من رفع القيود إلى اختبار الاستثمار: ماذا تكشف أول بعثة لغرفة التجارة الأميركية إلى سوريا؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
لم تعد العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية تقف عند سؤال ما إذا كان دخول السوق السورية ممكناً قانونياً.
في دمشق، انتقل النقاش خلال 14 و15 أيلول 2026 إلى مستوى أكثر صعوبة وأكثر أهمية: هل يمكن تحويل الانفتاح القانوني والسياسي إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ والتوسع؟
هذا هو المعنى الأعمق للبعثة الاقتصادية التي تقودها غرفة التجارة الأميركية إلى سوريا للمرة الأولى، والتي تضم ممثلين عن 50 شركة وأكثر من 80 مندوباً من قطاعات مختلفة، بحسب نائب رئيس غرفة التجارة الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ستيف لوتس. وتأتي الزيارة في إطار سلسلة من الاجتماعات الحكومية والقطاعية التي تركز على الاستثمار والتجارة والخدمات المالية والطاقة والاتصالات والصناعة والبيئة التنظيمية.
حجم الوفد مهم، لكن الرقم وحده لا يكفي لفهم دلالة الحدث.
الأهم أن هذه الشركات لم تُدعَ إلى مؤتمر عام فقط، بل دخلت في ست طاولات نقاش قطاعية ومؤسسية مباشرة مع ست جهات سورية تشكل عملياً معظم البنية التي يحتاجها المستثمر الأجنبي للانتقال من الاهتمام إلى التنفيذ:
وزارة المالية، مصرف سوريا المركزي، هيئة الاستثمار السورية، وزارة الاقتصاد والصناعة، وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، ووزارة الطاقة.
وهنا تحديداً تبدأ القصة الاقتصادية الحقيقية.
أرقام الحدث
| المؤشر | الرقم / التطور |
|---|
| الشركات المشاركة في أول بعثة لغرفة التجارة الأميركية | 50 شركة |
| عدد أعضاء الوفد | أكثر من 80 مندوباً |
| الطاولات القطاعية والمؤسسية المعلنة | 6 |
| الجهات السورية الرئيسية المشاركة | 6 جهات |
| مدة برنامج الزيارة المعلنة | يومان |
| تقدير البنك الدولي لإعادة إعمار الأصول المتضررة | 216 مليار دولار |
| الأضرار المادية المباشرة المقدرة | 108 مليارات دولار |
| حصة أضرار البنية التحتية | 52 مليار دولار |
| منحة تحديث القطاع المالي من البنك الدولي | 100 مليون دولار |
| توقع صندوق النقد للنمو في 2026 | نمو من خانتين |
| تاريخ انتهاء برنامج العقوبات الأميركية الشاملة على سوريا | 1 تموز 2025 |
| إلغاء قانون قيصر | 18 كانون الأول 2025 |
| رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب | 24 آب 2026 |
المصادر: غرفة التجارة الأميركية/التغطية الرسمية السورية، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ووزارة الخزانة الأميركية.
لماذا تختلف هذه الزيارة عما سبقها؟
شهدت العلاقات التجارية بين سوريا والولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية عدة محطات، من الحوار السياسي والاقتصادي إلى منتدى الأعمال السوري–الأميركي الذي عقد في دمشق في 13 تموز 2026.
لكن بعثة أيلول تحمل خصائص مختلفة.
فهي، بحسب غرفة التجارة الأميركية، أول بعثة تجارية رسمية للغرفة إلى سوريا، وليست مجرد مشاركة أفراد أو شركات في فعالية محلية. كما تأتي بشركات متعددة القطاعات وتضعها مباشرة أمام الجهات المسؤولة عن الضرائب والمصارف والاستثمار والطاقة والاتصالات والسياسات الصناعية.
وبهذا يمكن قراءة المسار خلال الأشهر الأخيرة على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: إزالة جزء كبير من القيود القانونية الأميركية.
المرحلة الثانية: استكشاف السوق وبناء العلاقات بين الحكومات ومجتمعات الأعمال.
المرحلة الثالثة: فحص المشاريع، إجراءات الاستثمار، التدفقات المالية، المخاطر والشركاء المحليين.
الزيارة الحالية تقع بوضوح في المرحلة الثالثة.
التحول القانوني الأميركي: لماذا أصبح هذا الاجتماع ممكناً الآن؟
لفهم أهمية البعثة، يجب العودة إلى التحولات التي جرت في الإطار الأميركي نفسه.
أنهت الولايات المتحدة برنامج العقوبات الشاملة الخاص بسوريا اعتباراً من 1 تموز 2025. وفي 18 كانون الأول 2025 أُلغي قانون قيصر ضمن قانون موازنة الدفاع الأميركية للسنة المالية 2026. ثم في 24 آب 2026 ألغت وزارة الخارجية تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
هذا لا يعني اختفاء جميع اعتبارات الامتثال.
فالولايات المتحدة أبقت أدوات عقوبات مستهدفة بحق شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام السابق وانتهاكات حقوق الإنسان وتهريب المخدرات وغيرها من الفئات المحددة. ولذلك تظل عمليات الفحص القانوني وKYC والعناية الواجبة جزءاً أساسياً من أي تعامل تجاري أو مالي دولي مع سوريا.
لكن الفرق أصبح جوهرياً:
في السابق كان السؤال الأساسي للشركة الأميركية:
هل يسمح لنا بالدخول؟
أما اليوم فأصبح السؤال:
هل المشروع نفسه يستحق الدخول؟
وهذا انتقال كبير في طبيعة المخاطر.
واشنطن لم تعد تقول فقط إن الاستثمار ممكن
هناك فرق أيضاً بين إزالة المنع القانوني وبين تشجيع الاستثمار.
خلال اجتماعات دمشق، قال نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي جاكوب ماكجي إن الولايات المتحدة تشجع الشركات الأميركية على الاستثمار في السوق السورية، مشيراً إلى وجود فرص واسعة في قطاعات متعددة.
وأشار ماكجي إلى أن عدداً من الشركات الأميركية بدأ بالفعل خطوات عملية في السوق، وذكر بالاسم Chevron وHKN وVisa وMastercard، معتبراً أن الحوار الحالي يمكن أن يتطور من اتصالات أولية إلى مذكرات تفاهم ثم شراكات طويلة الأجل.
هذا التصريح مهم لأنه يضع البعثة في سياق مختلف عن زيارات استطلاع تقليدية.
فهناك الآن شركات أميركية دخلت في مراحل متفاوتة من التعامل، بينما تحاول شركات أخرى تقييم ما إذا كانت الظروف تسمح لها بالسير في الاتجاه نفسه.
الطاقة تقدم أول نموذج فعلي للانتقال من الحوار إلى العقد
من الأمثلة الواضحة على هذا التحول توقيع الشركة السورية للبترول في حزيران 2026 عقداً مع ConocoPhillips وNovaterra لتطوير عدد من حقول الغاز وزيادة إنتاج الحقول القائمة.
وبحسب الإعلان الرسمي، جاء العقد بعد مذكرة تفاهم واجتماعات فنية وقانونية وتجارية، ثم انتقل إلى تحديد آليات التنفيذ.
كما سبق أن استقبل الرئيس أحمد الشرع وفداً من Chevron برئاسة مسؤول تطوير الأعمال بالشركة فرانك ماونت لمناقشة فرص الاستثمار وتطوير البنية التحتية للطاقة.
هذه الحالات مهمة للوفد الحالي لأنها تقدم نموذجاً عملياً لسلسلة الاستثمار:
اهتمام → تفاوض → دراسة فنية وقانونية → اتفاق → تنفيذ.
والتحدي الآن هو ما إذا كان هذا النموذج يمكن أن ينتقل من الطاقة إلى المصارف والتكنولوجيا والصناعة واللوجستيات والخدمات.
ست طاولات نقاش تكشف أين توجد الاختناقات الحقيقية
تركيبة الاجتماعات ربما تكون أهم من تركيبة الوفد نفسه.
المالية: المستثمر يسأل عن النظام وليس عن الإعفاء فقط
شرح وزير المالية محمد يسر برنية للوفد السياسة المالية والضريبية السورية، وتحدث عن العمل على تهيئة ظروف تشريعية وتنظيمية تشجع الاستثمار.
وقال إن عمليات التحويل من وإلى سوريا بدأت تدريجياً، وإن عدداً من البنوك العالمية بدأ الحوار ودراسة فرص التعامل مع المصارف السورية.
بالنسبة للمستثمر المؤسسي، هذه النقطة أكثر أهمية من مجرد نسبة الإعفاء الضريبي.
الشركة تحتاج إلى معرفة:
كيف يدخل رأس المال؟
كيف تُدفع مستحقات الموردين؟
هل يمكن تحويل الأرباح؟
كيف تعمل الاعتمادات والضمانات؟
وما درجة وضوح النظام الضريبي؟
هذه أسئلة تحدد قابلية الاستثمار أكثر مما تحددها تكلفة الأرض أو اليد العاملة وحدها.
مصرف سوريا المركزي: الاستثمار يحتاج إلى نظام مالي يعمل
قال حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان إن البنك يعمل على توفير بيئة مصرفية مستقرة للمستثمرين واستقطاب مؤسسات مالية خارجية وتسهيل عمل التجار والصناعيين والمستثمرين.
والأهمية هنا كبيرة لأن المؤسسات الدولية ما زالت تعتبر القطاع المصرفي أحد أكبر نقاط الضعف في الاقتصاد السوري.
صندوق النقد الدولي وصف النظام المصرفي في آب بأنه شديد الاختلال وظيفياً، وشدد على الحاجة العاجلة إلى إعادة تأهيل المصارف، وإجراء تقييم شامل لأوضاعها المالية، وتطوير قوانين البنك المركزي والمصارف، وتعزيز الإشراف ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
إذن، عندما تجلس الشركات الأميركية مع المصرف المركزي، فهي لا تناقش مسألة فنية هامشية.
هي تناقش أحد الشروط الأساسية لعودة الاستثمار واسع النطاق.
100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي: الإصلاح أصبح مشروعاً تنفيذياً
في آب 2026 وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي السوري، بهدف بناء أنظمة مالية حديثة وآمنة ورقمية وتحسين الثقة بالتدفقات المالية الرسمية.
هذه الخطوة مهمة في سياق الوفد الأميركي لأنها تعني أن إصلاح القطاع المصرفي لم يعد مجرد توصية نظرية.
هناك الآن برنامج دولي ممول يركز على البنية التحتية المالية والمؤسسات والرقابة والمدفوعات.
بالنسبة للشركات الأميركية، كل تقدم في هذا المسار يخفض جزءاً من تكلفة المخاطر غير التجارية المرتبطة بدخول سوريا.
هيئة الاستثمار: من «إظهار الفرص» إلى خدمة المستثمر
في اجتماع هيئة الاستثمار، دار النقاش حول الامتيازات والتسهيلات والإعفاءات، لكن التصريح الأكثر أهمية كان أن بعض الشركات المشاركة بدأت أعمالها بالفعل وناقشت خلال الاجتماع توسيع أنشطتها أو إطلاق خدمات جديدة.
هذا التفصيل يستحق التوقف عنده.
فالاستثمار الأجنبي لا يقاس بعدد الوفود التي تصل إلى المطار، بل بعدد الشركات التي:
تفتح كياناً قانونياً.
توظف فريقاً.
توقع عقداً.
تدخل رأس مال.
تشتري معدات.
تطلق خدمة.
ثم تقرر التوسع.
إذا تحولت مهمة هيئة الاستثمار من الترويج إلى إدارة رحلة المستثمر كاملة، يصبح هذا مؤشراً مؤسسياً أكثر أهمية من أي حملة علاقات عامة.
الاقتصاد والصناعة: الرسالة السورية للشركات الأميركية واضحة
قدم وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار خلال الاجتماع واحدة من أوضح الرسائل الاقتصادية في الزيارة: سوريا لا تريد الشركات الأجنبية لمجرد البيع في السوق، بل تريدها أن تنتج فيها، وتورد منها، وتوزع عبرها إلى أسواق أخرى.
كما حدد الوزير القيمة التي يمكن أن تجلبها الشركات الأميركية في مجالات تخصيص رأس المال والتكنولوجيا وإدارة المشاريع والهندسة المالية والإنتاجية والحوكمة.
هذه نقطة جوهرية.
بالنسبة لسوريا، القيمة الأعلى لا تأتي من زيادة الواردات الأميركية.
تأتي عندما يؤدي دخول الشركات إلى:
رأس مال + إنتاج محلي + تقنية + تدريب + سلسلة موردين + قدرة تصديرية.
وهو أيضاً النموذج الأكثر قابلية للاستمرار للشركة الأجنبية نفسها، لأنه يحول سوريا من سوق استهلاك إلى قاعدة أعمال.
الاتصالات: من إعادة التأهيل إلى بنية العقود المقبلة
أبلغ وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل الوفد أن الهدف لا يقتصر على إصلاح الشبكات الحالية، بل بناء بنية تستطيع تلبية احتياجات العقود المقبلة.
وتحدث عن الشبكة الفقارية الوطنية، ونقل البيانات، والاستثمار في شبكات الجيل الخامس 5G.
يأتي ذلك في وقت انتقلت فيه سوريا إلى تنفيذ مشاريع اتصال دولي جديدة، ومن بينها كبل «إيبلا» البحري وربطه مستقبلاً بالبنية الوطنية.
وبالتالي قد يصبح قطاع الاتصالات واحداً من أكثر القطاعات ملاءمة للشراكات الأميركية، لأنه يجمع بين:
البنية التحتية.
البرمجيات.
الحوسبة السحابية.
الأمن السيبراني.
مراكز البيانات.
الخدمات الرقمية.
والاتصال الإقليمي.
الطاقة: الاختبار الأول لسرعة الإجراءات
قال معاون وزير الطاقة إبراهيم العدهان إن إجراءات الموافقات على الشراكات والاستثمارات جرى تقليصها من سنوات إلى بضعة أشهر، وأشار إلى مذكرات واتفاقات مع شركات أميركية وسعودية في النفط والغاز.
إذا أمكن تثبيت هذا التحسن عملياً، فهو عنصر تنافسي مهم.
رأس المال الدولي لا يقارن فقط معدل العائد المتوقع؛ بل يقارن أيضاً الزمن اللازم للوصول إلى التشغيل.
مشروع يحقق عائداً مرتفعاً لكنه يحتاج سنوات من الموافقات قد يكون أقل جاذبية من مشروع بعائد أقل يمكن تنفيذه خلال أشهر.
حجم الفرصة: 216 مليار دولار ليست «سوقاً» جاهزة
البنك الدولي يقدر تكلفة إعادة إعمار الأصول السورية المتضررة بنحو 216 مليار دولار.
وتقدر الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار:
- 52 مليار دولار في البنية التحتية.
- 33 ملياراً في المباني السكنية.
- 23 ملياراً في المباني غير السكنية.
كما يعادل تقدير إعادة الإعمار نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري المقدر لعام 2024.
هذه الأرقام تظهر حجم الطلب المحتمل، لكنها تحتاج إلى قراءة مهنية.
216 مليار دولار ليست محفظة مشروعات جاهزة تنتظر شركات أجنبية.
بين «الاحتياج» و«المشروع القابل للاستثمار» توجد حلقات كثيرة:
ملكية الأرض.
التصميم.
التراخيص.
التعرفة.
مصدر الإيراد.
العملة.
الضمانات.
العقد.
التمويل.
والقدرة على تحصيل العائد.
لهذا يجب أن يكون التحدي السوري في المرحلة المقبلة هو تحويل جزء متزايد من الاحتياجات إلى مشروعات Bankable Projects يمكن للمصرف والمستثمر وشركة الهندسة تقييمها وتسعير مخاطرها.
اقتصاد يتعافى… لكن المستثمر سيقرأ المخاطر أيضاً
تأتي البعثة في لحظة تظهر فيها مؤشرات اقتصادية أكثر إيجابية.
صندوق النقد الدولي توقع في آب أن يسجل الاقتصاد السوري نمواً من خانتين خلال 2026 مع استمرار نمو قوي في 2027، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز والكهرباء والتجارة والخدمات وعودة السكان وزيادة الزوار والإنفاق الحكومي.
لكن الصندوق أشار في الوقت نفسه إلى تحديات لا ينبغي تجاهلها.
التضخم ارتفع مجدداً خلال 2026.
النمو غير متساوٍ جغرافياً.
الفقر ما يزال واسعاً.
النظام المصرفي يحتاج إلى إعادة تأهيل عاجلة.
والاقتصاد يحتاج إلى تحسين البيانات والمؤسسات ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هذه الصورة المزدوجة مهمة.
فالمستثمر المهني لا يحتاج إلى سردية تقول إن «كل شيء أصبح جيداً».
يحتاج إلى سوق يعترف بمشكلاته، ويملك برنامجاً عملياً لمعالجتها.
ما الذي قد يجذب الشركات الأميركية تحديداً؟
القيمة التي يمكن أن تضيفها الشركات الأميركية لسوريا تختلف من قطاع لآخر.
في الطاقة، هناك التكنولوجيا والخدمات الهندسية وإدارة الحقول ورأس المال.
في الاتصالات، هناك الشبكات والحوسبة والأمن السيبراني والخدمات السحابية.
في الصناعة، هناك الأتمتة والإنتاجية وسلاسل التوريد.
في التمويل، هناك البنوك المراسلة والمدفوعات وتمويل التجارة وهيكلة الصفقات.
وفي البنية التحتية، هناك إدارة المشاريع والتمويل والهندسة والمشتريات.
لكن في المقابل، لدى سوريا أيضاً أصول يمكن أن تكون ذات قيمة للشركات الأميركية:
سوق تحتاج إلى إعادة بناء واسعة.
موقع يربط المتوسط بالعراق وتركيا والأردن.
قاعدة بشرية وفنية.
تكاليف تشغيل محتملة تنافسية.
أسواق إقليمية قريبة.
وحاجة كبيرة إلى التكنولوجيا ورأس المال والخدمات.
المعادلة الناجحة يجب أن تبنى على تبادل قيمة، لا على فكرة مانح ومتلقٍ.
من سيستفيد داخل القطاع الخاص السوري؟
أهم أثر للبعثة قد لا يكون تأسيس شركات أميركية مملوكة بالكامل.
قد يظهر الأثر الأكبر عبر الشركات السورية نفسها.
كل مشروع دولي كبير يحتاج إلى شبكة محلية من:
مقاولين.
موردين.
محامين.
محاسبين.
شركات لوجستية.
مهندسين.
شركات تقنية.
خدمات موارد بشرية.
تدريب.
صيانة.
توزيع.
وبالتالي فإن دخول الشركات الأميركية يمكن أن يكون فرصة لبناء سلاسل قيمة محلية، بشرط أن تكون الشركات السورية جاهزة لمعايير التدقيق والامتثال والجودة والعقود الدولية.
هنا يجب أن يبدأ القطاع الخاص السوري بالسؤال:
ليس فقط «من سيستثمر؟»
بل:
هل نحن جاهزون لنكون المورد والشريك المحلي لهذا المستثمر؟
ما الذي تحتاجه الشركات الأميركية قبل الالتزام برأس مال كبير؟
من خلال طبيعة الاجتماعات والتوصيات الدولية، يمكن تحديد ثمانية ملفات ستؤثر في القرارات القادمة:
1. النظام المصرفي والتحويلات
ليس كافياً السماح القانوني بالاستثمار إذا بقي تحويل الأموال مكلفاً أو بطيئاً.
2. وضوح القواعد
المستثمر يحتاج إلى قوانين قابلة للتنبؤ، وليس استثناءات لكل مشروع.
3. قابلية إنفاذ العقود
طريقة حل النزاعات والتحكيم وحقوق المستثمر ستكون جزءاً من أي Due Diligence.
4. البيانات
غياب بيانات مالية وقطاعية موثوقة يرفع تكلفة تقييم السوق.
وصندوق النقد نفسه أشار إلى فجوات مهمة في جودة البيانات السورية.
5. الشريك المحلي
اختيار الشريك لن يعتمد فقط على العلاقات، بل على الملكية والحوكمة والسجل المالي والامتثال.
6. العملة
الإيرادات المحلية مع تكاليف رأسمالية بالدولار تخلق مخاطر صرف يجب تصميم حلول لها.
7. البنية التحتية
الكهرباء واللوجستيات والاتصالات ليست عوامل مساعدة فقط؛ بل تدخل مباشرة في نموذج تكلفة المشروع.
8. الاستقرار التشريعي والسياسي
المشاريع الأميركية الكبرى لا تحسب عائد السنة الأولى فقط؛ بعضها يحسب المخاطر على 10 أو 20 عاماً.
المؤشر الحقيقي ليس حجم الوفد
من الطبيعي أن يحظى وصول 50 شركة وأكثر من 80 مندوباً باهتمام واسع.
لكن إذا أردنا تقييم الحدث بعد ستة أشهر، فعدد أعضاء الوفد لن يكون أهم رقم.
المؤشرات الأفضل ستكون:
كم شركة بدأت عملية Due Diligence رسمية؟
كم شركة اختارت شريكاً سورياً؟
كم مذكرة تفاهم تحولت إلى عقد؟
كم عقداً وصل إلى Financial Close؟
كم رأس مال دخل فعلياً؟
كم شركة افتتحت مكتباً أو وظفت فريقاً؟
كم شركة سورية دخلت سلسلة التوريد؟
وكم مشروعاً انتقل من الإعلان إلى الموقع؟
هذه هي الأرقام التي ستحدد ما إذا كانت بعثة أيلول محطة علاقات عامة أم بداية دورة استثمار جديدة.
نقطة التحول الأهم: من «رفع العقوبات» إلى «خفض المخاطر»
هناك خطأ شائع في قراءة مرحلة ما بعد العقوبات.
رفع العقوبات يزيل مخاطر قانونية كبيرة، لكنه لا يزيل تلقائياً:
مخاطر الائتمان.
مخاطر العملة.
مخاطر التنفيذ.
مخاطر الطرف المقابل.
مخاطر البيانات.
مخاطر البنية التحتية.
ولا مخاطر السوق.
لذلك فإن المرحلة التالية لسوريا ليست فقط الاحتفال بإزالة القيود.
هي بناء مؤسسات تجعل المخاطر المتبقية قابلة للقياس والتسعير والإدارة.
وهذا بالضبط ما تكشفه طبيعة الاجتماعات الحالية.
فوجود وزارة المالية والمصرف المركزي وهيئة الاستثمار والاقتصاد والطاقة والاتصالات على طاولة واحدة مع الشركات الأميركية يعني أن السؤال لم يعد سياسياً فقط.
أصبح سؤالاً يتعلق بـاقتصاديات المشروع.
لماذا قد تكون البعثة مهمة للولايات المتحدة أيضاً؟
العلاقة ليست أحادية الاتجاه.
إعادة فتح سوق بحجم الاحتياجات السورية تمنح الشركات الأميركية فرصة مبكرة في قطاعات ستشهد استثمارات كبيرة لسنوات.
لكن هناك أيضاً عامل المنافسة.
رأس المال الخليجي والتركي والأوروبي والشركات الإقليمية يتحرك بالفعل في سوريا.
بالنسبة للشركات الأميركية، الانتظار لسنوات قد يعني دخول السوق بعد أن تصبح العلاقات والموردون وحصص السوق موزعة بين منافسين سبقوها.
في المقابل، الدخول المبكر يحمل مخاطر أعلى.
ولهذا فإن 2026 قد يكون عاماً تتنافس فيه الشركات على توقيت الدخول بقدر تنافسها على الفرصة نفسها.
ما الذي يمكن أن يجعل سوريا منصة وليس مجرد سوق؟
الرسالة التي قدمها وزير الاقتصاد للشركات الأميركية، حول الإنتاج داخل سوريا والتوريد منها وخدمة الأسواق الإقليمية عبرها، ربما تكون أكثر الأفكار استراتيجية في الاجتماعات.
إذا أصبحت العلاقة قائمة فقط على استيراد المعدات والمنتجات، فستحصل سوريا على تحديث جزئي لكنها ستستهلك جزءاً كبيراً من العملة الأجنبية.
أما إذا دخل المستثمر عبر:
مصنع.
مركز بيانات.
مركز صيانة إقليمي.
قاعدة لوجستية.
مركز خدمات.
أو مشروع إنتاج للتصدير،
فستصبح القيمة الاقتصادية أعمق بكثير.
وسيتحول موقع سوريا الجغرافي من حقيقة على الخريطة إلى ميزة تجارية.
الاختبار القادم: هل تستطيع المؤسسات السورية العمل بسرعة الشركات؟
الشركات الأميركية المشاركة ستعود من دمشق ومعها، في الغالب، قوائم من الأسئلة والفرص والجهات المحتملة.
ومن هنا يبدأ اختبار مختلف.
كم يستغرق الرد على استفسار المستثمر؟
هل توجد جهة اتصال واحدة؟
هل يستطيع الحصول على بيانات المشروع؟
هل يمكن ترتيب لقاء مع الجهة المنظمة؟
هل تتغير الشروط أثناء التفاوض؟
هل ترافقه المؤسسة حتى إغلاق الصفقة؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحدد في النهاية Conversion Rate بين الاهتمام والاستثمار.
وقد تكون أهم من المؤتمرات نفسها.
الخلاصة: دمشق دخلت مرحلة أصعب من مرحلة رفع العقوبات
أهمية أول بعثة لغرفة التجارة الأميركية إلى سوريا لا تكمن فقط في أنها تضم 50 شركة وأكثر من 80 مندوباً.
تكمن في توقيتها وطبيعة الأسئلة التي أصبحت تُطرح.
خلال أقل من عامين، تحولت البيئة الأميركية المتعلقة بسوريا بصورة كبيرة:
انتهى برنامج العقوبات الشاملة.
أُلغي قانون قيصر.
رُفع تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
بدأت شركات أميركية خطوات عملية.
وها هي غرفة التجارة الأميركية تقود أول بعثة متعددة القطاعات إلى دمشق.
لكن هذه ليست نهاية مسار الانفتاح.
إنها بداية الاختبار الأصعب.
البنك الدولي يقدر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، وصندوق النقد يرى تعافياً اقتصادياً قوياً، لكن النظام المالي والمؤسسات والبيانات والبنية التحتية ما تزال بحاجة إلى إصلاح واسع.
لذلك فإن السؤال الذي سيحدد قيمة هذه البعثة ليس:
هل جاءت الشركات الأميركية إلى دمشق؟
فقد جاءت بالفعل.
السؤال الآن هو:
هل تستطيع سوريا تحويل اهتمامها إلى مشاريع قابلة للتمويل، وتحويل المشاريع إلى عقود، والعقود إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى إنتاج ووظائف وصادرات وشراكات مستدامة؟
وبالنسبة للشركات الأميركية، هناك سؤال مقابل:
هل تمثل سوريا اليوم سوقاً عالية المخاطر يجب انتظارها، أم سوقاً في بداية دورة تعافٍ يصبح الدخول المبكر إليها ميزة تنافسية؟
الإجابة لن تظهر في قاعة الاجتماعات.
ستظهر في الأشهر المقبلة، عندما نعرف أي الشركات عادت إلى دمشق للمرة الثانية، وأيها فتحت مكتباً، وأيها اختارت شريكاً، وأيها وضعت رأس مال فعلياً على الأرض.
وهنا بالتحديد ستنتقل العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية من مرحلة إعادة الاتصال إلى مرحلة الاستثمار الحقيقي.