جسر بين الأسواق وممر للتجارة: كلمة الرئيس الشرع في معرض دمشق الدولي ترسم ملامح الدور الاقتصادي الجديد لسوريا

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
لم تكن كلمة الرئيس أحمد الشرع خلال افتتاح الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي في 26 آب 2026 خطاباً اقتصادياً تفصيلياً بالمعنى التقليدي، ولم تتضمن أرقاماً للنمو أو حزمة إجراءات استثمارية جديدة. لكن أهميتها تكمن في شيء آخر: تحديد الموقع الذي تريد سوريا أن تشغله في الاقتصاد الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة.
في كلمات قليلة، ربط الرئيس بين استعادة سوريا حضورها الاقتصادي وبين تحويل موقعها الجغرافي إلى وظيفة اقتصادية، عندما تحدث عن سوريا بوصفها “جسراً بين الأسواق، وممراً للتجارة”، وعن دمشق باعتبارها نقطة تتقاطع عندها مصالح الشرق والغرب.
أما الرسالة الثانية، وربما الأكثر أهمية لقطاع الأعمال، فجاءت في تأكيده أن إزالة العوائق ورفع العقوبات لا يمثلان نهاية المسار، وإنما بداية طريق طويل للبناء والإعمار والتنمية.
وبذلك تبدو الكلمة أقرب إلى إعلان اتجاه اقتصادي استراتيجي: الانتقال من مرحلة فك العزلة وإزالة القيود إلى مرحلة أصعب، عنوانها تحويل الانفتاح السياسي والقانوني إلى تجارة واستثمار وإنتاج وبنية تحتية وفرص عمل.
من “سوريا تستقبل العالم” إلى تحديد موقع سوريا في الاقتصاد الإقليمي
يمكن فهم دلالة كلمة هذا العام بصورة أوضح عند مقارنتها بالكلمة التي ألقاها الرئيس الشرع خلال افتتاح الدورة الثانية والستين من معرض دمشق الدولي عام 2025.
في ذلك الوقت، كانت الرسالة الأساسية هي عودة سوريا إلى العالم واستعادة دورها الاقتصادي بعد سنوات من العزلة والتراجع. وتحدث الرئيس حينها عن تاريخ الزراعة والصناعة والتجارة وسلاسل التوريد السورية، وعن تحول البلاد خلال العقود السابقة إلى بيئة طاردة للاستثمار ورؤوس الأموال، قبل أن يقدم عودة المعرض بوصفها بداية صفحة اقتصادية جديدة.
بعد عام واحد، تبدو لغة الدورة الـ63 أكثر تقدماً في تحديد ما يفترض أن يكون عليه الدور الاقتصادي نفسه.
لم تعد الرسالة فقط أن سوريا عادت إلى التواصل مع العالم، بل إن الطموح المعلن هو أن تصبح جزءاً فاعلاً من حركة الأسواق والتجارة بين الشرق والغرب.
هذا التحول مهم؛ لأن الفرق كبير بين اقتصاد يسعى إلى استعادة علاقاته الخارجية، واقتصاد يريد بناء وظيفة إقليمية لنفسه داخل شبكات التجارة والاستثمار والنقل.
والأرقام المحيطة بالدورتين تعطي هذا التحول بعداً عملياً. فقد شارك في دورة 2025 أكثر من 800 شركة وممثلون عن 44 دولة، وانتهت الدورة بعقود واتفاقيات تجاوزت قيمتها 935 مليار ليرة سورية. أما الدورة الحالية فتستقبل نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، وفق بيانات المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية.
“جسر بين الأسواق”: الجغرافيا تتحول من موقع إلى أصل اقتصادي
إحدى أهم العبارات في الكلمة كانت تقديم سوريا كجسر بين الأسواق وممر للتجارة.
اقتصادياً، هذه ليست مجرد استعارة مرتبطة بتاريخ طريق القوافل والتجارة القديمة، وإنما يمكن قراءتها باعتبارها تصوراً لدور جيو-اقتصادي قابل للبناء عليه.
فسوريا تقع بين تركيا وأوروبا شمالاً، العراق والخليج شرقاً، الأردن وشبه الجزيرة العربية جنوباً، ولبنان والبحر المتوسط غرباً. لكن الموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزاً تجارياً.
تحويل هذا الموقع إلى قيمة اقتصادية يتطلب شبكة متكاملة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والمعابر والمناطق الصناعية واللوجستية، إضافة إلى جمارك أكثر كفاءة، وشبكات مدفوعات وتمويل وتأمين، وأنظمة واضحة لحركة البضائع ورؤوس الأموال.
ومن هذه الزاوية، تكتسب المشاريع والمباحثات التي تظهر تباعاً في قطاعات النقل والطرق والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية أهمية تتجاوز كل مشروع منفرد. فإذا تراكمت ضمن رؤية مترابطة، يمكن أن تتحول سوريا تدريجياً من سوق يحتاج إلى إعادة بناء بنيته التحتية إلى عقدة تجارية ولوجستية تخدم أسواقاً أكبر من حدودها الداخلية.
وهنا تحديداً يظهر الفرق بين “إعادة الإعمار” بوصفها إصلاح ما دمر، وبين بناء اقتصاد جديد يستفيد من الإعمار لإعادة تصميم وظيفة البلاد الاقتصادية.
رفع العقوبات: إزالة الحاجز لا تعني اكتمال بيئة الاستثمار
لعل أكثر أجزاء الكلمة واقعية من منظور المستثمر قول الرئيس إن رفع العقوبات لا يعني الوصول إلى النهاية.
وتأتي هذه العبارة في توقيت بالغ الأهمية. فقد أنهت الولايات المتحدة في 24 آب 2026 تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، بعد أن كانت العقوبات الاقتصادية الأمريكية الشاملة على سوريا قد أزيلت اعتباراً من تموز 2025، ثم أُلغي قانون قيصر في كانون الأول 2025. كما رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية الواسعة في أيار 2025، مع استمرار إجراءات موجهة ضد أفراد وكيانات محددة وقيود مرتبطة بالأمن.
اقتصادياً، يعني ذلك أن جزءاً كبيراً من الحواجز القانونية التي كانت تمنع أو تعقّد التعامل مع سوريا قد أزيل بالفعل.
لكن السماح القانوني بالاستثمار ليس هو الاستثمار نفسه.
المصرف الدولي الذي أصبح قادراً قانونياً على التعامل مع بنك سوري يحتاج إلى إعادة بناء إجراءات الامتثال وإدارة المخاطر والعلاقات المصرفية. والشركة الدولية التي لم تعد تواجه حظراً عاماً على الاستثمار تحتاج إلى دراسة السوق والعقود والضرائب والتحويلات والتأمين وتسوية النزاعات. والمستثمر الذي يستطيع الدخول إلى سوريا يحتاج أيضاً إلى التأكد من قدرته على التشغيل وتحويل الأموال والوصول إلى الطاقة والبنية التحتية والموردين والعملاء.
لهذا فإن المرحلة التالية أكثر تعقيداً من مرحلة رفع العقوبات ذاتها.
المرحلة الأولى أزالت كثيراً من “الممنوع”. أما المرحلة الحالية فيجب أن تبني ما يجعل الاستثمار “ممكناً ومجدياً وقابلاً للاستمرار”.
من المشاركة الدولية إلى الاستثمار الفعلي
وصف الرئيس المشاركة الدولية الواسعة في المعرض بأنها مؤشر على الثقة المتزايدة بسوريا.
هناك أساس واضح لهذه القراءة؛ فوجود نحو ألف جهة من قرابة 60 دولة يمثل توسعاً ملحوظاً مقارنة بالدورة السابقة، كما خصصت الأيام الأولى من المعرض لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود الرسمية بهدف عقد اللقاءات وبناء الشراكات وتوقيع الاتفاقيات. وظهرت بالفعل مشاركات من دول وشركات تعود إلى السوق السورية بعد فترات انقطاع طويلة، بينها جناح ألماني يضم 13 شركة، إلى جانب حضور سعودي وتركي وعربي ودولي واسع.
لكن من المهم اقتصادياً الفصل بين ثلاثة مستويات: الاهتمام بالسوق، وتوقيع الاتفاقيات، وتنفيذ الاستثمار.
المشاركة في معرض تعكس اهتماماً واستطلاعاً للسوق. مذكرة التفاهم أو الاتفاق تنقل العلاقة إلى مرحلة أكثر جدية. أما الاستثمار الحقيقي فيبدأ عندما تدخل الأموال، وتقام الأصول، وتبدأ خطوط الإنتاج أو الخدمات، وتظهر الوظائف والإيرادات والقيمة المضافة.
ولهذا فإن المؤشر الأكثر أهمية خلال الأشهر المقبلة لن يكون فقط عدد الوفود التي تزور دمشق، وإنما نسبة المشاريع والاتفاقيات التي تنتقل إلى التنفيذ الفعلي.
إعادة الإعمار ليست الرؤية كاملة
اللافت أيضاً أن كلمة الرئيس لم تتوقف عند “الإعمار”، وإنما وضعت البناء والإعمار والتنمية ضمن مسار واحد.
والفارق جوهري.
إعادة بناء طريق أو محطة كهرباء أو منشأة صناعية مدمرة يمثل إعادة إعمار. أما ربط الطريق بشبكة إقليمية للنقل، وزيادة قدرة محطة الطاقة لدعم الصناعة، وتحديث المنشأة بتكنولوجيا أكثر إنتاجية، وبناء سلاسل توريد وتمويل وأسواق تصديرية حولها، فهو انتقال من الإعمار إلى التنمية.
إذا نجحت سوريا في هذا التحول، فإن الحجم الكبير لاحتياجات إعادة البناء يمكن أن يتحول من عبء مالي إلى فرصة لإعادة تشكيل جزء من الاقتصاد على أسس أكثر إنتاجية.
وهذا يفتح مساحة واسعة أمام قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والإنشاءات والصناعات الهندسية ومواد البناء والصناعة التحويلية والاتصالات والخدمات المالية والتقنية، إلى جانب الزراعة والصناعات الغذائية والتجارة والتصدير.
لكن حجم الفرصة سيكون مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على إنشاء سلاسل قيمة محلية، وليس فقط استيراد المعدات والمواد اللازمة للمشاريع.
ماذا تعني هذه الرؤية للشركات السورية؟
بالنسبة للشركات السورية، يحمل الانفتاح فرصاً كبيرة، لكنه يرفع في الوقت نفسه مستوى المنافسة.
عودة الشركات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا الخارجية يمكن أن تمنح المنتجين السوريين مصادر تمويل وتجهيز وأسواقاً وشركاء لم يكونوا متاحين سابقاً، لكنها ستدخل إلى السوق أيضاً شركات ذات قدرات مالية وإدارية وتقنية أكبر.
لذلك فإن المرحلة المقبلة قد تجعل الحوكمة والجودة والتوثيق المحاسبي والامتثال والمواصفات والشهادات والقدرة على العمل ضمن سلاسل توريد منظمة عناصر تنافسية أكثر أهمية بكثير مما كانت عليه في السوق المغلقة أو المعزولة.
وفي المقابل، لا تحتاج الشركة السورية بالضرورة إلى أن تكون منافساً مباشراً للمستثمر الأجنبي. جزء كبير من الفرص يمكن أن يأتي من الشراكات والمقاولات الفرعية والتوريد والخدمات والتوزيع والتصنيع المحلي وتمثيل الشركات الخارجية.
وكلما ازدادت المشاريع الكبيرة، توسعت حولها عادة منظومة من الفرص الأصغر والمتوسطة، وهو ما يمكن أن يجعل مرحلة الاستثمار المقبلة ذات أثر أوسع على مجتمع الأعمال إذا تمكنت الشركات المحلية من رفع جاهزيتها.
وماذا تعني للمستثمر الخارجي؟
أما بالنسبة للمستثمر العربي والأجنبي، فالرسالة الأساسية التي تحاول سوريا إرسالها باتت أوضح: البلاد تريد رأس المال والشركات والتجارة وتريد إعادة الاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
لكن المستثمر لا يبني قراره على الخطاب السياسي وحده.
ما سيحدد القدرة الفعلية على جذب استثمارات طويلة الأجل هو ما سيجده بعد مغادرة المعرض: سرعة تأسيس الشركة، وضوح التشريعات، استقرار الإجراءات، إمكانية التمويل والتحويل، حماية العقود والملكية، كلفة الطاقة، كفاءة الجمارك، سهولة إدخال المعدات والمواد الأولية، وتوافر بيانات يمكن بناء دراسة السوق عليها.
بعبارة أخرى، أصبحت سوريا قادرة بدرجة أكبر على فتح الباب أمام المستثمر. التحدي التالي هو ما إذا كانت ستجعل دخوله وتشغيل مشروعه واستمراره داخل السوق بالسهولة والكفاءة الكافيتين.
ما لم تقله الكلمة مهم أيضاً
من المهم عدم تحميل كلمة الافتتاح أكثر مما تحتمل.
فهي لم تكن برنامجاً اقتصادياً حكومياً تفصيلياً، ولم تحدد سياسات الضرائب أو سعر الصرف أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص أو آليات تمويل الإعمار أو الإصلاح المصرفي أو ملكية المستثمرين أو السياسة الصناعية.
لذلك فإن قيمتها تكمن في تحديد الاتجاه، لا في تقديم أدوات التنفيذ.
وهذه نقطة مهمة لقطاع الأعمال. الاتجاه السياسي والاقتصادي المعلن يبدو واضحاً نحو الانفتاح وجذب الاستثمار وتعزيز التجارة وإعادة الإعمار واستعادة موقع سوريا الإقليمي، لكن الحكم على نجاح هذه الرؤية سيأتي من القرارات التنفيذية والتشريعات والمؤسسات والمشاريع التي ستترجمها خلال المرحلة المقبلة.
معرض دمشق الدولي كاختبار للرؤية لا مجرد واجهة لها
عندما وصف الرئيس معرض دمشق الدولي بأنه “ذاكرة سوريا الاقتصادية ونافذتها إلى العالم”، فإنه أعاد للمعرض وظيفة تتجاوز كونه مساحة عرض تجاري.
في النموذج الذي تحاول سوريا بناءه، يمكن أن يتحول المعرض إلى منصة سنوية لقياس درجة إعادة اندماج الاقتصاد السوري: عدد الدول والشركات التي تدخل السوق، حجم الشراكات التي تنشأ، العقود التي توقع، المشاريع التي تنفذ، والقطاعات التي تجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا.
ودورة 2026 تمثل اختباراً مهماً لهذا التحول، خصوصاً أنها تأتي بعد تغير جذري في البيئة القانونية الدولية المحيطة بسوريا، وبعد توسع المشاركة من أكثر من 800 شركة وتمثيل 44 دولة في الدورة الماضية إلى نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة في الدورة الحالية.
المعيار الحقيقي لنجاح هذا الزخم لن يكون في أعداد المشاركين وحدها، وإنما فيما يبقى منه بعد انتهاء المعرض.
بداية الطريق بالفعل
ربما تختصر عبارة الرئيس بأن رفع العقوبات ليس نهاية الطريق، بل بدايته، أكثر ما يحتاجه الاقتصاد السوري اليوم.
فقد كانت إزالة القيود الخارجية شرطاً أساسياً للتعافي، لكنها لم تكن كافية لصناعته.
المرحلة المقبلة تتعلق ببناء المؤسسات والبنية التحتية، واستعادة النظام المالي علاقاته الخارجية، وتحسين بيئة الاستثمار، ورفع القدرة الإنتاجية للشركات السورية، وإعادة ربط البلاد بمسارات التجارة والتمويل والتكنولوجيا.
ومن هنا تبدو الرؤية التي حملتها كلمة افتتاح الدورة الـ63 أوسع من إعادة تشغيل معرض تاريخي: سوريا تريد الانتقال من دولة عادت إلى العالم إلى اقتصاد يجد لنفسه وظيفة داخل هذا العالم.
أما تحويل فكرة “الجسر بين الأسواق” إلى واقع، فسيُقاس مستقبلاً بحركة البضائع والاستثمارات والمصانع والسكك والموانئ والمدفوعات والشركات التي تعبر هذا الجسر، لا بالخطابات وحدها.
وهذا هو، في النهاية، الاختبار الحقيقي لـ”حكاية سوريا الجديدة” التي أعلن الرئيس أحمد الشرع بدايتها من دمشق.