المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي بعد ختام أعماله: من رسائل الثقة إلى اختبار التنفيذ

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
مع اختتام المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق، أصبح الحدث أكبر من مجرد لقاء اقتصادي ثنائي. ما خرج من المنتدى لا يقتصر على رفع مستوى الاهتمام الإماراتي بالسوق السورية، بل يشير إلى بداية مسار أكثر تنظيماً يربط بين التمثيل السياسي والاقتصادي الرفيع، والقطاعات ذات الأولوية، والمشاريع التي بدأت تخرج من مرحلة الجس النبض إلى مرحلة التفاهمات الأولية وخارطة الطريق التنفيذية. الأهمية الحقيقية للمنتدى لا تكمن في حجم التصريحات فقط، بل في أنه جمع بين خطاب إماراتي يتحدث عن شراكة طويلة الأمد، وخطاب سوري يضع على الطاولة أدوات التنفيذ: الحوافز، النافذة الواحدة، التحكيم، وتحديد القطاعات القابلة للحركة.
ماذا أظهر ختام المنتدى؟
في يومه الثاني والأخير، انتقل المنتدى من عرض الفرص إلى رسم صورة أوضح لما يمكن أن يتحول إلى عمل اقتصادي فعلي. وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار تحدث عن جاهزية مشتركة للانتقال من مرحلة التفاهمات العامة إلى العمل التنفيذي المباشر، مع الاتفاق على تشكيل وفد سوري فني يزور الإمارات خلال المرحلة المقبلة لإعداد خطة متكاملة وخارطة طريق تنفيذية. وفي المقابل، عرض وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني الزيودي رؤية بلاده للشراكة مع سوريا بوصفها شراكة اقتصادية جديدة تقوم على الاستثمار، والابتكار، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين.
هذا التطور مهم لأنه يعني أن المنتدى لم ينته عند مستوى المجاملات السياسية أو الرسائل البروتوكولية، بل انتهى بخلاصة أكثر عملية: هناك توجه واضح من الجانبين لبناء شراكات في قطاعات محددة، ومتابعة ما تم التفاهم عليه عبر فرق وزيارات وخطط لاحقة. كما نقلت رويترز أن الجانبين توصلا خلال الحدث الذي استمر يومين إلى سلسلة اتفاقات أولية على عشرات المشاريع في قطاعات السياحة والإنشاءات والبنية التحتية والزراعة والطيران والخدمات اللوجستية.
وفد إماراتي كبير ورسالة سياسية واقتصادية واضحة
من أبرز ما حمله المنتدى أن الوفد الإماراتي لم يكن وفداً عادياً من حيث الحجم أو النوعية. مدير عام هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي قال إن الوفد الإماراتي ضم ما بين 120 و140 شخصية اقتصادية، في حين شارك من الجانب السوري نحو 1500 شخصية حكومية واقتصادية، وهو رقم يعكس مستوى الاهتمام الذي أحيط به المنتدى.
وبحسب ما أعلنه رجل الأعمال عبد القادر السنكري خلال المنتدى، فإن الوفد الذي وصل إلى دمشق كان الأكبر في تاريخ الإمارات خارج أراضيها، وجاء بتوجيه من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. هذا المعطى لا يضيف بعداً رمزياً فقط، بل يمنح المنتدى وزناً سياسياً واقتصادياً مضاعفاً، لأن الرسالة هنا ليست مشاركة أعمال عادية، بل انخراط إماراتي منظم ومغطى على مستوى القيادة والوزارات وكبار رجال الأعمال.
ماذا حملت الرؤية الإماراتية في كلمات الوفد؟
الزيودي قدم أوضح صياغة رسمية للرؤية الإماراتية خلال المنتدى. فقد أعلن أن حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وسوريا بلغ 1.4 مليار دولار في 2025، بنمو قياسي بلغ 132 بالمئة مقارنة بالعام السابق، معتبراً أن هذا التطور يفتح آفاقاً واسعة للارتقاء بالعلاقات نحو شراكة اقتصادية جديدة. كما ركز على قطاعات إعادة الإعمار، ودعم مشاريع البنية التحتية، وتطوير المدن والمناطق الصناعية، والزراعة والأمن الغذائي، والطاقة والموارد المائية، والنقل والخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية.
هذه اللغة مهمة لأنها تكشف أن النظرة الإماراتية إلى سوريا لا تبدو محصورة في ملف عقاري ضيق، بل في باقة قطاعات ترتبط بإعادة بناء الاقتصاد نفسه: مدن، لوجستيات، طيران، طاقة، اتصالات، وزراعة. وهذا يعني أن المنتدى، من حيث الرسائل، لم يقدّم سوريا كسوق إعادة إعمار تقليدية فقط، بل كسوق قابل لبناء شراكات تشغيلية واستثمارية واسعة إذا تحسنت شروط التنفيذ.
محمد العبار: من الاستكشاف إلى الإعلان عن نيات استثمارية كبيرة
داخل المنتدى، كان اسم محمد العبار الأكثر حضوراً في ملف المشاريع الكبرى. العبار قال إن مجموعته تدرس مشاريع استثمارية في سوريا بقيمة إجمالية تصل إلى 19 مليار دولار، موزعة بين مشاريع في الساحل السوري قد تصل إلى 7 مليارات دولار، ومشاريع في دمشق قد تصل إلى 12 مليار دولار. كما ربط هذه المشاريع بأولوية القطاع العقاري في مرحلة إعادة الإعمار والتوسع العمراني، وبالشراكة مع رجال الأعمال السوريين والمغتربين السوريين.
ولم يقتصر حديثه على العقار. فقد شدد على أن الاستثمار السياحي في سوريا يحمل فرص نمو كبيرة، متوقعاً إمكان رفع عدد السياح إلى 8 ملايين سائح خلال أربع إلى خمس سنوات، بما قد يخلق نحو 400 ألف فرصة عمل ويولد دخلاً من العملات الأجنبية وإيرادات ضريبية سنوية قد تصل إلى مليار دولار. هذا مهم لأنه يعكس رؤية لا ترى الساحل السوري مجرد شريط عقاري، بل نقطة انطلاق لاقتصاد سياحي وخدمي أوسع.
وفي الانطباع الذي نُقل عنه على هامش المنتدى، لخّص العبار نظرته إلى السوق السورية بعبارة مباشرة: أينما وضعت يدك في سوريا تجد الخير. وبالمعنى الاقتصادي، فهذه العبارة تختصر مزاج الوفد تجاه السوق: الفرص ليست محصورة في بقعة واحدة أو قطاع واحد، بل موزعة على الجغرافيا السورية ومرتبطة بحجم الاحتياج القائم بعد سنوات الحرب.
تكفّل بترميم المسجد الأموي ومحيطه والمساجد الأثرية
من أبرز ما رافق المنتدى أيضاً الإعلان عن تكفل الشيخة فاطمة بنت مبارك، والدة الشيخ محمد بن زايد، بترميم المسجد الأموي في دمشق ومحيطه، إلى جانب عدد من المساجد الأثرية في سوريا. عبد القادر السنكري قال إن المشروع يشمل دراسة متخصصة لتقييم البنية التحتية للمسجد الأموي والمناطق المحيطة به، إلى جانب مواقع أثرية ومساجد تاريخية أخرى، على أن تتكفل الشيخة فاطمة بتمويل أعمال الترميم والصيانة.
هذا الإعلان لا يندرج ضمن الاستثمار المباشر بالمعنى التجاري، لكنه مهم اقتصادياً ورمزياً. فمن جهة، هو يعكس بعداً سيادياً وثقافياً في العلاقة الجديدة بين البلدين، ومن جهة ثانية، يضيف إشارة إلى أن الانفتاح الإماراتي على سوريا لا يقتصر على المشاريع الربحية، بل يمتد إلى ملفات التراث والرمزية العمرانية والدينية، وهو ما يترك أثراً معنوياً وسياسياً في الداخل السوري، ويقوي مناخ الثقة المصاحب للمنتدى.
ما الذي عرضته سوريا على المستثمر الإماراتي؟
إذا كان الجانب الإماراتي قد جاء برؤية استثمارية واسعة، فإن الجانب السوري حاول أن يقدّم نفسه بصورة أكثر جاهزية من السابق. طلال الهلالي عرض مجموعة عناصر أرادت دمشق من خلالها أن تقول إن بيئة الاستثمار لم تعد كما كانت. من أبرز هذه العناصر: قانون الاستثمار الصادر عام 2025، الذي يمنح المستثمر الأجنبي حق الاستثمار المباشر من دون الحاجة إلى شريك محلي، ويوفر إعفاءات ضريبية كاملة بنسبة 100 بالمئة لقطاعات الصحة والزراعة، وحوافز تصل إلى 80 بالمئة في القطاع الصناعي، مع اعتماد نظام النافذة الواحدة ووجود مفوضين من الوزارات المختلفة في مركز موحد، إلى جانب فروع للهيئة في المحافظات، والعمل على نظام تحكيم دولي مع مراكز في فرنسا ولندن.
هذه الرسائل ليست ثانوية. فالمستثمر الكبير لا يدخل السوق على أساس الفرصة وحدها، بل على أساس قابلية التنفيذ. ولهذا كان واضحاً أن سوريا حاولت، عبر المنتدى، أن تربط بين عرض الفرص وبين تقديم أدوات عملية تقول للمستثمر إن التراخيص، والحوافز، والملكية، والتحكيم، وخدمة المستثمر أصبحت جزءاً من خطاب الدولة الاقتصادي الجديد.
مؤشرات إضافية خرجت من الجلسات
الجلسات أخرجت أيضاً مجموعة مؤشرات تستحق الانتباه. رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية مازن ديروان تحدث عن إصدار أكثر من 4 آلاف رخصة صناعية ونحو 18 ألف ترخيص تجاري، وتخفيضات ضريبية ضمن نسب تتراوح بين صفر و15 بالمئة، مع امتلاء جميع الأراضي في مدينة عدرا الصناعية ووجود نحو 50 طلباً جديداً للتوسع الصناعي. هذه الأرقام لا تعني أن المشكلات البنيوية انتهت، لكنها تقدم صورة عن محاولة الدولة القول إن النشاط الصناعي والتجاري دخل بالفعل طوراً أكثر حيوية.
وفي قطاع الاتصالات، أعلن وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل أن شركات إماراتية تقدمت للحصول على رخصة اتصالات جديدة في سوريا، وأن النقاشات شملت الرقمنة، والتحول الرقمي، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية. وإذا تحرك هذا المسار فعلاً، فهو يعني أن المنتدى لم يفتح باب العقار والسياحة فقط، بل أيضاً ملفات البنية الرقمية والخدمات الحكومية الحديثة، وهي قطاعات ذات أثر عابر على بقية الاقتصاد.
ماذا يعني المنتدى للاقتصاد السوري؟
اقتصادياً، لا يمكن التعامل مع المنتدى بوصفه حدثاً احتفالياً فقط. سوريا ما زالت تحتاج إلى رأسمال خارجي كبير وخبرة تشغيلية واسعة بعد سنوات التراجع. البنك الدولي قدّر كلفة إعادة الإعمار المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يوضح أن أي تعافٍ جدي يحتاج إلى موجات استثمار متراكمة لا إلى صفقة واحدة أو منتدى واحد. في هذا السياق، يصبح المنتدى مهماً لأنه يضع سوريا مجدداً على رادار رأس المال الخليجي المنظم، ويختبر في الوقت نفسه قدرة البيئة السورية على ترجمة الاهتمام إلى تنفيذ.
كما أن المنتدى يأتي فوق أرضية بدأت تتشكل خلال العام الأخير. فرويترز أشارت إلى أن دمشق كانت قد وقعت خلال الفترة الماضية عدداً من مذكرات التفاهم والاتفاقات الاستثمارية مع مستثمرين خليجيين، فيما سبق أن وقعت صفقات بمليارات الدولارات في 2025 شملت النقل والبنية التحتية والمشاريع الحضرية. لذلك، فإن منتدى دمشق لا يبدأ من الصفر، بل يضيف طبقة جديدة فوق مسار إقليمي أوسع لإعادة ربط سوريا برؤوس الأموال العربية.
ماذا يعني ذلك لقطاع الأعمال السوري؟
بالنسبة إلى قطاع الأعمال السوري، الأثر المحتمل للمنتدى لا يقتصر على المستثمرين الكبار. إذا تحركت المشاريع التي طُرحت، أو حتى جزء منها، فإن الأثر سيمتد إلى المقاولات، والهندسة، والتشغيل السياحي، والخدمات اللوجستية، والنقل، والتوريد، والاستشارات، والخدمات القانونية والمالية، والبنية الرقمية، والتدريب والتأهيل، وكل سلاسل القيمة المحيطة بالمشاريع الكبرى.
لكن في المقابل، المنتدى يضع أيضاً مسؤولية على السوق السورية نفسها. المستثمر الخارجي يحتاج إلى شركاء محليين قادرين، وشفافية في الإجراءات، واستقرار في البيئة النقدية والمالية، ووضوح في آليات التحويل والحماية التعاقدية. بعض هذه المخاوف ظهر بالفعل في الكواليس، وفق تغطيات حضرت الحدث، ما يعني أن التفاؤل لا يلغي بقاء أسئلة التنفيذ مطروحة بقوة.
ما الذي ينبغي متابعته بعد المنتدى؟
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد ختام المنتدى، لا داخله. وهناك مؤشرات محددة يجب متابعتها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة:
تشكيل الوفد السوري الفني وزيارته إلى الإمارات،
الإعلان عن مذكرات تفاهم أو عقود أكثر تفصيلاً،
تحديد مواقع المشاريع السياحية والعقارية والبنى التحتية،
بدء مسارات الترخيص أو تخصيص الأراضي أو الشراكات التنفيذية،
وتحول الوعود المتعلقة بالنافذة الواحدة والتحكيم وسرعة الإجراءات إلى ممارسة ملموسة.
إذا ظهرت هذه المؤشرات، فسيكون المنتدى قد نجح في الانتقال من رسالة سياسية واقتصادية عالية السقف إلى بداية فعلية لمسار استثماري منظم. أما إذا بقي في مستوى التصريحات والانطباعات والانفتاح العام فقط، فسيظل حدثاً مهماً من حيث الدلالة، لكن أثره الاقتصادي المباشر سيبقى محدوداً.
الخلاصة
المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق مثّل أكثر من مناسبة ثنائية. لقد كشف عن انتقال واضح في مستوى العلاقة الاقتصادية بين سوريا والإمارات، من مرحلة الزيارة والاستطلاع إلى مرحلة التفاهمات الأولية ورسم خرائط تنفيذ. حجم الوفد، وطبيعة القطاعات المطروحة، وتصريحات ثاني الزيودي، وإعلانات محمد العبار، ومبادرة ترميم المسجد الأموي ومحيطه، كلها عناصر تقول إن هناك قراراً إماراتياً بالانخراط بجدية أكبر في سوريا، وإن دمشق تحاول في المقابل أن تقدم نفسها كبيئة أكثر جهوزية لاستقبال هذا الانخراط.
لكن الأهمية الكبرى للمنتدى تبقى في ما بعده. فالمؤتمر نجح في رفع مستوى التوقعات، ونجح في تأكيد أن الفرص موجودة وأن الاهتمام جدي. أما السؤال الذي سيحدد قيمته الفعلية للاقتصاد السوري وقطاع الأعمال السوري فهو: كم من هذه التفاهمات سيصبح مشروعاً، وكم من هذه الرؤية سيتحول إلى تنفيذ على الأرض؟
مواد إضافية مقترحة: