إطلاق مشروع “النهضة السكني” في إدلب: 3 آلاف وحدة ونموذج تمويل هجين على خمس سنوات

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
أطلقت وزارة الأشغال العامة والإسكان والمؤسسة العامة للإسكان، بالتعاون مع محافظة إدلب، مشروع «النهضة السكني» في القسم الجنوبي من مدينة إدلب، في واحد من أكبر المشاريع السكنية العامة المعلنة حديثاً في المحافظة.
ويمتد المشروع على مساحة تقارب 340 ألف متر مربع، ويتألف من 51 برجاً سكنياً تضم نحو 3,000 شقة، بطاقة استيعابية تقارب 15 ألف نسمة، إلى جانب مرافق تعليمية وصحية وتجارية ودينية ورياضية وخدمية ومساحات خضراء ضمن تجمع عمراني متكامل. وحددت المؤسسة العامة للإسكان مدة إنجاز المشروع بنحو خمس سنوات.
2,000 وحدة اقتصادية مقابل 1,000 وحدة استثمارية
أبرز ما يميز المشروع اقتصادياً ليس حجمه فقط، بل نموذج التمويل المعلن له. فبحسب مدير عام المؤسسة العامة للإسكان تمام الدبل، يعتمد «النهضة السكني» نموذجاً هجيناً يقوم على تخصيص نحو ثلث الوحدات للسكن الاستثماري مقابل ثلثين للسكن الاقتصادي.
وبذلك تتوزع الوحدات البالغ عددها 3,000 شقة بين 1,000 وحدة استثمارية و2,000 وحدة اقتصادية مخصصة للاكتتاب بسعر التكلفة. ويعني ذلك أن المشروع يحاول استخدام العائد من الجزء الاستثماري لدعم إمكانية تقديم الجزء الأكبر ضمن نموذج إسكان اقتصادي، بدلاً من الاعتماد على نموذج تجاري كامل أو دعم حكومي مباشر لجميع الوحدات.
هذا النموذج يستحق المتابعة بصورة خاصة، لأن نجاحه قد يفتح المجال أمام تكراره في مشاريع إسكانية أخرى، لكنه سيعتمد عملياً على قدرة الجزء الاستثماري على تحقيق العوائد المطلوبة، وضبط تكاليف التنفيذ خلال فترة تمتد لخمس سنوات.
سقف معلن عند 600 دولار للمتر المربع
وفق التفاصيل المنشورة، لن يتجاوز سعر المتر المربع للوحدة المكسوة والجاهزة للتسليم على المفتاح 600 دولار، شاملاً المرافق والبنية التحتية والمصاعد ومنظومتي الطاقة الشمسية والغاز.
كما أعلن أن خطة السداد ستمتد لخمس سنوات، وتتضمن دفعات نصف سنوية إلى جانب أقساط شهرية. ووفق الأرقام المعلنة، لن يتجاوز القسط الشهري 200 دولار لشقة بمساحة 100 متر مربع، و260 دولاراً لمساحة 130 متراً، و290 دولاراً لمساحة 145 متراً.
وعند تطبيق سقف 600 دولار للمتر حسابياً، تصل القيمة النظرية القصوى لوحدة بمساحة 100 متر إلى نحو 60 ألف دولار، ونحو 78 ألف دولار لمساحة 130 متراً، ونحو 87 ألف دولار لمساحة 145 متراً. لكن هذه الأرقام لا تمثل سعراً نهائياً للوحدات قبل نشر جداول الأسعار وآلية احتساب الدفعات وشروط الاكتتاب بصورة رسمية ومفصلة.
كما أن الأقساط الشهرية المعلنة ليست وحدها آلية تسديد كامل قيمة الوحدة، إذ أشارت المعلومات المنشورة إلى وجود دفعات نصف سنوية إلى جانبها.
من مشروع إسكان إلى سوق تنفيذ لخمس سنوات
من زاوية قطاع الأعمال، فإن مشروعاً يضم 51 برجاً ومرافق عامة وتجارية وخدمية ويستمر تنفيذه نحو خمس سنوات لا يمثل طلباً على أعمال الإنشاء فقط.
فالمشروع يمكن أن يولد سلسلة واسعة من الطلب على مواد البناء والتجهيزات والأعمال الهندسية والميكانيكية والكهربائية، بما يشمل الإسمنت والحديد والواجهات والألمنيوم والزجاج والمصاعد وأعمال الإكساء والتدفئة والتمديدات الصحية والكهربائية والطاقة الشمسية وأنظمة الغاز، إضافة إلى تنسيق المساحات الخضراء وتجهيز المرافق التعليمية والصحية والتجارية.
وهنا تبرز أهمية المرحلة التالية من المشروع بالنسبة إلى المقاولين والموردين والشركات: كيف ستتم إحالة الأعمال؟ وهل ستطرح عقود أو مناقصات أو حزم تنفيذ وتوريد منفصلة؟ وما نسبة المواد والتجهيزات التي ستؤمن من السوق المحلية مقابل المستوردات؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد الأثر الحقيقي للمشروع على سلسلة توريد قطاع البناء، وليس عدد الوحدات السكنية وحده.
اختبار عملي لنموذج الإسكان بسعر التكلفة
يحمل تخصيص 2,000 وحدة للسكن الاقتصادي أهمية تتجاوز المشروع نفسه، لأن القضية الأساسية في سوق الإسكان السوري ليست زيادة المعروض فقط، بل العلاقة بين تكلفة البناء والقدرة الشرائية وآليات التمويل طويلة الأجل.
ويقدم «النهضة السكني» محاولة للجمع بين ثلاثة عناصر: سعر تكلفة للوحدات الاقتصادية، إيرادات من الوحدات الاستثمارية، وفترة سداد تمتد بالتوازي تقريباً مع مدة تنفيذ المشروع.
لكن قدرة هذا النموذج على تحقيق هدفه ستتضح عندما تنشر تفاصيل الاكتتاب، ولا سيما الدفعة الأولى، قيمة الدفعات النصف سنوية، معايير الاستحقاق، آلية تعديل الأسعار في حال تغير تكاليف مواد البناء، وضمانات الحفاظ على سعر التكلفة خلال سنوات التنفيذ.
توسع عمراني يتجاوز الوحدات السكنية
المخطط المعلن لا يقدم المشروع بوصفه مجموعة أبنية منفصلة، بل حياً جديداً يحتوي على مرافق تعليمية وصحية وتجارية ورياضية وخدمية ومساحات خضراء.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه الجهات المحلية إلى ضغط متزايد على سوق السكن في إدلب بالتزامن مع عودة أسر إلى المحافظة، وهو ما يجعل تطوير البنية العمرانية والخدمات المرافقة جزءاً أساسياً من جدوى أي توسع سكني جديد.
ويعني ذلك أيضاً أن تقييم المشروع مستقبلاً يجب ألا يقتصر على عدد الشقق المنجزة، بل على اكتمال الطرق والبنية التحتية والخدمات العامة والربط مع المدينة وقدرة المنطقة الجديدة على استيعاب السكان دون نقل الضغط من سوق السكن إلى شبكات الخدمات.
حضور استثماري… دون إعلان شراكة
شهد إطلاق المشروع حضور عدد من المسؤولين وممثلي قطاع الأعمال، ومن بينهم رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار. إلا أن المعلومات المنشورة حتى الآن لم تعلن عن دور استثماري أو تنفيذي له في مشروع «النهضة السكني» نفسه، وبالتالي لا يمكن اعتبار الحضور إعلاناً عن شراكة أو مساهمة في المشروع ما لم يصدر ما يثبت ذلك رسمياً.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في ظل البحث الأوسع عن استثمارات ومشاريع تطوير عمراني في المحافظة، حيث أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان أيضاً عن مناقشة فرص للتنمية والاستثمار العقاري في إدلب خلال لقاء جمع الوزير والمحافظ ومحمد العبار.
ما الذي لم يُعلن بعد؟
رغم اتضاح جانب أكبر من المشروع بعد إطلاقه، تبقى مجموعة من المعلومات أساسية لتقييمه اقتصادياً بصورة مكتملة، وفي مقدمتها القيمة الاستثمارية الإجمالية، مصادر التمويل التفصيلية، الشركات أو المقاولون المنفذون، آلية طرح عقود التنفيذ والتوريد، التقسيم الزمني لمراحل البناء، وموعد بدء الاكتتاب وشروط الاستحقاق والتخصيص.
كما سيكون مهماً معرفة الجدول التنفيذي للمرافق غير السكنية وما إذا كان إنجازها سيتزامن مع تسليم الوحدات أم سينفذ على مراحل منفصلة.
ماذا يعني المشروع لقطاع الأعمال؟
المؤشر الأهم في «النهضة السكني» هو انتقال الحديث من الحاجة العامة إلى السكن إلى مشروع محدد الحجم والمدة ونموذج التمويل.
3,000 وحدة سكنية، 51 برجاً، تجمع عمراني بمساحة 340 ألف متر مربع، وفترة تنفيذ تصل إلى خمس سنوات؛ جميعها تحول المشروع إلى ملف يستحق المتابعة من شركات المقاولات وموردي مواد البناء والتجهيزات والخدمات الهندسية، إلى جانب المهتمين بسوق التطوير العقاري والإسكان.
لكن القيمة الاقتصادية الكاملة للمشروع ستصبح أكثر وضوحاً عند الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة العقود والتنفيذ والاكتتاب. وهنا ستكون مؤشرات المتابعة الأساسية هي: من سينفذ؟ كيف ستطرح الأعمال؟ متى يبدأ الاكتتاب؟ وكيف سيحافظ نموذج «سعر التكلفة» على توازنه أمام تغير تكاليف البناء خلال خمس سنوات؟