“ذهب إكسبو” في دمشق: أكثر من 160 شركة و500 علامة تجارية تعيد تسليط الضوء على صناعة الأحذية والألبسة والجلديات السورية

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
أثار تحقيق نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في 9 تشرين الأول 2026 تساؤلات واسعة بشأن الصندوق السيادي السوري، بعدما تناول اتساع دوره في إدارة أصول الدولة والممتلكات المستردة، وتنامي تأثيره في النشاط الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، مع الإشارة إلى محفظة أصول قُدرت بنحو 50 مليار دولار.
ووصفت الصحيفة الصندوق بأنه مؤسسة واسعة النفوذ لا تفصح بصورة كافية عن أصولها وبياناتها المالية وقيادتها الإدارية، وطرحت تساؤلات حول آليات نقل ملكية بعض الممتلكات التي كانت مرتبطة برجال أعمال من عهد النظام السابق، ومدى وضوح الإجراءات والرقابة على إدارتها.
في المقابل، يقدم الموقع الرسمي للصندوق السيادي السوري صورة أكثر تفصيلاً عن بنيته المؤسسية ونطاق نشاطه، ويعلن عن 36 قطاعاً تخصصياً و11 شركة مركزية وأكثر من 40 ألف موظف وعامل، إلى جانب نشر معلومات عن اتفاقيات استثمارية وتشغيلية في قطاعات الاتصالات والصناعة والغذاء والصحة والعقارات والمدفوعات الرقمية.
ويستند الصندوق في تعريفه الرسمي إلى المرسوم رقم 113 لعام 2025، الذي منحه الاستقلال المالي والإداري، وحدد أهدافه في إدارة أصول الدولة وتنميتها وتحويل الموارد غير المستغلة إلى مشاريع إنتاجية، مع النص على نظام للحوكمة والتدقيق والرقابة.
وتكشف المقارنة بين التحقيق الدولي والبيانات الرسمية عن حقيقتين متلازمتين: وجود نشاط استثماري ومؤسسي معلن يمكن توثيق أجزاء مهمة منه، واستمرار الحاجة إلى معلومات مالية وقانونية أكثر تفصيلاً تسمح بتقييم المحفظة ونتائجها بصورة مستقلة.
أولاً: ما الذي كشفه تحقيق «فايننشال تايمز»؟
ركز التحقيق على التحول الذي طرأ على إدارة الأصول الاقتصادية في سوريا بعد سقوط النظام السابق، معتبراً أن الصندوق السيادي أصبح إحدى المؤسسات المركزية في إعادة تنظيم الممتلكات الحكومية والأصول المستردة، والتفاوض مع المستثمرين الأجانب.
وأشار إلى أن الصندوق يدير مصالح متنوعة تشمل المنشآت الصناعية والعقارات والمراكز التجارية والحصص في الشركات والمصارف، مع تقديرات لقيمة الأصول تبلغ نحو 50 مليار دولار.
كما تناول انتقال بعض الممتلكات والشركات المرتبطة برجال أعمال من عهد النظام السابق إلى الإدارة الحكومية، ومن بينها أصول كانت مرتبطة بسامر الفوز ومحمد ووسيم القطان.
ولم تقتصر تساؤلات الصحيفة على حجم الأصول، بل امتدت إلى طبيعة الإدارة المؤسسية، ومدى الإفصاح عن ملكيات الصندوق وحساباته المالية وهوية قيادته، والمخاطر القانونية المحتملة لبعض الممتلكات المستردة.
وفي جانب آخر، أشار التحقيق إلى نجاح المؤسسة في بناء علاقات مع مستثمرين من دول الخليج وغيرها، والدخول في اتفاقيات اقتصادية كبرى، أبرزها الشراكة العقارية مع مجموعة «أرادَ» الإماراتية.
ومن الناحية التحليلية، لا ينبغي التعامل مع هذه المحاور باعتبارها اتهاماً واحداً متكاملاً، إذ يتضمن بعضها وقائع تؤكدها معلومات رسمية، بينما يتعلق بعضها الآخر بدرجة الإفصاح والشفافية، أو بتفسيرات لطبيعة النفوذ الاقتصادي للصندوق.
ثانياً: ماذا يكشف الموقع الرسمي عن حجم الصندوق وهيكليته؟
أطلق الصندوق السيادي السوري موقعه الإلكتروني الرسمي في حزيران 2026، ونشر من خلاله تعريفاً بالمؤسسة وأهدافها ومجالات عملها، إلى جانب بيانات عن هيكليتها وأنشطتها الاستثمارية.
وبحسب المؤشرات المنشورة على الموقع، يعمل الصندوق ضمن:
- 36 قطاعاً تخصصياً.
- 11 شركة مركزية.
- أكثر من 40 ألف موظف وعامل.
- أكثر من 270 موظفاً في الإدارة المركزية.
وتؤكد هذه المعلومات أن المؤسسة تمتلك نطاقاً تنظيمياً وتشغيلياً واسعاً، وأن عدد العاملين الذي أشار إليه تحقيق «فايننشال تايمز» يستند أيضاً إلى بيانات منشورة رسمياً.
لكن هذه المؤشرات لا تعادل كشفاً مالياً شاملاً.
فعدد القطاعات والشركات المركزية لا يوضح بالضرورة إجمالي الشركات التابعة بصورة مباشرة وغير مباشرة، أو حصص الملكية في كل منها، أو قيمة موجوداتها والتزاماتها.
كما أن عدد العاملين لا يمثل بالضرورة وظائف جديدة أنشأها الصندوق، وإنما يعكس حجم العمالة المرتبطة بنطاق نشاطه، وفق البيانات المعلنة.
وتبرز هنا نقطة جوهرية في تقييم التقرير الدولي: القول إن الصندوق لا ينشر أي معلومات عن أعماله لا يعكس جميع البيانات المتاحة على موقعه الرسمي، لكن وجود هذه البيانات لا يعني في المقابل اكتمال الإفصاح المالي والمؤسسي.
فالمعلومات المنشورة تساعد على التعرف إلى نطاق المؤسسة ونشاطها، لكنها لا تسمح وحدها بإعداد تقييم مستقل لصافي قيمة أصولها أو نتائج أعمالها.
ثالثاً: محفظة الـ50 مليار دولار.. بين التقدير والتقييم المالي
يمثل تقدير أصول الصندوق بنحو 50 مليار دولار أحد أبرز الأرقام التي تناولها التحقيق البريطاني.
وتشير التغطيات الاقتصادية إلى أن هذا التقدير طُرح في وقت سابق استناداً إلى تصريحات منسوبة لوزارة المالية، وليس باعتباره قيمة جديدة كشف عنها تحقيق الصحيفة.
لكن الموقع الرسمي للصندوق لا يعرض، ضمن بياناته العامة المنشورة، ميزانية موحدة أو قائمة تفصيلية بالأصول تتيح التحقق بصورة مستقلة من هذه القيمة.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تكفي القيمة الإجمالية المقدّرة للأصول لتحديد القدرة الاستثمارية لأي مؤسسة.
فالفرق كبير بين امتلاك محفظة تتضمن عقارات ومنشآت ومساهمات في شركات، وبين امتلاك سيولة نقدية أو موارد مالية متاحة لتمويل مشاريع جديدة.
كما أن تقييم المحفظة يتطلب احتساب الالتزامات المرتبطة بالأصول، ووضع الشركات التشغيلي، ومدى قدرتها على توليد الإيرادات والأرباح، والحقوق القانونية القائمة عليها.
ومن المهم أيضاً التمييز بين القيمة الدفترية للأصل، وقيمته السوقية العادلة، والقيمة التي يمكن تحقيقها فعلياً من استثماره أو إعادة هيكلته.
وفي الحالة السورية، تزيد الحاجة إلى التقييم الدقيق بسبب تضرر بعض المنشآت وتفاوت حالتها التشغيلية، والتغيرات التي شهدها السوق العقاري، واختلاف مستويات النشاط والسيولة بين القطاعات.
وبالتالي، فإن الرقم المتداول يعكس تقديراً لحجم الثروة التي قد تكون ضمن نطاق إدارة الصندوق، لكنه لا يصلح وحده لقياس قدرته المالية أو العوائد التي يحققها.
وهنا تظل تساؤلات «فايننشال تايمز» حول التقييم والإفصاح قائمة، في انتظار نشر بيانات مالية أكثر تفصيلاً.
رابعاً: الأصول المستردة.. هل توجد إجراءات رسمية توضح انتقالها إلى الصندوق؟
يمثل ملف الأصول المستردة أحد أكثر محاور التحقيق حساسية، لكنه أيضاً من المجالات التي تتوافر بشأنها تصريحات رسمية توضح جانباً مهماً من الإجراءات.
ففي شباط 2026، أكد رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، باسل السويدان، أن معالجة ملف رجل الأعمال سامر الفوز تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات والمصارف.
وأوضح أن هذه الأصول والمبالغ المحصلة جرى تحويلها إلى صندوق التنمية عبر الصندوق السيادي، بهدف إدارتها واستثمارها بما يحافظ على قيمتها الإنتاجية ويخدم الاقتصاد الوطني.
كما أشار إلى أن التسويات تقوم على التدقيق القانوني والمالي وتقييم الأصول، وأنها لا تمنح حصانة جزائية، ولا تلغي حقوق الغير أو المسارات القضائية الأخرى.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية في قراءة تحقيق الصحيفة، لأنها توضح أن انتقال الأصول لا يُعرض رسمياً بوصفه عملية استحواذ تجارية يجريها الصندوق بصورة مستقلة، وإنما جزءاً من مسار تتولاه لجنة مختصة باسترداد الأموال والأصول ومعالجة ملفات الكسب غير المشروع.
حالة مول المالكي: مثال يوضح الصلاحيات وحدودها
في 5 أيلول 2026، أصدرت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع بياناً تناول ملف مول المالكي في دمشق، المرتبط بمحمد ووسيم القطان.
وأكدت اللجنة أنها استكملت الإجراءات الداخلة ضمن اختصاصها، واتخذت التدابير القانونية اللازمة لإنهاء سيطرتهما على المول وإعادته إلى دائرة المال العام.
وأوضحت أنه بعد استرداد الأصل، جرى تسليم إدارته إلى الصندوق السيادي، ليتولى تشغيله واستثماره لمصلحة الدولة وفق الأطر القانونية المعتمدة.
وفي الوقت نفسه، ميزت اللجنة بين ملف الكسب غير المشروع وبين أي مطالبات أو حقوق تعاقدية قد تعود إلى مستثمر سابق في علاقته بمحافظة دمشق، مؤكدة أن الفصل في هذه المسائل يعود إلى القضاء المختص.
وتوضح هذه الحالة أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات: استرداد الأصل، وانتقال إدارته إلى جهة عامة، والفصل في الحقوق والمطالبات القانونية المرتبطة به.
فالبيان الرسمي يوفر تفسيراً مؤسسياً لإجراءات الاسترداد والإدارة، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء جميع النزاعات القانونية المتعلقة بالأصل.
وعليه، فإن وجود تساؤلات حول بعض الملكيات لا يثبت بحد ذاته عدم مشروعية انتقالها، كما أن تسليم إدارتها إلى الصندوق لا يغني عن تسوية الحقوق التي قد تكون قائمة لأطراف أخرى.
ومن منظور المستثمر، تزداد أهمية هذه التفاصيل عند التعاقد على تشغيل الأصول أو تطويرها، ولا سيما في المشاريع طويلة الأجل التي تعتمد على استقرار حقوق الملكية والتصرف.
خامساً: الحوكمة والرقابة.. هل يغيب الإطار المؤسسي فعلاً؟
ركز تحقيق «فايننشال تايمز» على محدودية الإفصاح والوضوح الإداري، وهو ما يستدعي العودة إلى نص مرسوم إحداث الصندوق وما ينشره موقعه الرسمي.
فقد نصت المادة الرابعة من المرسوم رقم 113 لعام 2025 على اعتماد نظام حوكمة يتضمن تقديم تقارير ربع سنوية وسنوية إلى رئاسة الجمهورية، وإجراء التدقيق المالي بواسطة أجهزة مستقلة عن الصندوق، إلى جانب الرقابة المستمرة وتصويب الأخطاء.
كما حدد المرسوم وجود مجلس إدارة ومدير عام، ونظم بعض صلاحياتهما، ونص على تسمية مجلس الإدارة والمدير العام بمراسيم.
ويؤكد الموقع الرسمي أن آلية الحوكمة تعتمد على القوانين السورية، وتستلهم مبادئ سانتياغو الدولية للصناديق السيادية، وتستند إلى نظام داخلي.
كما يوضح أن إدارة الصندوق تتولاها هيئة إدارية تضم خبراء وفريقاً تنفيذياً متخصصاً، وأن اختيار المشاريع يرتبط بالجدوى الاقتصادية والأثر التنموي والأولويات الوطنية.
وتوفر هذه النصوص إجابة مهمة عن جانب من التساؤلات المتعلقة بوجود إطار قانوني وتنظيمي للصندوق.
لكن يجب التمييز بين وجود منظومة للحوكمة والرقابة وبين نشر ما يثبت تطبيقها ونتائجها بصورة تسمح بالمراجعة الخارجية.
فالتقارير التي تقدم إلى رئاسة الجمهورية تحقق وظيفة رقابية مؤسسية، لكنها لا تعادل بالضرورة التقارير المالية المنشورة للجمهور.
كما أن الإشارة إلى التدقيق المالي المستقل لا توضح، بذاتها، هوية الجهات المدققة أو نطاق التدقيق أو نتائجه.
ولا يتضمن الموقع الرسمي، ضمن الصفحات التي جرت مراجعتها حتى تاريخ إعداد هذا التحليل، قوائم مالية موحدة ومدققة، أو كشفاً شاملاً بمحفظة الأصول ونتائج أدائها.
وعليه، فإن توصيف الصندوق بأنه يعمل دون أي إطار حوكمة لا ينسجم مع النصوص القانونية المعلنة، لكن المطالبة بتوسيع الإفصاح عن النتائج المالية والإدارية تظل مسألة مشروعة ومهمة من منظور الحوكمة الاقتصادية.
سادساً: الإدارة والقيادة المؤسسية.. أين تكمن فجوة الإفصاح؟
تناول تحقيق الصحيفة أيضاً مسألة الإفصاح عن هوية المسؤولين عن إدارة الصندوق، وأورد معلومات منسوبة إلى مصادره عن المدير العام وصلته بإدراج على قوائم عقوبات أسترالية.
وتنص الصفحة الرسمية للصندوق على أن إدارته تتم بواسطة مجلس إدارة ومدير عام وفريق تنفيذي متخصص، لكنها لا تعرض في قسم التعريف العام قائمة متكاملة بأسماء أعضاء مجلس الإدارة ومسؤولياتهم وسيرهم المهنية.
وفي المقابل، تظهر أسماء عدد من المسؤولين في البيانات والأنشطة الرسمية المنشورة، من بينهم رئيس مجلس الإدارة مازن الصالحاني، ومديرو بعض القطاعات الذين يمثلون الصندوق في الاتفاقيات الاستثمارية.
ومن المهم هنا الفصل بين مسألتين مختلفتين.
الأولى تتعلق بالإفصاح المؤسسي عن أسماء المسؤولين وصلاحياتهم وقرارات تعيينهم، وهي معلومات تساعد على توضيح المسؤولية الإدارية وتسهيل إجراءات التحقق التي يحتاجها الشركاء والممولون.
أما الثانية فتتعلق بما نقلته الصحيفة عن هوية مدير عام بعينه، والبيانات المتعلقة به في قوائم عقوبات خارجية.
وقد أعلنت وزارة الخارجية الأسترالية في 3 تشرين الأول 2026 تجديد إدراج شخص باسم Abraham Succarieh على قائمة العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب. لكن هذا الإدراج، بحد ذاته، لا يمثل وثيقة تعيين في الصندوق، ولا يكفي لإثبات أن الشخص المدرج يشغل المنصب الذي نسبته إليه الصحيفة.
ويحتاج الربط بين الهوية الواردة في القوائم الخارجية والمنصب الإداري المذكور في التحقيق إلى وثيقة تعيين أو إيضاح رسمي واضح، مع التمييز بين العقوبات المفروضة على شخص محدد والوضع القانوني للمؤسسة التي قد يُنسب إليها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية عملية للمستثمرين والمؤسسات المالية، نظراً إلى ما تتطلبه الشراكات الدولية من إجراءات للتحقق من الأطراف المعنية والالتزام بالأنظمة المالية والقانونية.
سابعاً: هل يعكس التحقيق الصورة الكاملة لأنشطة الصندوق الاستثمارية؟
تؤكد البيانات المنشورة على الموقع الرسمي أن نشاط الصندوق لا يقتصر على إعادة توزيع الأصول أو تطوير المشروعات العقارية.
فقد أعلن خلال عام 2026 عن اتفاقيات وشراكات تتضمن معلومات مالية وتشغيلية محددة، وتوفر أمثلة عملية على النماذج التي يعمل من خلالها.
قطاع الاتصالات: حصة سيادية بنسبة 25%
أعلن الصندوق في 30 حزيران 2026 عن فوز مجموعة «زين» برخصة الاتصالات الخليوية الثانية في سوريا، ضمن شراكة يمتلك فيها الصندوق حصة تبلغ 25% من الكيان التشغيلي الجديد، مقابل 75% لمجموعة زين.
وبحسب البيان الرسمي، بلغت قيمة العرض المالي للرخصة 747 مليون دولار، فيما تعتزم المجموعة استثمار أكثر من 800 مليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة لتحديث الشبكة وتوسيع خدماتها.
كما أوضح الصندوق أن الرخصة تمتد لمدة أساسية تبلغ 20 عاماً، مع إمكانية التمديد خمس سنوات إضافية، وأن خطة المشروع تستهدف الإطلاق التجاري خلال الربع الأول من 2027.
وتكشف هذه الأرقام عن نموذج شراكة يقوم على احتفاظ الصندوق بحصة مؤسسية في قطاع استراتيجي، مع مشاركة مشغل دولي يتولى الاستثمار والتشغيل.
لكن مبلغ الرخصة والاستثمارات المستقبلية لا يمثلان بالضرورة أموالاً تدخل مباشرة إلى محفظة الصندوق، كما لا يمكن احتساب كامل تلك القيمة ضمن أصوله الخاصة دون معرفة المعالجة المالية والملكية التفصيلية.
الصناعة الغذائية: 80 مليون دولار لإعادة تشغيل منشأة قائمة
في 11 حزيران 2026، أعلن الصندوق إبرام اتفاقية مع شركة «ترياكي سوريا» لتشغيل منشأة العالمية لصناعة الزيوت في محافظة حماة وتطويرها.
وتتضمن الاتفاقية استثماراً تشغيلياً يقارب 80 مليون دولار على مدى شراكة مدتها عشر سنوات.
وتستهدف المنشأة معالجة نحو 300 ألف طن من فول الصويا وتكرير 100 ألف طن من زيت دوار الشمس الخام سنوياً، مع توقع أن تصل القيمة السنوية للمنتجات المعالجة إلى نحو 300 مليون دولار عند بلوغ الطاقة التشغيلية المخطط لها.
كما يتضمن المشروع نقل الخبرات والتدريب، مع استهداف أن يشكل السوريون ما لا يقل عن 75% من القوى العاملة في الوظائف الفنية والإدارية.
ويقدم هذا الاتفاق نموذجاً لاستخدام أصول صناعية قائمة لإعادة بناء الإنتاج المحلي، بدلاً من الاعتماد على تطوير العقارات وحده.
غير أن القيمة الإنتاجية المستهدفة تختلف عن الإيرادات الفعلية والأرباح المحققة، ولا يمكن اعتبارها نتيجة اقتصادية منجزة قبل الوصول إلى مستويات التشغيل المعلنة.
قطاع الصناعة: اتفاقية كابلات الرياض
توفر اتفاقية مجموعة «كابلات الرياض» السعودية نموذجاً آخر، يتميز بوجود إفصاح مالي تفصيلي صادر عن الشركة الشريكة في السوق المالية السعودية.
فبموجب الاتفاقية الموقعة في 14 كانون الثاني 2026 لتطوير شركة الكابلات السورية الحديثة وتشغيلها، أعلنت المجموعة عن استثمار رأسمالي يقارب 60 مليون ريال سعودي خلال مدة العقد البالغة 18 عاماً.
كما أعلنت عن تقاسم الأرباح أو الخسائر السنوية الناتجة عن المشروع، بحصة تصل إلى 40% لصالح الصندوق السيادي السوري.
ويتضمن الاتفاق أربع مراحل تنفيذية، ترتبط كل منها بتقييم النتائج التشغيلية والفنية والمالية قبل الانتقال إلى المرحلة التالية.
وتُظهر هذه الحالة أن جزءاً من المعلومات التعاقدية المتعلقة باستثمارات الصندوق أصبح متاحاً من خلال الإفصاحات التنظيمية للشركاء الدوليين.
لكن نشر معلومات عن عقد بعينه لا يعوض الحاجة إلى تقارير مالية موحدة توضح أثره على إجمالي أعمال الصندوق ومحفظته.
التطوير العقاري: مشروع دمشق الجديدة
في 31 آب 2026، أعلن الصندوق ومجموعة «أرادَ» الإماراتية عن مشروع تطوير عقاري مشترك غرب دمشق، بقيمة تطويرية إجمالية مقدّرة بنحو 7 مليارات دولار.
ويمتد المشروع على مساحة أربعة ملايين متر مربع، وتتضمن خططه 11 ألف وحدة سكنية وحديقة عامة بمساحة 700 ألف متر مربع، ومرافق صحية وتعليمية وتجارية وخدمية.
ويعكس المشروع قدرة الصندوق على الدخول في شراكات مع مطورين دوليين، واستثمار الأصول العقارية في مشاريع واسعة النطاق.
لكن القيمة التطويرية المعلنة لا تعادل التمويل المنفذ، ولا توضح بصورة منفردة حجم المساهمة المالية أو العينية التي يقدمها الصندوق.
ولهذا تظل معرفة أسس تقييم الأرض وحقوق التطوير ونسب الشراكة وتوزيع العوائد والمخاطر من العناصر الأساسية لتقييم الأثر المالي للمشروع.
الصحة والتكنولوجيا: أدوار تتجاوز الاستثمار العقاري
أعلن الصندوق في آب 2026 عن عقد لتطوير وتأهيل 14 مستشفى وطنياً عبر شركة «صرح القابضة»، بالشراكة مع «إنتر هيلث كندا» وبإشراف وزارة الصحة.
ويمتد المشروع على 24 شهراً، ويشمل مرافق تبلغ طاقتها الإجمالية 3,591 سريراً، مع تقديرات بخدمة أكثر من 3.7 ملايين مستفيد سنوياً.
كما أعلن في تموز عن شراكة بين الشركة السورية لصناعة السيارات SCAI وشركة Yutong الصينية لتوطين صناعة المركبات ونقل التكنولوجيا.
وفي آب، نشرت المنصة الرسمية اتفاقية تعاون بين شركة «بيميرا» التابعة للصندوق وشركة Visa، تستهدف دعم تطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية في سوريا.
وتوضح هذه الاتفاقيات تنوع الاهتمامات الاستثمارية للصندوق، لكنها تحتاج إلى متابعة مراحل التنفيذ وحجم التمويل والتكاليف ومؤشرات الأداء قبل احتساب أثرها الاقتصادي بصورة نهائية.
ثامناً: بين دور الدولة ومنافسة القطاع الخاص
من المسائل التي أثارها التحقيق بصورة غير مباشرة اتساع دور الصندوق بوصفه جهة تدير أصولاً وتفاوض مستثمرين وتشارك في مشاريع اقتصادية مؤثرة.
وتتيح الصلاحيات الواسعة للصندوق إمكانية توحيد إدارة الأصول وتطوير شراكات كبيرة، بما قد يقلل تشتت التفاوض بين الجهات العامة، ويساعد على جذب المستثمرين المؤسسيين.
لكن مركزية إدارة الأصول تزيد في المقابل أهمية الفصل بين أدوار الملكية والاستثمار والتنظيم والرقابة.
وفي 10 تموز 2026، أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن الصندوق لا يهدف إلى مزاحمة القطاع الخاص، وإنما يمثل ركيزة للاستثمار المؤسسي، وأن أصوله وعوائده مملوكة للدولة السورية.
كما أوضح عدم وجود إعفاءات أو معاملة ضريبية تمييزية لشركات الصندوق مقارنة بالشركات الخاصة.
وتحدد هذه التصريحات الموقف الرسمي من العلاقة مع القطاع الخاص.
لكن تكافؤ المنافسة يتأثر أيضاً بشروط الوصول إلى الأصول والتمويل، ومعايير اختيار الشركاء، وشفافية التعاقدات، وتوزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل بالضرورة في حجم دور الصندوق، وإنما في وضوح القواعد التي تحكم هذا الدور وعلاقته ببقية المؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص.
تاسعاً: ما الذي يمكن حسمه من خلال البيانات المتاحة؟
تسمح المقارنة بين تحقيق «فايننشال تايمز» والمصادر الرسمية بتحديد ثلاث نتائج أساسية.
النتيجة الأولى: الصندوق مؤسسة ذات إطار قانوني ونشاط استثماري معلن.
فمرسوم الإحداث يحدد طبيعته وأهدافه وصلاحياته الأساسية، ويعرض موقعه الرسمي بيانات عن الهيكل العام والقطاعات والعاملين والاتفاقيات الاستثمارية.
وبالتالي، فإن المعلومات المتاحة تتجاوز مجرد الإعلان عن إنشاء مؤسسة أو الحديث عن مشاريع مستقبلية غير محددة.
النتيجة الثانية: بعض التساؤلات المرتبطة باسترداد الأصول لها تفسيرات رسمية موثقة.
فالتصريحات الصادرة عن اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع توضح إجراءات استرداد بعض الأصول وتحويل إدارتها إلى الصندوق، مع التأكيد على استمرار اختصاص القضاء في الفصل بالحقوق والمطالبات التي لا تدخل ضمن عمل اللجنة.
لكن هذه التصريحات لا تمثل كشفاً شاملاً لجميع الأصول المستردة أو تسوية نهائية لكل المطالبات المرتبطة بها.
النتيجة الثالثة: الإفصاح المالي الشامل لا يزال الحلقة التي تتطلب معلومات إضافية.
فوجود بيانات عن الشركات والعمالة والمشاريع لا يسمح وحده بالتحقق من صافي قيمة المحفظة، أو الأرباح والخسائر، أو التدفقات النقدية، أو نتائج التدقيق المستقل.
كما أن نشر التفاصيل المالية لبعض الاتفاقيات لا يعادل إعداد قوائم مالية موحدة للصندوق والشركات التي تدخل ضمن نطاقه.
وعليه، فإن بعض الأوصاف العامة التي استخدمها التحقيق تحتاج إلى التمييز بين السرية المؤسسية المطلقة ومحدودية الإفصاح المالي، بينما تبقى المطالب المتعلقة بوضوح المحفظة والحوكمة قابلة للطرح من زاوية اقتصادية ومهنية.
عاشراً: ما الذي تحتاجه المرحلة المقبلة لتعزيز الثقة الاستثمارية؟
بعد مرور أكثر من عام على تأسيس الصندوق، ومع اتساع اتفاقياته وأنشطته، تبرز أهمية الانتقال التدريجي من الإعلان عن المشاريع إلى قياس نتائجها.
ويمكن أن يشمل ذلك نشر تقرير سنوي موحد يوضح عدد الشركات والأصول المدارة وتوزيعها القطاعي، والبيانات المالية الأساسية والالتزامات، مع توضيح النتائج التشغيلية والاستثمارات المنفذة والعوائد المتحققة.
كما تبرز أهمية نشر معلومات أوضح حول التشكيل الإداري، والجهات القائمة على التدقيق، ومعايير تقييم الأصول واختيار الشركاء، والإجراءات المعتمدة في إدارة الأصول المستردة.
وتوفر مبادئ سانتياغو، التي يشير إليها الموقع الرسمي للصندوق، إطاراً مرجعياً طوعياً يمكن الاستفادة منه في تعزيز الحوكمة والإفصاح وإدارة المخاطر.
ولا يعني توسيع الإفصاح بالضرورة نشر جميع تفاصيل العقود التجارية أو البيانات الحساسة، وإنما توفير القدر الكافي من المعلومات الذي يسمح بتقييم إدارة المال العام دون الإضرار بالمصالح الاستثمارية المشروعة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية عند النظر إلى احتياجات إعادة الإعمار السورية، التي قدر البنك الدولي تكلفتها بنحو 216 مليار دولار، في تقرير أصدره في تشرين الأول 2025.
فإدارة الأصول العامة بكفاءة يمكن أن تساعد على تعبئة التمويل واستقطاب الشركاء، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى قدرة مالية مساوية للقيمة التقديرية لتلك الأصول.
الخلاصة: بين اتساع الدور ومتطلبات الإفصاح
يكشف تحقيق «فايننشال تايمز» عن تساؤلات مهمة ترتبط بحجم الصندوق السيادي السوري ونطاق نفوذه الاقتصادي وطبيعة الأصول التي يديرها وآليات الرقابة والإفصاح.
وفي المقابل، توضح البيانات المنشورة عبر منصته الرسمية والتصريحات المؤسسية ذات الصلة أن الصندوق يمتلك إطاراً قانونياً معلناً، ونطاقاً تنظيمياً واسعاً، وشراكات استثمارية في قطاعات إنتاجية وخدمية متعددة، إلى جانب إجراءات معلنة لإدارة بعض الأصول المستردة.
ولا تلغي هذه المعلومات الحاجة إلى مزيد من الإفصاح، كما أن غياب بعض البيانات المالية المنشورة لا يكفي وحده للحكم على كفاءة المؤسسة أو مشروعية جميع أعمالها.
فالمعلومات المتاحة تؤكد اتساع الدور الاستثماري للصندوق، لكنها لا توفر حتى الآن صورة مالية متكاملة تسمح بقياس ثروته المدارة وعوائدها والتزاماتها بصورة مستقلة.
ومن منظور بيئة الأعمال، لا تكمن أهمية هذا النقاش في المفاضلة بين الرواية الصحفية والموقف الرسمي، بل في الوصول إلى صورة اقتصادية أكثر اكتمالاً، تساعد المستثمرين والمؤسسات والشركات على فهم طبيعة الصندوق والفرص والمخاطر المرتبطة بالتعامل معه.
فالانتقال من إدارة الأصول إلى تعظيم قيمتها الاقتصادية يحتاج إلى شراكات منتجة وإدارة فعالة، كما يحتاج إلى إفصاح مؤسسي يجعل النتائج قابلة للقياس والمراجعة.
وسيكون حجم الاستثمارات المنفذة، وتحسن أداء الشركات، ونمو الإنتاج وفرص العمل، والعوائد التي تحققها الأصول للدولة، من أهم المؤشرات التي تحدد الأثر الاقتصادي الفعلي للصندوق خلال السنوات المقبلة.