالمخاطر في القطاعات المرتبطة بالدولار أو الطاقة. وتحتاج العقود إلى آليات مراجعة واضحة لا تتحول في الوقت نفسه إلى تسعير عشوائي.
المخزون
قد يحمي المخزون من نقص المواد وارتفاعها، لكنه يجمّد السيولة ويعرض الشركة لخسائر إذا انخفضت الأسعار كما حدث في أجزاء من 2025.
مخاطر سعر الصرف
حتى الشركات التي لا تستورد مباشرة تتأثر بالدولار عبر المواد الأولية والطاقة والنقل وقطع التبديل والموردين المحليين.
التمييز بين نمو المبيعات والنمو الحقيقي
ارتفاع قيمة المبيعات بالليرة لا يعني بالضرورة نمو النشاط. يجب مقارنة الإيرادات بالتضخم، وكميات المبيعات، وهوامش الربح الحقيقية.
اختلاف المخاطر بين القطاعات
الصناعات الغذائية والنقل والطاقة والتجارة المستوردة أكثر حساسية للصرف والإمداد، بينما تواجه الخدمات تحديات مختلفة مرتبطة بالدخل المتاح وضعف الطلب.
ما البيانات التي يحتاجها السوق بعد هذه الدراسة؟
تمثل الدراسة خطوة مهمة في بناء قراءة طويلة الأجل، لكن تطويرها إلى أداة مستمرة لاتخاذ القرار يحتاج إلى نشر دوري لمجموعة أوسع من المؤشرات:
- رقم قياسي شهري وربعي منشور بانتظام.
- تضخم حسب المحافظات.
- تضخم الغذاء والطاقة الأساسي.
- مؤشر أسعار المنتجين وتكاليف الصناعة.
- مؤشر لتكاليف النقل والخدمات اللوجستية.
- مقارنة الأجور بتكلفة سلة معيشة محدثة.
- تحديث مسح دخل ونفقات الأسرة.
- أوزان جديدة لسلة المستهلك.
- فصل أثر سعر الصرف عن أثر الطاقة والإمداد.
- بيانات عن الكميات المتاحة، لا الأسعار فقط.
- معدل تضخم أساسي يستبعد البنود شديدة التقلب.
- نشر المنهجية والبيانات القابلة للتحميل والتحليل.
قراءة بوابة الأعمال السورية
القيمة الأهم للدراسة ليست في رقم واحد أو سنة واحدة، بل في اعترافها بأن التضخم السوري أصبح ظاهرة بنيوية متعددة القنوات.
فسعر الصرف يرفع تكلفة الاستيراد، لكن ضعف الإنتاج يجعل البديل المحلي غير قادر على كبح الأسعار. وارتفاع الطاقة ينتقل إلى النقل، ثم إلى الغذاء والخدمات. وضعف الثقة يدفع إلى التسعير المسبق. وزيادة الأجور دون نمو العرض تخفف الضغط مؤقتاً قبل أن تستعيد الأسعار أثرها.
وتعني هذه الحلقة أن خفض التضخم بصورة مستدامة يتطلب العمل المتزامن على:
- استقرار نقدي ومالي قابل للاستمرار.
- زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي.
- توفير الطاقة بتكلفة يمكن توقعها.
- فتح طرق الإمداد وتقليل تكاليف النقل.
- تحسين المنافسة وشفافية الأسواق.
- حماية اجتماعية موجهة.
- قاعدة إحصائية حديثة تعكس واقع الأسر والشركات.
الخلاصة
تكشف دراسة التضخم بين 2010 و2025 أن الاقتصاد السوري لم يواجه موجة أسعار واحدة، بل انتقل عبر مراحل متعاقبة بدأت باضطراب محدود، ثم صدمة في العرض وسعر الصرف، وانتهت بتضخم بنيوي يمس الغذاء والطاقة والنقل والسكن والخدمات.
ويشكل انخفاض الأسعار خلال 2025 تطوراً مهماً، لكنه لا يكفي لإعلان نهاية الأزمة التضخمية. فالأسعار بقيت أعلى بكثير من سنة الأساس، وعاد المؤشر إلى الارتفاع في الربع الأخير، كما بقيت العلاقة بسعر الصرف والطاقة والإمداد قوية.
السؤال الأساسي للمرحلة المقبلة ليس فقط: هل انخفض معدل التضخم؟
بل:
هل أصبح الانخفاض ناتجاً عن زيادة الإنتاج وتحسن الإمدادات واستقرار العملة، أم عن ضعف الطلب المؤقت؟ وهل تستطيع الأسر والشركات بناء قراراتها على أسعار أكثر استقراراً وقابلية للتوقع؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان عام 2025 بداية انتقال اقتصادي حقيقي، أم مجرد تصحيح مؤقت داخل مسار تضخمي طويل.