سوريا وMIGA تبحثان تفعيل ضمانات مخاطر الاستثمار: خطوة قد تعزز قابلية المشاريع الكبرى للتمويل

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تشرين الأول 2026
دخل ملف ضمان مخاطر الاستثمار في سوريا مرحلة أكثر تقدماً، بعد أن بحث وزير المالية محمد يسر برنية في دمشق مع بعثة الوكالة الدولية متعددة الأطراف لضمان الاستثمار MIGA، التابعة لمجموعة البنك الدولي، سبل مباشرة تقديم خدمات الضمان للمستثمرين وتسريع انخراط الوكالة في السوق السورية.
الأهمية لا تقتصر على توفير غطاء ضد بعض المخاطر السياسية وغير التجارية، بل تمتد إلى إمكانية تحسين قابلية المشاريع الكبيرة للحصول على التمويل وجذب المستثمرين والمقرضين الدوليين.
ومع ذلك، لا يعني الاجتماع أن ضماناً قد صدر بالفعل لأي مشروع. حتى الآن لم تُعلن أسماء المشاريع قيد الدراسة، ولا قيم التغطية، ولا مواعيد إصدار أول ضمان جديد في سوريا.
من التفاهم في واشنطن إلى بعثة MIGA في دمشق
في 5 تشرين الأول 2026، بحث وزير المالية محمد يسر برنية مع بعثة MIGA في مقر الوزارة بدمشق سبل تسهيل مباشرة الوكالة لخدمات ضمان مخاطر الاستثمار في سوريا، وتسريع انخراطها مع المستثمرين.
وأكدت البعثة جاهزية الوكالة لدراسة إمكانية تقديم الضمانات لعدد من المشاريع الاستثمارية، فيما ركز الجانب السوري على المشاريع الاستراتيجية والاستثمارات الكبرى ودور الضمانات في تحسين بيئة الاستثمار.
لكن هذا الاجتماع لا يأتي منفصلاً عن مسار بدأ قبل أشهر.
ففي 19 نيسان 2026، التقى برنية في واشنطن نائب رئيس MIGA جنيد أحمد على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين. وأعلنت سانا حينها أن الجانبين توصلا إلى إجراءات وخطوات محددة لتمكين الوكالة من تقديم خدمات ضمان مخاطر الاستثمار في سوريا، مع توجه للعمل على مباشرتها قبل نهاية عام 2026.
بذلك يمكن قراءة اجتماع دمشق بوصفه انتقالاً من بحث إمكانية استعادة هذه الأداة إلى مناقشة تشغيلها عملياً ودراسة مشاريع محددة.
ما الذي تضمنه MIGA فعلياً؟
MIGA ليست صندوق تمويل يمنح قروضاً للمشاريع، ولا جهة تضمن نجاح الاستثمار أو عائده التجاري. هي جهة تأمين وضمان للمستثمرين والمقرضين ضد مجموعة من المخاطر غير التجارية التي قد تجعل الاستثمار في الأسواق الناشئة أو مرتفعة المخاطر أكثر صعوبة.
وتشمل أدواتها الأساسية تغطية مخاطر مثل:
- القيود على تحويل العملة أو نقل الأموال إلى الخارج.
- نزع الملكية.
- الحرب والاضطرابات المدنية.
- الإخلال بالعقود في الحالات التي تستوفي شروط التغطية.
- عدم الوفاء ببعض الالتزامات المالية الحكومية أو التزامات الشركات المملوكة للدولة وفق نوع الضمان.
كما يمكن أن تشمل التغطية حقوق الملكية والقروض المرتبطة بالمشروع وأشكالاً أخرى من التمويل المؤهل. وتوضح MIGA صراحة أنها جهة ضمان وليست جهة إقراض.
وهنا تظهر أهمية الأداة بالنسبة لسوريا: إحدى العقبات أمام المشاريع الكبيرة ليست دائماً غياب المستثمر الراغب أو المشروع المقترح، بل قدرة المستثمر والممول على قبول مستوى المخاطر المرتبط بالسوق.
لماذا يمكن أن تكون هذه الخطوة مؤثرة في الاستثمار السوري؟
الفرق بين وجود مشروع معلن وبين وجود مشروع قابل للتمويل كبير.
فالمشاريع الاستراتيجية في الطاقة والنقل والبنية التحتية والاتصالات والصناعة والسياحة وغيرها تحتاج في كثير من الحالات إلى استثمارات رأسمالية كبيرة وفترات استرداد طويلة وتمويل يمتد لسنوات.
في هذه الحالة، لا يقيّم المستثمر الجدوى التجارية للمشروع فقط، بل يسأل أيضاً:
هل يستطيع تحويل أرباحه؟
ماذا يحدث إذا تعذر تنفيذ عقد مع جهة عامة؟
كيف تُغطى بعض المخاطر السياسية؟
هل يستطيع البنك الممول قبول مخاطر الدولة والمشروع؟
وهل توجد مؤسسة دولية مستعدة للدخول في هيكل المخاطر؟
دخول MIGA لا يلغي هذه الأسئلة، لكنه قد يوفر أداة مؤسسية للتعامل مع جزء منها.
1. تحسين قابلية المشاريع للتمويل
في تمويل المشاريع الكبيرة، قد يكون وجود تأمين ضد المخاطر السياسية عنصراً مؤثراً في قرار المقرضين والمؤسسات المالية الدولية.
وتظهر مشاريع سابقة لـMIGA في دول أخرى أن ضماناتها تستخدم في هياكل تمويل يشارك فيها مستثمرون ومصارف دولية، وأن التأمين ضد المخاطر السياسية قد يكون في بعض الحالات شرطاً لمشاركة المقرضين.
لذلك، فإن القيمة المحتملة لسوريا لا تقتصر على حماية المستثمر نفسه، بل قد تمتد إلى تحسين قدرة المشروع على استقطاب التمويل.
2. نقل جزء من المخاطر من العلاقة الثنائية إلى إطار دولي
بدلاً من أن تبقى المخاطر بين المستثمر والدولة أو الجهة المتعاقدة فقط، يدخل طرف دولي متخصص في تقييم المخاطر والتغطية والتعامل مع المطالبات.
هذا لا يمنع حدوث المشكلة، لكنه يغير طريقة توزيع المخاطر داخل المشروع، وهي نقطة أساسية عند بناء مشاريع استثمارية طويلة الأجل.
3. دعم المشاريع الاستراتيجية ذات الأجل الطويل
كلما ارتفع حجم المشروع وطالت مدة تنفيذه وتشغيله، أصبحت المخاطر غير التجارية أكثر أهمية.
MIGA توضح أن ضماناتها قد تمتد عادة إلى 15 عاماً، وفي بعض الحالات إلى 20 عاماً، ما يجعلها ملائمة بطبيعتها للمشاريع الاستثمارية طويلة الأجل.
وهذا يفسر تركيز المباحثات السورية على المشاريع الاستراتيجية والاستثمارات الكبرى.
سوريا ليست عضواً جديداً في MIGA
من المهم التمييز بين “انضمام سوريا إلى MIGA” و”إعادة تفعيل استخدام ضماناتها”.
سوريا عضو في الوكالة منذ عام 2002، وبالتالي فإن الأساس المؤسسي والقانوني للعلاقة ليس جديداً. وعند انضمامها، أعلنت MIGA أن الاستثمارات الأجنبية المؤهلة في سوريا يمكن أن تستفيد من تغطية مخاطر تحويل الأموال ونزع الملكية والإخلال بالعقود والحرب والاضطرابات.
كما توجد سوابق فعلية لاستخدام ضمانات الوكالة داخل سوريا.
ففي أحد مشاريعها الأولى، قدمت MIGA ضماناً بقيمة 22.8 مليون دولار لاستثمار سياحي في دمشق ضمن الشركة السورية السعودية للاستثمارات السياحية.
وفي قطاع الاتصالات، أصدرت الوكالة ضمانات بقيمة تقارب 75 مليون دولار لاستثمارات مرتبطة بشركة Spacetel Syria، مع تغطية لمخاطر تحويل الأموال ونزع الملكية والحرب والاضطرابات والإخلال بالعقود. والمشروع مدرج حالياً في قاعدة MIGA بوصفه غير نشط.
لذلك، فإن التطور الجاري في 2026 يمكن وصفه بصورة أدق بأنه محاولة لإعادة تشغيل قناة دولية سبق استخدامها في سوريا، ولكن ضمن واقع استثماري وتمويلي جديد.
هل يعني ذلك أن تمويل المشاريع سيصبح متاحاً مباشرة؟
لا.
وهذه النقطة أساسية لفهم التطور دون المبالغة في أثره.
MIGA لا تمول المشروع مباشرة، كما أن عضوية سوريا أو استعداد الوكالة لدراسة المشاريع لا يعنيان أن أي مشروع سيحصل تلقائياً على الضمان.
فالاستثمارات تخضع لمراجعة تشمل أهلية المستثمر والمشروع، وجدواه المالية، وأثره التنموي، والالتزام بمعايير الوكالة البيئية والاجتماعية ومتطلبات مكافحة الفساد والاحتيال. كما تحتاج الوكالة إلى موافقة الدولة المضيفة قبل إصدار عقد الضمان.
وتوضح الوكالة أن التغطية تستهدف أساساً الاستثمارات العابرة للحدود التي يأتي فيها المستثمر المؤهل من دولة عضو إلى دولة نامية عضو، مع وجود حالات محددة يمكن فيها التعامل مع استثمارات وطنية ممولة من الخارج.
لذلك، فإن وجود مشروع كبير أو مذكرة تفاهم أو اتفاق استثماري في سوريا لا يكفي وحده للحصول على ضمان MIGA.
ماذا يحتاج المشروع ليصبح مرشحاً فعلياً؟
بالنسبة للمشاريع التي تريد الانتقال من الإعلان إلى مسار ضمان دولي، تصبح جودة إعداد المشروع عاملاً أساسياً.
MIGA تطلب عادة معلومات ووثائق تشمل دراسة الجدوى أو خطة العمل، النموذج المالي، وثائق التمويل والقروض، البيانات المالية للمستثمر والشركة المحلية، الاتفاقيات والعقود والتراخيص، إضافة إلى الوثائق البيئية والاجتماعية عند الحاجة.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون اختباراً لمدى استعداد MIGA فقط، بل أيضاً لاختبار مدى جاهزية المشاريع السورية والمستثمرين والجهات المتعاقدة لبناء ملفات قابلة للتقييم والتمويل وفق المعايير الدولية.
المؤشر الحقيقي القادم: أول مشروع يدخل مسار الضمان
حتى الآن، الحدث مهم لكنه يبقى في مرحلة ما قبل إصدار الضمان.
ولذلك فإن المؤشرات التي تستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة هي:
أولاً: إعلان القطاعات أو المشاريع التي بدأت MIGA دراستها فعلياً.
ثانياً: تحديد آلية التواصل والتقديم للمستثمرين الراغبين في الحصول على التغطية.
ثالثاً: ظهور ترتيبات واضحة بين وزارة المالية وهيئة الاستثمار والجهات الحكومية المعنية لتسهيل موافقات الدولة المضيفة.
رابعاً: دخول بنوك أو مؤسسات تمويل دولية إلى جانب المستثمرين في مشاريع يجري تقييمها.
خامساً، وهو المؤشر الأكثر وضوحاً: ظهور مشروع سوري جديد ضمن قاعدة مشاريع MIGA ونشر “ملخص الضمان المقترح” الخاص به.
فالوكالة تنشر قبل عرض المشروعات على مجلس إدارتها ملخصاً للضمان المقترح يتضمن المستثمر والدولة المضيفة وطبيعة المشروع والمخاطر المراد تغطيتها وحجم التغطية المتوقعة، ثم تنشر معلومات المشروع النهائية بعد توقيع عقد الضمان.
عند الوصول إلى هذه النقطة، يمكن الحديث عن انتقال الملف من المباحثات المؤسسية إلى مشروع ضمان فعلي.
ما الذي يعنيه ذلك لبيئة الاستثمار في سوريا؟
في المرحلة الحالية، ربما تكون قيمة هذا التطور أكبر من رقم أي ضمان منفرد.
فالاقتصاد السوري يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من مرحلة الإعلان عن الاستثمارات والاتفاقيات إلى بناء منظومة تستطيع تحويل المشاريع إلى هياكل قابلة للتمويل والتنفيذ.
وضمانات المخاطر السياسية هي إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في هذا الانتقال، إلى جانب وضوح التشريعات، واستقرار التحويلات والمدفوعات، وجودة العقود، وقدرة المؤسسات المحلية على التعامل مع متطلبات المستثمرين والممولين الدوليين.
زيارة بعثة MIGA إلى دمشق واستعدادها لدراسة مشاريع سورية تمثل لذلك تطوراً مؤسسياً مهماً، لكنها ليست نهاية المسار.
الاختبار الحقيقي سيكون في عدد المشاريع التي تدخل مرحلة التقييم، ونوعية المستثمرين والممولين المشاركين فيها، ثم صدور أول ضمان جديد لمشروع في سوريا بعد سنوات طويلة من توقف النشاط.
عندها فقط سيصبح من الممكن قياس أثر هذه القناة ليس على “الثقة” بصورة عامة، بل على قدرة مشاريع سورية محددة على الوصول فعلياً إلى رأس المال والتمويل والتنفيذ.