مشروع CAPCBoS: هل تبدأ سوريا إعادة بناء أدوات الرقابة والسياسة النقدية؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
بدأ مصرف سورية المركزي في 7 تشرين الأول 2026 أعمال مشروع «دعم وتعزيز قدرات مصرف سورية المركزي – CAPCBoS» بالتعاون مع بعثة فنية فرنسية تضم ممثلين عن بنك فرنسا، والمديرية العامة للخزانة الفرنسية، والوكالة الفرنسية للتنمية AFD، وExpertise France.
لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند وجود تعاون فني أجنبي جديد؛ فالمجالات التي يستهدفها تقع في صميم قدرة المصرف المركزي على إدارة القطاع المالي: الرقابة المصرفية القائمة على المخاطر، والسياسة النقدية، والتحليل الاقتصادي، وإدارة السيولة، وتطوير سوق ما بين المصارف. كما أن بدء اجتماعات فنية مع مديريات المصرف لتحديد الاحتياجات والأولويات والخطوات العملية ينقل التعاون، مبدئياً، من مستوى الاتفاقات العامة إلى مستوى العمل المؤسسي التنفيذي.
من التعاون السياسي إلى العمل الفني
يأتي CAPCBoS ضمن مسار أوسع بدأ قبل أشهر.
في تموز 2026، أعلنت Expertise France توقيع مذكرة تفاهم مع مصرف سورية المركزي، وأوضحت أنها تعمل منذ 2025 إلى جانب الحكومة السورية في مجال بناء القدرات المؤسسية، وأن المساعدة الفنية المقدمة للمصرف المركزي تُنفذ بتمويل فرنسي وبالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية والمديرية العامة للخزانة الفرنسية.
وفي 7 تموز أيضاً، أعلن مصرف سورية المركزي إعادة تفعيل علاقته المصرفية مع بنك فرنسا وإعادة تشغيل حسابه لديه، في خطوة وصفها المصرف بأنها تفتح بيئة للتعاون المالي والتقني بين المؤسستين.
بذلك، يمكن قراءة البعثة الحالية باعتبارها انتقالاً من إعادة فتح قنوات التعاون وتوقيع المذكرات إلى تحديد احتياجات فنية وبرامج عمل داخل المصرف نفسه.
وهذا التحول مهم لأن إصلاح القطاع المصرفي لا يتحقق بمجرد إعادة العلاقات الخارجية، بل يحتاج إلى قدرة مؤسسية داخلية تستطيع مراقبة المصارف، إدارة السيولة، قراءة البيانات، واتخاذ قرارات نقدية ضمن أدوات أكثر تطوراً.
أولاً: لماذا تهم الرقابة المصرفية القائمة على المخاطر؟
أحد المسارين الرئيسيين للمشروع هو تطوير الرقابة المصرفية القائمة على المخاطر Risk-Based Supervision.
هذا النموذج يختلف عن الرقابة التي تركز بصورة أساسية على التحقق من الالتزام الشكلي بالتعليمات؛ إذ يعتمد على تقييم المخاطر الفعلية التي يواجهها كل مصرف، ومدى جودة إدارته ورقابته الداخلية، ثم توجيه الموارد الرقابية بدرجة أكبر نحو المؤسسات والأنشطة ذات المخاطر الأعلى.
وتعتبر لجنة بازل للرقابة المصرفية أن الرقابة الفعالة ينبغي أن تكون استباقية وقائمة على المخاطر، وأن تأخذ في الاعتبار حجم المصرف وتعقيده وأهميته النظامية وجودة الحوكمة وإدارة المخاطر لديه.
عملياً، يمكن أن يعني تطوير هذا المسار في سوريا الانتقال تدريجياً نحو تقييم أكثر دقة لمخاطر الائتمان والسيولة ورأس المال والحوكمة والضوابط الداخلية داخل المصارف، بدلاً من التعامل مع جميع المؤسسات بالمستوى الرقابي نفسه.
وبالنسبة لقطاع مصرفي يحتاج إلى إعادة تأهيل وإعادة بناء الثقة، فإن هذه الخطوة قد تكون جزءاً أساسياً من تحديد نقاط الضعف ومعالجتها قبل أن تتحول إلى مخاطر أوسع على النظام المالي.
ثانياً: السياسة النقدية تحتاج أدوات، لا قرارات فقط
المسار الثاني في CAPCBoS أكثر اتساعاً، ويشمل السياسة النقدية والتحليل الاقتصادي وإدارة السيولة وسوق ما بين المصارف.
وهنا تظهر أهمية المشروع بصورة أوضح.
ففي آب 2026، أشار صندوق النقد الدولي، عقب زيارة فريقه إلى دمشق، إلى أن السياسة النقدية في سوريا ما تزال مقيدة بشدة بسبب ضعف أداء النظام المصرفي ونقص أدوات السياسة النقدية، ووضع ضمن الأولويات تطوير الإطار النقدي، وتقوية الرقابة المصرفية، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي.
وهذا يعني أن المشكلة لا ترتبط فقط بتحديد سعر صرف أو إصدار قرار نقدي، بل بوجود منظومة تستطيع نقل السياسة النقدية إلى السوق.
المصرف المركزي يحتاج إلى بيانات وتحليل اقتصادي وقدرة على قراءة السيولة داخل النظام المصرفي، ثم إلى أدوات يستطيع عبرها التأثير في هذه السيولة وأسعار الفائدة والائتمان.
لذلك فإن جمع السياسة النقدية والتحليل وإدارة السيولة ضمن مشروع واحد يحمل منطقاً مؤسسياً واضحاً: لا يمكن تشغيل سياسة نقدية أكثر فاعلية دون معرفة ما يحدث داخل النظام المصرفي والقدرة على التدخل بأدوات مناسبة.
لماذا يظهر سوق ما بين المصارف في المشروع؟
ربما يكون تطوير «سوق ما بين المصارف» من أكثر عناصر المشروع أهمية على المدى المتوسط.
هذا السوق يسمح للمصارف التي تمتلك فائضاً مؤقتاً من السيولة بإقراض مصارف تحتاج إلى سيولة قصيرة الأجل، بدلاً من اعتماد كل مصرف بصورة أكبر على المصرف المركزي أو الاحتفاظ بمستويات كبيرة من السيولة غير المستخدمة.
ومن منظور السياسة النقدية، لا تقتصر أهمية هذا السوق على تبادل الأموال بين البنوك. صندوق النقد يشير إلى أن عمل سوق ما بين المصارف بكفاءة وإدارة السيولة بصورة سليمة يمثلان حلقة رئيسية في انتقال إشارة السياسة النقدية إلى أسعار الفائدة قصيرة الأجل والقطاع المالي.
لذلك فإن بناء سوق أكثر نشاطاً بين المصارف السورية يمكن، إذا توفرت البنية التنظيمية والأدوات والثقة بين المؤسسات، أن يساعد لاحقاً على:
- تحسين توزيع السيولة بين المصارف.
- تكوين أسعار فائدة قصيرة الأجل تعكس ظروف السوق بصورة أفضل.
- تقليل الاختلالات الناتجة عن وجود فوائض لدى مصارف وعجز لدى أخرى.
- توفير قناة أكثر وضوحاً لتنفيذ السياسة النقدية.
- دعم تطور أدوات وأسواق مالية أخرى مستقبلاً.
لكن إنشاء سوق فعالة بين المصارف ليس قراراً إدارياً منفرداً؛ فهو يحتاج إلى مصارف سليمة نسبياً، وبيانات موثوقة، وثقة بين المؤسسات، وأطر واضحة لإدارة الضمانات والتسوية والمخاطر.
ماذا يعني المشروع للمصارف السورية؟
الأثر المباشر لن يظهر بمجرد انتهاء زيارة البعثة الفرنسية.
إذا انتقل CAPCBoS إلى مراحل تنفيذية متقدمة، فإن المصارف السورية قد تواجه بيئة رقابية أكثر اعتماداً على تقييم المخاطر والحوكمة والسيولة وكفاية الضوابط الداخلية.
وهذا قد يرفع الحاجة لدى البنوك إلى تطوير إدارات المخاطر، وتحسين جودة البيانات والتقارير الرقابية، وتعزيز أنظمة الامتثال والرقابة الداخلية، وبناء قدرة أكثر احترافاً على إدارة الأصول والخصوم والسيولة.
وفي المقابل، فإن تحسن جودة الرقابة والإطار النقدي يمكن أن يساعد تدريجياً على بناء قطاع أكثر قابلية للتعامل مع المؤسسات المصرفية الدولية.
لكن من المهم عدم القفز من التعاون الفني إلى استنتاج أن المصارف الأجنبية ستدخل السوق تلقائياً. دخول مؤسسات مالية جديدة يحتاج إلى مجموعة أوسع من الشروط، تشمل البيئة القانونية والتنظيمية، سلامة المصارف المحلية، أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، العلاقات المصرفية المراسلة، وإمكانية تنفيذ المدفوعات والتحويلات الدولية.
قطعة ضمن برنامج إصلاح أكبر
يمكن أيضاً وضع CAPCBoS ضمن سلسلة تحركات شهدها مصرف سورية المركزي خلال الفترة الأخيرة لإعادة بناء علاقاته الخارجية وتحديث البنية المصرفية.
صندوق النقد تحدث عن برنامج مساعدة فنية يشمل التشريعات المالية الجديدة، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، وتقوية الرقابة، وتعزيز إطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطوير إطار السياسة النقدية.
وفي الوقت نفسه، أعاد المركزي فتح قنواته مع بنك فرنسا، كما كثف اتصالاته مع مؤسسات مالية ومصارف مركزية دولية خلال الأشهر الأخيرة.
من هذه الزاوية، لا تبدو البعثة الفرنسية مشروعاً منفرداً، بل جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء وظائف المصرف المركزي والقطاع المالي على عدة مستويات متوازية: الرقابة، السياسة النقدية، المدفوعات، العلاقات المصرفية الدولية، والامتثال.
ما الذي لم يُعلن حتى الآن؟
رغم أهمية بدء المشروع، ما تزال مجموعة من البيانات الأساسية غير معلنة بصورة واضحة.
لم يُعلن حتى الآن عن الميزانية المحددة لمشروع CAPCBoS، أو مدته الزمنية، أو مراحله التنفيذية، أو مؤشرات الأداء التي سيقاس من خلالها نجاحه، أو جدول زمني لتطبيق منهجية الرقابة القائمة على المخاطر.
كما لم يُعلن عن مصارف تجارية سورية محددة بوصفها مستفيداً مباشراً من المشروع، ولا عن الشكل الذي سيأخذه تطوير سوق ما بين المصارف أو الأدوات التي ستستخدم فيه.
وتجدر الإشارة إلى أن Expertise France كانت قد أعلنت سابقاً أن المساعدة الفنية للمصرف المركزي تتم بتمويل فرنسي وبالتعاون مع AFD، لكن ذلك لا يحدد قيمة تمويل CAPCBoS نفسه أو موازنته التنفيذية.
هذه التفاصيل ستكون ضرورية لتقييم المشروع لاحقاً على أساس النتائج، لا على أساس إعلان انطلاقه فقط.
ما الذي يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة؟
القيمة الحقيقية للمشروع ستظهر عندما تنتقل الاجتماعات الحالية إلى مخرجات قابلة للقياس.
من أبرز المؤشرات التي تستحق المتابعة: صدور خطة تنفيذية أو جدول زمني للمشروع، اعتماد إطار واضح للرقابة المصرفية القائمة على المخاطر، تطوير أدوات لإدارة وقياس السيولة، ظهور خطوات عملية لتفعيل سوق ما بين المصارف، وتحول التدريب ونقل الخبرة إلى إجراءات وأنظمة تستخدم فعلياً داخل المصرف المركزي والقطاع المصرفي.
كما ستكون العلاقة بين المشروع الفرنسي وبرامج المساعدة الفنية الأخرى، ولا سيما دعم صندوق النقد، عاملاً مهماً في تجنب تكرار البرامج وبناء مسار إصلاح متكامل.
الخلاصة
أهمية CAPCBoS لا تأتي من كونه مشروع تعاون فرنسي–سوري جديد فقط، بل من نوع الملفات التي يستهدفها.
الرقابة القائمة على المخاطر، وإدارة السيولة، والتحليل الاقتصادي، والسياسة النقدية، وسوق ما بين المصارف تمثل أجزاء مترابطة من البنية التي يحتاجها أي مصرف مركزي يريد الانتقال من إدارة الأزمات والسيولة اليومية إلى إدارة نظام مالي أكثر قدرة على نقل السياسة النقدية واحتواء المخاطر.
المشروع لا يعني أن إصلاح القطاع المصرفي السوري قد تحقق، ولا أن مشكلات المصارف أو العلاقات المالية الخارجية أصبحت محلولة. لكنه يمثل انتقالاً مهماً من إعادة فتح العلاقات وتوقيع مذكرات التعاون إلى العمل على أدوات ومؤسسات داخلية يحتاجها القطاع المصرفي فعلياً.
وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة بسيطاً: هل يتحول نقل الخبرة إلى أطر رقابية وأدوات نقدية وأسواق تعمل على الأرض، أم يبقى في نطاق المساعدة الفنية والتدريب؟
هذا هو الفارق بين تعاون مؤسسي قصير الأجل وبين بداية إعادة بناء فعلية للبنية النقدية والمصرفية السورية.