كلمة وزير المالية في مؤتمر حوار القطاع الخاص: هل تبدأ سوريا الانتقال من الجباية إلى الشراكة المالية؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
حملت كلمة وزير المالية السوري محمد يسر برنية في اليوم الثاني من المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري 2026 واحدة من أهم الرسائل الاقتصادية المباشرة للسوق: مستقبل الاقتصاد السوري لا يمكن أن يبنى إلا بشراكة كاملة بين القطاعين العام والخاص، وأن القطاع الخاص سيكون شريكاً رئيسياً في قيادة النمو، جذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل.
قيمة الكلمة لا تأتي فقط من مضمونها الخطابي، بل من موقعها داخل لحظة اقتصادية سورية شديدة الحساسية. فالقطاع الخاص لا ينتظر اليوم عبارات دعم عامة، بل يبحث عن إجابات عملية: كيف ستتغير العلاقة مع الضرائب؟ هل ستصبح المالية العامة أداة تمكين لا أداة ضغط؟ هل يمكن للمصارف أن تموّل الإنتاج؟ وهل ستُعالج أوضاع المنشآت المتضررة بطريقة تساعدها على العودة إلى السوق بدل بقائها خارج الدورة الاقتصادية؟
من هذه الزاوية، يمكن قراءة كلمة وزير المالية بوصفها محاولة لنقل النقاش المالي في سوريا من منطق الجباية التقليدية إلى منطق الشراكة المالية والتنظيمية مع قطاع الأعمال.
لماذا كانت كلمة وزير المالية مهمة؟
في أي اقتصاد خارج من حرب طويلة، تكون وزارة المالية في موقع بالغ الحساسية. فهي مطالبة بتمويل الدولة، الرواتب، الخدمات، والبنية الأساسية، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بعدم خنق السوق بالضرائب والرسوم والإجراءات. هذه المعادلة أصعب في الحالة السورية، لأن القاعدة الإنتاجية تضررت، السيولة محدودة، القطاع المصرفي يحتاج إعادة تفعيل، والثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية تحتاج ترميماً جدياً.
وزير المالية قال في كلمته إن الوزارة أطلقت استراتيجية التحول 2026 ـ 2030 بعنوان “وزارة المالية دور ريادي في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي والتنمية المستدامة في سوريا الجديدة”، بوصفها إطاراً لبناء وزارة مالية حديثة شريكة للقطاع الخاص. كما شدد على أن النمو لا يتحقق فقط عبر إدارة المال العام بكفاءة، بل عبر تمكين القطاع الخاص، تطوير الأسواق والمؤسسات المالية، تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمستثمرين.
هذه النقطة أساسية. فهي تعني أن وزارة المالية، نظرياً، لا تريد أن تكون مجرد جهة تحصيل، بل جهة قادرة على تنظيم العلاقة المالية بين الدولة والسوق بطريقة تساعد النمو. لكن الاختبار العملي سيكون في التفاصيل: القوانين، التعليمات، سلوك الإدارة الضريبية، سرعة التسويات، سهولة الامتثال، والقدرة على بناء تمويل إنتاجي حقيقي.
من الجباية إلى الإدارة الضريبية الحديثة
أبرز ما في الكلمة هو إعلان الوزير عن برنامج شامل للإصلاح الضريبي لإعادة بناء الثقة مع المكلفين، والانتقال من الجباية التقليدية إلى إدارة ضريبية حديثة قائمة على العدالة والشفافية.
هذه العبارة تختصر واحدة من أعقد مشكلات السوق السوري. فالمشكلة ليست في وجود الضريبة بحد ذاته؛ كل اقتصاد يحتاج نظاماً ضريبياً يمول الدولة والخدمات. المشكلة تظهر عندما يشعر التاجر أو الصناعي أن الضريبة غير قابلة للتوقع، أو أن التقدير يخضع لاجتهاد إداري واسع، أو أن الامتثال أكثر كلفة من البقاء في الظل.
الإصلاح الضريبي الحقيقي يجب أن يجيب عن خمسة أسئلة عملية:
هل يعرف المكلف مسبقاً ما عليه دفعه؟
هل يستطيع الاعتراض ضمن مسار واضح؟
هل تُعامل الشركات الملتزمة بصورة أفضل من غير الملتزمة؟
هل تخفف الضريبة عن رأس المال العامل في مرحلة إعادة التشغيل؟
وهل يصبح الدخول إلى الاقتصاد المنظم أقل كلفة من البقاء خارجه؟
إذا أجابت السياسة الضريبية الجديدة عن هذه الأسئلة، فقد تتحول من مصدر توتر إلى أداة تنظيم وثقة.
أرقام تشرح حجم المهمة المالية
لا تعمل وزارة المالية في فراغ. حجم التحدي الاقتصادي السوري يفرض عليها خيارات صعبة. فالبنك الدولي يقدّر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، مع تقدير للأضرار المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار. كما يشير إلى أن هذه الكلفة تقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي المتوقع لعام 2024، ما يوضح أن الدولة لا تستطيع تمويل التعافي وحدها.
في المقابل، تشير تقديرات البنك الدولي الحديثة إلى بداية تعافٍ اقتصادي أولي، مع توقعات لنمو الناتج المحلي الحقيقي في 2025 ضمن نطاق 2% إلى 4%، وتراجع التضخم المقدر من 72.1% عام 2024 إلى 11.5% عام 2025، مع بقاء البيانات الرسمية محدودة وغير متساوية الجودة.
هذه الأرقام تعطي كلمة وزير المالية معناها العملي: إذا كانت كلفة التعافي بهذا الحجم، فإن السياسة المالية لا يمكن أن تقوم على الجباية فقط، ولا على الإنفاق العام فقط. المطلوب هو توسيع النشاط الاقتصادي نفسه، وتحويل القطاع الخاص إلى مصدر نمو وإيرادات مستدامة، لا إلى مكلف يُستدعى فقط عند الحاجة إلى التحصيل.
ماذا يعني ذلك لأصحاب الأعمال؟
بالنسبة لصاحب الشركة أو التاجر أو الصناعي، أهم ما في الكلمة ليس العنوان العام عن الشراكة، بل احتمال تغير العلاقة اليومية مع وزارة المالية والضرائب.
في الواقع السوري، كثير من الشركات تحتاج اليوم إلى إعادة تشغيل أو إعادة تمويل أو تسوية أوضاع أو تخفيض كلفة الامتثال. لذلك، فإن أي إصلاح مالي مفيد يجب أن يركز على رأس المال العامل، لا على دفاتر الدولة فقط.
القرار الصادر قبل المؤتمر بتخفيض السلفة الضريبية على مستوردي مدخلات الإنتاج الصناعي والمواد الغذائية من 2% إلى 1% اعتباراً من 1 حزيران 2026 يعطي مثالاً عملياً على هذا الاتجاه. فالقرار يعدل القرار رقم 637 الصادر في 29 نيسان 2026، وينص على اقتطاع السلفة من المستورد عند الاستيراد وفق البيانات الجمركية، مع التحقق اللاحق من صحة القيم المصرح بها.
قد يبدو تخفيض السلفة من 2% إلى 1% رقماً محدوداً، لكنه مهم في اقتصاد يعاني من ضيق السيولة. فالسلفة الضريبية تُدفع قبل تدوير البضاعة أو بيعها، وبالتالي تؤثر مباشرة في رأس المال العامل. تخفيضها يعني ترك جزء أكبر من السيولة لدى المستوردين والصناعيين، خصوصاً في مدخلات الإنتاج والغذاء، وهي قطاعات ذات أثر مباشر على الأسعار والتوريد.
لكن الأثر النهائي سيتوقف على عاملين: هل ستنعكس الكلفة الأقل على الأسعار أو كميات التوريد؟ وهل سيترافق ذلك مع تخفيف فعلي في الإجراءات والتأخير والاحتكاك الإداري؟
المنشآت المتضررة: من الإعفاء إلى العودة للتشغيل
من الملفات التي أشار إليها وزير المالية في سياق الإصلاحات، معالجة أوضاع المنشآت المتضررة وإصدار إعفاءات وتسهيلات تساعدها على العودة إلى الدورة الاقتصادية. وقد كانت وزارة المالية قد أصدرت التعليمات التنفيذية للمرسوم الرئاسي رقم 69 لعام 2026، المتعلق بمنح إعفاءات ضريبية وحوافز للمنشآت التجارية والصناعية والسياحية المتضررة، بهدف مساعدتها على معاودة التشغيل وخلق فرص عمل جديدة وفق نسب الضرر التي تقدرها اللجان المختصة.
هذه النقطة جوهرية. فهناك فرق كبير بين إعفاء ضريبي يبقى على الورق، وإعفاء يتحول إلى قرار استثماري لدى صاحب منشأة متضررة: هل يعيد فتحها؟ هل يستورد آلات؟ هل يوظف عمالاً؟ هل يدخل في شراكة؟ هل ينتقل إلى اقتصاد منظم؟
لكي تنجح هذه السياسة، يجب ألا تقتصر على الإعفاء. المنشأة المتضررة تحتاج إلى حزمة متكاملة: تسوية ضريبية، تمويل، طاقة، ترخيص مبسط، وضوح جمركي عند استيراد التجهيزات، وربط بأسواق محلية أو خارجية. الإعفاء وحده يخفف عبئاً سابقاً، لكنه لا يكفي دائماً لخلق قدرة تشغيل جديدة.
التمويل: الحلقة الأضعف في علاقة الدولة بالقطاع الخاص
تحدث وزير المالية عن تطوير الأسواق والمؤسسات المالية وتحسين بيئة الأعمال، وهذا يفتح واحداً من أهم ملفات التعافي: التمويل.
القطاع الخاص السوري لا يحتاج فقط إلى تخفيض ضريبة أو تسوية غرامة، بل يحتاج إلى تمويل لإعادة بناء القدرة الإنتاجية. معظم الشركات الصغيرة والمتوسطة تعمل برأس مال محدود، وكثير من الصناعيين يحتاجون إلى تمويل للآلات والطاقة والمواد الأولية، والمصدرون يحتاجون إلى أدوات تمويل تجاري وضمانات.
لكن التمويل لا يعمل في بيئة ضعف ثقة. المصرف لا يقرض إذا كانت البيانات غير واضحة أو الضمانات غير كافية أو السوق غير مستقرة. والشركة لا تدخل إلى المصرف إذا كانت تخشى التعقيد أو عدم القدرة على السداد أو عدم وضوح سعر الفائدة والتضخم.
لذلك، فإن عبارة “تطوير المؤسسات المالية” يجب أن تُترجم لاحقاً إلى أدوات عملية، مثل تمويل رأس المال العامل، قروض إعادة تأهيل الإنتاج، ضمانات ائتمانية، تمويل سلاسل توريد، أدوات دفع رقمية، وتعاون بين المصارف العامة والخاصة.
ماذا يعني الإصلاح الضريبي للسوق غير المنظم؟
أحد أكبر التحديات التي تواجه وزارة المالية هو اتساع النشاط غير المنظم. في اقتصاد منهك، كثير من الفاعلين يفضلون البقاء خارج السجلات الرسمية إذا كانت كلفة الدخول إلى النظام مرتفعة أو غير متوقعة.
هنا تكمن أهمية الإصلاح الضريبي. فالهدف الواقعي يجب ألا يكون زيادة الضغط على المكلفين المعروفين فقط، بل توسيع قاعدة الالتزام بطريقة تجعل الانضمام إلى الاقتصاد المنظم منطقياً ومفيداً.
يمكن تحقيق ذلك عبر ضريبة أبسط، إجراءات رقمية أوضح، تسويات عادلة للماضي، حوافز للمنشآت الصغيرة، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المكلف والموظف. كلما قلت مساحة التقدير الفردي، زادت الثقة. وكلما زادت الثقة، أصبح التحصيل أكثر استدامة.
أين تقع كلمة وزير المالية ضمن اليوم الثاني للمؤتمر؟
جاءت كلمة وزير المالية في يوم ركزت جلساته على الإنتاج وسلاسل القيمة والتوريد والتجارة والوصول إلى الأسواق، إضافة إلى تحديات الاستثمار وبناء المهارات والابتكار وفرص السياحة المستدامة. كما ناقشت الجلسات تحديات تجزئة سلاسل القيمة، القيود الجمركية والحدودية، ثغرات تمويل التجارة، وضعف النفاذ إلى الأسواق بوصفها تحديات تؤثر في الزراعة والصناعة والتجارة بمختلف المناطق.
هذا السياق مهم. فالإصلاح المالي لا يمكن فصله عن سلاسل التوريد والتجارة. إذا بقيت الجمارك بطيئة، التمويل ضعيفاً، النقل مكلفاً، والأسواق الخارجية صعبة الوصول، فلن يكفي إصلاح الضريبة وحده. لذلك، يجب أن تعمل السياسة المالية مع النقل، الجمارك، الاقتصاد، الزراعة، الصناعة، والمصرف المركزي ضمن مسار واحد.
التفاؤل الواقعي: ما الذي يمكن أن يتغير؟
هناك مؤشرات تجعل قراءة كلمة وزير المالية إيجابية بحذر.
أولاً، الخطاب المالي الرسمي بدأ يستخدم مفردات الشراكة والثقة والتمكين بدل التركيز على التحصيل فقط.
ثانياً، بعض القرارات العملية، مثل تخفيض السلفة الضريبية، تعكس استجابة لضغط السيولة على السوق.
ثالثاً، ملف المنشآت المتضررة بدأ يأخذ بعداً تنفيذياً عبر تعليمات وإعفاءات.
رابعاً، الحوار مع القطاع الخاص يضع وزارة المالية أمام مطالب مباشرة من التجار والصناعيين والمستثمرين، لا أمام تقارير داخلية فقط.
لكن التفاؤل يجب ألا يتجاهل المخاطر. فالإصلاح الضريبي قد يتعثر إذا بقيت التعليمات معقدة، أو إذا لم تتغير الممارسة اليومية، أو إذا غابت البيانات، أو إذا لم يتحسن التمويل. كما أن تخفيض الرسوم والسلف لا يكفي إذا لم تتوسع القاعدة الإنتاجية وتتحسن الثقة بالقطاع المصرفي.
الأسئلة التي يجب متابعتها بعد الكلمة
حتى تتحول كلمة وزير المالية إلى مسار اقتصادي فعلي، يجب متابعة مجموعة أسئلة في الأسابيع والأشهر المقبلة:
ما تفاصيل استراتيجية التحول 2026 ـ 2030؟
ما الجدول الزمني للإصلاح الضريبي؟
هل سيصدر قانون ضريبي موحد أو تعديلات جوهرية على ضريبة الدخل؟
كيف ستُعالج ملفات الغرامات والتسويات السابقة؟
هل ستوجد آلية أسرع للمنشآت المتضررة؟
ما دور المصارف الحكومية والخاصة في تمويل الإنتاج؟
هل ستتوسع تخفيضات السلف والرسوم إلى مدخلات أخرى؟
هل ستُرقمن بعض الإجراءات الضريبية؟
كيف ستُقاس العدالة الضريبية والشفافية عملياً؟
وهل سيشعر المكلف أن الالتزام أصبح أسهل وأقل كلفة من البقاء في الظل؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد الأثر الحقيقي للكلمة.
الخلاصة
كلمة وزير المالية محمد يسر برنية في مؤتمر حوار القطاع الخاص تحمل دلالة مهمة: سوريا تحاول إعادة تعريف السياسة المالية من أداة جباية تقليدية إلى أداة شراكة مع القطاع الخاص، في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تشغيل الإنتاج، جذب الاستثمار، توسيع القاعدة الضريبية، وإعادة بناء الثقة.
لكن نجاح هذا التحول لن يقاس بالكلمات، بل بالنتائج. المطلوب أن يرى السوق تغييرات عملية في الضريبة، التمويل، السلفة الجمركية، تسوية أوضاع المنشآت المتضررة، وتبسيط العلاقة اليومية بين المكلف والإدارة المالية.
التفاؤل هنا ممكن، لكنه يجب أن يبقى مشروطاً. إذا تحولت استراتيجية 2026 ـ 2030 إلى إجراءات واضحة ومواعيد ومؤشرات، فقد تكون وزارة المالية أحد مفاتيح التعافي. أما إذا بقيت الشراكة عنواناً عاماً، فسيظل القطاع الخاص ينتظر ما هو أهم من الحوار: قواعد مالية يمكن أن يثق بها ويخطط على أساسها.