من الاستقرار إلى الاستثمار: ملامح النموذج الاقتصادي السوري في مقابلة الرئيس الشرع

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ تموز 2026
قدّم الرئيس أحمد الشرع، خلال مقابلته مع برنامج «المقابلة» على قناة الجزيرة، تصوراً واسعاً لطبيعة المرحلة التي تريد سوريا الانتقال إليها: دولة تضع الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات في مقدمة الأولويات، وتعيد فتح علاقاتها الإقليمية والدولية، وتسعى إلى جذب الاستثمار وتحديث البنية القانونية والمصرفية، مع الحفاظ على دور مركزي للسوريين في إعادة إعمار بلدهم.
لم تكن المقابلة برنامجاً اقتصادياً تفصيلياً، ولم تتضمن خطة زمنية منشورة أو موازنات قطاعية أو مؤشرات أداء حكومية. لكنها كشفت مجموعة من المبادئ التي يمكن قراءة ملامح النموذج الاقتصادي السوري الجديد من خلالها.
ويقوم هذا النموذج، وفق ما ظهر في المقابلة، على انتقال تدريجي:
- من اقتصاد العزلة إلى اقتصاد الانفتاح والربط الإقليمي.
- من إدارة الأزمات اليومية إلى إعادة تأهيل المؤسسات والبنية التحتية.
- من الاعتماد على الدولة وحدها إلى توسيع دور الاستثمار الخاص والشراكات الخارجية.
- من العلاقات القائمة على المحاور السياسية إلى علاقات متعددة الاتجاهات تحكمها المصالح.
- من استيراد نماذج اقتصادية جاهزة إلى محاولة بناء نموذج يتناسب مع الواقع السوري.
- من التركيز على الوعود السريعة إلى خطاب يقوم على الأولويات والتدرج والصبر.
لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذا التصور ستتحدد بقدرته على التحول من خطاب سياسي عام إلى قوانين ومشروعات ومؤسسات وتمويل وإنتاج وفرص عمل يمكن قياسها.
ملخص تنفيذي
يمكن استخلاص سبعة مرتكزات أساسية للرؤية الاقتصادية التي عرضها الرئيس الشرع:
- الاستقرار الداخلي والإقليمي شرط أولي للنمو والاستثمار.
- إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي عبر علاقات متوازنة مع الغرب والخليج وروسيا والصين والدول المجاورة.
- جذب الاستثمار الخارجي، ولا سيما الخليجي، إلى الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة والبنية التحتية.
- إصلاح البيئة القانونية والمصرفية والإدارية بما يسمح بتحويل الانفتاح السياسي إلى معاملات وتمويل ومشروعات.
- إعادة تأهيل المؤسسات وفق ترتيب للأولويات، بدلاً من محاولة معالجة جميع المشكلات في وقت واحد.
- توسيع الإنتاج المحلي وإعادة تشغيل البنية الصناعية والنفطية واللوجستية.
- بناء نموذج سوري يستفيد من التجارب الدولية من دون استنساخها بالكامل.
وهذه المرتكزات منطقية بالنسبة إلى اقتصاد خارج من مرحلة طويلة من الدمار والعزلة، لكنها لا تكفي وحدها لتكوين نموذج اقتصادي مكتمل.
فالنموذج يحتاج أيضاً إلى إجابات واضحة حول السياسة الصناعية والزراعية، ودور الدولة في السوق، والمنافسة والاحتكار، والضرائب، وتمويل الشركات، والحماية الاجتماعية، وتوزيع الاستثمارات بين المناطق، وآليات الشفافية والمساءلة.
الاستقرار بوصفه سياسة اقتصادية
أبرز ما يمكن استخلاصه من المقابلة هو أن الاستقرار لم يُطرح بوصفه ملفاً أمنياً أو سياسياً منفصلاً، بل بوصفه أساساً لإعادة بناء الاقتصاد.
أكد الرئيس أن أولوية سوريا هي البناء والاستقرار والتنمية، وأن البلاد لا تريد الانخراط في الصراعات الإقليمية أو التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، مع السعي إلى إقامة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. كما ربط تجنب الصدامات بإعادة بناء الدولة واستعادة موقعها الإقليمي والدولي.
وتحمل هذه المقاربة أثراً اقتصادياً مباشراً.
فالمستثمر لا يقيّم سعر الأرض أو العمالة والحوافز فقط، بل يقيّم أيضاً:
- احتمالات توقف المشروع بسبب النزاع.
- سلامة الطرق والمطارات والموانئ.
- استقرار إمدادات الطاقة.
- قدرة الموظفين والخبراء على التنقل.
- إمكان تنفيذ العقود والتحويلات.
- مخاطر تغير العلاقات الدولية.
- قدرة الدولة على حماية المنشآت والممتلكات.
كل انخفاض في مستوى المخاطر السياسية والأمنية يمكن أن يخفض كلفة التأمين والتمويل والتشغيل، ويرفع قابلية المشروعات للاستمرار.
ومن هذه الزاوية، تبدو السياسة الخارجية المتوازنة جزءاً من السياسة الاقتصادية. فمحاولة تجنب المحاور والصدامات لا تعني الحياد المجرد، بل حماية الطرق التجارية والطاقة والمطارات والاستثمارات من آثار النزاعات الإقليمية.
من العزلة إلى عقدة ربط تجارية
كرر الرئيس خلال المقابلة وصف سوريا بأنها دولة ذات موقع استراتيجي وعقدة ربط تجارية، معتبراً أن السياسات السابقة عزلتها عقوداً عن محيطها العربي والدولي.
ولا تقتصر أهمية الموقع السوري على وقوع البلاد بين آسيا والبحر المتوسط.
فقيمة الموقع تظهر عندما يرتبط ببنية تشغيلية تشمل:
- طرقاً دولية مؤهلة.
- موانئ قادرة على المناولة والتوسع.
- مطارات وخطوط جوية منتظمة.
- سككاً حديدية قابلة لنقل البضائع.
- معابر سريعة ومنظمة.
- مناطق صناعية ولوجستية.
- أنظمة جمركية ورقمية واضحة.
- خدمات تخزين وتأمين وتمويل وتخليص.
ومن دون هذه العناصر، يبقى الموقع الجغرافي ميزة نظرية لا تحقق قيمة اقتصادية كاملة.
وتنسجم هذه الرؤية مع التطورات التي تشهدها سوريا في إعادة تشغيل الخطوط الجوية، وتطوير الموانئ والمرافئ الجافة، وإعادة بحث خطوط السكك والنفط، وتوسيع التجارة مع تركيا والعراق والأردن ولبنان.
لكن تحويل سوريا إلى عقدة ربط لا يجب أن يقتصر على تحصيل رسوم العبور.
القيمة الأعلى تتحقق عندما تُقام على طول الممرات:
- مصانع تجميع ومعالجة.
- مستودعات ومراكز توزيع.
- مناطق حرة.
- خدمات صيانة وتزويد.
- محطات تبريد وتوضيب.
- منصات تجارة وشحن.
- صناعات مرتبطة بالمواد العابرة.
فالدولة التي تعبر منها البضائع تستفيد، لكن الدولة التي تضيف إليها قيمة قبل إعادة تصديرها تستفيد أكثر.
سياسة خارجية متعددة الاتجاهات
أظهرت المقابلة أن العلاقات الاقتصادية الخارجية المقترحة لا تقوم على شريك وحيد.
فالرئيس تحدث عن علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة وأوروبا، ومصالح استراتيجية مع روسيا في الطاقة والغذاء والتسليح، وعلاقات متقدمة مع دول الخليج، وانفتاح على الصين ودول الجوار.
اقتصادياً، يمكن قراءة هذه المقاربة بوصفها محاولة لتنويع الشركاء والمصادر.
وقد يؤدي تنويع العلاقات إلى تقليل الاعتماد المفرط على دولة واحدة في:
- الطاقة.
- الغذاء.
- التمويل.
- المعدات.
- التكنولوجيا.
- الأسواق التصديرية.
- إعادة الإعمار.
- النقل والخدمات اللوجستية.
كما يمنح سوريا قدرة أكبر على مقارنة العروض وشروط التمويل ونماذج الشراكة.
لكن التوازن الخارجي لا ينجح بمجرد إقامة علاقات جيدة مع الجميع.
فالمطلوب أن تتحول كل علاقة إلى ملف اقتصادي واضح:
- الخليج: الاستثمار والتمويل والطاقة والعقارات والسياحة.
- أوروبا: التكنولوجيا والمعدات والمعايير والتدريب والتمويل التنموي.
- الولايات المتحدة: النظام المالي والاستثمار والشركات الكبرى والتكنولوجيا.
- روسيا: الطاقة والغذاء وبعض الصناعات والبنية العسكرية واللوجستية.
- الصين: البنية التحتية والتصنيع والمعدات والتمويل.
- تركيا: التجارة وسلاسل التوريد والصناعة والنقل.
- العراق والأردن ولبنان: الأسواق والمعابر والطاقة والترانزيت.
- الدول العربية: التمويل وإعادة الإعمار والتجارة والاستثمار.
ويحتاج نجاح هذه السياسة إلى جهة حكومية قادرة على تنسيق الاتفاقات، ومنع تكرار المشروعات، ومقارنة شروط العقود، وربط التعاون الخارجي بأولويات الاقتصاد السوري.
الاستثمار الخليجي بوصفه محركاً أولياً
أشار الرئيس الشرع إلى أن دول الخليج بدأت استثمارات في مشروعات الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة، بالتزامن مع العمل على تعديل قوانين الاستثمار وإصلاح البيئة القانونية والمصرفية.
وتبدو هذه القطاعات منطقية كبداية.
الطاقة
لا يستطيع مصنع أو فندق أو مستشفى أو مركز بيانات أن يعمل بكفاءة من دون كهرباء ووقود مستقرين. لذلك يمثل الاستثمار في الطاقة شرطاً لبقية القطاعات، وليس قطاعاً منفصلاً عنها.
المطارات
يرتبط تطوير المطارات بالسفر والسياحة والشحن الجوي وحركة المستثمرين والخبراء، ويعزز الاتصال بالأسواق الإقليمية والدولية.
العقارات
يمثل الطلب على الإسكان والمكاتب والفنادق والمراكز التجارية وإعادة تأهيل المدن سوقاً ضخمة، لكنه يحتاج إلى تنظيم الملكيات والتخطيط العمراني والتمويل ومنع المضاربات.
السياحة
تستطيع السياحة توليد النقد الأجنبي وفرص العمل بسرعة نسبية، لكنها تحتاج إلى النقل والفنادق والخدمات والسلامة والتسويق وإعادة تأهيل المواقع.
وقد يكون رأس المال الخليجي من أسرع مصادر الاستثمار الخارجي تحركاً، نتيجة القرب الجغرافي والعلاقات السياسية والقدرة التمويلية والخبرة في مشروعات الطاقة والعقار والبنية التحتية.
لكن الاعتماد على الاستثمارات الخليجية وحدها يحمل مخاطر، من بينها تركّز الاستثمار في العقارات والخدمات على حساب الزراعة والصناعة، أو توجيه المشروعات إلى المدن الكبرى فقط.
لذلك تحتاج سوريا إلى ربط الاستثمار الخارجي بأهداف واضحة، مثل:
- زيادة الإنتاج.
- نقل التكنولوجيا.
- تشغيل السوريين.
- تدريب الكوادر.
- استخدام موردين محليين.
- توسيع الصادرات.
- إعادة تأهيل المناطق المتضررة.
- تخفيض الاعتماد على الاستيراد.
- تحقيق توازن بين المحافظات.
العقوبات: الانتقال من الرفع القانوني إلى التطبيع المصرفي
أوضح الرئيس أن رفع العقوبات الأمريكية العامة لا يكتمل أثره قبل إزالة تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لما لهذا التصنيف من آثار قانونية ومالية.
وكانت الولايات المتحدة قد أنهت برنامج العقوبات العام على سوريا اعتباراً من الأول من تموز 2025، مع إبقاء العقوبات المستهدفة على بشار الأسد وشركائه، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومتاجري الكبتاغون، والجهات المرتبطة بالإرهاب والانتشار وإيران ووكلائها. كما بدأت وزارة الخارجية الأمريكية في تموز 2026 مسار إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.
وتكشف هذه النقطة الفرق بين ثلاثة مستويات غالباً ما تختلط في النقاش العام:
رفع العقوبات العامة
يعني إزالة أو تعليق القيود القانونية الشاملة التي تمنع قطاعات واسعة من التعامل مع سوريا.
إزالة التصنيف السياسي والأمني
قد ترفع قيوداً إضافية مرتبطة بالمساعدات والتمويل والتعاملات المصرفية والتصدير.
عودة التعامل الفعلي
وهي المرحلة الأصعب، لأن المصارف والشركات الدولية لا تعود تلقائياً بمجرد تغيير القانون.
فالعودة تحتاج إلى:
- مصارف مراسلة.
- أنظمة امتثال.
- وضوح المستفيد الحقيقي للشركات.
- مكافحة غسل الأموال.
- بيانات مالية موثوقة.
- تأمين وتحويلات.
- ثقة في القضاء والعقود.
- تقييم مستقل للمخاطر.
ولهذا يمثل إصلاح المنظومة المصرفية، الذي تحدث عنه الرئيس، عنصراً حاسماً في نجاح الانفتاح الاقتصادي.
قد تكون العقوبة أُزيلت قانونياً، لكن الشركة الأجنبية ستظل مترددة إذا لم تتمكن من تحويل المال أو التحقق من الشريك أو تأمين المشروع أو تحصيل مستحقاتها.
الإصلاح القانوني والمصرفي هو الجسر الحقيقي
أوضح الرئيس أن الحكومة تناقش تعديل قوانين الاستثمار وإصلاح المنظومتين القانونية والمصرفية لجذب مزيد من الاستثمارات.
وتعد هذه النقطة أكثر أهمية من الإعلان عن أي مشروع منفرد.
فالمشروعات الكبرى قد تدخل بقرار سياسي أو اتفاق حكومي، لكن توسيع الاستثمار ليشمل آلاف الشركات المتوسطة والصغيرة يحتاج إلى بيئة يمكن العمل داخلها بصورة يومية.
وتشمل الإصلاحات المطلوبة:
- تسهيل تأسيس الشركات.
- حماية الملكية.
- تسجيل الأراضي والعقارات.
- تنفيذ العقود.
- تسوية المنازعات.
- تنظيم الإفلاس وإعادة الهيكلة.
- قواعد واضحة للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- نظام ضريبي قابل للتوقع.
- تحويل الأرباح ورأس المال.
- ترخيص المصارف والتمويل.
- حماية المنافسة.
- منع الاحتكار وتضارب المصالح.
- رقمنة التراخيص والمدفوعات.
- تقليل تعدد الجهات والموافقات.
ويجب ألا يقتصر الإصلاح على إصدار قانون استثمار جديد.
فالمستثمر يتعامل عملياً مع البلدية والجمارك والمصرف والضرائب والكهرباء والمحكمة والسجل التجاري وهيئات الترخيص. وإذا بقيت هذه المؤسسات بطيئة أو متناقضة، فلن يعالج القانون وحده المشكلة.
التدرج وإغلاق الفراغات
وصف الرئيس المرحلة الحالية بأنها مرحلة «إغلاق الفراغات»، مع التركيز على الأولويات وعدم محاولة معالجة جميع الملفات دفعة واحدة. كما تحدث عن حاجة سوريا إلى سد نسبة كبيرة من الاحتياجات قبل أن يظهر التحسن بصورة واضحة في حياة الناس.
ويعكس ذلك تصوراً يقوم على التراكم لا على الصدمة الاقتصادية.
ففي الدول الخارجة من النزاعات، قد لا يظهر أثر إصلاح محطة كهرباء واحدة أو طريق واحد أو مصنع واحد فوراً، لأن العجز موجود في حلقات متعددة.
على سبيل المثال، لا يكفي تشغيل المصنع عندما:
- لا توجد كهرباء مستقرة.
- الطريق متضرر.
- التمويل غير متاح.
- المواد الأولية لا تصل.
- السوق ضعيفة.
- التحويلات الخارجية معطلة.
ويبدأ الأثر بالظهور عندما يتحسن عدد كافٍ من هذه الحلقات معاً.
لكن سياسة التدرج تحتاج إلى تحديد أولويات معلنة، حتى لا تتحول إلى مبرر لتأجيل النتائج.
ومن الضروري أن يعرف المواطن وقطاع الأعمال ما المستهدف خلال:
- أول 12 شهراً.
- السنوات الثلاث المقبلة.
- السنوات الخمس المقبلة.
وما المؤشرات التي ستستخدم لقياس التقدم في الكهرباء والإنتاج والطرق وفرص العمل والدخل والاستثمار.
3700 خط إنتاج: مؤشر مهم يحتاج إلى تفصيل
قال الرئيس إن سوريا استقبلت نحو 3700 خط إنتاج جديد منذ بداية عام 2025، بالتوازي مع مشروعات للطرقات والبنية التحتية والطاقة وإصلاح الحقول النفطية.
وإذا كان الرقم يشير إلى خطوط وصلت فعلياً ودخلت التركيب أو التشغيل، فإنه يعكس حركة صناعية واسعة.
لكن الرقم يحتاج إلى بيانات تفصيلية توضح:
- القطاعات التي توزعت عليها الخطوط.
- عدد الخطوط العاملة فعلياً.
- عدد الخطوط التي ما تزال في الجمارك أو التركيب.
- الطاقة الإنتاجية المضافة.
- قيمة المعدات.
- مصدر التمويل.
- المحافظات المستفيدة.
- عدد فرص العمل.
- نسبة الآلات الجديدة والمستعملة.
- مقدار المواد الأولية المحلية.
- حجم الإنتاج البديل للمستوردات أو القابل للتصدير.
فقد يكون خط إنتاج صغيراً لمعمل غذائي، أو خطاً كبيراً لمصنع إسمنت أو أدوية، ولا يمكن جمعهما في مؤشر واحد من دون تصنيف.
لذلك يمثل الرقم إشارة إيجابية إلى النشاط الاستثماري، لكنه لا يكفي وحده لقياس التعافي الصناعي قبل نشر توزيعه ونتائجه التشغيلية.
السوريون في قلب إعادة الإعمار
أكد الرئيس أن السوريين أنفسهم سيتولون الدور الأساسي في إعمار بلادهم، مع الاستفادة من الدعم والاستثمارات والخبرات الخارجية. وربط ذلك بعودة ملايين النازحين واللاجئين واتساع فرص العمل والاستثمار.
وتحمل هذه الفكرة أبعاداً متعددة.
رأس المال السوري في الخارج
يمتلك السوريون خارج البلاد مدخرات وشركات وخبرات وشبكات علاقات يمكن أن تؤدي دوراً في الاستثمار والتجارة ونقل المعرفة.
الكفاءات البشرية
تضم الجاليات السورية أطباء ومهندسين وخبراء تقنيين وإداريين وأصحاب شركات، ويمكن الاستفادة منهم من خلال العودة الدائمة أو المؤقتة أو العمل عن بُعد أو الشراكات.
الشركات المحلية
تستطيع الشركات السورية المشاركة في المقاولات والنقل والتصنيع والخدمات والاستشارات والتوريد، بدلاً من تنفيذ إعادة الإعمار بالكامل عبر شركات أجنبية.
العودة والطلب
تزيد عودة السكان الطلب على السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة، كما تعيد قوة عاملة ورؤوس أموال وخبرات إلى الاقتصاد.
لكن تحميل السوريين مسؤولية الإعمار لا يعني أن السوق المحلية تستطيع تمويل المهمة منفردة.
فالبنك الدولي يقدر كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج السوري المتوقع لعام 2024، ما يؤكد الحاجة إلى تمويل دولي واسع إلى جانب القدرات المحلية.
والنموذج الأكثر واقعية هو الجمع بين:
- القيادة والأولويات السورية.
- رأس المال الخاص المحلي والمغترب.
- الاستثمارات العربية والدولية.
- التمويل التنموي.
- المنح والقروض الميسرة.
- الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
أي دور للدولة في النموذج الجديد؟
لم تقدم المقابلة تعريفاً نظرياً لدور الدولة في الاقتصاد، لكنها أعطت عدة مؤشرات.
فالدولة، وفق الخطاب المطروح، ستعمل على:
- تأمين الاستقرار.
- إعادة تأهيل المؤسسات.
- تعديل القوانين.
- إصلاح المصارف.
- تطوير البنية التحتية.
- جذب الاستثمار.
- إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية.
- تحديد الأولويات.
- حماية وحدة السوق وسلطة القانون.
وفي المقابل، سيكون للقطاع الخاص والمستثمرين والسوريين في الداخل والخارج دور أوسع في الإنتاج والتمويل والتشغيل وإعادة الإعمار.
وهذا يشير إلى نموذج يميل إلى اقتصاد سوق تقوده الدولة تنظيمياً واستراتيجياً، من دون أن تحتكر جميع الأنشطة الإنتاجية.
لكن هذا الاستنتاج يبقى أولياً، لأن الحكم النهائي يحتاج إلى سياسات تفصيلية حول:
- خصخصة المؤسسات العامة أو إصلاحها.
- إدارة الأصول الحكومية.
- الدعم والأسعار.
- حماية الصناعات المحلية.
- الضرائب.
- المنافسة.
- الاستيراد والتصدير.
- دور المصارف العامة.
- حقوق العمال.
- الضمان الاجتماعي.
- الخدمات الأساسية.
النموذج السوري لا استنساخ التجارب
أشار الرئيس إلى أن سوريا تريد الاستفادة من النتائج الإيجابية لتجارب الدول الأخرى وتجنب أخطائها، بدلاً من استيراد نموذج كامل لا يتناسب مع الواقع السوري.
وهذه نقطة منطقية؛ لأن سوريا تختلف عن الاقتصادات الخليجية أو التركية أو الأوروبية من حيث:
- حجم الدمار.
- الموارد المالية.
- التركيبة السكانية.
- مستوى الدخل.
- بنية الدولة.
- الطاقة.
- وجود قطاع غير منظم واسع.
- آثار النزوح والعودة.
- التفاوت بين المناطق.
- قدرة النظام المصرفي.
يمكن الاستفادة من الخليج في إدارة المشروعات والبنية التحتية والصناديق الاستثمارية.
ومن تركيا في المدن الصناعية والتصدير والشركات المتوسطة.
ومن أوروبا في التشريعات والمعايير والتدريب والحوكمة.
ومن شرق آسيا في التصنيع والتخطيط طويل الأجل.
لكن النموذج السوري يجب أن يوازن بين النمو السريع والعدالة الاجتماعية، وبين جذب الاستثمار وحماية السوق، وبين المركزية ووضع صلاحيات فعلية للإدارات المحلية.
ماذا تعني الرؤية لقطاع الأعمال؟
تقدم المقابلة للشركات والمستثمرين مجموعة إشارات إيجابية، لكنها تفرض أيضاً واجبات للاستعداد.
القطاعات المرشحة للحركة
- الطاقة والكهرباء.
- النفط والغاز.
- المطارات والنقل.
- الطرق والسكك.
- العقارات والإسكان.
- السياحة والفندقة.
- الصناعة وخطوط الإنتاج.
- الخدمات المصرفية والمالية.
- الاتصالات والتحول الرقمي.
- الخدمات اللوجستية.
- مواد البناء.
- الزراعة والتصنيع الغذائي.
ما تحتاجه الشركات السورية
- تنظيم الوضع القانوني والمالي.
- فصل حسابات الشركة عن الحسابات الشخصية.
- توثيق الملكية والمستفيد الحقيقي.
- إعداد قوائم مالية قابلة للمراجعة.
- تطوير الجودة والسلامة.
- إعداد ملفات تعريفية بلغات مختلفة.
- بناء شراكات مع مستثمرين وموردين.
- رفع القدرة على التعاقد والمناقصات.
- تدريب الكوادر.
- دراسة الأسواق الخارجية.
فمرحلة الانفتاح لا تفيد الشركات المحلية تلقائياً.
قد تتحول إلى فرصة أمامها، وقد تتحول إلى منافسة قوية من شركات ومنتجات أكثر تنظيماً وتمويلاً.
جوانب القوة في الرؤية
إدراك العلاقة بين الاستقرار والنمو
لا يمكن بناء اقتصاد مستدام في بيئة صراعات مفتوحة، لذلك يمثل خفض المخاطر نقطة بداية صحيحة.
تنويع العلاقات
يقلل تعدد الشركاء من الاعتماد على مصدر واحد للتمويل أو الغذاء أو الطاقة أو التكنولوجيا.
الاعتراف بالحاجة إلى إصلاح قانوني ومصرفي
الاستثمار لا يتحرك عبر الاتفاقات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات ومعاملات وتمويل.
اعتماد التدرج
تواجه سوريا فجوات كبيرة لا يمكن إغلاقها فوراً، ولذلك يكون ترتيب الأولويات أكثر واقعية من الوعود الشاملة.
التركيز على الإنتاج والبنية التحتية
يمنح الحديث عن خطوط الإنتاج والطاقة والطرق والحقول النفطية وزناً أكبر للاقتصاد الحقيقي.
عدم تقديم نموذج أجنبي جاهز
يسمح ذلك ببناء سياسات تتناسب مع الظروف السورية، شرط ألا يتحول مفهوم الخصوصية إلى غموض أو استثناء دائم من المعايير المؤسسية.
ما الذي بقي بلا إجابة؟
رغم اتساع المقابلة، لم تقدم الرؤية إجابات تفصيلية عن مجموعة من الأسئلة الاقتصادية الجوهرية:
ما شكل السياسة الصناعية؟
ما القطاعات التي ستمنح الأولوية، وما الحوافز التي ستحصل عليها، وكيف ستُحمى من المنافسة غير المتوازنة؟
كيف سيمول التعافي؟
ما نسبة المنح والقروض والاستثمار الخاص والتمويل الحكومي والشراكات؟
ما مستقبل المؤسسات العامة؟
هل ستُصلح أم تدمج أم تطرح للشراكة أم تتحول إلى شركات تجارية؟
كيف ستُحمى المنافسة؟
كيف سيُمنع تحول الخصخصة والاستثمار والعقود الكبرى إلى احتكارات جديدة؟
ما موقع الزراعة؟
ركزت المقابلة على البنية التحتية والطاقة والاستثمار، لكن الزراعة والأمن الغذائي والدخل الريفي تحتاج إلى موقع واضح.
كيف سينعكس النمو على الأجور؟
قد ترتفع الاستثمارات والناتج من دون تحسن سريع في القوة الشرائية، إذا لم تتوسع الوظائف والإنتاجية والحماية الاجتماعية.
كيف ستتوزع الاستثمارات؟
ما الضمانات لمنع تركّز المشروعات في دمشق والساحل والمدن الكبرى وإهمال المناطق الشرقية والريفية؟
ما مؤشرات النجاح؟
يحتاج السوق إلى أرقام دورية حول الإنتاج والاستثمار والوظائف والصادرات والطاقة والدخل، لا إلى التقييم العام وحده.
الواقعية التي تفرضها المؤشرات
تشير تقديرات البنك الدولي إلى وجود علامات أولية على تعافي النشاط السوري، مع تقديرات لنمو حقيقي تراوح بين 2 و4% خلال 2025، وتحسن في حركة الطيران والموانئ، وزيادة تسجيل الأعمال وإنتاج النفط والغاز. لكنه يحذر في الوقت نفسه من استمرار القيود المصرفية وضعف توزيع الطاقة واضطراب طرق التجارة وهشاشة الأوضاع الإقليمية.
وتدعم هذه المؤشرات جوهر خطاب التدرج.
فالاقتصاد تحرك من مرحلة الانكماش الحاد إلى بداية تعافٍ، لكنه لم يدخل بعد مرحلة نمو مرتفع ومستقر.
وقد تكون الزيادة الأولى في النشاط ناتجة عن:
- فتح الطرق والمعابر.
- عودة التجارة.
- زيادة الأجور الحكومية.
- عودة السكان.
- إعادة تشغيل منشآت متوقفة.
- تخفيف القيود الخارجية.
أما الانتقال إلى نمو مستدام، فيحتاج إلى زيادة الإنتاجية والاستثمار والصادرات والتعليم والبنية التحتية، وليس مجرد استعادة جزء من النشاط المفقود.
ما المتوقع أن ينتج عن هذه الرؤية؟
على المدى القريب
- استمرار الإعلان عن استثمارات في الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة.
- تعديلات إضافية في البيئة القانونية والمصرفية.
- توسع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية.
- زيادة استيراد خطوط الإنتاج والآلات.
- مشروعات طرق وموانئ ومطارات.
- نمو في تسجيل الشركات.
- محاولات لإعادة العلاقات المصرفية الدولية.
على المدى المتوسط
- ظهور شراكات أكبر بين الدولة والقطاع الخاص.
- توسع المدن والمناطق الصناعية.
- بدء إعادة تأهيل قطاعات النقل والطاقة بصورة أوسع.
- نمو خدمات الاستشارات والهندسة واللوجستيات.
- زيادة مشاركة السوريين في الخارج.
- منافسة أعلى داخل السوق المحلية.
- انتقال تدريجي من الاستيراد الاستهلاكي إلى استيراد المعدات ومدخلات الإنتاج، في حال نجاح السياسة الصناعية.
لكن هذه النتائج ستبقى مرتبطة بالاستقرار، وقدرة المؤسسات على التنفيذ، وسرعة الإصلاح المصرفي والقانوني، والتطورات الإقليمية.
مؤشرات يجب مراقبتها
لتقييم انتقال الرؤية من الخطاب إلى التنفيذ، ينبغي متابعة:
- حجم الاستثمار المنفذ، لا المعلن فقط.
- عدد المشروعات التي دخلت التشغيل.
- عدد خطوط الإنتاج العاملة فعلياً.
- نمو الإنتاج الصناعي والزراعي.
- حجم الصادرات غير الخام.
- عدد الوظائف والأجور الحقيقية.
- ساعات الكهرباء المتاحة للمنشآت.
- حجم الائتمان الممنوح للقطاع الخاص.
- عدد المصارف المراسلة والتحويلات الدولية.
- متوسط زمن تأسيس الشركة والحصول على الترخيص.
- حجم الاستثمار خارج دمشق والمدن الكبرى.
- مستوى المنافسة وتركيز السوق.
- نسبة المشتريات والمكونات المحلية في المشروعات الكبرى.
- الإيرادات العامة والعجز والدين.
- التضخم والقوة الشرائية.
- مساهمة الشركات السورية في مشروعات إعادة الإعمار.
ثلاثة سيناريوهات للنموذج الاقتصادي
السيناريو الأول: استقرار وإصلاح واستثمار منتج
تستمر التهدئة، وتتقدم الإصلاحات القانونية والمصرفية، وتتحول الاستثمارات إلى طاقة وصناعة ونقل وإنتاج.
في هذا السيناريو، يتحسن النمو وفرص العمل، وتتوسع الصادرات، ويبدأ أثر التعافي في الوصول تدريجياً إلى الدخل والخدمات.
السيناريو الثاني: استثمارات متفرقة وتعافٍ غير متوازن
تدخل مشروعات كبيرة في العقارات والسياحة والطاقة، لكن تبقى المصارف والصناعة والزراعة والإدارة العامة ضعيفة.
وينتج عن ذلك نمو في قطاعات ومناطق محددة، من دون تحول اقتصادي شامل.
السيناريو الثالث: عودة المخاطر وتأخر المؤسسات
تتوسع الاضطرابات الإقليمية أو تتأخر الإصلاحات، وتبقى المصارف والتحويلات والبنية التحتية عاجزة عن خدمة الاستثمار.
وفي هذه الحالة تبقى الاتفاقات والتعهدات أعلى من مستوى التنفيذ، ويستمر الاعتماد على الاستيراد والاقتصاد النقدي.
الخلاصة
كشفت مقابلة الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة عن تصور اقتصادي يقوم على معادلة واضحة:
الاستقرار يفتح الباب للانفتاح، والانفتاح يجذب الاستثمار، والاستثمار يعيد بناء الإنتاج والبنية التحتية، بينما توفر المؤسسات والقوانين والمصارف القدرة على تحويل هذه الحلقة إلى نمو مستدام.
وتظهر الرؤية توجهاً نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً على القطاع الخاص والشراكات الخارجية، مع دور للدولة في تنظيم السوق وإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية وتحديد الأولويات.
كما تعكس محاولة لتنويع العلاقات الاقتصادية، والاستفادة من رأس المال الخليجي والتكنولوجيا الغربية والمصالح القائمة مع روسيا والصين، من دون الارتباط الكامل بمحور واحد.
لكن المقابلة قدمت ملامح نموذج، لا نموذجاً مكتملاً.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل المبادئ إلى:
- سياسة اقتصادية منشورة.
- برامج قطاعية.
- قوانين تنفيذية.
- موازنات.
- جداول زمنية.
- مؤشرات أداء.
- بيانات دورية.
- آليات رقابة ومساءلة.
وستكون العلامة الأهم على نجاح النموذج ليست قيمة الاتفاقات المعلنة أو عدد الوفود، بل مقدار ما يتحول منها إلى كهرباء مستقرة، ومصانع عاملة، وطرق مؤهلة، وصادرات، وأجور أفضل، وفرص عمل، وثقة تسمح للسوري بأن ينتج ويستثمر ويدخر داخل بلده.
الانتقال من الاستقرار إلى الاستثمار ممكن، لكنه لا يحدث تلقائياً.
إنه يحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات فعالة، وإلى سوق مفتوحة لكن منظمة، وإلى استثمار خارجي لا يستبدل القدرات السورية بل يوسعها، وإلى نمو لا يظهر في المؤشرات فقط بل يصل أثره إلى الشركات والأسر والمناطق المختلفة.