5 تشرين الأول 2026: 24 ساعة استثنائية في الاقتصاد السوري

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
من الاستثمار والعمران إلى الصناعة والمصارف والطيران والموانئ: يوم واحد شهد سلسلة واسعة من التحركات الاقتصادية في عدة محافظات سورية، في مشهد يعكس اتساع النشاط الاقتصادي وتسارع الانتقال من مرحلة استعادة الحركة إلى بناء مشاريع وشراكات أكثر تنوعاً.
لم يكن الخامس من تشرين الأول 2026 يوماً اقتصادياً عادياً في سوريا.
فخلال ساعات محدودة، توزعت مجموعة لافتة من الأحداث والقرارات والمشاريع بين دمشق وحمص واللاذقية وحماة وإدلب، بالتوازي مع تحركات سورية في نيويورك وعلاقات اقتصادية مع مؤسسات دولية ودول وشركات من الإمارات والولايات المتحدة وتركيا وباكستان وبيلاروسيا وغيرها.
الأهمية هنا لا ترتبط بحدث واحد مهما كان حجمه، بل باجتماع عدة مسارات في الوقت نفسه: استثمار عقاري وسياحي، توسع صناعي، بنية مصرفية دولية، ضمانات للاستثمار، تطوير للطيران والنقل، نشاط للموانئ، إعادة تنظيم للقطاع الصناعي، معارض تخصصية، وشراكات تجارية جديدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا اليوم باعتباره واحداً من أكثر الأيام الاقتصادية كثافة خلال المرحلة الأخيرة، ومؤشراً على تغير تدريجي في طبيعة المشهد الاقتصادي السوري.
دمشق واللاذقية: مشاريع عمرانية وسياحية تنتقل باتجاه التنفيذ
في الحدث الأبرز خلال اليوم، شهد قصر الشعب في دمشق توقيع اتفاقية إطارية بين وزارتي الأشغال العامة والإسكان والسياحة وشركة “Eagle Hills” الإماراتية، بحضور الرئيس أحمد الشرع، لتطوير مشاريع عمرانية وسياحية في سوريا، تبدأ بمشروعي “تلال دمشق” و”اللاذقية لليخوت والمارينا”.
وتوضح الشركة أن مشروع دمشق سيجمع بين السكن والضيافة والتجزئة والأعمال والتعليم والرعاية الصحية والمساحات الخضراء والخدمات المجتمعية، فيما يستهدف مشروع اللاذقية تطوير وجهة متكاملة على الواجهة البحرية تضم مساكن وفنادق ومرسى لليخوت ومرافق ترفيهية وخدمية. كما أكدت أن الأعمال التحضيرية والتنفيذية متوقع أن تبدأ قريباً.
وتكمن أهمية الاتفاقية في أنها لا تمثل مجرد مشروعين عقاريين، بل نموذجاً لاتجاه جديد نحو المشاريع المتكاملة التي تربط السكن والسياحة والخدمات والتجارة وفرص العمل وسلاسل التوريد المحلية ضمن مشروع واحد.
كما أن الشركة أعلنت إعطاء دور للشركات والمقاولين والموردين السوريين، إلى جانب فتح المجال أمام مشاركة مستثمرين سوريين في الداخل والخارج، وهو ما قد يوسع الأثر الاقتصادي للمشاريع خارج حدود قطاع العقارات نفسه.
حمص: 1.5 مليون متر مربع لمشروع صناعي وسكني متكامل
وفي حمص، جاء تطور مختلف لكنه لا يقل أهمية.
فقد وقعت إدارة المدينة الصناعية في حسياء وشركة “المباني الزاهية للتطوير العقاري” مذكرتي تفاهم لإطلاق “مدينة صروح الصناعية” وضاحية سكنية متكاملة للعاملين والكوادر.
الأرقام تعطي المشروع بعداً واضحاً:
- نحو مليون متر مربع للبنية التحتية الصناعية، قابلة للزيادة.
- نحو 500 ألف متر مربع للضاحية السكنية.
- مساحة إجمالية تقارب 1.5 مليون متر مربع.
- قدرة مخطط لها لاستيعاب نحو 15 إلى 20 ألف عامل مع عائلاتهم.
ويحمل المشروع دلالة تتجاوز إنشاء مقاسم صناعية جديدة، لأنه يحاول معالجة واحدة من المشكلات التقليدية للمدن الصناعية: الفصل بين مكان الإنتاج والخدمات والسكن والنقل.
إنشاء ضاحية للعاملين إلى جانب البنية الصناعية يمكن أن يخفض تكاليف النقل، ويرفع استقرار اليد العاملة، ويحسن جاذبية المدينة الصناعية للمستثمرين.
وهذه مقاربة أقرب إلى مفهوم “المدينة الصناعية المتكاملة” بدلاً من مجرد منطقة تضم مصانع.
نيويورك: تحرك مصرفي سوري مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
وفي مسار اقتصادي مختلف تماماً، بحث وفد مصرف سوريا المركزي برئاسة الحاكم صفوت رسلان مع البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك الملفات العملية للعلاقة المصرفية، وفي مقدمتها استخدام حساب المركزي السوري لدى البنك والجوانب الفنية والتشغيلية المرتبطة بالعمليات المصرفية.
أهمية هذا التطور لا تقاس فقط بالاجتماع نفسه.
فالاقتصاد السوري يحتاج في مرحلة إعادة الاندماج إلى قنوات مصرفية أكثر انتظاماً، وقدرة أكبر على تنفيذ التحويلات والتسويات والتعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
ولهذا فإن الانتقال من النقاش السياسي العام إلى الملفات الفنية والتشغيلية للحسابات والعلاقات المصرفية يحمل أهمية مباشرة بالنسبة للتجارة والاستثمار والتحويلات وحركة رؤوس الأموال.
ضمانات دولية للاستثمار: MIGA تدخل المشهد السوري
وفي دمشق أيضاً، بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع وفد من الوكالة الدولية متعددة الأطراف لضمان الاستثمار “MIGA” التابعة للبنك الدولي إمكانية تقديم ضمانات لمخاطر الاستثمار في سوريا.
وهذا الملف قد يكون من أكثر التطورات أهمية للمستثمرين على المدى المتوسط.
فالاستثمار في الأسواق الخارجة من أزمات طويلة لا يتوقف فقط على وجود الفرصة أو المشروع، بل يعتمد أيضاً على القدرة على إدارة المخاطر السياسية والتنظيمية والتجارية.
ووفقاً لما أعلن، أبدت الوكالة استعدادها لدراسة توفير ضمانات لعدد من المشاريع الاستثمارية، مع تركيز خاص على المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
إذا انتقل هذا المسار إلى تطبيق فعلي، فقد يسهم في تحسين قدرة سوريا على جذب مستثمرين وممولين كانوا يترددون سابقاً بسبب مستوى المخاطر.
إدلب: غرفة صناعة مستقلة لتنظيم القطاع الصناعي
أما في إدلب، فأصدر وزير الاقتصاد والصناعة قراراً بإحداث “غرفة صناعة إدلب”، بهدف تنظيم القطاع الصناعي في المحافظة وتمثيل الصناعيين ودعم التنمية الاقتصادية والصناعية.
قد يبدو القرار تنظيمياً مقارنة بالمشاريع الاستثمارية الكبيرة، إلا أن بناء المؤسسات الاقتصادية المحلية يمثل جزءاً أساسياً من التعافي.
فغرف الصناعة تلعب دوراً في تنظيم مصالح الصناعيين، نقل المشكلات إلى الجهات الحكومية، تطوير العلاقات التجارية، دعم المعارض والتصدير، وربط المستثمرين والمنتجين ضمن منظومة اقتصادية أكثر تنظيماً.
اللاذقية: أكثر من 3.7 ملايين طن عبر المرفأ
وفي قطاع التجارة والنقل البحري، أعلن أن مرفأ اللاذقية تداول أكثر من 3.7 ملايين طن من البضائع العامة وبضائع الحاويات حتى نهاية أيلول 2026.
وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام استقبل المرفأ 532 سفينة، توزعت بين:
- 250 سفينة للبضائع العامة.
- 247 سفينة حاويات.
- 22 سفينة لأعمال الإصلاح.
- 13 سفينة ركاب.
هذه الأرقام مهمة لأن الموانئ تعد من أكثر المؤشرات ارتباطاً بالحركة التجارية الفعلية، وليس فقط بالإعلانات الاستثمارية.
كل ارتفاع في نشاط المرافئ ينعكس بصورة مباشرة على الاستيراد والتصدير والنقل والتخزين والتخليص الجمركي والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
الطيران السوري: من 9 محطات إلى هدف 25 محطة
وفي مطار دمشق الدولي، أعلنت الشركة السورية للطيران رؤيتها الجديدة وهويتها البصرية المحدثة، بالتزامن مع دخول أول طائرة بالهوية الجديدة إلى الخدمة.
لكن الأهم كان في الأرقام التشغيلية المعلنة.
فقد بدأت الشركة عام 2026 بـ 9 محطات، ووسعت شبكتها بإضافة عدة وجهات أوروبية وموسكو، وتستهدف الوصول إلى 25 محطة قبل نهاية العام، أي زيادة بنحو 120% مقارنة ببداية العام.
أما الأسطول، فقد ارتفع من 3 طائرات في بداية العام إلى 6 طائرات حالياً، مع العمل على مضاعفة العدد مجدداً قبل نهاية العام.
وبالتوازي، يجري تطوير أنظمة الحجز والدفع والخدمات الإلكترونية والتطبيقات والمنصات الرقمية.
عودة الربط الجوي لا تخدم قطاع النقل فقط، بل تؤثر في السياحة، وحركة رجال الأعمال، والاستثمار، والمعارض، والتجارة والخدمات.
سوريا وباكستان: مجلس أعمال جديد
وشهد اليوم ذاته قرار وزارة الاقتصاد والصناعة بتشكيل الجانب السوري من “مجلس الأعمال السوري–الباكستاني”، في إطار تنظيم وتطوير عمل مجالس الأعمال المشتركة.
مثل هذه المجالس تشكل بنية مؤسساتية للعلاقات الاقتصادية، ويمكن أن تتحول لاحقاً إلى قناة لتنظيم الوفود التجارية، وتبادل الفرص، وفتح الأسواق، وربط الشركات السورية بنظيراتها الخارجية.
والأهمية هنا ليست في تشكيل المجلس وحده، وإنما في اتساع شبكة العلاقات الاقتصادية السورية التي يعاد بناؤها مع أسواق ودول متعددة.
بيلاروسيا: من التجارة إلى الإنتاج المشترك
وفي دمشق، بحثت غرفة صناعة دمشق وريفها مع ممثل غرفة تجارة وصناعة بيلاروسيا تطوير التعاون التجاري والإنتاج المشترك.
المباحثات شملت قطاعات النسيج والغذاء والكيميائيات والهندسة وتوريد المواد الخام، إضافة إلى تبادل قوائم المصدرين والمستوردين وتنظيم المشاركة في المعارض.
كما أبدت الغرفة استعدادها لاستضافة نحو 30 تاجراً بيلاروسياً متخصصاً في الألبسة والنسيج خلال المعارض الصناعية السورية المقبلة.
واللافت في هذا المسار أنه لا يركز على التبادل التجاري فقط، وإنما يتحدث أيضاً عن “الإنتاج المشترك”، وهي مرحلة أكثر تقدماً في العلاقات الاقتصادية عندما تتحول العلاقة من بيع وشراء إلى تصنيع واستثمار ونقل خبرات.
اللاذقية أيضاً: استثمارات محتملة في الثروة السمكية
وفي القطاع الزراعي والغذائي، بحثت الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية مع وكالة التعاون والتنسيق التركية “TİKA” فرص الاستثمار والتعاون الفني لتطوير إنتاج الأسماك والبنية التحتية والمزارع والمفرخات.
وشملت التحركات زيارة ميدانية لمزارع سمكية خاصة لتحديد الاحتياجات والصعوبات والفرص الاستثمارية.
وقد يبدو هذا القطاع أصغر من العقارات أو الصناعة الثقيلة، لكنه يعكس اتجاهاً مهماً نحو إعادة اكتشاف قطاعات إنتاجية سورية لم تستثمر إمكاناتها بالشكل الكافي.
حماة: البناء والهندسة يعودان إلى واجهة المعارض
وفي حماة، انطلقت فعاليات معرض “أنتركونيكس 2026” للبناء والهندسة بمشاركة أكثر من 40 جناحاً وعلامة تجارية لشركات من عدة دول.
ويرافق المعرض نشاط علمي وهندسي بمشاركة جامعات وباحثين ومهندسين، فيما يعد أول دورة للمعرض بعد التحرير وبعد انقطاع طويل للنشاط المتخصص في هذا المجال.
وتبرز أهمية المعرض في توقيته بالتحديد، لأن قطاع البناء والهندسة سيكون من أكبر القطاعات المستفيدة من مرحلة إعادة الإعمار، سواء في مواد البناء أو المقاولات أو الحلول الهندسية والتقنيات الحديثة.
ماذا يعني اجتماع كل هذه الأحداث في 24 ساعة؟
لا تكمن قيمة الخامس من تشرين الأول في توقيع اتفاقية هنا أو افتتاح معرض هناك.
المؤشر الحقيقي هو التزامن.
خلال يوم واحد تقريباً كان المشهد السوري يتحرك على عدة مستويات في الوقت نفسه:
رأس المال: مشاريع واستثمارات جديدة.
الصناعة: توسع في المدن الصناعية وتنظيم مؤسسات الصناعيين.
المصارف: إعادة بناء قنوات العلاقة مع النظام المالي الدولي.
إدارة المخاطر: بحث ضمانات استثمار دولية.
التجارة الخارجية: مجالس أعمال وشراكات وأسواق جديدة.
النقل: توسع في الطيران وحركة نشطة للمرافئ.
السياحة والعقارات: مشاريع متكاملة في دمشق والساحل.
المعارض وإعادة الإعمار: عودة الفعاليات الهندسية والتجارية.
القطاعات الإنتاجية: تحركات في الزراعة والثروة السمكية والصناعة.
هذا التنوع أهم بكثير من حجم أي إعلان منفرد.
من التعافي إلى بناء منظومة اقتصادية جديدة
من المبكر الحديث عن اكتمال التعافي الاقتصادي في سوريا.
لا تزال تحديات الطاقة والتمويل والبنية التحتية والإدارة والتشريعات والدخل والقدرة الشرائية كبيرة، ولا تزال الفجوة بين إعلان المشاريع وتنفيذها الفعلي معياراً أساسياً يجب مراقبته.
لكن الصورة تختلف عن مجرد عودة نشاط اقتصادي تقليدي.
الذي بدأ يظهر هو محاولة لبناء منظومة مترابطة: مستثمر يحتاج إلى تمويل وضمانات، وصناعة تحتاج إلى بنية تحتية وعمالة ونقل، وتجارة تحتاج إلى مرافئ ومصارف وعلاقات خارجية، وسياحة تحتاج إلى طيران واستثمارات وخدمات.
وعندما تبدأ هذه الملفات بالتحرك بالتوازي، تتغير طبيعة التعافي نفسه.
هل كان 5 تشرين الأول يوماً استثنائياً؟
بالنظر إلى عدد المسارات التي تحركت في اليوم ذاته، وتنوع القطاعات، والانتشار الجغرافي، وطبيعة الجهات المحلية والدولية المشاركة، يمكن وصفه بالفعل بأنه يوم اقتصادي استثنائي في سوريا.
ليس لأن الاقتصاد السوري تجاوز تحدياته، وإنما لأن المشهد قدّم خلال 24 ساعة نموذجاً مكثفاً لما يمكن أن تبدو عليه مرحلة التعافي عندما تتحرك الاستثمارات والمؤسسات والمصارف والموانئ والطيران والصناعة والتجارة معاً.
وإذا تحولت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والحوارات الحالية إلى مشاريع منفذة وأعمال منتجة واستثمارات مستدامة، فإن الأيام الاستثنائية قد تصبح أقل استثنائية وأكثر اقتراباً من نمط اقتصادي طبيعي ومتسارع.
وهذا ربما يكون المؤشر الأكثر إيجابية في المشهد كله:
أن أخبار الاقتصاد السوري لم تعد تتحرك في مسار واحد، بل بدأت تتوزع بين المحافظات والقطاعات والأسواق والعلاقات الدولية في وقت واحد.
وفي بلد يمتلك احتياجات إعادة إعمار هائلة، وقاعدة بشرية وإنتاجية واسعة، وموقعاً جغرافياً مهماً، فإن اتساع هذه الحركة لا يعني فقط عودة النشاط، بل يفتح مساحة حقيقية لمرحلة يمكن أن تحمل فرصاً كبيرة للشركات والمستثمرين ورواد الأعمال السوريين وشركائهم في الخارج.