من إعادة فتح الحساب إلى تشغيله: ماذا يعني اجتماع المركزي السوري مع احتياطي نيويورك؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
بعد أشهر من إعادة تفعيل حساب مصرف سوريا المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، انتقل المسار المصرفي السوري–الأمريكي في 5 أكتوبر 2026 إلى مرحلة أكثر عملية: مناقشة حالات استخدام الحساب نفسه، والجوانب الفنية والتشغيلية والقانونية المرتبطة بتنفيذ العمليات المصرفية من خلاله.
الاجتماع الذي عقده وفد مصرف سوريا المركزي برئاسة الحاكم صفوت رسلان مع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لا يعني أن التحويلات الدولية السورية أصبحت تعمل بصورة كاملة، ولا أن شبكة المصارف المراسلة عادت إلى وضعها الطبيعي. لكنه يمثل تطوراً نوعياً لأن النقاش أصبح يدور حول كيفية تشغيل قناة مصرفية قائمة بالفعل، وليس فقط حول رفع القيود أو استعادة العلاقات من حيث المبدأ.
ما الجديد فعلياً في اجتماع نيويورك؟
أعلن مصرف سوريا المركزي أن المباحثات تناولت «حالات استخدام» حسابه لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إضافة إلى الجوانب الفنية والتشغيلية للاستفادة منه في تنفيذ العمليات المصرفية والآليات القانونية المرتبطة بها. كما عرض الوفد السوري التطورات المتعلقة بأنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
هذه الصياغة مهمة لأنها تختلف عن إعلان 28 فبراير 2026، عندما أعلن المركزي استكمال تسوية علاقاته المصرفية مع احتياطي نيويورك وإعادة فتح حسابه لديه. وفي مارس رحبت وزارة الخزانة الأمريكية بإعادة تفعيل الحساب رسمياً للمرة الأولى منذ عام 2011. أي أن السؤال في فبراير كان: هل عاد الحساب؟ أما السؤال المطروح اليوم فهو: ماذا يمكن أن يُنفذ من خلاله، وبأي آليات وضوابط؟
وهذه نقلة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في العمل المصرفي أكثر أهمية من مجرد الإعلان عن وجود الحساب.
لماذا يعد حساب المركزي لدى احتياطي نيويورك مهماً؟
يوفر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خدمات مصرفية للبنوك المركزية والسلطات النقدية والمؤسسات الدولية، تشمل بصورة عامة إدارة الأموال والاحتياطيات المقومة بالدولار، وتنفيذ المدفوعات العابرة للحدود، وخدمات الحفظ والتسوية والاستثمار والمراسلة المصرفية. ولا يعني ذلك أن جميع هذه الخدمات متاحة للمركزي السوري تلقائياً؛ فالخدمات والاستخدامات المحددة لحسابه لم تُعلن بعد بالتفصيل.
لكن وجود حساب قابل للاستخدام التشغيلي يمكن أن يمنح المصرف المركزي قناة رسمية مباشرة لتنفيذ بعض وظائفه الخارجية، ويساعد على بناء طبقة أعلى من الثقة التشغيلية بين القطاع المصرفي السوري والمؤسسات المالية الدولية.
وهنا تظهر أهمية اجتماع 5 أكتوبر: إعادة فتح الحساب كانت البنية الأساسية، أما تحديد حالات الاستخدام والضوابط الفنية والقانونية فهو ما يحول هذه البنية تدريجياً إلى أداة قابلة للعمل.
المسار لم يبدأ هذا الأسبوع
لفهم الاجتماع يجب وضعه ضمن سلسلة من التطورات المصرفية بدأت قبل أكثر من عام.
في مايو 2025، أصدرت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية FinCEN إعفاءً يسمح للمؤسسات المالية الأمريكية، بشروط، بفتح أو الاحتفاظ بحسابات مراسلة لصالح المصرف التجاري السوري. كما أوضحت وزارة الخزانة لاحقاً أن المؤسسات المالية السورية، بما فيها مصرف سوريا المركزي، أزيلت من قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة لدى OFAC، وأن المؤسسات الأمريكية يمكنها إقامة علاقات مصرفية مراسلة مع المؤسسات السورية مع استمرار تطبيق متطلبات الامتثال وإدارة المخاطر.
وفي نوفمبر 2025 عاد مصرف سوريا المركزي إلى استخدام شبكة SWIFT للاتصالات المالية الدولية، ثم أعيد فتح حسابه لدى احتياطي نيويورك في فبراير 2026. وخلال أغسطس 2026 أزيلت سوريا أيضاً من قائمة الدول الراعية للإرهاب في الولايات المتحدة، ما أزال عقبة قانونية ومخاطرية إضافية كانت تؤثر في قرارات المؤسسات المالية الدولية.
بذلك تحولت المشكلة تدريجياً من سؤال: «هل يسمح القانون بالتعامل مع سوريا؟» إلى سؤال مختلف: «هل البنوك مستعدة فعلياً للتعامل معها، وعلى أي مستوى من المخاطر والامتثال؟».
وهذا هو الفارق بين رفع القيود القانونية وعودة النظام المصرفي إلى العمل.
لماذا لا تكفي عودة SWIFT وحدها؟
عودة الاتصال بشبكة SWIFT لا تعني بحد ذاتها عودة التحويلات الدولية بصورة طبيعية. SWIFT يوفر شبكة آمنة لتبادل الرسائل والتعليمات بين المؤسسات المالية، بينما يحتاج تنفيذ الأموال فعلياً إلى حسابات وعلاقات مصرفية ومصارف مراسلة مستعدة لقبول المعاملة وتنفيذها.
ولهذا بقيت العلاقات مع المصارف المراسلة واحدة من أهم حلقات إعادة الاندماج المصرفي السوري. وفي 2 أكتوبر، قبل ثلاثة أيام فقط من اجتماع احتياطي نيويورك، أكد المركزي خلال طاولة مصرفية استضافتها وزارة الخزانة الأمريكية أن العمل يتركز على الانتقال من تحديد الفجوات إلى إجراءات قابلة للقياس تساعد على استعادة العلاقات المصرفية المراسلة وتدفق المدفوعات عبر القنوات النظامية. كما عقد الوفد السوري اجتماعاً مع JPMorgan لبحث تطوير قنوات الدفع والعمليات المصرفية الدولية.
وبالتالي، فإن اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يأتي ضمن مسار متصل، لا كحدث منفصل.
أسبوع نيويورك يكشف خريطة التحرك المصرفي السوري
من اللافت أن اجتماع 5 أكتوبر جاء بعد سلسلة اجتماعات مالية متقاربة في نيويورك.
في الأول من أكتوبر استضافت وزارة الخزانة الأمريكية طاولة مصرفية بحضور وزير المالية السوري يسر برنية وحاكم المركزي صفوت رسلان وممثلين عن مؤسسات مالية أمريكية ومزودي خدمات دفع. وأكدت الخزانة أن النقاش تناول واقع مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا والفجوات التي حددها تقييم مستقل والإجراءات التي تعمل السلطات السورية على معالجتها.
ثم جاءت مباحثات JPMorgan حول العلاقات المصرفية وقنوات الدفع الدولية، واجتماع غرفة التجارة الأمريكية في مقر Citibank بمشاركة مؤسسات استثمارية وتجارية ومالية أمريكية، وبعد ذلك اجتماع مع الرئيس التنفيذي لـMastercard حول المدفوعات الرقمية وتطوير الخدمات المالية الحكومية.
وعند جمع هذه الاجتماعات معاً تظهر ثلاثة مسارات تتحرك بالتوازي: بناء قنوات رسمية على مستوى المصرف المركزي، استعادة شبكة المصارف المراسلة مع البنوك التجارية الدولية، وتوسيع البنية التحتية للمدفوعات الرقمية.
إذا تقدمت المسارات الثلاثة معاً، يصبح الحديث عن إعادة اندماج مصرفي أكثر واقعية.
أين يمكن أن يظهر الأثر على الشركات؟
بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين، لا تظهر القيمة الأساسية للحساب في وجوده بحد ذاته، بل فيما إذا كان سيساعد على توسيع شبكة القنوات التي تستطيع من خلالها المصارف السورية تنفيذ المدفوعات والتسويات الدولية.
عودة العلاقات المراسلة بصورة أوسع قد تخفف مع الوقت من صعوبة إرسال واستقبال الأموال، وتدعم تسويات التجارة الخارجية، وتجعل تحويل رؤوس الأموال والمدفوعات المرتبطة بالاستثمار أكثر وضوحاً وقابلية للتتبع، وتقلل الحاجة إلى المسارات غير المباشرة أو مرتفعة التكلفة.
لكن هذه الآثار لا تتحقق بمجرد اجتماع أو قرار سياسي. كل مصرف دولي يجري تقييمه الخاص للمخاطر والامتثال، وحتى بعد رفع القيود القانونية تظل قرارات فتح الحسابات وقبول العملاء وتنفيذ العمليات خاضعة لسياسات المؤسسات المالية نفسها.
لذلك فإن المرحلة القادمة ستكون مصرفية وتشغيلية أكثر مما هي سياسية.
الامتثال ما يزال الاختبار الأساسي
على الرغم من التطورات القانونية والمصرفية، ما تزال سوريا مدرجة حتى أحدث بيان منشور في يونيو 2026 ضمن قائمة FATF للدول الخاضعة للمراقبة المتزايدة. وتشير FATF إلى أن سوريا كانت قد عالجت خطة العمل المتفق عليها من الناحية الفنية، إلا أن عملية التحقق الميداني من التنفيذ ظلت معلقة، مع استمرار المتابعة.
وتفسر هذه الخلفية التركيز الكبير في اجتماعات نيويورك على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والامتثال، والأطر القانونية والتنظيمية.
فالنجاح في المرحلة التالية لن يقاس فقط بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرة المؤسسات السورية على إقناع المصارف الدولية بأن المخاطر يمكن قياسها وإدارتها والرقابة عليها وفق معايير واضحة.
وهذا أيضاً يفسر لماذا أكدت وزارة الخزانة الأمريكية في اجتماع الأول من أكتوبر أن «الاتصال المالي» جزء من إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، بالتوازي مع معالجة فجوات الامتثال.
ما الذي لا يعنيه اجتماع 5 أكتوبر؟
لا توجد حتى الآن معلومات معلنة عن بدء نوع جديد من التحويلات عبر الحساب بعد الاجتماع، ولا جدول زمني منشور لتشغيل خدمات إضافية، ولا تفاصيل عن حدود العمليات أو المصارف الوسيطة أو الآليات التي سيتم اعتمادها.
كما أن الإعلان المتاح عن اجتماع 5 أكتوبر صدر عن الجانب السوري، ولم تتضمن المصادر العامة التي راجعتها بياناً مقابلاً من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يحدد نتائج الاجتماع أو ترتيبات تشغيلية جديدة.
لذلك سيكون من المبكر وصف التطور بأنه «عودة كاملة لسوريا إلى النظام المصرفي الدولي».
الأدق أنه خطوة متقدمة داخل مسار إعادة الاندماج: الحساب موجود ومفعّل، SWIFT عاد، القيود القانونية الأمريكية تراجعت بدرجة كبيرة، والمدفوعات الدولية بالبطاقات بدأت تظهر بصورة تجريبية، بينما يجري الآن العمل على الحلقة الأصعب: تحويل هذه التطورات إلى شبكة مصرفية مراسلة مستقرة وقابلة للاستخدام التجاري على نطاق أوسع.
ما الذي يجب مراقبته بعد نيويورك؟
المؤشر الحقيقي التالي سيكون ظهور ترتيبات تنفيذية يمكن قياسها: إعلان استخدامات محددة لحساب المركزي لدى احتياطي نيويورك، تفعيل علاقات مراسلة جديدة لمصارف سورية، الإعلان عن بنوك دولية تدخل فعلياً في تنفيذ التحويلات، توسع المدفوعات الدولية التجارية، أو صدور تعليمات تشغيلية من المركزي توضح القنوات والضوابط المتاحة.
عندها يمكن الانتقال في التقييم من «إعادة بناء البنية المصرفية» إلى «عودة الاستخدام الفعلي».
أما في المرحلة الحالية، فإن اجتماع نيويورك يحمل دلالة واضحة: ملف الاندماج المالي السوري يتحرك تدريجياً من القرارات والإعفاءات السياسية والقانونية إلى التفاصيل الفنية التي تحدد في النهاية ما إذا كانت شركة سورية أو مستثمر خارجي سيتمكن فعلاً من إرسال الأموال واستقبالها عبر قنوات مصرفية طبيعية.
وهذا، أكثر من الإعلان عن أي اجتماع بحد ذاته، هو الاختبار الذي سيحدد قيمة التحول المصرفي الجاري للاقتصاد السوري.