من دمشق إلى نيويورك: هل تنتقل العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية من استكشاف السوق إلى الاستثمار؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيلول 2026
لقاء جديد بين الرئيس أحمد الشرع وقيادات من مجتمع الأعمال الأميركي، بعد أيام فقط من زيارة أول بعثة لغرفة التجارة الأميركية إلى دمشق ضمت 50 شركة وأكثر من 80 مشاركاً، يرفع مستوى التواصل الاقتصادي بين البلدين. لكن الأرقام الفعلية للتجارة ما تزال صغيرة جداً، ما يجعل السؤال الأهم ليس حجم الاهتمام الأميركي بالسوق السورية، بل مدى قدرة هذا الاهتمام على التحول إلى استثمارات وتمويل وشراكات ومشاريع قابلة للتنفيذ.
ملخص تنفيذي
استضافت غرفة التجارة الأميركية في نيويورك الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في طاولة مستديرة مع قادة أعمال أميركيين، ركزت على كيفية مشاركة الشركات الأميركية في مشاريع واستثمارات داخل سوريا وبناء شراكات تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد. وحددت المناقشات قطاعات رئيسية تشمل الطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والخدمات المصرفية.
اللقاء لا يأتي منفصلاً؛ ففي 14 أيلول/سبتمبر بدأت في دمشق أول بعثة رسمية لغرفة التجارة الأميركية إلى سوريا، وضمت ممثلين عن 50 شركة وأكثر من 80 مشاركاً، والتقت مجموعة واسعة من الوزارات والمؤسسات الاقتصادية والمالية السورية. وقبل ذلك، استضافت دمشق في 13 تموز/يوليو أول منتدى أعمال سوري–أميركي. بذلك يمكن رصد مسار متتابع خلال أقل من ثلاثة أشهر انتقل من منتدى أعمال، إلى بعثة شركات داخل السوق السورية، ثم إلى حوار مباشر على مستوى الرئاسة مع مجتمع الأعمال الأميركي في نيويورك.
لكن هذا الزخم لم يتحول بعد إلى حجم اقتصادي كبير في التجارة الثنائية. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأميركي، بلغت صادرات الولايات المتحدة إلى سوريا خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 6.1 ملايين دولار، مقابل واردات أميركية من سوريا بنحو 2.8 مليون دولار؛ أي أن إجمالي تجارة السلع بين البلدين بلغ نحو 8.9 ملايين دولار فقط. وهذا يعني أن الفجوة ما تزال كبيرة جداً بين الاهتمام المؤسسي والاستثماري المتزايد وبين حجم العلاقات التجارية الفعلية.
من زيارة دمشق إلى لقاء نيويورك
في منتصف أيلول، دخلت العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية مرحلة أكثر تنظيماً مع وصول أول بعثة لغرفة التجارة الأميركية إلى سوريا. لم تكن الزيارة محدودة بلقاء وزارة واحدة، بل شملت محادثات مع وزارات المالية والاقتصاد والصناعة والاتصالات والصحة والسياحة والنقل والأشغال العامة والإسكان، إلى جانب مصرف سوريا المركزي وهيئة الاستثمار السورية والشركة السورية للبترول والصندوق السيادي السوري واتحاد غرف التجارة السورية وجهات أخرى.
وقالت الغرفة إن البعثة ضمت 50 شركة وأكثر من 80 مندوباً، من شركات متعددة الجنسيات إلى شركات ناشئة، وإن أحد أهدافها كان تمكين الشركات من الاطلاع مباشرة على بيئة الأعمال السورية والفرص التجارية المتاحة. وأعلنت الغرفة في ختام الزيارة أنها ستستضيف الرئيس السوري ووزير الخارجية في نيويورك خلال الأسبوع التالي، ما يجعل اجتماع نيويورك عملياً امتداداً مباشراً للبعثة وليس حدثاً منفصلاً عنها.
وفي 22 أيلول/سبتمبر، استضافت الغرفة الطاولة المستديرة مع الشرع والشيباني، وذكرت أن النقاش تناول كيفية مشاركة الشركات الأميركية في المشاريع والفرص الاستثمارية وإقامة شراكات جديدة لدعم النشاط الاقتصادي وإعادة الإعمار.
هذه السرعة في الانتقال من زيارة ميدانية للشركات إلى حوار على مستوى القيادة السياسية تعطي مؤشراً على ارتفاع مستوى التواصل، لكنها لا تعني بحد ذاتها أن الشركات اتخذت قرارات استثمار نهائية.
ثلاثة أشهر ترسم مساراً اقتصادياً متدرجاً
يمكن قراءة التطورات ضمن ثلاث محطات متتابعة.
في 13 تموز/يوليو عقد في دمشق أول منتدى أعمال سوري–أميركي، وتركز النقاش على مستقبل الاقتصاد السوري، والإصلاحات الاقتصادية والمالية، والوصول إلى التمويل، وفرص الاستثمار والتعاون بين القطاع الخاص في البلدين.
وفي منتصف أيلول انتقلت العلاقة من المنتدى إلى الاستكشاف الميداني المباشر للسوق مع دخول بعثة الـ50 شركة إلى دمشق وإجراء اجتماعات قطاعية مع الوزارات والمؤسسات.
ثم جاءت نيويورك لتضيف مستوى ثالثاً يتمثل في الحوار المباشر بين الرئاسة السورية ومجتمع الأعمال الأميركي.
اقتصادياً، التسلسل مهم لأن قرارات الاستثمار الدولي الكبيرة تمر عادة بعدة مراحل: فهم السوق، بناء العلاقات، فحص البيئة القانونية والمالية، تحديد المشاريع، التفاوض، ثم الوصول إلى التمويل والعقود والتنفيذ.
والمؤشرات الحالية تظهر أن العلاقة السورية–الأميركية تجاوزت مرحلة غياب التواصل الاقتصادي تقريباً، لكنها ما تزال في منطقة تتداخل فيها مرحلة الاستكشاف مع بداية بناء شراكات فعلية.
الأرقام تكشف حجم الفجوة بين الإمكانات والواقع
بيانات التجارة تساعد على وضع التطورات في سياقها الحقيقي.
خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى تموز/يوليو 2026 بلغت الصادرات الأميركية إلى سوريا 6.1 ملايين دولار، مقارنة بنحو 1.6 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025، وفق حساب يستند إلى البيانات الشهرية لمكتب الإحصاء الأميركي. أي أن الصادرات الأميركية ارتفعت إلى ما يقارب أربعة أضعاف مستواها في الفترة المقارنة، لكن انطلاقاً من قاعدة صغيرة للغاية.
وفي المقابل، بلغت الواردات الأميركية من سوريا نحو 2.8 مليون دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، مقابل نحو 5.4 ملايين دولار في الفترة نفسها من 2025.
وبجمع الاتجاهين، ارتفعت تجارة السلع من نحو 7 ملايين دولار في الأشهر السبعة الأولى من 2025 إلى نحو 8.9 ملايين دولار في الفترة نفسها من 2026، أي بزيادة تقارب 27%، لكنها تظل أرقاماً محدودة جداً بالمقارنة مع حجم الاحتياجات الاستثمارية السورية أو حتى مع حجم الشركات التي بدأت استكشاف السوق.
ولهذا فإن المؤشر الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد الوفود واللقاءات وحده، بل ظهور تغير ملموس في تدفقات التجارة والاستثمار والتمويل والعقود.
لماذا تتركز المحادثات على الطاقة والتكنولوجيا والصحة والمصارف؟
اختيار القطاعات الأربعة ليس عشوائياً؛ فهي ترتبط مباشرة بمحددات التعافي الاقتصادي السوري.
الطاقة: القطاع الذي بدأ يتحرك بالفعل
يبدو قطاع الطاقة من أكثر المجالات التي انتقلت فيها الشركات الأميركية من الاهتمام إلى خطوات عملية أولية.
في شباط/فبراير 2026 وقعت شركة Chevron مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وUCC Holding القطرية لتقييم إمكانات استكشاف النفط والغاز قبالة الساحل السوري. وفي أيار/مايو أُعلن اختيار موقع بحري لمشروع استكشاف في المياه العميقة والتحضير للانتقال إلى العمليات الفنية.
كما أشار مسؤول أميركي خلال زيارة وفد غرفة التجارة إلى أن شركات أميركية بينها Chevron وHKN، إلى جانب Visa وMastercard في القطاع المالي، بدأت بالفعل خطوات للدخول إلى السوق أو توقيع اتفاقات مع جهات سورية.
وبالتالي فإن الطاقة تمثل أحد الملفات التي يمكن قياس الانتقال فيها من الاجتماعات إلى التنفيذ بصورة أوضح من قطاعات أخرى.
التكنولوجيا: فرصة كبيرة لكن التنفيذ هو الاختبار
خلال زيارة الوفد الأميركي إلى دمشق طُرحت فرص في البنية التحتية للألياف الضوئية، والربط الإقليمي، والتحول الرقمي، وتنمية المهارات التقنية.
السوق السورية في هذا المجال لا تحتاج تطبيقات وخدمات رقمية فقط، بل بنية اتصالات ومراكز بيانات وأنظمة دفع وخدمات سحابية وأمن سيبراني وحلولاً للشركات والحكومة.
ومع ذلك، لم تعلن طاولة نيويورك بحد ذاتها عن عقود تقنية كبرى محددة، ولذلك يجب الفصل بين تحديد التكنولوجيا كقطاع ذي أولوية وبين وجود استثمارات أميركية منفذة فيه.
الخدمات المصرفية: العقدة التي تحدد سرعة القطاعات الأخرى
ربما يكون القطاع المصرفي الأكثر تأثيراً في قدرة بقية الاستثمارات على التحول إلى واقع.
الولايات المتحدة أنهت برنامج العقوبات الشاملة على سوريا اعتباراً من 1 تموز/يوليو 2025، مع استمرار العقوبات المستهدفة على أفراد وكيانات محددة. وفي آب/أغسطس 2026 أزيلت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي خطوة خففت عائقاً إضافياً أمام المؤسسات المالية الدولية.
وبعد ذلك بأيام بدأت Visa وMastercard تنفيذ أولى معاملات البطاقات الدولية في سوريا ضمن عملية إعادة ربط تدريجية بالنظام المالي العالمي، في حين أشار مصرف سوريا المركزي إلى أن توسيع هذه الخدمات يحتاج إلى استكمال العمل التنظيمي والتقني والمصرفي.
وهنا تظهر أهمية إدراج الخدمات المصرفية بشكل صريح في محادثات نيويورك: دخول شركة طاقة أو تقنية أو صحية إلى سوق جديدة يحتاج إلى تحويل الأموال، والتمويل، وضمان المدفوعات، والعلاقات المصرفية المراسلة، والامتثال، وإدارة المخاطر.
لذلك فإن تطور القطاع المالي قد يصبح عاملاً حاسماً في سرعة تحول الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع فعلية.
الصحة: احتياجات كبيرة ومساحة للاستثمار
إدراج الرعاية الصحية ضمن القطاعات المطروحة يفتح مجالاً واسعاً يمتد من التجهيزات الطبية والأدوية والتكنولوجيا الصحية إلى المستشفيات والبنية الصحية والخدمات الرقمية.
لكن، كما في التكنولوجيا، لا تتوافر حتى الآن ضمن تفاصيل اجتماع نيويورك المعلنة أرقام عن عقود أو استثمارات أميركية محددة في هذا القطاع. ولهذا فإن أهميته الحالية تكمن في إدراجه ضمن القطاعات ذات الأولوية التي يجري تعريف الشركات الأميركية بفرصها.
216 مليار دولار تفسر لماذا تحتاج سوريا إلى رأس المال الخارجي
لا يمكن فصل الاهتمام الدولي بالسوق السورية عن حجم متطلبات إعادة الإعمار.
قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة بناء الأصول المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وقدر قيمة الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار.
وحدها البنية التحتية استحوذت على نحو 52 مليار دولار، أو 48% من إجمالي الأضرار المباشرة، بينما قدرت أضرار المباني السكنية بنحو 33 مليار دولار وغير السكنية بنحو 23 مليار دولار.
وللمقارنة، قدّر البنك الدولي الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسوريا في 2024 بنحو 21.4 مليار دولار، ما يعني أن تقديرات تكلفة إعادة الإعمار تقارب عشرة أضعاف حجم الاقتصاد السنوي بذلك القياس.
هذه الفجوة توضح لماذا لا يمكن تمويل التعافي السوري من الموارد المحلية وحدها، ولماذا تصبح الاستثمارات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية والشراكات وتمويل المشاريع عناصر مركزية في المرحلة المقبلة.
هل انتقلت الشركات الأميركية فعلاً من الاستكشاف إلى الاستثمار؟
الإجابة الأدق حتى الآن: بدأ الانتقال، لكنه ليس مكتملاً.
هناك أدلة عملية على تحركات في قطاعات محددة، وخصوصاً الطاقة والمدفوعات، وهناك مستوى من التواصل المؤسسي لم يكن موجوداً خلال سنوات العقوبات والعزلة الاقتصادية. كما أن دخول 50 شركة وأكثر من 80 ممثلاً إلى دمشق ثم عقد طاولة مستديرة في نيويورك خلال فترة قصيرة يظهر اتساع عملية استكشاف السوق.
لكن المؤشرات الكمية الرئيسية لا تزال في بدايتها: التجارة الثنائية محدودة، ولا توجد حتى الآن حزمة معلنة من الاستثمارات الأميركية المباشرة تتناسب مع حجم الوفود أو مع احتياجات الاقتصاد السوري.
لذلك يجب عدم الخلط بين ثلاثة مستويات مختلفة: اهتمام الشركات، الاتفاقات ومذكرات التفاهم، والاستثمار الفعلي الذي يصل إلى التمويل والتنفيذ والإنتاج.
ما المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال الأشهر المقبلة؟
سيكون الانتقال الحقيقي قابلاً للقياس عندما تبدأ الاجتماعات بإنتاج عقود استثمارية وتمويلات ومشاريع بجداول زمنية محددة، وترتفع تدفقات التجارة، وتتوسع العلاقات المصرفية المراسلة، وتظهر عمليات دخول فعلية لشركات أميركية جديدة، وتنتقل مشاريع الطاقة والتكنولوجيا والصحة من مذكرات التفاهم والدراسات الفنية إلى التنفيذ.
كما سيكون من المهم مراقبة قدرة البيئة التنظيمية السورية على التعامل مع مستثمرين دوليين كبار من حيث التراخيص، تحويل الأموال، الامتثال، العقود، تسوية النزاعات، الضرائب والجمارك، والقدرة على تقديم معلومات موثوقة عن المشاريع والفرص.
فالشركات لا تتخذ قرار الاستثمار على أساس الفرصة وحدها؛ بل على أساس العلاقة بين الفرصة والمخاطر وإمكانية التمويل والوضوح القانوني والقدرة على الخروج وتحويل الأرباح.
من «فتح الأبواب» إلى اختبار النتائج
غرفة التجارة الأميركية قالت بعد بعثة دمشق إن هدفها يتمثل في فتح الأبواب وبناء العلاقات والثقة وبيئة أعمال تقود في النهاية إلى نتائج ملموسة. وهذا الوصف ربما يلخص المرحلة الحالية بدقة: الأبواب بدأت تُفتح، لكن النتائج الاقتصادية الكبيرة ما تزال بحاجة إلى وقت وأدوات تنفيذ.
لقاء نيويورك مهم ليس لأنه يمثل إعلاناً عن موجة استثمارات أميركية مكتملة، بل لأنه يأتي ضمن سلسلة متسارعة من الخطوات: منتدى أعمال في تموز، بعثة تضم 50 شركة وأكثر من 80 مشاركاً في أيلول، ثم حوار مباشر مع مجتمع الأعمال الأميركي في نيويورك.
وفي المقابل، تكشف تجارة سلع لا تتجاوز 8.9 ملايين دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 عن المسافة التي لا تزال تفصل بين الانفتاح السياسي والمؤسسي وبين بناء علاقة اقتصادية كبيرة.
لهذا سيكون السؤال خلال المرحلة التالية أكثر تحديداً:
ليس كم شركة زارت سوريا، بل كم شركة قررت الاستثمار؟
وليس كم مذكرة تفاهم وُقعت، بل كم مشروعاً وصل إلى التمويل والتنفيذ؟
وليس فقط ما القطاعات التي تُعرض على المستثمر الأميركي، بل هل تستطيع بيئة الأعمال السورية تحويل الاهتمام الحالي إلى رأس مال وتشغيل وإنتاج وعلاقات تجارية مستدامة؟
هذه المؤشرات، أكثر من عدد الاجتماعات، ستحدد ما إذا كان المسار الذي بدأ من دمشق ووصل إلى نيويورك يتحول فعلاً إلى مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية السورية–الأميركية.