العراق يمدد مسار جيهان لعام واحد: ماذا يعني ذلك لمشروع خط كركوك–بانياس والدور اللوجستي السوري؟

دمشق ـ بوابة الأعمال السورية ـ آب 2026
وقع العراق وتركيا اتفاقاً لمدة عام يضمن استمرار استخدام خط أنابيب النفط الواصل إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، ضمن ترتيب يغطي طاقة نقل يومية تبلغ 750 ألف برميل.
ويمنح الاتفاق المؤقت الطرفين وقتاً إضافياً للتفاوض على إطار طويل الأجل، بعد انتهاء الترتيب الثنائي السابق الذي حكم تشغيل الخط لعقود. وجرى توقيعه بين شركة «بوتاش» التركية وكل من شركة تسويق النفط العراقية «سومو» وشركة نفط الشمال.
ورغم أن الخبر يتعلق مباشرة بالعراق وتركيا، فإن دلالاته تمتد إلى سوريا، التي وقعت قبل أسابيع مذكرتي تفاهم لإعادة إحياء ممر كركوك–بانياس، بالتعاون مع العراق وائتلاف دولي يضم شيفرون وUCC Holding وTI Capital.
السؤال الذي يطرحه الاتفاق الجديد هو: هل يعزز مسار جيهان موقعه على حساب مشروع بانياس، أم أن العراق يتجه فعلياً إلى بناء شبكة متعددة للمنافذ النفطية، يمكن أن تحتفظ سوريا داخلها بدور استراتيجي؟
الإجابة الأقرب هي أن الاتفاق التركي يشكل تفوقاً عملياً لمسار جيهان في الأجل القصير، لكنه لا يلغي المبررات الاقتصادية والاستراتيجية لممر بانياس في الأجل المتوسط والطويل.
ملخص تنفيذي
يحمل التطور الجديد خمس دلالات رئيسية:
- مسار جيهان يبقى المنفذ البري العامل والأكثر جاهزية أمام صادرات النفط العراقية في المرحلة الحالية.
- الاتفاق يغطي طاقة يومية قدرها 750 ألف برميل، لكن التدفقات الفعلية الحالية تبلغ نحو 170 ألف برميل يومياً فقط، ما يكشف فجوة كبيرة بين الطاقة التعاقدية والتشغيل الفعلي.
- تركيا تسعى إلى رفع الاستفادة من الخط البالغة طاقته التصميمية نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وربطه مستقبلاً بحقول جنوب العراق.
- مشروع بانياس ما زال في مرحلة الدراسات الفنية والمالية وإعداد إطار التنفيذ، ولم يدخل بعد مرحلة التعاقد الإنشائي أو التشغيل.
- تمديد اتفاق جيهان لعام واحد يمنح سوريا والعراق نافذة زمنية محدودة لإثبات الجدوى التجارية لممر بانياس وتحويل مذكرات التفاهم إلى مشروع قابل للتمويل والتنفيذ.
ماذا يتضمن الاتفاق العراقي–التركي؟
وفق البيانات المعلنة، يتعلق الاتفاق باستمرار نقل النفط الخام عبر خط العراق–تركيا لمدة عام، بطاقة يومية تعاقدية قدرها 750 ألف برميل.
ويمتلك الخط قدرة تصميمية أوسع تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، بينما تقدر التدفقات الحالية بنحو 170 ألف برميل يومياً فقط، وفق بيانات تركية نقلتها رويترز. وهذا يعني أن الاستخدام الفعلي لا يزال أقل كثيراً من الطاقة المتاحة.
وتسعى أنقرة إلى الوصول إلى اتفاق أكثر شمولاً لا يقتصر على استمرار التشغيل، بل يسمح برفع الكميات المنقولة وربط الخط مستقبلاً بحقول جنوب العراق وربما بكميات إضافية من المنطقة.
من هذه الزاوية، لا يمثل الاتفاق مجرد تمديد إداري، بل خطوة لحماية موقع تركيا بوصفها منفذاً رئيسياً للنفط العراقي إلى البحر المتوسط، وبناء أساس لترتيب أطول وأكثر اتساعاً.
الفرق بين الطاقة المتفق عليها والتدفقات الفعلية
من المهم عدم الخلط بين رقم 750 ألف برميل يومياً وبين كمية النفط التي تتدفق حالياً عبر الخط.
فالرقم يمثل الطاقة التي يغطيها ترتيب النقل الجديد، وليس دليلاً على أن الخط بدأ فوراً بنقل هذا الحجم. أما التدفقات الحالية فتقارب 170 ألف برميل يومياً، أي أقل من ربع الطاقة التي يغطيها الاتفاق، وأقل بكثير من الطاقة التصميمية الكاملة للخط.
وتعكس هذه الفجوة وجود تحديات لا ترتبط بالأنبوب وحده، وإنما تشمل:
- حجم الخام المتاح في الحقول الشمالية.
- ترتيبات التسويق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان.
- حالة أجزاء الخط داخل العراق.
- العقود مع الشركات المنتجة.
- الجوانب المالية والتجارية.
- قدرة الموانئ والخزانات والمنشآت المرتبطة على استيعاب الزيادة.
وبالتالي، فإن توقيع الاتفاق لا يضمن تلقائياً ارتفاع التدفقات إلى 750 ألف برميل، لكنه يزيل حالة عدم اليقين القانوني حول استمرار استخدام المسار خلال عام التفاوض المقبل.
لماذا يتمتع مسار جيهان بأفضلية حالية؟
يتمتع خط العراق–تركيا بعدة مزايا عملية يصعب على أي مشروع جديد منافستها فوراً.
أول هذه المزايا أن الخط قائم ومستخدم فعلياً، حتى إن كانت الكميات الحالية أقل من طاقته. كما يمتلك ميناء جيهان بنية تصدير قائمة على البحر المتوسط، إلى جانب مرافق تخزين وشحن وربط مع منظومة الطاقة التركية.
ثانيها أن الشركات والجهات الحكومية تمتلك خبرة تشغيلية وتجارية متراكمة في هذا المسار، ما يقلل الزمن اللازم لتوسيع التدفقات مقارنة ببناء خط جديد أو إعادة إنشاء ممر متوقف منذ أكثر من عقدين.
ثالثها أن تركيا لا تنظر إلى الخط بوصفه ممراً ثنائياً فقط، بل ضمن طموح أوسع لتجميع ونقل موارد الطاقة من العراق ودول المنطقة إلى الأسواق الدولية. وقد أعلنت رغبتها في الاستفادة الكاملة من طاقة الخط وربطه بكميات إضافية مستقبلاً.
هذه العناصر تمنح جيهان أفضلية تجارية وتشغيلية واضحة في المدى القريب.
أين يقف مشروع كركوك–بانياس حالياً؟
وقعت سوريا مذكرتي تفاهم متصلتين بمشروع إحياء ممر كركوك–بانياس.
المذكرة الأولى وقعتها الشركة السورية للبترول مع شركة نفط البصرة، وتشمل العمل على إعادة تأهيل الممر. أما الثانية فوقعت مع ائتلاف دولي يضم شيفرون وUCC Holding وTI Capital، بهدف إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع إطار تنفيذي للمشروع.
وتوضح البيانات السورية أن المشروع الحالي يركز بصورة أكبر على تأهيل مسار حديثة–بانياس المرتبط تاريخياً بخط كركوك–بانياس، بدلاً من الاكتفاء بإصلاح الخط القديم بالصيغة التي عمل بها خلال القرن الماضي.
وهذا يعني أن المشروع ما زال في مرحلة تشمل:
- تقييم المسار الفني.
- تحديد الأجزاء القابلة للتأهيل.
- دراسة الحاجة إلى بناء أجزاء جديدة.
- تقدير التكلفة.
- تحديد نموذج التمويل.
- التفاوض على رسوم العبور والتخزين.
- تحديد الكميات العراقية التي يمكن تخصيصها للمسار.
- إعداد الإطار القانوني والتشغيلي.
ولا تعني مذكرة التفاهم وجود قرار استثماري نهائي أو عقد إنشاء نافذ، بل تمثل خطوة تمهيدية تسبق القرار المالي والتنفيذي.
خلفية تاريخية: ماذا كان يمثل خط بانياس؟
دخل خط كركوك–بانياس الخدمة عام 1952، ونقل النفط من حقول كركوك عبر الأراضي السورية إلى الساحل المتوسطي.
وبلغ طول الممر التاريخي نحو 895 كيلومتراً، بطاقة سنوية قدرت بنحو 13.5 مليون طن من النفط الخام، مع خزانات ومرافق استقبال وتصدير في بانياس. وتوقف الخط نهائياً بعد تعرضه لأضرار واسعة خلال حرب العراق عام 2003.
وكان الخط يؤدي وظيفتين اقتصاديتين أساسيتين:
الأولى توفير منفذ غربي مباشر للعراق باتجاه الأسواق المتوسطية والأوروبية.
والثانية منح سوريا إيرادات وخدمات مرتبطة بالعبور والتخزين والموانئ والتكرير والنقل.
لذلك لا يمثل إحياؤه مجرد مشروع أنبوب، بل محاولة لاستعادة أصل جغرافي واقتصادي فقدته سوريا منذ أكثر من عقدين.
هل يمثل جيهان منافساً مباشراً لبانياس؟
نعم، من زاوية محددة.
فالمساران يتنافسان على نقل جزء من النفط العراقي إلى البحر المتوسط. وكل برميل يلتزم العراق بنقله بعقد طويل الأجل عبر تركيا قد يقلل، نظرياً، الكمية المتاحة لمسار سوري بديل.
كما أن رفع كفاءة خط جيهان وربطه بجنوب العراق قد يضعف الحاجة التجارية العاجلة إلى بناء خط آخر مرتفع التكلفة، خصوصاً إذا قدمت تركيا أسعار عبور وشروطاً تشغيلية تنافسية.
لكن هذه ليست الصورة الكاملة.
فالاقتصاد النفطي لا يعمل دائماً وفق منطق اختيار منفذ واحد وإلغاء بقية المنافذ. فالدول المصدرة الكبرى تفضل عادةً تعدد المسارات لتقليل مخاطر التوقف السياسي أو الأمني أو الفني، وزيادة قدرتها التفاوضية، وتوزيع الصادرات بين أسواق وموانئ مختلفة.
ومن ثم، يمكن أن يكون جيهان منافساً لبانياس على الكميات والرسوم، بينما يبقى بانياس مكملاً استراتيجياً لمنظومة الصادرات العراقية.
التمديد لعام واحد: تهديد أم فرصة لسوريا؟
مدة الاتفاق الجديد عنصر بالغ الأهمية.
فالعراق وتركيا لم يعلنا اتفاقاً دائماً ونهائياً، بل ترتيباً لمدة عام يتيح لهما التفاوض على صيغة أكثر شمولاً.
وهذا يمنح مشروع بانياس فرصة زمنية لإثبات ثلاثة أمور:
الجدوى الفنية
يجب تحديد ما إذا كان المسار القديم قابلاً للتأهيل، وما الأجزاء التي تحتاج إلى استبدال كامل، ومدى جاهزية محطات الضخ والخزانات والمنشآت الساحلية.
الجدوى التجارية
لا يكفي أن يكون المشروع ممكناً هندسياً؛ بل يجب أن تكون تكلفة نقل البرميل عبر سوريا منافسة لتكلفة نقله عبر تركيا أو الخليج.
الالتزام العراقي بالكميات
يحتاج المستثمر والممول إلى تعهدات واضحة بكميات دنيا من النفط تستخدم الخط لسنوات طويلة، لأن رسوم العبور هي التي ستسدد تكاليف إنشاء المشروع وتشغيله.
إذا لم تتحول مذكرات التفاهم خلال العام المقبل إلى دراسات مكتملة واتفاق تجاري أولي، فقد يتمكن مسار جيهان من ترسيخ موقعه بصورة أوسع، خصوصاً إذا توصل العراق وتركيا إلى اتفاق طويل الأجل.
هل يستطيع العراق تشغيل المسارين معاً؟
من الناحية الاستراتيجية، توجد مبررات قوية لوجود أكثر من مسار.
يعتمد جزء كبير من الصادرات العراقية تاريخياً على الموانئ الجنوبية والمرور عبر الممرات البحرية في الخليج. وتدفع المخاطر الأمنية والملاحية العراق إلى البحث عن منافذ برية تصل مباشرة إلى البحر المتوسط.
وقد وصفت تركيا خطها بأنه بديل مهم في ظل التحديات التي تؤثر في الملاحة عبر مضيق هرمز، بينما دعمت الولايات المتحدة جهود إحياء ممر بانياس بوصفه مساراً إضافياً يمكن أن يقلل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.
وبالتالي، قد يتجه العراق إلى هيكل تصدير يتوزع بين:
- الموانئ الجنوبية عبر الخليج.
- ميناء جيهان التركي.
- ميناء بانياس السوري.
- مشروعات أخرى باتجاه الأردن أو عبر شبكات إقليمية جديدة.
وفي هذا السيناريو، لا يحتاج بانياس إلى إزاحة جيهان بالكامل، بل إلى الحصول على حصة مستقرة ومجدية من الصادرات العراقية.
مقارنة أولية بين المسارين
| العنصر | مسار العراق–جيهان | مسار حديثة/كركوك–بانياس |
|---|
| الحالة الحالية | عامل وينقل النفط | في مرحلة الدراسات ومذكرات التفاهم |
| مدة الترتيب الجديد | عام واحد | لم يعلن اتفاق تشغيل نهائي |
| الطاقة التي يغطيها الاتفاق | 750 ألف برميل يومياً | طاقة أولية مستهدفة تقارب مليوني برميل يومياً |
| الطاقة التصميمية المعلنة | نحو 1.5 مليون برميل يومياً | تتطلب إنشاءات وتحديثات واسعة |
| التدفقات الفعلية | نحو 170 ألف برميل يومياً | صفر حالياً |
| المنفذ البحري | ميناء جيهان | ميناء بانياس |
| الميزة الرئيسية | الجاهزية والبنية القائمة | التنويع والوصول المباشر عبر سوريا |
| التحدي الرئيسي | ضعف الاستفادة الحالية والنزاعات التشغيلية | التمويل والإنشاء والأمن والإطار التجاري |
الطاقة المستهدفة البالغة مليوني برميل يومياً لمشروع بانياس تمثل تقديراً أولياً مرتبطاً بالمشروع الجديد، وليس قدرة قائمة. كما أن تحقيقها يحتاج إلى إعادة بناء واسعة للبنية الأساسية.
هل رقم مليوني برميل واقعي؟
أعلنت المصادر السورية أن الطاقة الأولية المستهدفة للمشروع قد تبلغ نحو مليوني برميل يومياً، وهي قدرة ضخمة تتجاوز بكثير الأداء التاريخي للممر القديم.
لكن هذا الرقم يجب التعامل معه بصفته هدفاً تصميمياً أولياً، لا توقعاً للتدفقات الفعلية منذ بداية التشغيل.
فالوصول إلى هذه الكمية يحتاج إلى:
- إنتاج عراقي كافٍ ومخصص للمسار.
- خطوط تغذية من مناطق الإنتاج إلى حديثة.
- محطات ضخ جديدة أو محدثة.
- خزانات كبيرة على طول المسار.
- توسيع مرافق بانياس البحرية.
- ترتيبات شحن وتخزين دولية.
- عقود شراء وتسويق طويلة الأجل.
- تمويل بمليارات الدولارات.
ونقلت صحيفة لوموند عن مسؤول في الشركة السورية للبترول تقديراً يشير إلى أن بناء خط جديد قد يكلف نحو ستة مليارات دولار ويحتاج إلى قرابة 30 شهراً، لكن هذه الأرقام تبقى تقديرات أولية تحتاج إلى تثبيت عبر الدراسات النهائية والعقود.
ما المكاسب الاقتصادية المحتملة لسوريا؟
في حال تنفيذ المشروع وتشغيله بكميات تجارية مستقرة، يمكن أن تحقق سوريا مكاسب عبر عدة قنوات.
رسوم عبور النفط
تحصل دولة العبور عادةً على مقابل عن كل برميل يمر عبر أراضيها، وفق ما تحدده الاتفاقات التجارية بين الطرفين.
لكن حجم الإيرادات لا يمكن حسابه قبل معرفة:
- رسم العبور لكل برميل.
- الكميات المضمونة.
- تكاليف التشغيل والصيانة.
- طريقة توزيع العائدات.
- حصة المستثمرين والممولين.
التخزين والموانئ
يحتاج نقل النفط إلى خزانات ومحطات قياس ومرافق تحميل بحري، ما يخلق إيرادات إضافية مرتبطة بالتخزين والخدمات المينائية والشحن.
التكرير والإمدادات المحلية
قد تتضمن الاتفاقات تخصيص جزء من الخام العراقي لمصفاة بانياس، وهو ما يمكن أن يدعم استقرار الإمدادات المحلية إذا ثبتت الجدوى الفنية والتجارية لذلك. لكن هذا الاحتمال لم يتحول بعد إلى التزام معلن ضمن اتفاق نهائي.
الاستثمار والوظائف
يتطلب المشروع أعمال إنشاءات وهندسة ونقل وصيانة وحماية واتصالات ومراقبة، إضافة إلى خدمات قانونية ومالية وتأمينية ولوجستية.
رفع القيمة الاستراتيجية للساحل السوري
يمكن أن يعزز الخط دور بانياس والمنشآت المرتبطة بها ضمن شبكة إقليمية للطاقة، ويدفع إلى تطوير التخزين والموانئ والطرق والطاقة الكهربائية والاتصالات.
ما المخاطر التي لا ينبغي تجاهلها؟
رغم المكاسب المحتملة، لا يخلو المشروع من تحديات كبيرة.
مخاطر التمويل
تحتاج مشروعات الأنابيب الكبرى إلى قروض واستثمارات طويلة الأجل، ولا يحصل المشروع على التمويل لمجرد توقيع مذكرة تفاهم.
سيطلب الممولون وضوحاً في العقود والكميات والضمانات والتأمين وآلية تسوية النزاعات.
المخاطر الأمنية
يعبر المسار مسافات طويلة ومناطق متعددة، ما يفرض تكاليف حماية ومراقبة وصيانة مستمرة.
المخاطر البيئية
يمكن أن يؤدي أي تسرب إلى أضرار واسعة في الأراضي والمياه، ما يستدعي أنظمة متقدمة للكشف عن التسرب والاستجابة للطوارئ.
مخاطر الاعتماد على عميل واحد
إذا اعتمد الخط كلياً على كميات يقرر العراق تحويلها، فإن أي تغيير في السياسة التصديرية أو الإنتاج قد يؤثر في إيرادات سوريا وقدرة المشروع على سداد تكلفته.
المنافسة السعرية
قد تخفض تركيا رسوم العبور أو تقدم شروطاً أفضل للحفاظ على الكميات العراقية، ما يضغط على العائد التجاري المتوقع لمسار بانياس.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: ترسيخ جيهان وتأخر بانياس
يتوصل العراق وتركيا خلال العام المقبل إلى اتفاق طويل الأجل، وتبدأان رفع التدفقات تدريجياً وربط الخط بحقول إضافية.
في المقابل، تتأخر الدراسات والتمويل في المسار السوري، فيبقى مشروع بانياس ضمن مذكرات التفاهم من دون تنفيذ قريب.
هذا السيناريو هو الأكثر سلبية لسوريا، لأنه يضعف الحاجة العاجلة للمستثمرين إلى تمويل مسار بديل.
السيناريو الثاني: تشغيل ممرين متكاملين
يحتفظ العراق بجيهان للمحافظات والحقول الشمالية، ويطور مسار حديثة–بانياس لاستقبال كميات من وسط العراق وجنوبه.
يمنح هذا النموذج العراق مرونة أكبر، ويحول سوريا وتركيا إلى منفذين متكاملين رغم التنافس بينهما.
هذا السيناريو هو الأفضل لسوريا من حيث الواقعية، لأنه لا يشترط إزاحة المسار التركي.
السيناريو الثالث: شبكة إقليمية متعددة الفروع
يتطور المشروع من خط ثنائي إلى منظومة تربط حقول الجنوب العراقي بمنطقة حديثة، ثم تتفرع باتجاه تركيا وسوريا وربما مسارات أخرى.
ويشير اهتمام تركيا بمد الخط نحو جنوب العراق، بالتوازي مع مشروع حديثة–بانياس، إلى أن المنافسة المستقبلية قد تدور حول بناء شبكة إقليمية مترابطة أكثر من اقتصارها على خط تاريخي واحد.
ماذا يجب أن تفعل سوريا خلال عام الاتفاق؟
يمنح الترتيب العراقي–التركي الجديد سوريا مؤشراً زمنياً واضحاً. فخلال عام التمديد، ينبغي الانتقال من الإعلان السياسي إلى إعداد مشروع قابل للتقييم الاستثماري.
الأولويات العملية تشمل:
- إنجاز المسح الفني لمسار الخط والمنشآت المرتبطة.
- نشر تقدير واضح للتكلفة والمدة والطاقة المرحلية.
- تحديد ما إذا كان المشروع إعادة تأهيل أم بناءً جديداً في أجزاء واسعة.
- التوصل إلى تفاهم عراقي حول الكميات الدنيا المضمونة.
- إعداد نموذج مالي لرسوم العبور والتخزين والتكرير.
- تحديد دور كل شركة داخل الائتلاف الدولي.
- إعداد إطار قانوني للتحكيم والملكية والتشغيل.
- وضع خطة أمنية وبيئية شاملة.
- تقييم قدرة ميناء بانياس والخزانات والمصفاة.
- دراسة تنفيذ المشروع على مراحل بدلاً من انتظار طاقة مليوني برميل دفعة واحدة.
ويجب أن تكون المرحلة الأولى قابلة للتنفيذ بكميات أقل، ثم تتوسع مع نمو الإمدادات والطلب. فالمشروع القابل للتدرج يكون عادةً أكثر قدرة على جذب التمويل من مشروع ضخم يعتمد على توقعات بعيدة وغير مضمونة.
ما الذي يجب مراقبته؟
خلال الأشهر المقبلة، ستحدد المؤشرات الآتية اتجاه المنافسة بين جيهان وبانياس:
- حجم التدفقات الفعلية عبر تركيا، لا الطاقة المعلنة فقط.
- نتائج مفاوضات الاتفاق العراقي–التركي طويل الأجل.
- أي قرار بمد الخط التركي نحو الحقول الجنوبية.
- نتائج الدراسات الفنية والمالية لمسار بانياس.
- الإعلان عن تكلفة ومراحل تنفيذ رسمية.
- حجم الكميات التي يلتزم العراق بتحويلها إلى سوريا.
- تشكيل شركة مشروع أو ائتلاف تنفيذي.
- توقيع عقود تمويل وهندسة وإنشاء.
- بدء أعمال ميدانية على المسار أو في ميناء بانياس.
- الاتفاق على رسوم العبور وحصة الخام المخصصة للتكرير داخل سوريا.
قراءة بوابة الأعمال السورية
لا ينبغي التعامل مع اتفاق جيهان بوصفه نهاية لطموح خط كركوك–بانياس، كما لا ينبغي التقليل من أثره التنافسي.
الاتفاق يعزز المسار التركي لأنه قائم وعامل ويمتلك بنية تصدير جاهزة. لكنه يكشف أيضاً أن العراق يضع تنويع منافذ النفط في قلب سياسته الاقتصادية والأمنية.
وهنا تكمن فرصة سوريا.
فالقيمة الحقيقية لممر بانياس لا تقوم على منافسة تركيا بالخطاب أو بالطاقة التصميمية المعلنة، بل على تقديم مسار يتمتع بأربع ميزات:
- موثوقية تشغيلية.
- تكلفة نقل منافسة.
- قدرة على الوصول إلى البحر المتوسط.
- إطار قانوني وتجاري يحمي العراق والمستثمر وسوريا.
إذا استطاعت دمشق تحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاق ملزم وكميات مضمونة وتمويل قابل للإغلاق، فإن جيهان وبانياس يمكن أن يعملا ضمن شبكة واحدة لتنويع صادرات العراق.
أما إذا بقي المشروع في مرحلة الدراسات والإعلانات، فسيتحول تمديد جيهان المؤقت إلى أفضلية طويلة الأجل لتركيا، وقد تتراجع الجاذبية التجارية للمسار السوري.
الخلاصة
يؤكد اتفاق العراق وتركيا استمرار أولوية مسار جيهان في الأجل القصير، لكنه لا يغلق الباب أمام مشروع كركوك–بانياس.
الفرق الأساسي بينهما اليوم هو أن جيهان مسار قائم يحتاج إلى زيادة الاستفادة منه، بينما بانياس مشروع استراتيجي يحتاج إلى تمويل وبناء واتفاقات تجارية قبل أن يصبح مساراً فعلياً.
وتتمثل الفرصة السورية في استثمار مدة الاتفاق المؤقت لتحويل المشروع من فكرة جيوسياسية إلى أصل اقتصادي قابل للتشغيل.
السؤال الحاسم ليس ما إذا كان العراق سيختار تركيا أو سوريا، بل ما إذا كانت سوريا قادرة على تقديم منفذ إضافي أكثر أماناً وجدوى، ضمن شبكة عراقية متعددة المسارات.
ففي سوق الطاقة، الموقع الجغرافي يمنح الفرصة، لكن البنية التحتية والعقود والتمويل والموثوقية هي التي تحول الموقع إلى إيرادات ونفوذ اقتصادي.