المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق: ماذا يعني للاقتصاد السوري، وما الذي يمكن أن ينتج عنه فعلياً؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ أيار 2026
يمثل المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول في دمشق خطوة مهمة في مسار إعادة ربط سوريا برؤوس الأموال والخبرات الخليجية، لكنه لا يجب أن يُقرأ بوصفه مؤشراً على تدفق استثمارات فورية وكبيرة بمجرد انعقاده. الأهمية الفعلية للمنتدى تكمن في ثلاثة مستويات: أولاً، إعادة فتح قناة مباشرة بين صانع القرار السوري والمستثمر الإماراتي؛ ثانياً، وضع قائمة قطاعات ذات أولوية واضحة؛ وثالثاً، اختبار جدية الوعود السورية المتعلقة بتبسيط الإجراءات، وتفعيل قانون الاستثمار، وتوسيع العمل بالنافذة الواحدة. وفي اقتصاد ما تزال تقديرات البنك الدولي تضع ناتجه عند نحو 21.4 مليار دولار في 2024 مع كلفة إعادة إعمار مادية مقدرة بـ216 مليار دولار، فإن مثل هذه اللقاءات تكتسب قيمة عالية بوصفها أدوات لبناء مسار استثماري تراكمي، لا حدثاً احتفالياً قائماً بذاته.
ما الذي حدث في دمشق؟
انطلقت فعاليات المنتدى اليوم 11 أيار 2026 بتنظيم هيئة الاستثمار السورية في فندق إيبلا الشام بريف دمشق، وبحضور وزراء سوريين من المالية والاقتصاد والصناعة والأوقاف والتعليم العالي والصحة والاتصالات والسياحة، إلى جانب وفد إماراتي ضم وزير الدولة للتجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، ورئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة عمر حبتور الدرعي، وعدداً من رجال الأعمال الإماراتيين والسوريين المقيمين في الإمارات. كما صُمم المنتدى ليكون مساحة نقاش مباشر بين القطاعين العام والخاص في البلدين.
الجلسات المعلنة غطّت طيفاً واسعاً من القطاعات: التجارة والاستثمار، التعليم، الخدمات المالية، السياحة، العقارات، التطوير العمراني، الزراعة، الأمن الغذائي، الطاقة، الطيران، الخدمات اللوجستية، الرعاية الصحية، التكنولوجيا، والتحول الرقمي. وهذه القائمة مهمة بحد ذاتها لأنها تكشف أن المنتدى لم يُقدَّم كسوق صفقات عقارية فقط، بل كمنصة متعددة القطاعات مرتبطة بإعادة التشغيل الاقتصادي الأوسع.
ماذا نتج عنه حتى الآن؟
في التغطية الرسمية المتاحة حتى وقت إعداد هذه المادة، لم يُعلن عن حزمة صفقات مرقمة أو قائمة نهائية بمذكرات تفاهم موقعة في ختام اليوم الأول، بل ظهر المنتدى أساساً كمنصة عرض فرص، وجلسات حوار، ورسائل سياسية واقتصادية موجهة إلى المستثمرين الإماراتيين. وهذا لا يقلل من أهميته، لكنه يضعه في إطاره الصحيح: بداية مسار تفاوضي واستثماري أكثر من كونه لحظة حصاد نهائي.
الرسالة التنفيذية الأوضح صدرت من مدير عام هيئة الاستثمار السورية، الذي قال إن الهيئة عملت خلال الفترة الماضية على تطوير بيئة الاستثمار عبر تبسيط الإجراءات، وتفعيل قانون الاستثمار، وتسهيل التراخيص، وتفعيل النافذة الواحدة في جميع المحافظات، وتسريع الموافقات وإنجاز المشاريع. عملياً، هذا هو الناتج الأهم حتى الآن: تقديم تعهد رسمي بأن الاختناق الإداري الذي كان يعيق المستثمرين أصبح جزءاً من ملف الإصلاح الجاري، وأن المنتدى ليس مفصولاً عن محاولة إعادة بناء دورة الترخيص والتنفيذ.
لماذا تحتاج سوريا إلى مثل هذه اللقاءات الآن؟
تأتي أهمية المنتدى من واقع الاقتصاد السوري نفسه. فالبنك الدولي قال في يوليو 2025 إن الاقتصاد السوري انكمش 1.5% في 2024، وكان متوقعاً أن يسجل نمواً متواضعاً بحدود 1% في 2025 فقط، في ظل استمرار التحديات الأمنية، وشح السيولة، وتعطل جزء من التمويل الخارجي. كما أوضح أن تخفيف العقوبات يحمل بعض الإمكانات الإيجابية، لكن استمرار صعوبات الوصول إلى النظام المصرفي الدولي ما يزال يقيّد الطاقة والمساعدات والتجارة والاستثمار.
وفي أكتوبر 2025، قدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وقال إن هذا الرقم يساوي تقريباً عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسوريا في 2024، مع هبوط الناتج الاسمي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 21.4 مليار دولار في 2024. هذه الأرقام تفسر لماذا لا تستطيع سوريا التعويل على الإنفاق الحكومي وحده، ولماذا يصبح استقطاب رأس المال الخارجي والخبرة التشغيلية والتحالفات الإقليمية جزءاً أساسياً من أي سيناريو تعافٍ اقتصادي جدي.
لماذا الإمارات طرف مهم في هذا المسار؟
أولاً، لأن الإمارات ليست شريكاً مالياً فقط، بل اقتصاداً يملك خبرة تشغيلية واسعة في الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطيران، والعقارات، والتطوير الحضري، والاقتصاد الرقمي. وقد تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات تريليون دولار في 2025، بحسب وكالة أنباء الإمارات، وهو ما يعكس حجم السوق والخبرة والشبكات التي يمكن أن تكون ذات قيمة لسوريا إذا تحولت العلاقة من المجاملة السياسية إلى مشاريع تنفيذية.
ثانياً، لأن العلاقة الاقتصادية السورية الإماراتية خلال العام الأخير لم تعد محصورة بزيارات أو رسائل عامة. ففي يوليو 2025 وقعت سوريا اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع شركة DP World الإماراتية لتطوير البنية التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية، بما يشمل محطة متعددة الأغراض في طرطوس ومناطق صناعية وتجارية حرة. وفي أغسطس 2025، ذكرت Reuters أن من بين 12 صفقة استثمارية وقعتها سوريا بقيمة إجمالية 14 مليار دولار، كان هناك مشروع مترو دمشق بقيمة 2 مليار دولار مع National Investment Corporation الإماراتية. هذا يعني أن المنتدى الحالي لا يبدأ من الصفر، بل يأتي فوق أرضية من الانخراط الإماراتي السابق في ملفات النقل واللوجستيات والبنية التحتية.
ثالثاً، لأن الربط الجوي والتجاري عنصر حاسم في تحويل أي اهتمام استثماري إلى حركة أعمال. وقد أعادت طيران الإمارات تشغيل رحلات دمشق اعتباراً من يوليو 2025 بعد توقف منذ 2012، وقالت الشركة إن العودة تهدف إلى دعم الروابط الاقتصادية والاستثمار الداخلي وفتح مسارات تجارة ووصول إلى الأسواق العالمية. مثل هذا التطور لا يصنع الاستثمار وحده، لكنه يقلل كلفة العزلة ويزيد كثافة التواصل، وهو عنصر عملي مهم لأي اقتصاد يحاول استعادة شبكات الأعمال.
ما القطاعات الأكثر قابلية للاستفادة؟
القطاعات المطروحة في المنتدى تكشف أين قد تبدأ الحركة الفعلية. في المدى الأقرب، تبدو اللوجستيات، الموانئ، الطيران، العقارات المدروسة، التطوير العمراني، السياحة، والخدمات المالية والتقنية من أكثر المسارات قابلية للتحول إلى مشروعات أو شراكات، لأنها تجمع بين حاجة سوريا وقدرة الشركات الإماراتية وخبرتها. أما الزراعة والأمن الغذائي والطاقة فهي قطاعات مرشحة أيضاً، لكنها تحتاج في العادة إلى بيئة تنفيذ أكثر تعقيداً وتمويلاً أطول أجلاً.
ومن المهم هنا أن المنتدى لم يضع التركيز فقط على العقار أو إعادة الإعمار بصيغتها التقليدية، بل أدرج التكنولوجيا والتحول الرقمي والخدمات المالية والرعاية الصحية ضمن المجالات المطروحة. وهذا مفيد اقتصادياً لأنه يوحي بأن الحديث لم يعد عن “بناء ما تهدم” فقط، بل عن إعادة تشكيل أجزاء من الاقتصاد السوري على أسس تشغيلية أحدث إذا توافرت البيئة المناسبة.
كيف تنعكس مثل هذه اللقاءات على الاقتصاد السوري؟
الأثر الأول هو أثر ثقة. الاقتصاد السوري يحتاج في هذه المرحلة إلى مؤشرات تقول إن السوق يمكن أن يُقرأ مجدداً بوصفه قابلاً للتعامل، لا منطقة عالية المخاطر فقط. حضور وفد إماراتي رفيع، وطرح قائمة قطاعات واسعة، والحديث الرسمي عن تسهيل التراخيص والنافذة الواحدة، كلها ترسل إشارة أن دمشق تحاول تقليل “كلفة الدخول الأولى” للمستثمر.
الأثر الثاني هو أثر مؤسسي. مثل هذه المنتديات تجبر الجهات السورية على ترجمة الخطاب العام إلى أدوات: خرائط فرص، مسارات ترخيص، نقاط اتصال، جداول زمنية، وآليات متابعة. وإذا لم يتحول المنتدى إلى هذا المستوى، فإنه يبقى حدثاً رمزياً. أما إذا تلاه فريق متابعة مشترك، وملفات قطاعية واضحة، ومشاريع أولية قابلة للتنفيذ، فحينها يتحول إلى بنية عمل لا مناسبة بروتوكولية. وهذه قراءة تحليلية مبنية على طبيعة المنتديات الاستثمارية أكثر من كونها معلومة معلنة بحد ذاتها.
الأثر الثالث هو أثر مضاعف على قطاعات مساندة. فالاستثمار الكبير لا يخلق فرصاً في المشروع نفسه فقط، بل في المحاماة، والمحاسبة، والاستشارات، والهندسة، والمقاولات، والنقل، والتأمين، والتوظيف، والخدمات الرقمية. لذلك فإن قيمة المنتدى لا تُقاس فقط بعدد المشاريع التي قد يطلقها مباشرة، بل أيضاً بقدرته على تنشيط سلسلة أوسع من الخدمات والأعمال حوله. وهذا بالضبط ما تحتاجه الاقتصادات الخارجة من الصراع: ليس تمويلاً فقط، بل دوائر تشغيل متصلة به.
ما الآفاق المتوقعة خلال الفترة المقبلة؟
السيناريو الأكثر واقعية ليس إعلاناً مفاجئاً عن أرقام ضخمة فوراً، بل مساراً متدرجاً يبدأ بتبادل زيارات فنية، ودراسات جدوى، وتحديد أولويات قطاعية، ثم مذكرات تفاهم، وبعدها الانتقال إلى عقود أو شراكات تنفيذية في قطاعات محددة. في هذا الإطار، تبدو اللوجستيات، والنقل، والمناطق الصناعية أو الحرة، وبعض مشاريع التطوير العقاري والسياحي، أقرب إلى التحول السريع نسبياً من القطاعات الأخرى. ويعزز هذا الاحتمال وجود مشاريع سابقة أو موازية ذات طابع إماراتي مثل صفقة DP World، إضافة إلى خبرة الإمارات الكبيرة في إدارة الموانئ والطيران والخدمات العابرة للحدود.
لكن من الضروري أيضاً ضبط سقف التوقعات. فالبنك الدولي كان واضحاً في أن استمرار القيود المصرفية وصعوبات التمويل الدولي يحد من التجارة والاستثمار، حتى مع تحسن البيئة السياسية نسبياً. وهذا يعني أن المنتدى، مهما كانت أهميته، لا يلغي وحده مشكلات التمويل والتحويلات والتأمين والحوكمة وسرعة التنفيذ. نجاحه الحقيقي سيقاس بما إذا كانت سوريا قادرة على تقليص هذه الفجوات عملياً خلال الأشهر المقبلة.
الخلاصة: هل نحن أمام حدث رمزي أم اقتصادي فعلي؟
الجواب الأدق: المنتدى رمزي ومهم في الوقت نفسه، لكنه يصبح اقتصادياً فعلياً فقط إذا تبعته خطوات تنفيذية قابلة للقياس.
رمزيته أنه يعلن عودة سوريا إلى طاولة الحوار الاستثماري العربي مع طرف يملك خبرة وقدرة ورأسمالاً.
وأهميته العملية أنه يضع ملفات محددة على الطاولة: الاستثمار، اللوجستيات، الطاقة، الطيران، التحول الرقمي، والتطوير العمراني.
أما قيمته الاقتصادية الحقيقية، فستتحدد لاحقاً بقدرة الطرفين على تحويل الحوار إلى مشروعات، والوعود الإجرائية إلى بيئة تنفيذ، والاهتمام السياسي إلى تدفقات أعمال واستثمارات وتشغيل.
في اقتصاد ما يزال صغير الحجم مقارنة بكلفة إعادة الإعمار، ومقيداً بمشكلات التمويل والبنية والخدمات، لا يجب التقليل من هذه اللقاءات، ولا المبالغة فيها. هي ليست حلاً سحرياً، لكنها قد تكون جزءاً من البنية التي يبدأ منها الحل.