لجان اتحاد غرف التجارة السورية: هل تتحول الضرائب والجمارك والتصدير إلى أدوات تعافٍ لا أعباء على السوق؟
دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ حزيران 2026
حدد اتحاد غرف التجارة السورية خلال الأيام الأخيرة مهام عدد من لجانه التخصصية، وفي مقدمتها لجان الضرائب والجمارك، التجارة الداخلية، الاستيراد والتصدير، والمعارض والمؤتمرات. قد يبدو الخبر إدارياً للوهلة الأولى، لكنه عملياً يرتبط بواحد من أكثر الملفات حساسية في السوق السوري: كيف يمكن تحويل العلاقة بين التاجر والدولة من علاقة جباية ورقابة وردّ فعل، إلى علاقة تنظيم وشراكة وتسهيل؟
فالسوق السوري لا يحتاج اليوم إلى مزيد من اللجان بالمعنى الشكلي، بل يحتاج إلى أدوات قادرة على نقل صوت التجار والمستوردين والمصدرين وأصحاب الشركات إلى صانع القرار، وتحويل المشكلات اليومية في الضرائب والجمارك والاستيراد والتصدير والأسواق إلى مقترحات قابلة للتنفيذ.
ما الذي حدث؟
أعلن اتحاد غرف التجارة السورية تحديد مهام لجنتي الضرائب والجمارك والتجارة الداخلية، في خطوة تهدف إلى تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية للنشاط التجاري، وتبسيط الإجراءات الضريبية والجمركية، وتعزيز استقرار الأسواق. وتتركز مهام لجنة الضرائب والجمارك على دراسة الأنظمة الحالية، اقتراح تعديلات تحقق قدراً أكبر من العدالة والشفافية، تبسيط الإجراءات، إعداد دراسات عن أثر الرسوم والضرائب، ومتابعة الملفات العالقة المرتبطة بالمخالفات والتسويات الجمركية. أما لجنة التجارة الداخلية، فتركز على استقرار الأسواق، انسياب السلع الأساسية، رصد الاختلالات، الحد من الاحتكار، ودعم الأمن السلعي.
وقبل ذلك، حدد الاتحاد مهام لجنتي الاستيراد والتصدير والمعارض والمؤتمرات، بهدف تطوير حركة التجارة الخارجية، تعزيز حضور المنتجات السورية في الأسواق الخارجية، ودعم قطاع المعارض والمؤتمرات بوصفه أداة لتنشيط الأعمال والاستثمار.
اللافت أن هذه الخطوات لا تأتي منفصلة عن سياق حكومي أوسع. ففي 17 أيار 2026، صدر مرسوم بإعادة تشكيل اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، برئاسة رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وعضوية وزراء الاقتصاد والصناعة والمالية والصحة والزراعة، إضافة إلى مسؤولين من الجمارك والوزارات المعنية، بهدف تحسين تنسيق السياسات التجارية والاقتصادية.
لماذا يهم هذا الخبر السوق السوري؟
لأن الضرائب والجمارك والتجارة الخارجية ليست ملفات فنية فقط. في سوريا اليوم، هي عوامل تحدد قدرة التاجر على الاستمرار، وقدرة الصناعي على الإنتاج، وقدرة المستورد على توفير المواد، وقدرة المصدر على المنافسة، وقدرة المستهلك على الوصول إلى السلع بسعر أقل اضطراباً.
أي خلل في هذه الحلقات يظهر بسرعة في السوق: ارتفاع كلفة السلع، تردد المستوردين، ضعف التمويل، توسع الاقتصاد غير المنظم، تراجع الصادرات، زيادة التهريب، أو صعوبة إدخال مدخلات الإنتاج.
لذلك، فإن تفعيل هذه اللجان يمكن أن يكون مهماً إذا لم يبق في مستوى التمثيل الإداري، بل تحول إلى قناة منظمة بين غرف التجارة والوزارات والجمارك والضرائب والقطاع الخاص.
الضرائب: بين حاجة الخزينة وحاجة السوق إلى السيولة
تواجه سوريا معادلة مالية صعبة. الدولة تحتاج إلى إيرادات لتمويل الرواتب والخدمات والبنية الأساسية، لكن السوق يحتاج في الوقت نفسه إلى سيولة كي يعيد تشغيل التجارة والإنتاج. المشكلة ليست في وجود الضرائب بحد ذاته، بل في طريقة احتسابها، توقيتها، شفافيتها، وعدالتها.
المثال الأوضح خلال الأيام الأخيرة هو قرار وزارة المالية تخفيض السلفة الضريبية على مستوردي مدخلات الإنتاج الصناعي والمواد الغذائية إلى 1% بعد أن كانت 2%، مع إعفاء عمليات الاستيراد التي لا تتجاوز قيمتها 100 ألف ليرة جديدة، ونفاذ القرار اعتباراً من 1 حزيران 2026.
هذا القرار مهم لأنه يعكس استجابة لضغط السيولة على قطاع الأعمال. فالسلفة الضريبية عند الاستيراد تعني أن المستورد يدفع جزءاً من الضريبة قبل بيع البضاعة أو تدويرها في السوق. في اقتصاد يعاني من محدودية التمويل، فإن تخفيض السلفة من 2% إلى 1% لا يمثل رقماً صغيراً فقط، بل يحرر جزءاً من رأس المال العامل، خصوصاً لدى مستوردي المواد الغذائية ومدخلات الصناعة.
لكن الأثر الحقيقي يتوقف على سؤالين:
هل سينعكس تخفيض الكلفة على الأسعار النهائية؟
وهل سيشجع القرار المستوردين والصناعيين على زيادة التوريد والإنتاج؟
إذا بقيت هوامش المخاطر مرتفعة بسبب النقل، الطاقة، تقلبات سعر الصرف، أو الرسوم الأخرى، فقد يكون الأثر محدوداً. أما إذا جاء ضمن حزمة أوسع لتبسيط الإجراءات وتقليل الكلفة غير الرسمية، فقد يصبح خطوة عملية في تحسين بيئة العمل.
الجمارك: نقطة الاحتكاك الأكبر بين الدولة والتاجر
الجمارك في السوق السوري ليست مجرد رسوم على الحدود. هي نقطة تماس يومية بين المستورد، المخلص الجمركي، التاجر، الصناعي، الجهة الرقابية، والمستهلك النهائي. لذلك، فإن أي إصلاح جمركي لا ينعكس فقط على إيرادات الدولة، بل على أسعار السلع، انتظام التوريد، مكافحة التهريب، وعدالة المنافسة.
في 18 أيار 2026، صدر مرسوم اعتماد جدول التعرفة الجمركية المنسقة الجديد، على أن يطبق اعتباراً من 1 حزيران 2026، ليحل محل جداول وتعليمات قديمة تعود إلى أعوام سابقة.
هذا التحديث يحتاج متابعة دقيقة من لجان الغرف التجارية، لأن المشكلة في الجمارك لا تكون دائماً في نسبة الرسم وحدها، بل في تصنيف البند الجمركي، التقدير، الوثائق، تعدد الجهات، مدة التخليص، ووضوح التعليمات. وإذا لم تترافق التعرفة الجديدة مع شرح عملي للتجار والمستوردين، فقد تتحول من أداة تنظيم إلى مصدر جديد للاجتهاد والنزاع.
هنا تظهر أهمية لجنة الضرائب والجمارك: المطلوب منها ألا تكتفي بجمع الشكاوى، بل أن تبني قاعدة بيانات عملية عن أكثر البنود إشكالية، أكثر الإجراءات كلفة، أكثر المعابر ازدحاماً، وأكثر القطاعات تضرراً من التأخير أو سوء التصنيف.
التصدير: الحلقة الأضعف والأكثر أهمية
إذا كان الاستيراد ضرورياً لتأمين المواد ومدخلات الإنتاج، فإن التصدير ضروري لإدخال القطع الأجنبي، دعم الإنتاج المحلي، وتحسين موقع الشركات السورية خارجياً. لكن الصادرات السورية لا تواجه مشكلة واحدة، بل مجموعة مشكلات متشابكة: جودة وتغليف، شهادات مطابقة، نقل، تمويل، تسويق، ثقة، عقود، كلفة، ومعابر.
لذلك، فإن لجنة الاستيراد والتصدير داخل اتحاد غرف التجارة يمكن أن تكون ذات قيمة إذا ركزت على ثلاثة اتجاهات عملية:
الأول: تحديد القطاعات القابلة للتصدير سريعاً، مثل الصناعات الغذائية، النسيجية، بعض المنتجات الزراعية، الألبسة، الجلديات، وبعض المنتجات الحرفية والصناعات الخفيفة.
الثاني: ربط المصدرين بالمعارض والأسواق الإقليمية، ليس بوصفها مشاركات بروتوكولية، بل كقنوات مبيعات وتعاقد.
الثالث: معالجة مشكلات النقل والجمارك والوثائق، لأن المصدر لا ينافس بسعر المنتج فقط، بل بكلفة وصوله وموثوقية تسليمه.
وتزداد أهمية هذا المسار مع تحرك ملف اللوجستيات. فقد شهدت الفترة الأخيرة توقيع اتفاق لتشغيل ميناءين جافين في عدرا وحلب بالتعاون مع مجموعة CMA CGM، بالتوازي مع تشغيل تجريبي لقطار شحن بين مرفأ اللاذقية وعدرا بعد توقف طويل، وهي خطوات يمكن أن تدعم سلاسل التوريد إذا تحولت إلى خدمة منتظمة وذات كلفة قابلة للتوقع.
التجارة الداخلية: الاستقرار لا يتحقق بالرقابة وحدها
لجنة التجارة الداخلية تواجه ملفاً معقداً، لأن استقرار الأسواق في سوريا لا يعتمد فقط على الرقابة التموينية. الرقابة مهمة، لكنها لا تكفي إذا كانت المشكلة في نقص التوريد، ارتفاع الكلفة، ضعف المنافسة، أو غياب البيانات.
السوق المستقر يحتاج إلى ثلاثة عناصر: توفر السلع، منافسة حقيقية، ورقابة ذكية. وإذا اختل أي عنصر منها، تظهر النتيجة في الأسعار أو الاحتكار أو ضعف الجودة.
لذلك، يجب أن يكون دور لجنة التجارة الداخلية أوسع من متابعة الشكاوى. المطلوب هو رصد دوري للسلع الأساسية، تكلفة النقل، هوامش البيع، حركة العرض والطلب، وأثر القرارات الحكومية على التاجر والمستهلك معاً.
مؤشرات تشرح حجم التحدي
توضح بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد السوري ما زال في مرحلة تعافٍ مبكر، وأن البيانات الرسمية محدودة وغير متساوية الجودة. ومع ذلك، تشير المؤشرات عالية التواتر إلى بداية تعافٍ اقتصادي، مع توقعات بنمو حقيقي في عام 2025 ضمن نطاق 2% إلى 4%، وانخفاض التضخم المقدر من 72.1% عام 2024 إلى 11.5% عام 2025، مع بقاء المخاطر مرتفعة.
كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن تجارة البضائع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغت نحو 45.04% في عام 2024، ما يعني أن التجارة الخارجية ليست ملفاً هامشياً، بل جزء أساسي من حركة الاقتصاد السوري، سواء عبر الاستيراد أو التصدير.
هذه الأرقام تجعل دور اللجان أكثر أهمية. ففي اقتصاد صغير نسبياً ومتضرر ويعتمد على التجارة لتأمين جزء كبير من احتياجاته، يمكن لأي قرار ضريبي أو جمركي أو استيرادي أن ينعكس بسرعة على السوق.
ما الذي يجب أن تقدمه اللجان حتى تكون مؤثرة؟
حتى لا تتحول اللجان إلى واجهات شكلية، يجب أن تعمل وفق منهج واضح. ويمكن تحديد خمسة مخرجات عملية مطلوبة:
أولاً: تقارير شهرية مختصرة عن مشكلات السوق
تتضمن أبرز العوائق الضريبية والجمركية والتجارية، مع ترتيبها حسب الأثر لا حسب عدد الشكاوى فقط.
ثانياً: مقترحات مكتوبة قابلة للتنفيذ
ليس المطلوب توصيات عامة مثل “تبسيط الإجراءات”، بل مقترحات محددة: أي إجراء؟ أي جهة؟ ما النص المطلوب تعديله؟ ما الأثر المتوقع؟
ثالثاً: قاعدة بيانات للقطاعات الأكثر تأثراً
من المهم معرفة أي القطاعات تتضرر أكثر من السلفة الضريبية أو الرسوم أو التأخير الجمركي: الغذاء، الدواء، النسيج، مواد البناء، الزراعة، أو مدخلات الصناعة.
رابعاً: آلية متابعة مع الوزارات والجمارك والضرائب
لا يكفي رفع المقترح. يجب أن تكون هناك اجتماعات دورية، محاضر، مهل زمنية، وبيان لما تم تنفيذه أو تأجيله.
خامساً: نشر خلاصات مهنية للسوق
كلما زادت الشفافية، زادت ثقة التاجر والمستثمر. نشر خلاصات غير حساسة عن أعمال اللجان يساعد السوق على فهم الاتجاهات القادمة.
ما الذي يهم التاجر والمستورد والمصدر الآن؟
التاجر يريد معرفة ما إذا كانت اللجان ستساعده في خفض كلفة الامتثال لا في التهرب من النظام. المستورد يريد وضوحاً في السلفة والرسوم والبند الجمركي والزمن المتوقع للتخليص. الصناعي يريد مدخلات إنتاج بسعر وتوقيت يمكن التخطيط عليهما. المصدر يريد مسارات نقل ومعارض وشهادات تساعده على الوصول إلى السوق الخارجي. والمستهلك يريد أن يرى ذلك كله في صورة توفر للسلع واستقرار نسبي في الأسعار.
بمعنى آخر، نجاح هذه اللجان لن يقاس بعدد اجتماعاتها، بل بثلاث نتائج: خفض الاحتكاك الإداري، تحسين قابلية التوقع، وزيادة انتظام تدفق السلع والمنتجات.
أين تكمن المخاطر؟
التفاؤل مطلوب، لكن المبالغة ليست مفيدة. هناك مخاطر حقيقية قد تحد من أثر هذه اللجان، أهمها:
أن تبقى المقترحات استشارية دون التزام حكومي واضح.
أن تسيطر عليها مصالح فئات تجارية محددة دون تمثيل كافٍ للمناطق والقطاعات الصغيرة.
أن تركز على تخفيض الرسوم فقط وتتجاهل التنظيم والامتثال.
أن تعالج النتائج لا الأسباب، مثل السعر النهائي دون كلفة النقل والتمويل والتخليص.
أن تعمل دون بيانات، فتتحول إلى انطباعات لا سياسات.
لذلك، فإن نجاح الاتحاد في هذه المرحلة يتطلب توازناً بين الدفاع عن مصالح التجار، وحماية السوق من الاحتكار والتهريب والممارسات غير العادلة.
قراءة عملية: لماذا يمكن أن تكون الخطوة إيجابية؟
رغم صعوبة البيئة، يمكن النظر إلى تفعيل اللجان باعتباره مؤشراً إيجابياً إذا جرى التعامل معه كجزء من مأسسة دور القطاع الخاص. فالسوق السوري اليوم لا يحتاج فقط إلى قرارات من الأعلى، بل إلى قنوات تستمع إلى التجربة اليومية للتاجر والمستورد والمصدر والصناعي.
كما أن تزامن هذه الخطوة مع تخفيض السلفة الضريبية، تحديث التعرفة الجمركية، إعادة تشكيل اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير، وتحريك ملف المرافئ الجافة، يعطي انطباعاً بأن ملف التجارة لم يعد ينظر إليه من زاوية الجباية فقط، بل من زاوية التعافي، سلاسل التوريد، وتوسيع النشاط الاقتصادي.
لكن هذه الإشارات تبقى أولية. التحسن الحقيقي يحتاج إلى انتظام، قياس، ونتائج منشورة.
الخلاصة
تفعيل لجان اتحاد غرف التجارة السورية في ملفات الضرائب والجمارك والتجارة الداخلية والاستيراد والتصدير يمكن أن يكون خطوة مهمة في تنظيم علاقة القطاع الخاص بصانع القرار، خاصة في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد السوري إلى إعادة تشغيل التجارة والإنتاج وتخفيف الكلفة غير الضرورية عن السوق.
لكن الأثر لن يأتي من تشكيل اللجان وحده. الأثر سيأتي إذا تحولت هذه اللجان إلى قناة متابعة مهنية، تعتمد البيانات، ترفع مقترحات عملية، وتدفع نحو قرارات أكثر وضوحاً وعدالة وقابلية للتنفيذ.
النظرة المتفائلة الواقعية تقول إن سوريا بدأت تفتح نقاشاً أكثر تنظيماً حول بيئة الأعمال. أما الاختبار الحقيقي فهو: هل سينعكس هذا النقاش على سرعة التخليص، عدالة الضريبة، انخفاض كلفة الاستيراد، نمو الصادرات، واستقرار الأسواق؟